التصنيفات
فكر

صواريخ عابرة للإنسان

صغيرٌ أنت!

مبتدئٌ يقفُ على شاطئ الحياة..

تُريد أن تفهم أكثر… أن تكبر أكثر… لتغدو مطرقة كُل ما أمامها مسامير! ها قد قبضت على مفاتيح الحياة ولم يبقَ هناك الكثير..

لكن قبل كل هذا..

يُلقى في روعكَ مِن قبل الكبار: أي بني.. لا يجب عليكم أن تكذبوا.. ولا أن تسرقوا.. ولا أن تؤذوا أحداً..

لا ترموا شيئاً في الطريق، بل العكس.. لملموا زجاجات البلور ولمبات النيون المكسورة في الشارع كيلا يُضر بها مَن يمشي..

أميطوا الأذى، واحموا العابرين..

لا تؤذوا أحداً أيها الأطفال، لا تكونوا سيئين! ناموا باكرًا.. استيقظوا باكراً.. لملموا جراحات الناس.. واسعوا في تطبيبها..

لكنك تكبر..

ويتحوّل ذلك الطفل الصغير الذي أراد دائماً أن يسهر ساعة إضافية.. إلى ذئب وبومة ليل لا تُسدل أجفانها ولو وضعتَ طناً من الحديد عليها..

مُضحك كيف تتغير الأحوال مع مرور الزمن… فمن أحلام الصغير دائماً أن تسمح لهُ أمهُ بالسهر قليلاً.. لكن مع التقدم بالعمر، واهتراء سنيّه طحناً تحت رحى الأيام.. تُصبح أقصى أمنيات ذلك الشاب أن يملك ما يكفي من السعادة والطمأنينة حتى ينام باكرًا ليهوي رأسه على الوسادة دون أن يلوي..

لكنك تكبر.. وتكبر!

وتُدرك أن تلك الفضائل التي نُقشت على إسمنت الطفولة الذي لم يجف، أنها وُضعت في خانة لم ينبغي أن توضع فيها؛ وهي خانة «المضمونات»! فمع كثرة تكرارها على السمع. وتبنيها من قبل مدرس مادة الديانة.. وشيخ الجامع.. وقس الكنيسة.. وموجّه المدرسة.. والعم الأكبر.. والخال الأغبر…

بتَّ تتساءل بينك وبين نفسك: مَن هذا الذي يسرق بعد كل هذا؟ مَن هذا الذي يكذب؟ مَن هذا الذي يقتل؟

تعتقد أنها أمور -بحسك البريء- لا يمكن لأحد أن يفعلها، فتنقلها إلى قائمة «المضمونات».

إلا أن العالم بدوره لم ينقلها أبداً…

عندما أراد الطبيب النفسي جوردون بيترسون، الذكي كمعالج والأحمق كسياسي، أن يصف مرحلة النضوج ويمايزها عن مرحلة الصغر، قال أنّ النضج هو خط صغير تتكسر فيه الأحلام.. خط يُدرك مَن عبره أن العالم بارد ولا مكان واسع فيه لتلك البالونات الحالمة التي تعتريها براءة الطفولة.

فمثلاً، لو أخذت أطفالك إلى السينما لمشاهدة فيلم أو راقبت أحدهم يفعل ذلك، ستجد أن ردة فعلهم عندما يموت البطل ومَن يلعب شخصية الإنسان الطيب، عنيفة جداً.

لا يصدق الأطفال أنه مات، وإن صدقوا فإنهم يعتقدون بالفعل أنه مات لا مجرد تمثيل ودور عابر!

ما السبب في ذلك؟

السبب أن الطفل -خلافاً للكبير- يعتقد أنه من المستحيل لقيم الخير والحق والعدالة التي يمثلها البطل أن تموت.. لا بد لها أن تربح، هذا مستحيل!

بينما الوالد الذي يجلس بجوارهم يرى العكس، إذ لا يلبث أن يهدئ أطفاله وهو يقول: لا تحزنوا يا أولاد كل هذا مجرد تمثيل!

الوالد إنسان كبير.. الوالد ناضح.. الوالد يؤمن تمام الإيمان أن البطل يموت.. ولربما البطل دائماً هو الذي يموت أساساً.. وقيم الخير والعدالة ليست مَن يربح..

هذا هو النضج…

لم يخطئ هيمنغواي عندما ارتمى في أحضانها ليقول: «أنا مُتعب يا عزيزتي، أنا مكسور.. هذا العالم نشيده فينهار.. ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن!»..

لكن هيمنغواي مات والعالم تغير.. تغير كثيراً..

وباتت فرصة نجاته في تسريع انهياره لا في تسريع بناءه!

هذا العالم الذي أصبحت فيه قيمة الإنسان تختلف وفقاً لشكل جواز سفره والمنطقة التي يعيش فيها يجب أن يُسرع انهياره!

عندما يموت 100 طفل في الشرق ولا يتحرك أحد وعندما يموت 1 في الغرب وتتحرك الدنيا. يجب حينها تسريع انهيار هذا العالم!

عندما يموت 100 ملوني البشرة من مجاهل العالم الثالث ولا تهتز شعرة.. ويموت فرد أبيض من العالم الأول، فتموج الدنيا بأجمعها، لا بد حينها من تدمير هذا العالم!

عالم العنصرية ليس عالماً!

عالم القطب الواحد ليس عالماً!

عالم تختلف فيه ردود الفعل والشجب والإدانات تبعاً للمنطقة الجغرافية لمن يموت فيها.. ليس عالماً!

العالم الذي فيه 20 شخص يملكون نصف ثروة الكوكب وفي كل سنة -وعلى نفس الكوكب!- يموت 3 مليون طفل بسبب الجوع، ليس عالماً ولم يكن من أساسه عالماً!

إن لم تهزك هذه الكلمات والمقارنات، فأنصحك بشكل أخوي أن تُراجع النظام الأخلاقي الذي تعتمده في حياتك! إن كانت هذه المقارنة لديك عادية، فتبصر موضعك الأخلاقي وانتبه لنفسك ولأين تسوقها!

مُضحك جداً الاعتزاز بمحاربة الإنسان الحديث للعنصرية وفخره بالقضاء على العبودية رغم أن شيئاً ما لم يكن! فكل شيء مازال موجوداً، الفرق فقط هو تقييد القدرة على التعبير، أما المكنون والمضمون فهو كما كان ولربما أشد!

بالمناسبة.. العنصرية والطبقية مرحلة «عادية» -لا تحمل مدلولاً أخلاقياً موضوعياً، بقدر ما تحمل نمطاً يتعلق بطبيعة النظام السياسي والعقد الاجتماعي المُتفق عليه في كل ثقافة- من البشرية.. بمعنى؛ مُسبقاً كان العبد مسؤول عن تنفيذ مهام السيد كحراثة الأرض وأعمال المنزل وغيرها..

بالمقابل كان السيد البرجوازي يقوم بدفع تكاليفه وتأمين حياته..

هل فكّرتم يوماً، لماذا لم يكن ذاك العبد يهرب؟ مهامه كانت مرتبطة بأعمال خارجية وبإمكانه فعلاً الهرب. لكن لماذا لم يفعل؟

لأن الفكرة كانت أن “حياة” ذلك القن مرتبطة بسيده. فإن هرب سيموت. لأن “النظام” الحاكم بأكمله هو الذي كان سائداً.. وما النظرة للعبودية وغيرها بأنها مجرد سادة يضربون عبيدهم بالسياط كل يوم ما هي إلا رؤيا “هوليودية” من تقديم الحلفاء الذي انتصروا إبان الحرب العالمية الثانية..

العبودية كانت مرحلة (سيئة / جيدة) هذا الأمر يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي وخصوصاً التاريخي، إلا أنها مضت… لكنها لم تنتهي بل تطورت!

وأصبحت رأس المال، ولم يعد ذلك العبد الذي يعمل لسيده سوى “موظف” يلبس بدلة ويداوم كل يوم في عمله ويحضر اجتماعات زوم.. نفس الفكرة بقيت موجودة، حياة ذلك “القن” مرتبطة بهِ لذلك لا يستطيع الهرب!

جميعنا عبيد، الفرق أن الأسلوب تطور أكثر ولم يعد هناك أراضي لتُحرث وأعمال في الحقل لتُنفذ..

فطوبى لمن كان عبداً لمَن حُق لهُ أن يُعبد في ظل عبودية المادة السائدة..

قد يقول قائل: هذا نزوع نحو التفسيرات الماركسية.. الآن كشفناك. أنت من جماعة الاتحاد السوفيتي البائد!

من بساطة هذه الحجة أن مَن يقولها غالباً لا يعلم أن المنظرين الماركسيين ومَن والاهم اعتبروا أن قيام الاتحاد السوفيتي أكبر كارثة على الأفكار الماركسية بشكل عام والشيوعية على نحو خاص.

فتوقع كارل لثورته كان لأن تحدث في إنكلترا بسبب هيمنة الصناعة فيها، إلا أن الذي حصل أن فقراء روسيا هم مَن هب. لينشأ بعدها كيان عالمي مركزي مُستبد.

ولعلَ سبب تعاسة جوردان بيترسون في مناظراته مع جيجك الشهيرة، أنه وقع في هذا الخطأ الطفولي، والذي بيّن أنه لا يعرف في السياسة وفلسفتها شيئاً.

البديل غير واضح! لا يختصم اثنان ولا تتناطح عنزتان بهذا..

لكن الاستكانة والقول أنّ هذا العالم مثالي وكل ما هنالك أنه يجب على الولايات المتحدة أن تلقي قنابل نووية –كناية عمّن يستشهد بالنموذج الياباني- على البلدان التي تملك ثقافات أخرى مخالفة ومن ثم تستبدلها بثقافتها البلاستيكية التي أنتجت لنا موقع بورن هاب، أمر لا أخلاقي..

صوّت للعنصري ترامب في آخر انتخابات 74 مليون أمريكي! وهي نسبة لا يستهان بها من شعب أمريكا.. الاعتقاد أن هؤلاء وأفكارهم تصلح لأن تكون نظاماً عالمياً للجميع تُستبدل به ثقافات بكاملها، مغامرة كبرى قد تصل لدرجة الخطيئة والجرم!

يُكمل هذه التعاسة فوكوياما عندما يصوغ نظريته في النهاية، ليقول أنّ التاريخ انتهى وأن النموذج الأمريكي الليبرالي الاقتصادي هو الذي سيحكم!

وهذا ما يعطيك فكرة سريعة عن قرب أفول هذا النموذج واندثاره.. لأن النهاية الثالثة للتاريخ –الثورة البلشفية وسيادة الشيوعية- ظُن أنها كذلك وسرعان ما انهارت.

والآن الأمريكية نفس الأمر..

بمجرد ما تُصلَّب فكرة ومبدأ اعتقاداً أنها مَصب تاريخ الكون والحياة وأنه لن يُنجب ما هو أفضل منها.. يعني هذا دق مسمار النعش الأخير فيها.. كونها تحولت نمطاً جامداً لا تجديد فيه..

فغدت “ثباتاً” بعد “التحول” بلغة أدونيس.

يحتاج هذا العالم لحركة إصلاح كبيرة.. وإصلاحه يكون في تسريع انهياره!

ليت الأطباء يعالجون همومه كما هبوا وعالجوا فيروس كورونا كوفيد 19..

وأن يعالجوا أنفسهم من أمراضها قبل معالجة الفيروسات الأخرى.. لا سيما مع فضيحة فيروس أيبولا الذي ضرب أفريقيا، وتحدث عنها أطباء بلا حدود.. عندما لم تستجب شركات الأدوية لعمل لقاح.. ذلك لأنه كان محدود وفي دول إفريقية بسيطة وفقيرة، فمَن هذا الذي سيدفع لهم تكلفة الإنتاج!

صدق مَن قال: نجح الأطباء في زراعة كل شيء داخل الإنسان إلا الضمير!

ومن بعد كل هذا تُكرر الأسطوانة نفسها، أن هذا العالم جيد ومثالي وفقط بحاجة لتأقلم و”اندماج” مجتمعي!

حريٌ بالعالم أن يندمج مع حِزم كبيرة من الأخلاق والفضائل التي يملكها أي طفل بريء لم يُفطم عن الخير قبل أن يُعلموا بقية الشعوب الاندماج..

بعد كل هذه التعاسات تأتيك خرافة السلام لتُوضع كتاج على جسد مريض مُتهالك يُزيّن للناس.. خرافة تكررت كثيراً في الفترة الأخيرة.. وهي أننا رواد سلام ولا نريد الأذى وكل شيء ينتهي في أرضه.. مستحيل أن تعُارض ذلك! لماذا أنتم أشرار ولا تحبون السلام!

أي سلام هذا يا حبيبي.. أي سلام؟

ما تشاهد في هذا العالم ما هو إلا “نقاط تثبيت ومراقبة” لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعد أن نجح الأوغاد الذي خرجوا منها منتصرين –الذين هم ويا للسخرية والمصادفة البحتة، الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن ومعهم حق الفيتو الذي بإمكانه الاعتراض على مشاريع قرارات رفع رواتب الملائكة من شدة قوته!- زرعوا نقاط تثبيت للحفاظ على مكتسباتهم لا أكثر…

لكي “يشربوا الماء صفواً، ويشرب غيرهم كدراً وطيناً!”…

يسخر مِن هذا العالم الراحل الجميل كارل سيغان بالقول في كتابه نقطة زرقاء باهتة: «لقد كان من أكثر التذكارات سخرية تلك الوثيقة التي وقعها الرئيس ريتشارد نيكسون في الرحلة أبولو -11 نحو القمر. لقد كتب بخط واضح: «لقد أتينا في سلام من أجل البشرية» بينما في اللحظة ذاتها كانت الولايات المتحدة تُسقط 7.5 ميغا طن من المتفجرات على أمم صغيرة في جنوب آسيا!»

وما عليك للتأكد من هذا سوى أن تنظر لأحد ما حاول أو يحاول أن يفرض نمطاً دولياً جديداً. لترى حاملة طائرات تتحرك.. وغواصة تعبر.. وهليكبوترات تطوف..

اكتب على أي محرك بحث عدد القواعد الأمريكية العسكرية في العالم، وشاهد مدى سخرية المشهد..

القواعد المسؤولة عن توطيد نقاط التثبيت تلك!

بعدها تقول سلام؟

لن تجد للمكسيك صوت في ذلك المجلس.. ولا الجزائر.. ولا جنوب أفريقيا.. ولا ميانمار.. ولا الإيغور.. ولا أي فئة مضطهدة.. هم وحدهم مَن يحكمون.. هم وحدهم..

أي سلام حينها! أي سلام..

صدق ابن خلدون حين قال: “إن المغلوب مولع أبداً في تقليد الغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.

إنها المازوخية التي تفرض نمطها على الإنسان الهجين الذي تُباع لهُ يومياً مفاهيم الإنسانية وهو جالسٌ يحتسي قهوة ستاربكس في مقهى فاخر ليخرج بعدها ويقود سيارته..

دون أن يدري أن ثمن كوب قهوة فاخر في نيويورك.. قد يساوي طعام ثلاثة أسابيع لعائلة في ميانمار أو بنغلاديش!

هذا العالم بحاجة لأن يُدفع نحو الانهيار… صدقني!

أصبحنا ضحية عالم لا أخلاقي يحاول أن يخفف وطأة قذارته من خلال بيع وتجارة مفاهيم الإنسانية والإنسان.. يذكرنا هذا باللص الذي يقوم بسرقة شيء ما ثم يخرج ليعلن عن السرقة أوّل واحد فلا يُشَك فيه!

نفس الأمر.. ادعاء القرب من الإنسان والإنسانية، هو أكبر دليل أن هذا العالم بعيد أميالاً ضوئية عنه.. خصوصاً أنه نفسه يُحارب ويدمر ذلك الإنسان كل يوم! الذي يموت 3.4 مليون من أطفاله سنوياً بسبب الجوع!

لا يوجد مجتمع دولي يا رفاق.. يوجد مجتمع غربي تحكمه نخب اقتصادية تتحكم بكل شيء..

يكفي لتدركوا ذلك أن تعرفوا أن صحيفة واشنطن بوست الشهيرة مملوكة من قبل جيف بيزوس!

قرأت لأحد الأمريكيين مؤخراً عبارة لطيفة يُلخص فيها كل شيء بالقول: مشكلة الشرق أن السياسة عندهم تعطل الاقتصاد، ومشكلتنا نحن في الغرب أن الاقتصاد عندنا يتحكم بالسياسة!

إنه نظام اقتصادي يحرك كل شيء.. قائم على المصلحة والمنفعة لا مكان فيه لأخلاق ولا سلام ولا أي شيء.. فقط منفعة، ومصلحة، واستهلاك..

دمروا حلقة الفأر هذه.. ادفعوها نحو الانهيار.. “ما نراه ليس عالماً ولم يكن.. إنها مناطق توحش مُحكمة التنظيم والترتيب”.

ذلك الطفل الذي تلقى كل تلك الأخلاق والقيم والفضائل… كبر ليدرك أنها ليست صعبة التطبيق وإنما مستحيلة.. وأحياناً قد يُحاربك العالم من أجلها!

لم تكن يوماً ما مضمونة، دائماً كانت حرجة.. ومُحرجة.. حاولوا مراراً فطمك عنها.. في عالم تدور عقاربه نحو منتصف ليل المنفعة ولا غيرها!

آن الأوان لإنزال أسلحة الأوغاد جميعهم.. بكل أساطيل طائراتهم وحاملاتها.. بكل سروب الأف 16 و35 و58 و89 و105. والميغ واللاأعرف ماذا أيضاً فالحبل على الجرار طويل!

بكل الغواصات النووية والرؤوس الحربية..

آن الأوان لـ “عالم جديد شجاع”.

آن الأوان لأن تُطلق صواريخنا عابرةً الإنسان مهما كان وأينما كان..

هذا العالم خالٍ من القيم… حُكم من قبل المنفعة كثيراً، آن أوان هزيمته.. ليس من أجلي ولا من أجلهم.. إنما من أجل ذلك الطفل الصغير الذي آمن دائماً أن تلك القيم ستنتصر كلما جلس وشاهد البطل يموت فبكى من أجله.

لا تجعلوا ذلك البطل يموت.. فالإنسان ما هو إلا ترس في آلة كبيرة عملاقة..

نحن مسننات تتضافر معاً لتعمل.. والهدف هو عمل الآلة، لا أن نكون أنا وأنت بشكل شخصي المفتاح، ونتصور سيلفي مع نجاح الآلة ونظهر على التلفاز ويتابعنا الملايين كتافهي العصر الحديث!

الهدف نجاح “الماكينة” وتدحرجها للأمام، سواءً كنا من أهل القصور أم من أهل القبور.. فنحن مجرد نقطة للعبور.. فراغ لكي تعبره الكلمة وتُشكل جملة جديدة جميلة..

لعبوا طويلاً… آن أوان أن نلعب نحن بهم!

هذا العالم لا قيم فيه، وخير ما قد يُفعل هو دفعه نحو الانهيار..

ذلك الطفل أصبح كبيراً.. وحافظ على حُلمهِ! حُلم ألا يموت البطل ويدافع عنه حتى اللحظة الأخيرة.

ذلك الطفل كبر.. وامتلك خطة يُمشى عليها!

ذلك الطفل كبر.. وبطله كبر معه أيضاً!

وكون تجارة الكلام ما عادت تنفع في زمن حاملات الطائرات! ذلك الطفل كبر.. وترك رسالة صغيرة مخطوطة بخطٍ ناعمٍ بريء:

تحيةً طيبة وبعد..

«الجواب ما يُفعل لا ما تسمع وتقرأ!».

وخير ما يُفعل هو دفع هذا العالم نحو الانهيار، على ظهر صواريخ عابرة للإنسان.. الإنسان وحده، ولا أحد غيره!

التصنيفات
عام

حاتم علي.. نهاية زمن الأحلام الكبيرة

لا يمثل حاتم علي فكرة مجرد مخرج وكاتب وممثل عابر.. لا يعني لمَن شاهد إنتاجه أنه «صانع أعمال فنية» وحسب. إنما مرحلة بكاملها.. مرحلة الأحلام الكبيرة.. مرحلة كل شيء ضاق.. ذهبت أمانينا.. أحلامنا.. عصارة روحنا…

التغريبة الفلسطينية… الزير سالم… صلاح الدين… كان حاتم علي انعكاساً للرغبة العربية الحقيقية في أحلام الناس البسيطة.. فالنمط السائد ضمن غالبية المسلسلات أن نجد ريحاً من التصنع، تتمثل بإتيان البطل دائماً في اللحظة الأخيرة، ولحيته مرسومة كزاوية منفرجة… أما مشط مسدسه فلا ينفذ ولا يموت…

أما حاتم فكان مختلفاً، كان دائماً يأخذ “أحلامنا الكبيرة” ويجعلها مسلسلات حية أمام أعيننا..

فلا تشعر بأنك أمام تمثيل وخيال، إنما انعكاس حقيقي للهوية الدافئة في صدرك..

لن يفهم “إنسان الآن” حاتم علي لأن حاتم كان دائماً إنسان “ما قبل وكيف كنا”! لا إنسان ما نحن الآن وكيف أصبحنا… إنسان حاتم علي هو الإنسان العربي بأنقى شكل لهُ.. إنسان رمزه صلاح الدين، يملك أحلاماً كبيرة تمنحه إيماناً راسخاً، دون أن ينسى التعاطف مع الضعفاء في تشريدهم وتغريبهم ونكبتهم الحزينة..

تخيلوا الآن أن يُنتج حاتم علي التغريبة الفلسطينية، ما قيمة ذلك؟ لا شيء. لقد انصرف معظم الناس عن عرض المسرحية وتركوا القاعة خاوية..

ومن دقّة القدر أن حاتم قد رحل في هذه اللحظة المفصلية من عمر كل هذه “الأحلام الكبيرة” التي كان قد رسمها وكنا قد آمنا بها أجيالاً بعد أجيال.

المرحلة القادمة هي مرحلة الأحلام الصغيرة القذرة. مرحلة أن يتم إنتاج مُسلسلات التغريبة الصهيونية. وكيف أن العرب هم الأوغاد الذين احتلوا الأرض وأن عليهم الانسحاب والاعتذار..

تخيلوا أن يُنتج مسلسل التغريبة الفلسطينية الآن، مَن سيتبنى إنتاجه؟ أي قناة ستعرضه؟ هل سيبقى جمهوره بنفس الزخم في تلك الفترة التي كانت؟

يموت المخرج عندما تموت أحلامه.. عندما يرى رواياته ونصوصه قد تُركت.. يموت المخرج عندما تموت الشخصيات التي رسمها.. عندما يُجهز على تلك الأحلام الكبيرة ويصبح الخائن شريفاً والشريف خائناً.

لا يمثل حاتم علي مجرد شخصية فنية عابرة… إنما يمثل “لمّة العائلة” حول المدفئة وهم يشاهدون مسلسلاً يمجد تاريخاً يصف بطلاً كان قد مر في زمن ما… يمثل علي حالة الإيمان بآلام الغير حتى لو تكن تعنيك بشكل مُباشر.. كيف تشردوا وتغربوا وعبروا كل “دروب الآلام” تلك..

كيف نعرف كل ذلك لولا حاتم علي؟

هذا كله انتهى الآن.. أصبحنا تعساء لدرجة أننا ننتظر رؤية القصة الكاذبة تُعرض دون أية دفاعات مُسبقة..

بانتظار الوغد الذي سيأتي ليستبدل التغريبة الفلسطينية بالتغريبة الصهيونية لتُعرض على منصة شاهد دوت نت. بانتظار من سيأتي ليقول أن صلاح الدين كان إرهابياً مستبداً فاغسلوا أيديكم منه.. بانتظار الأوغاد الذين سيأتون ليستبدلوا فتح الاندلس باحتلالها..

بانتظار الذين سيأتون في نهاية الزمان ليستبدلوا أحلامنا الصغيرة بأحلامنا الكبيرة..

لكن..

“أمن قلةٍ نحن يومئذٍ؟”.

“بل أنتم يومئذٍ كثير، لكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

طوُيت صفحة جميلة من الدفء والتصالح مع الماضي التي كان يمثلها.. صفحة فيها رائحة الأندلس وصلابة سيف صلاح الدين مع قلوب ممزقة لأناس مهجرين من بيوت أجدادهم..

طُويت صفحة لها رائحة لا يمكن أن ننساها.

أما الآن لنفسح المجال لمَن هم بلا ذاكرة، لمن سقف مشاهداتهم هو مسلسل إسباني يتحدث عن أوغاد يسرقون بنك أو إنتاج ما من نتفليكس هدفه إثبات أن الجميع بلا هوية مُدجنين كالأغنام في حظيرة واحدة تعتريها المساواة والإنسانية الزائفة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة مع وفاة حاتم علي… الآن كل شيء ضاق.. وصلَ زمن الكوابيس الكبيرة والأحلام الصغيرة. زمن لا مكان لصلاح به. زمن نحن السيؤون فيه. زمن يُجرَّف فيه جيل كامل بأفلام ومسلسلات تائهة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة يا حاتم.. أما الآن فهو زمن الأوغاد.

التصنيفات
ذكريات

معنى أن تكون مُشنططاً

تُوجد كلمات في اللغة العربية تصف الحالة دون حتى أن تفكر في معناها. فمثلاً كلمة هواء، لو كنت أعجمياً ناطقاً بلسانٍ غير عربي، يمكنك أن تستشف ما ترمي إليه مِن خلال لفظها فقط. هوواااءء. تتالي حرف الهاء الخارج مِن عمق الحنجرة ومن ثم الواو والهمزة يرمز لشيء ما عميق كأنه الزفير.

فمن حق الكلمات أن تُعبر عن معناها ضمن طريقة نطقها. ولعل كلمة مُشنطط تُتبع نفس القاعدة.

يصف فعل الشنططة الحالة عندما تحمل الشُنط؛ ككناية عن الإنسان الذي لا يستقر في مكان ويبقى ضائعاً تائهاً هُنا وهناك. فأن تكون مُشنططاً تعني أن تكون مُحملاً بالحقائب التي لا تدري بها مُستقراً ولا ترمي فيها قصداً مُحدداً. إنما حالة مِن التيه والضياع والحمل المستمر دون هدف.

بالنسبة لي كلمة مُشنطط لا تعني أبداً هذا المعنى، على العكس، أجد فيها نفحة إيجابية لها علاقة بريح الطفولة البريئة أكثر مِن كونها مصطلح يدل على اللاتحديد واللايقين في المسير.

تُرجعني الشنطة لأيام التحضير لاستقبال العام الدراسي. عندما يذهب الطفل الصغير مع أمه إلى السوق كي يشتري بدلة المدرسة «الصدرية» إضافةً للشنطة وغيرها مِن لوازم الدراسة والقرطاسية التي يحتاجها في العام الجديد. لكن الأولوية تبقى للصدرية -أرجوا مِن القراء معرفة أن لفظة الصدرية هي المصطلح الذي يُطلق على ثياب المدرسة للتلاميذ مِن الصف الأول للسادس الابتدائي، ولا علاقة لهذه الكلمة بأي دلالات أخرى قليلة الأدب- الأولوية ومِن ثم تأتي الشنطة وبعدها الدفاتر والأقلام و«المحايات».

لا يمكن أن أتذكر الصدرية دون أن أتذكر أمي وهي تحاول أن تنتقي لي أكبر مقاس موجود. والحجة دائماً نفسها، غداً تأتي الشتوية وتلبس الكثير مِن الملابس تحتها فيكون مقاسهاً مناسباً. فمثلاً لو فرضنا أن المقاس هو صغير «سمول»، نأخذ المقاس وسط «ميديوم» لأن الشتوية قادمة وغالباً ستلبس تحتها ست إلى سبع «كنزات» متتالية، فيصبح المقاس ملائماً حينها.

لا أعرف ما اسم هذه المدرسة في انتقاء الملابس، إلا أنها دائماً كانت تُطبق علي.

ننتهي من الصدرية لنشتري الشنطة حينها. ودائماً تكون رائحتها مميزة بشكل غير قابل للوصف. إذ تشبه رائحة بداية الدوام.. انطلاق العام الدراسي.. الاستيقاظ الصباحي المبكر -الساعة 7 إلا ربع- هي ساعة الاستيقاظ الثابتة خلال رحلتي المدرسي… رائحة الباحة وتحية العلم… رائحة يمكن تشبيهها لأقرب ما يكون بأنها «رائحة المدرسة» ويمكنك أن تشمها دائماً لتقذف بك عشرات السنين إلى الوراء، عندما كنت تلميذاً صغيراً يتدلى المخاط مِن أنفك كرقاص الساعة.

يبدأ العام الدراسي، وتكون أولى مراحله «تسليم الكتب» لتأتي أمينة المكتبة التي تقف كضابط نازي في الصف وتقوم بتوزيع الكتب على التلاميذ. كان من عادتي أن قوم بتصفح الكتاب الذي استلمه لأني كنت قد مُنيت أحد المرات بكتاب مُختلط وناقص الصفحات. فما كان مني إلا أن ذهبت إلى تلك الأمينة لكي تعطيني بدلاً منه كتاباً آخرًا بدون نقصان. وكانت حينها حملة طويلة مِن الأخذ والرد والشد والجذب، منذ تلك الحادثة، تعلمت أن أعد الكتاب فوراً وأتفقد صفحاته حتى لا يتكرر ذلك الحدث مرة أخرى.

تُحزم هذه الكتب جميعها في الشنطة الصغيرة وتأخذ إلى المنزل. وفيما بعد يُضاف إليها الدفاتر المطلوبة لكل مادة، مما يضاعف وزنها أضعافاً أخرى.

في البيت، تُجلد تلك الكتب وتُوضب بشكل جيد، ولعل في تجليدها ثلاثة مدارس ومشارب؛ أولها التجليد الأبيض، ثانيها التجليد الأزرق الفاتح، ثالثها التجليد العاتم الخاص بالـ CIA الذي يُخفي وجه الكتاب.

بعد التجليد يُوضع مُلصق صغير يُسمى «اتكيتة» ويُكتب عليها الاسم والمادة والصف والشعبة. لتبدأ حينها عامك الدراسي بكتب جديدة واتيكيتات ودفاتر وأقلام، وشنطة ظهر ثقيلة تهد المنكبين.. وعيون ناعسة تستيقظ كل يوم في الساعة السابعة…

تمر السنون سريعاً لتدخل الجامعة وتنهيها ومن ثم تبدأ العمل لتغمرك أمواج الحياة وتطحنك رحى صعابها، لكن الشيء الوحيد الذي لم تتخلَ عنه هو تلك الشنطة. ففي جميع المراحل كانت قد رافقتك.. لقد دخلت معك مدرجات الجامعة وأزقتها.. ذهبت للعمل وعادت.. إلى مراكز جباية فواتير الهاتف والكهرباء.. كانت دائماً حاضرة، وفي كل مكان.

لم أستطع إلا أن أحب شنطتي، حقيبة الظهر تلك. وإلى الآن رغم انتهاء مرحلة شنططة التلاميذ والطلاب، لا أزال أصر على وضعها عندما أخرج من المنزل، إذ دائماً ما توفر لي الأمن، أشعر وكأني أرتدي درعاً على ظهري، بدونها سأتعرض لطعنة من أحد في الشارع، لا أعرف لماذا، لكن بالنسبة لي أن أكون مُشنططاً لا يعني أبداً أن أكون ضائعاً أو تائهاً، على العكس، الشنطة على ظهري تجعلني أشعر بالأمان الطفولي الذي مضى..

أن تكون مُشنططاً للبعض يعني أن تطردك المطارات أو تذهب من مكان ما مُرغماً.. أن تتعب من الجلوس في مكان وتصبح الحركة هي الاستقرار.. أن تسعى هنا وهناك دون راحة وبلا كلل.. هذا هو المعنى الشائع لمعنى الشنططة.

بالنسبة لي أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون طفلاً بريئاً يرتدي صدرية كبيرة عليه.. أن تحمل فيها كتبك ودفاترك وكتاب المعلوماتية السميك الذي يُلح دائماً على تعليمك كيفية استخدام الورد..

أن تكون مُشنططاً يعني أن تُثقل بحمل الدراسة.. أن تكون بريئاً.. تُسلّم على حمائم السماء كل يوم في الساعة السابعة صباحاً.. تأخذ معك صندويشة زعتر أو لبنة إلى المدرسة.. تنتظر الأعياد والمناسبات الرسمية التي لا تفهمها كي تعطل عن الدراسة وتلعب مع أولاد الجيران.

أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون تلميذاً أقصى أمنياته أن تخبأ معه الآنسة أو الأستاذ علبة طباشير أمية كي يحتفظ بها حتى اليوم القادم.. ليكون بذلك أمين السر الذي لا أحد يعرف إلى الآن ماهو… أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون بلا هموم..

أجادت اللغة العربية في لفظة هواء.. وفي كلمة أمل عندما أعادت ترتيب حروف ألم. أما في معنى الشنططة فقد أعطتها تناقضاً يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي. فما هو بالنسبة للآخرين مدعاة للعشواء واللايقين كان لي مدعاةً للأمن والحماية.. أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون الأمير الصغير لأنطون دو سانت.. أن تحاول دائماً أن تبحث عن الوردة كي تحميك وتحميها..

التصنيفات
ذكريات

مسجون في صحن برغل

يعود فصل الشتاء بكآبته المعهودة نهاية عامٍ لا يحتاج كآبةً إضافيةً تُزادُ لرصيدهِ. فلو قسَّمَ الناس أنفسهم لـ «شتويون» و«صيفيون». فأنا شتويٌ يحب السكينة والألوان الباهتة المرافقة لهذا الفصل، لا شمس الصيف الساطعة مع حزمتها الداعمة بما تشمله مِن تعرّق ولزوجة. دون أن ننسى إضاءة الشمس المجانية الفجّة التي تسيطر على المكان.

يُذكرنا الشتاء بالبرد والمدفئة والانفلونزا الموسمية وأعمدة المخاط التي تتأرجح مِن أنوف العابرين. يُخبرنا الشتاء بضعف الإنسان وذبولهِ. رغم تلك الشاعرية التي تسيطر على أجوائه، إلا أنه يبقى حاملاً في باحتهِ الخلفية، وهناً وضعفاً يسود المشهد.

يتجسّد هذا الضعف عندما تشتد العاصفة وتبدأ الأمطار الصغيرة بالهدير، وتكون أنت بدورك في وسط المدينة تقضي حاجةً هنا أو هناك. لترى الناس بدأوا يتدافعون، يتراكضون متوجهين نحو موقف الباص للصعود والعودة كلٌ إلى ملاجئهم الآمنة. إلى تلك المنازل التي بنوها لتكون مأمناً وحصناً لهم.

يُذكرنا الشتاء بالإنسان عندما خرج من غابتهِ وحقوله نحو الكهوف. فرغم مرور آلاف وربما ملايين السنين يبقى الإنسان كائناً ضعيفاً، لا يزال في قبضة الطبيعة واهناً، وما دعاوي تسخيره لها ووضعها تحت سيطرته إلا كدعاوي ضفدع في نهر يحاول إقناع بقية الكائنات أنه هو ملك هذا النهر والآمر الناهي فيه!

يذكرنا الشتاء بالفتور، بالحالة الباردة لكينونة الإنسان..

أحد جوانب الشتاء المهمة هي الذاكرة. عندما تقرر التقاعد في غالبية فصول السنة لكن ما إن تمطر للمرة الأولى حتى تُرسل لك «إشعاراً» لتقول لك: هل نسيت؟ فتجيب: ماذا؟ لترد بدورها: ذلك الشيء!

لا لا، ليس الآن رجاءً! لا تفعليها!

لكنها تتابع، وتذكرك… ولا يوجد أتعس مِن الذكريات الدافئة في الشتاء، حتى لو كانت سعيدة تجدها كئيبة، تتضافر مع حرارة الجو وأضواء الإنارة الباهتة لتشكل لك لوحة مهيبة من الألوان الداكنة لا يمكنك تجاهلها أبداً.

فتصفن وتجلس وتعيد الشريط إلى الوراء…

عندما تحدث طبيب الأعصاب «أوليفر ساكس» في أحد كتبهِ عن مريض فاقد أو متوقف الذاكرة، وصلَ لاستنتاج مفادهُ أن الإنسان عبارة عن ذاكرة، إن قضيت عليها فقد قضيت عليه تماماً!

طرحَ ذلك في سياق قصة رواها عن أحد المرضى الذين زاروه في عيادته وكانوا يعانون من حالة متقدمة من الفصام وفقدان الذاكرة، فما كان من أوليفر إلا أن أجلسه وبدأ يسأله ويحادثه حتى وصل لسؤال: نحن في أي يومٍ الآن؟ ومَن أنت؟

صفنَ ذلك المريض قليلاً ثم أجاب: نحن في العام 1976. وأنا حالياً أتحضر لزيارة مكتب المدير. ثم سأله أوليفر: هل تعرف ما هو عمرك؟ ليجيب المريض عمري هو 35 سنة!

حينها مسكَ أوليفر ساكس -في حركة قال أنه ندم على فعلها لاحقاً- مسك المرآة وأعطاها لهُ وقال: هل هذا وجه رجل عمرهُ 35 سنة؟

نظر المريض في المرآة ثم بدأ بالهياج والصياح، إذ تعرض الرجل المريض فاقد الذاكرة الذي كان عمره بحدود الـ 70 عام لصدمة معرفية بين ما هو موجود في خزانة ذكرياته وما نقلته إليه حواسهُ، لينتج من هذا التناقض حالة من التشنج والتنافر، لم يعبر عنها سوى بالصياح والهيجان…

حينها قال الطبيب أوليفر: الإنسان ذاكرة. الإنسان هو ما يملك من ذكريات، جميلة وسيئة. بعيدة وقريبة. الإنسان ذاكرة. إن أخذت منه ذاكرته فأنت لم تبقي منه شيئاً.

«هل فهمت الآن الحكمة مِن كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟ لأنه لو عاش الإنسان مئتي عام لجن مِن فرط الحنين لأشياء لم يعد لها مكان» – أحمد خالد توفيق.

يمكننا مِن هنا أن نستنتج لم تدور رحى كثير من الصراعات في هذه الحياة. إذ ما هي إلا معارك لاحتلال قطع داخل ذاكرة أحدهم، الجميع يتنافس لامتلاك عقارات وأراضي في ذاكرة الآخرين. سواءً كان ذلك سلباً أو إيجاباً… غير مهم. مجرّد تذكرك وحدهُ يعني أنك قد حييت، أما تقييم تلك الحياة، وفرز أخلاقية أدولف هتلر عن سلمية غاندي، فهي مهمة الاتباع ومن يسلك نهج المدرسة والفلسفة، إلا أن البقاء في الذاكرة كان لجميعهم، بحلوهم ومرهم، بسيئهم وجيدهم. الجميع يبقى. الجميع في الذاكرة. الجميع يأبى أن ينسى ويريد أن يُذكر..

الشتاء يُحيي الذاكرة. يرجع شريط الأيام ليقذف في وجهك حدثاً مثل Youtube Recommendation لا علاقة لهُ بشيء سوى أنه يظهر أمامك هكذا. هل تتذكر اسم معلمتك في الصف الأول؟ مديرة المدرسة؟ ماذا بشأن الجيران الذين كانوا يسكنون في أول بيت قد عشت فيه، ما الذي جرى بهم؟ أصدقاء الجامعة، أحمد ومازن. أين هم الآن؟ ألعابك التي اشتريتها في عيد الفطر عندما كنت في الأول الابتدائي. والكثير…

شخصياً، تقذف الذاكرة في وعيي السطحي مشهداً لأحد الدكاكين الصغيرة مقابل مدرستي في صف الثامن قبل سنوات بعيدة. كان هناك دكان صغيرة اعتدت الشراء منها، كان البائع عجوز يضع تلك الطاقية الصغيرة التي يضعها كبار السن. في أحد المرات دخلت لأشتري، كان يضع صينية صغيرة فيها صحن برغل مع صحن لبن. ويأكل.

لا أعرف لماذا أتذكر هذا الموقف الآن وما السبب. لكن تلك المنطقة والدكان ومدرستي القديمة تعوم في سطح الوعي لتزيد من حنان المشهد. لتقول أن ذلك الماضي ذهب، وأنت الآن في الحاضر، وسيذهب قريباً شاء أم أبى، تعس كان أم جيداً، سيذهب ليغدو مثله. مثل ذلك العجوز تماماً، صحن لبن وبرغل وطفل صغير يشتري…

صراحةً، أحسد مرضى الخرف وألزهايمر الذين يكبرون وينسون، ويريحون أنفسهم من عناء تلك الأيام وتراكماتها، لا تتذكر الأقرباء الذين رحلوا والأصدقاء الذين لم يعودوا يتصلوا، ورفاق الطريق الذين فشلت إشارات المرور ومطارات العالم في إيقافهم، فتاهت عنهم الطرق وضاقت بهم الدروب…

أتذكر أيضاً عندما كنا في نفس تلك المدرسة، عندما يكون هناك وقت فراغ أو ننتهي من الدوام سريعاً، يوجد باحة وشارع واسع أمامها، كنا نضع «عارضة» صغيرة من الأحجار لنشكل بها حدود الهدف ونلعب كرة القدم.

كنا بحدود الـ 10 تلاميذ تملأهم أحلامهم وتحركهم حواسهم، وبعد أن يبدأ كل فريق باقتسام اللاعبين، كان يقع علي الحظ دائماً لأكون الحارس، رغم أني أجيد اللعبة بشكل جيد إلا أن الرغبة السائدة للجميع في نيل شرف تسجيل الأهداف، تجعلهم يعكفون عن الحراسة، فكانت مهمتها تذهب إلي، فأقف لأتصدى وأمزق البنطال والثياب وأعود متسخاً إلى المنزل بسبب الاحتكاك المطوّل مع زفت الأرض.

ذلك المكان، وتلك الشوارع الخلفية للمدرسة، لا يزال موجوداً ولا أزال للآن كل فترة وأخرى أحاول أن أتقصد المشي فيه، وأتذكر كيف كنا نضع الأحجار لنصنع بها عوارض الهدف. وفلان يركض ويسجل.. وآخر يصيح.. والثالث يضرب باب الجيران ليجلب الكرة لأنها سقطت في شرفتهم بحكم ركلة أحد اللاعبين «الفشلة» وأشياء أخرى…

لا أزال صدقاً أتذكر الجو في ذلك الطريق.. كان هنالك معمل بوظة في القبو. لكنه أغلق منذ زمن. كان هناك حديقة صغيرة مليئة بأشجار الزيتون، كنا نجلس فيها أحياناً بعد نهاية الدوام. لا يزال كل شيء موجوداً سوى أصدقائي… لا أحد منهم. “ثم لم يبقَ أحد..”.

كلما مررت هناك، مِن ذلك الشارع الواهن.. أتّخذ وضعية الحراسة.. تضعني ذاكرتي في صلب الحدث مجدداً.. أحاول التصدي وإبعاد الكرة عن هدف لم يعد موجوداً وصديق يركلها كان قد رحل أو سافر وهاجر ولربما مات…

الإنسان ذاكرة.. وما أنا إلا أنسان.. فأنا ذكرياتي.

لنحافظ على ذلك الشريط السينمائي الثمين الذي نملكه لنحكيه عندما نكبر، لنقول لأولادنا وأحفادنا ومَن سيسمعنا ذلك الحين، أننا قد عشنا، وأننا قد لعبنا، وقد كان لنا أصدقاء كثر.. كنا نصنع لعبة من أبسط الأشياء، فأي حجرة في الطريق تصلح لأن تكون هدفاً. وما عليك سوى أن تحميه..

لكنهم رحلوا ولم يبقَ سوى ظلالهم في الذاكرة. ظلال نتخيلها كلما سرنا في نفس المسار، لنشم رائحة البوظة ذاتها وصوت الأذان في المسجد القريب نفسه. لكن أحدًا ما لم يبقَ. ضاع الجميع… غابوا.. هناك فقط خيالات في الذاكرة، تنشطها أول بارقة شتاء، وازدحام على موقف ينهمر عليه المطر بشدة، ومحاولة للملمة المشهد الفوضوي.

لكن الذاكرة تأبى إلا أن تبعث بهذه اللقطات إلى السطح، ولا يكون لديك حيلة سوى أن تتذكرها وتعيد تدويرها، لتقتات على بقايا مشاهد سعيدة كما يقتات الكبد على بقايا الدهون عندما يغيب الطعام عنه.

الإنسان ذاكرة، مسجونٌ بداخلها.. هي الحصن الوحيد الذي قد يكون نيل الحرية منه ليس هدفاً يُنشدُ طلبه… فلو أطلقنا سراحهُ آخذيهُ منها وآخذيها منه. لم يبقَ شيء. فلو كان غيابها مريح أحياناً، إلا أن بقاءها يجعل الإنسان إنساناً وهنا مكمن التعلق وغاية القصد.

التصنيفات
فكر

عن حرية التعبير، وفرنسا، وأشياء أخرى

تحية كبيرة جداً لمَن تكلم بمصطلحات «التنمر وحقوق الإنسان والمرأة والعدالة والإنصاف» قبل أن يأتي بها الخواجة الغربي ليفرضها علينا مُمارساً وهم التفوق الأخلاقي والمعرفي.
تحية كبيرة جداً لمنَ ينتج أفكاراً أصيلةً ويدافع عنها ليس لأنها «سائدة وأصبحت موضة» ومدعومة من قبل الهيئات الأممية العالمية، بل لأنه يراها محقة وأخلاقية مهما قلّ روادها.
وصف الداعمين لهذه التعاسات حالياً، وإطلاق لقب «مُتمردين على المجتمع» هو تماماً كالقول أن السمكة تجيد السباحة ومتمرّدة على الهواء!
هم مجرد مفزرات ونواتج للمرحلة التي يعيشون فيها لا أكثر.
**
الدافع لهذا الكلام، هو المغالطة عند تبرير الرسوم المسيئة للرسول الكريم بالقول أن التقديس للأفكار وحرية تعبير الإنسان وليس للشخصيات. وعندما نمعن النظر في هذا الكلام نجد أن هذا التبرير يعتمد على بنود «ميثاق الأمم المتحدة» الذي نشأ في حالة ظرفية لما بعد الحرب العالمية الثانية لتجنب الصدام مجدداً.
ثم يأتي المُتبني لهكذا كلام ليصف نفسه بالمتمرد، وما هو إلا وعاء للمرحلة لا أكثر!
**
الفكرة المهمة أن المسلمين والمتدينين أياً كان دينهم يعتمدون في أساسهم الأخلاقي بالدرجة الأولى على «الدين» لا على ميثاق حقوق الإنسان -الذي لا يتعدى عمره 75 سنة بالمناسبة- لذلك ستسمع عبارات من نمط: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله». فبالنسبة لأي فرد مُسلم، هو وحريته وكيانه وكل شيء فيه يأتي ثانياً بعد الله ورسوله. لذلك أن تقول للمسلم أن حرية التعبير أولاً ومقدسة، فهذا لا يعني له شيء أبداً لأن الشرعية المانحة لمبادئه ليست هي هذه.
فالنظام الموجود في رأس المسلمين هو الله والرسول أولاً، وبعدها الكيان الشخصي للفرد.
**
كتذكير لأصحاب الذاكرة القصيرة الذين لم يقرأوا التاريخ، واعتماداً على مُلخصات أبرز العقول التي امتهنت التأريخ والتوثيق -شبنغلر وتوينبي وويل ديورانت صاحب قصة الحضارة- فإن الدين هو أكبر عامل في نشوء الحضارات، سبب ذلك أن الحضارة تحتاج روحانية كي تنهض. تحتاج لتمركز المؤمنين بها حول مبدأ أعلى من حدود الأنا والذات واللذات الشخصية -الليبرالية تضع الإنسان كمركز وهذا هو النقد الأكبر لها- وهذا ما تفلعه الأديان.
على العكس تماماً، موت أي حضارة واندثارها يكون غالباً مع المترفين. عندما يتم تعويم الإنسان وتقديس فرديته وحريته الشخصية ونزواته المريضة وقطع أي علاقة بمبادئ عليا -يُعرف هذا الكلام بالعدمية الثقافية- بالتالي القضاء على عنصر «الروحانية» المشترط لقيام أي حضارة.
حاول أن تبحث عن أي حضارة نشأت بدون روحانية أو دين أو مبادئ عليا. الأمر شبه مستحيل.
**
الآن نعرف لماذا هاجت فرنسا جداً بمقتل المدرس صامويل باتي وخلدت ذكراه في السوربون مع عظمائها كفيكتور هيغو وباستور. السبب ببساطة أن مبادئ الجمهورية الفرنسية لم تنجح بخلق قيم تدفع روادها للموت في سبيلها، لأنها هي أساساً تجعل من «الإنسان هو المركز» فكيف تضحي فيه؟
بينما الأديان وفي سبيل الله تجد الملايين يضحون بحياتهم من أجلها (يمكن لبعض المحدودين اصطياد العبارة هنا لتبرير الأفعال الهمجية، وهذا خاطئ بالمطلق. الفكرة هنا هي خلق مبدأ ناجح لدرجة أن رواده مستعدين للموت من أجله).
**
وحتى نعرف مدى سذاجة ذلك «المتمرد المزيف» المعادي لثقافته الأصلية لا أكثر واللاجئ على حدود ثقافات الآخرين. يجب أن نقول أنه لو كان يعيش في عام 1800 لكان يطبل ويزمر للعبودية لأنها كانت سائدة. ولو كان حياً وقت شريعة حمورابي قبل الميلاد لطبل وزمر لمبدأ الفصل بين طبقات الناس (العامة – العبيد – الأحرار). وكتحصيل حاصل بينما هو يعيش الآن في زمن ما بعد الحرب العالمية وميثاق الأمم، فطبيعي أن يطبل ويزمر لمبادئ حرية «التبعير» وغيرها.
**
التمرد الحقيقي أن تقف في وجه السائد، ليس كل تطوّر هو تقدم، أحياناً يكون التطوّر هو العودة للخلف وتعزيز موقفك الحالي لا تركه وقطع الصلة بالماضي. خصوصاً إن كانت كتب التاريخ تذكر ذلك وتضعه كشرط للحفاظ على حضارتك. لكنها سنة الأمم، وصدق مَن قال: «مَن لم يفهم التاريخ، محكوم عليه تكرار مآسيه».

التصنيفات
فكر

نقد صنم حرية التعبير

مِن المُفارقات السخيفة عن حرية التعبير أنها مَنتوج وإفراز لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فمع صعود واحتدام القتال بين العقيدة الألمانية الهتلرية، والشيوعية الستالينية، والايطالية الموسولونية، إضافةً لمحور الحلفاء الغربي، ومع سقوط ملايين القتلى. جلسَ الجميع بعدها لصياغة بيان مِن تجربة القرن العشرين التعيسة في محاولة فرض الهيمنة على الآخر.
فكانت حينها الحريات بشكلها الحالي، وحرية التعبير بشكل خاص، وتعويم مبادئ «أنت حر ما لم تضر» وغيرها. فالمهم هو ألا تقاتل من أجل مبدأك، وأن تعتنقه بنفسك فقط.
**
السخافة في الموضوع تكمن عندما يُقدّم لك المفكّر المشحون بحرية التعبير وكأنه قديس قروسطي يُحارب في سبيل آلهته الجديدة الأرضية. دون أن يدري أن ما هو وحريته معاً إلا مُنتج وإفراز طبيعي لمرحلة ما بعد عالمية خلّفت ملايين القتلى. أنتَ لا تأتي بشيء جديد يا عزيزي. أنت ابن المرحلة، ولا يمكن حتى وصفك بالمتمرّد، لأن هذه الايدولوجيا عُممت على سائر العالم عبر الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات التي نشأت.
**
تزيد السخافة أكثر وأكثر عندما يكون ذلك المدافع عن حرية التعبير نفسه يؤمن بتعدد الأكوان وأن الكون مجرد كون في عدد لا نهائي، وأن التطور أثبت أن الإنسان مجرد كائن هامشي نتج عن حركة ديناميكية بيولوجية متغيرة، إذ يقوم بإلغاء مركزية كونه ومن ثم إلغاء مركزية الإنسان كجنس طبيعي. ثم فجأة تراه يقرر التمحور حول نفسه ووضع مفاهيم «حرية تعبيري» كمركز لكل شيء! وهذا ما يُعرف بـ «العدمية الثقافية».
**
اختصار مفهوم العدمية بلا معنى للحياة اختصار مخل، العدمية الثقافية هي قطع الصلة بالماضي والحاضر والتمحوّر حول النفس. بمجرد أن تفكر أي حضارة وثقافة بتبني مبدأ «الإنسان وفقط الإنسان» هذا يسرّع أفولها ودمارها وانحلالها. تخيّل أن تذهب لعامل يبني الأهرامات وتقول له: ألا تعلم أن حرية تعبيرك مقدسة!
معظم المعالم والحضارات والأبنية الكبرى بنيت باسم الإله والروحانيات. الترف وتمركز الإنسان وغرائزه كقيم عليا هي ما يحدث عند نهاية الحضارات. لذلك يُقال: «تبدأ الحضارات بإسم الله، ثم تموت وتضمحل بإسم الإنسان». ولهذا تنبأ أوزفالد شبنغلر في كتابه سقوط الغرب بسقوط القارة الأوربية بسبب هتك القيم الفريدة السامية التي قامت عليها الحضارة.
**
أخيراً، وضع الإسلام والأديان بشكل عام في بوتقة واحدة مع حرية التعبير وغيرها من المفاهيم الهجينة الناتجة عن حالة استثنائية، إهانة كبيرة.
عندما حصلت ردة الفعل الأخيرة على فرنسا، لو تخيلنا أن كائن فضائي كان على الأرض، لاستغرب فوراً وقال: من هو النبي محمد؟ أين يعيش الآن؟ هل هو ملك في مكان ما؟
لك أن تتخيل ملامح وجهه عندما يعلم أن ردة الفعل هذه لنبي كان قد توفي قبل 15 قرن من الآن! وهذا يعطينا ملمح صغير لمن سيربح ومَن سيسود ويبقى!
“البقاء ضمن لغتكم الطبيعية للأكثر تكيفاً، والإيمان الديني هو أكبر نظام تكيفي. أما أنتم فعليكم بالمواساة بالفن والحقوق والحريات وغيرها من معاني الحياة المُترفة التي لن تنوب محل السماء المتعالية”.
وضع النبي محمد (ص) في خانة واحدة مع مفهوم حرية التعبير إهانة كبيرة. وسبب ذلك ببساطة أن تلك الحرية هي نتاج لمرحلة عنف في القرن العشرين سرعان ما بان عوارها، إذ لم تكمل للآن 75 سنة! لنرى النقد قد هجم عليها من كل حدب وصوب.
نُريد أن نقارنها مع نجاح أحد الرجال الذي قلب شكل العالم قبل 15 قرن وفي قلب الصحراء! عندما لم يكن هناك إعلام ولا تواصل وسوشال ميديا! صدقَ مَن قال أنّا للجبل أنا يخاصم فأراً!
**
كتلخيص لكل ما سبق يمكنني الاختصار بالنقاط التالية:

  • حرية التعبير وغيرها من الحقوق نتاج مرحلة ما بعد الحرب العالمية. ليست دساتير كونية مقدسة إنما مجرد اتفاق عالمي لوضعية ما بعد الحرب.
  • الليبرالي المدافع عن حرية التعبير يحتاج لهذا الوهم كي يستمر. لأنه في السويد مثلاً، 90% من الناس ليبراليون. لا يمكن حينها لليبرالي العربي أن يمارس «وهم التفوق» الأخلاقي والمعرفي. لذلك يبني برج عاجي مخاطباً العرب كونه أرفع منهم وأكثر أخلاقيةً منهم، أما في السويد فهو مجرد مواطن عادي، لا يمكنه أن يميّز نفسه سوى أمامنا.
  • الحضارات تُبنى بإسم الله، وتنتهي بإسم الإنسان، ومحوّرة الإنسان وحريته وذاته هي أوّل علامات الانحطاط والأفول. ولا يوجد أصدق من الآية الكريمة التالية لوصف الموقف: «وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها».
التصنيفات
فكر

الدرس المُستفاد مِن الصدام الإسلامي الفرنسي

كان القرن التاسع عشر والذي سبقه فترة الثورات الصناعية، ثم أتى القرن العشرين ليكون زمن الحروب والفلسفات الكبيرة؛ فالأسماء التي ظهرت فيهِ غير قابلة للتكرار فضلاً على العد، بسبب الزخم الفكري الذي حدث فيه.

أما القرن الواحد والعشرين فيقال أنّه -وفقاً لرؤية ستيفن بنكر ويوفال هراري- قرن السلام، وأنّ الإنسان العاقل صاحب السجل الدموي الحافل، قد قرر فجأة الاعتكاف عن ممارسة طقوسه الخشنة وتسديد فاتورته البيولوجية العنيفة، ليصبح قطة وديعة مُسالمة.

إلا أن قرننا الحالي يصح أن نسميه، بـ «قرن التعرية». فمع انتشار وسائل الإعلام والتواصل بشكل غير قابل للتخيل. أصبح كل شيء مكشوف وعلى الأسطحة، إذ كل ما عليك فعلهُ ضغطات صغيرة حتى ترى كل شيء. ومن ثم -كتحصيل حاصل- أن تحكم على كل شيء وتتبنى كل شيء.

ما يحدث حالياً في هذا القرن هو صدام حضاري بين العلمانية الفرنسية والثقافة الإسلامية المتواجدة داخل فرنسا أيضاً. وإن أردنا وضع المشاعر على جنب لنكون قساةً في القلوب، هناك دروس مُستفادة ظهرت على السطح بسبب هذا التلاحم الأخير الحادث لا بد مِن الإشارة إليها.

فقرننا قرن الوضوح والتكشّف. ولعلَ شيئًا ما لم يعد استثناءً أبداً..

  • الدرس الأول: هو أن جُملة: العلمانية «مُحايدة قيميًا» لم تكن صحيحة بشكل ما. بمعنى أن اختصار فكرة العلمانية بأنها مجرد «فصل» الدين وابعاده عن السياسة فقط مع إمكانية مُمارسته بشكل خاص عائلي ضمن ثقافة صغيرة لم يكن محقاً بالمطلق. فالذي تبيّن أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة نعم. لكن في سبيل «تعويم» قيم الجمهورية. فلو حدث تضاد -حتى لو كان غير سياسي وهو التعريف العام للعلمانية بالفصل- فإن الجمهورية ستتدخل لصالح إعلاء قيمها، وبالتالي هي غير مُحايدة.

قد يقول قائل: نعم هي غير محايدة لكنها على الأقل تحترم الجميع وتمنحهم الحرية والإخاء والمساواة. ما المانع في ذلك؟

نعم هذا صحيح، لكن هذه الفكرة توجه ضربة قاسمة لفكرة «عالمية العلمانية». بمعنى هذا يقودونا -بالضرورة- للقول إذًا أن العلمانية هي فكرة تتطوّر في بيئة معينة والتي هي في هذا السياق البيئة الفرنسية الأوروبية. عندها لا يمكن أن نقول لبلد ما في الشرق أو الجنوب أنك يجب أن تكون علمانياً ومحايداً قيمياً، لأن هناك تبني غير ظاهر لمبادئ الجمهورية الفرنسية. إلا لو كنت في بلدك الشرقي ترغب في تبني المبادئ الفرنسية!

قد يقول قائل آخر، وما المشكلة في تبني تلك المبادئ؟

لا مشكلة سوى أنها مبادئ ليس لها تاريخ في أرضك. بمعنى أن تلك المبادئ ظهرت في فرنسا عندما طُحنت حروباً ومن ثم وُلِدَ جاك روسو وجون لوك وغيرهم من المنظرين.

أن يأتي أحدهم -على البارد المستريح- ليأخذ ذلك النتاج ويضعه كقبعة على جسد مجتمع آخر بدين آخر وثقافات أخرى وتطوّر حضاري آخر، هو حالة هجينة لم تنجح في تاريخ ولا في خيال حتى.

فالدرس المستفاد هنا، أنّ مبادئ العلمانية ليست محايدة قيمياً إنما تسعى لإعلاء أخلاقيات الجمهورية. وهذا جميل، لكن في أرضهم فقط. لأنها تطورت في ذلك المجتمع. وفكرة -تصديرها- للآخر، لا تقل عن فكرة تصدير الدين والحكم الكهنوتي مِن عندنا لعندهم.

  • الدرس الثاني: الخطاب هنا موجّه للسادة المسلمين وليس السادة العلمانيين والمحسوبين على الطرف الآخر أياً كانت تسميته. فالمسلمون ارتكبوا خطئاً شنيعاً قلما كانوا يقعون به. ولنفهم ذلك الخطأ وجبَ طرح المثال التالي:

لنتخيل أن هناك إمبراطور عظيم يملك الأرض بأجمعها، هذا الإمبراطور أرسل برقيات مهمة جداً على شكل كتب من خلال رُسل إلى شتى شعوب الأرض وعبرَ أوقات مختلفة أيضاً.

ما الذي حدث؟

الذي أحدث أن تلك الشعوب، قدّست تلك البرقية، وقدّست شخصية الرسول الذي حملها. لكنها نست الهدف من الرسالة كلها وهو الوصول لذلك الإمبراطور العظيم الذي كتبها.

هذا المثال ليس لي. هذا المثال قاله ولخصّه رجل حديدي قبل حوالي 1500 سنة من الآن، عندما وقف في قلب الصحراء ليقول:

«مَن كان يعبد محمداً فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»!

أزمة المسلمين -وليس الإسلام- هي أنهم لم يعبدوا الله إلا قليلاً، انتمائهم الديني هو انتماء اجتماعي قبلي وليس انتماء روحي وجودي. وهذه ليست أزمة المتأخرين من أمثالنا الذين ولدوا بعد آلاف السنين، إنما أزمة الأوائل الذي شهدوا وجود النبي (ص) في وقتهم وخاطبهم الصدّيق حينها. وإلى الآن نفس الغلطة تتكرر..

  • الدرس الثالث: هناك خلط بين مفهوم حرية التعبير ومفهوم «قلة الذوق». ولأوضح الفكرة سأضرب المثال التالي: تخيل أنك موظف غني راتبك الشهري يصل لعشرة آلاف دولار. وصديقك يبلغ راتبه ألف دولار شهرياً. هل بإمكانك أن تجلس بجانبه وتقول: اوووه أنا أكسب شهرياً عشرة آلاف. أنا غني. أنا مُتخم بالأموال… الخ.

الفكرة ليست أن حرية التعبير غير مصانة، الفكرة أن الاهتمام بشعور الآخر أمر يرفع أرصدتك. صحيح أنه في بلده وأنه يمارس حقه الطبيعي في التعبير، لكن أن تتغاضى عن أهمية احترام شعور الآخر رغماً عن أنه غير مُلزم لك. أمر لا يمكن الاستهانة به.

«في شبابي كنت أهتم بالحرية كثيراً، وكنت أقول أني مُستعد أن أموت من أجل حريتي، ولكن في كهولتي أصبحت أهتم بالنظام قبل الحرية، فقد توصلت إلى اكتشافٍ عظيم يُثبت أن الحرية هي نتاج النظام». المؤرخ ويل ديورانت | صاحب سلسلة قصة الحضارة.

من جانب آخر، يجب أن نُشير لأن الحركة الفرنسية جاءت لاستفزاز الحلقة الأضعف لدى المسلمين وهي الحاضنة الاجتماعية لا الحاضنة الفكرية!

لأن أكثر دولة انتجت مفكرين ومستشرقين قاموا بنقد الإسلام والأديان بشكل عام وتفكيكهم هي ألمانيا، لكن ويا للمصادفة لم يحدث شيء في ألمانيا! لماذا؟

لأن تيودور نولدكه وابراهام غايغر وشلايرماخر وغيرهم من وحوش النقد الديني، كانوا نخبويين. كتبوا الكتب في نقد الدين مُخاطبين بذلك النخبة التي لا تتعدى الـ 5%. لا الحواضن الاجتماعية الشعبية، الإيمان البسيط اللطيف. وبالتالي لم يحدث شيء.

أما فرنسا فقد كان استهدافها مُباشراً للحاضنة الاجتماعية. إذ أن نصف المسلمين تقريباً اسمهم الشخصي محمد. المسلم يرضى أن تشتم أمه وأبوه وكل عائلته وربما حتى يرضى بشتم الله -مناطق كبيرة من بلاد الشام تستسيغ هذا الفعل عند الغضب، رغم ادانته في حالة الهدوء- إلا أن شخصية النبي عنده غير قابلة للمساس. مثلما مبادئ الجمهورية الفرنسية غير قابلة للمساس.

وهذا عادل بشكل جميل صراحةً. الفكرة التي انبثقت مؤخراً ولا يمكن تجاهلها هي الاثبات شبه القطعي أن هذه المبادئ لا يمكن تصديرها. فالعلمانية الفرنسية هي خصوصية فرنسية أوروبية، والإيمان الديني خصوصية شرقية. فلن أطالبك باحترام مبادئي في أرضك، وأنا بدوري لن احترم مبادئك في أرضي.

  • الدرس الرابع: وهو الأخير ها هنا. أن مجلة شارلي إيبدو كانت قبل كل هذه الأحداث لا تتعدى مبيعاتها 5 آلاف اسبوعياً. بعد أن نشرت رسومها وقُتل رساميها كسرت حواجز الـ 70 ألف اسبوعياً. ولأزيدكم من الشعر بيتاً، فإنّ الرسوم أصبحت مترجمة وباللغة العربية للأسف. كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب بعض الطائشين الذي لا يفهمون ما يفعلون.

أحدهم عمره 18 عاماً والآخر 20. كلهم صغار مشحونون بالعواطف. لو كانت تلك الأفعال جيدة الفعل لما تركهم «الكبار» لفعلها، لسابقوهم عليها وفازوا بها هم لكنهم مخدوعون.

العديد من القصائد التي هجت النبي (ص) أو أساءت له في الأيام الأولى لم تنتشر وتم السكوت عنها ومرت مرور الكرام. لماذا؟ لأنها كانت بلا قيمة. فمَن هي حتى تُسيء لرجل الزمان محمد حينها؟

الآن المسلمون يهدون تلك المجالات جائزة مجانية بالتسويق لهم. فالأستاذ الفرنسي صامويل باتي قبل شهر من الآن لم يكن معروفاً. كان شخصية مجهولة تماماً. أما الآن فهو من أشهر أعمدة فرنسا إذ تم تأبينه وتخليد ذكراه في السوربون جانب عظمائها كلويس وباستور وفيكتور هوغو.

هذه الأفعال الطائشة تذكرنا بعبارة الشيخ الغزالي: «ليس بالضرورة أن تكون عميلًا لتخدم عدوك، يكفي أن تكون غبياً». فلو افترضت أن فرنسا عدوتك يا عزيزي فهذه الطريقة ليست جيدة في مهاجمتها، على العكس ربما تفيدها بشكل آو بآخر.

نزّهوا النبي عن هكذا مهاترات ومجادلات.

العلمانية ليست فصل للدين عن الدولة، أو نعم هي كذلك، لكن مع تعويم لقيم الجمهورية التي هي خصيصة فرنسية أوروبية. وإن ما زلت مؤمناً أنها خصيصة عالمية فأنا أدعوك لنقل خريطة فرنسا من أوروبا ووضعها في الشرق الأوسط بين بلداننا، وراقب العلمانية فيها ذلك الوقت، لن تصمد وستموت. والسبب في ذلك أن تلك الخصيصة الفرنسية نشأت وتطورت في ظل سياق حضارة أوروبا بكاملها. المطالبة بتعويم فكرة خاصة على نماذج عالمية أمر ساذج.

وقبل أن نطالب بها في الشرق العربي، يجب أن نرى كل من روسيا والصين وأمريكا الجنوبية والمكسيك تطبق مبادئ الجمهورية الفرنسية وتنجح، بعدها يمكننا تطبيقها. لأن هناك مَن فعل ونجح حينها.

أما المسلمون فهم ما زالوا عالقون في صدمة موت النبي الكريم، فلم يعبدوا الله منذ ذلك الحين. لذلك كل فترة وأخرى يخرج أحد الشباب الطائشين ليُهدي -عدوه المفترض- فرصة العمر على طبق من ذهب. فتزيد المبيعات وتشتعل الهاشتاغات في حروب ورقية ومعارك وهمية. لا رابح فيها ولا خاسر.

التصنيفات
عام

معارك وهمية

حروب الهاشتاغ، لا تُشبه سوى معارك مِن ورق جنودها لا وجود لهم!
إذ يجعلنا الفيسبوك وتويتر نختصر مشاعرنا عن طريق التفاعل بضغطة زر هنا وتعليق هناك وأحببته لصورة صديق وأغضبني لصورة عدو! والفارق بين لحظة الحب وشرارة الغضب ما هو إلا «لمسة صغيرة» على شاشة الهاتف حتى يتغير المنشور وتنقلب معه المشاعر!
لكننا في الحقيقة، لم نحب ولم نكره ولم نغضب..
يُرضي الفيسبوك وتويتر وهاشتاغاتهم حِسّنا البشري بأننا نتضامن ونتحرّك لكننا في الواقع لا نفعل شيء…
ما الذي كسبه اللبنانيون بعد حدوث نكبتهم الأخيرة من ملايين القلوب واللايكات؟! كم أمّنت وآوت تعليقات الفيسبوك مِن مشردي السودان بعد فيضاناتهم؟!
لا شيء. لا شيء أبداً.
تعلمنا مواقع التواصل كيفيّة إختصار مشاعرنا واختزالها في ضغطات إلكترونية لا فائدة منها. لا فائدة لها سوى أنها تُرضي غرورنا الشخصي بأننا أخلاقيون، نحب الجميع ونتضامن مع الجميع ونقاطع الجميع وأننا لا نترك الآخرين وشأنهم.
لكننا في الحقيقة لا نفعل شيئاً. وإن فعلناه فهو لأنفسنا فقط…

التصنيفات
ذكريات

لا حمامات في مدارس هذه المدينة

الإنسان كائن عضوي. هذه حقيقة ثابتة لا يمكن التلاعب بها. لذلك، ترتّب على هذه العضوية أن يكون لديها أمعاء تعمل بشدّة وحزم في الأوقات الحرجة، وعند حاجتها الطبيعيّة داخل المنزل تقرر الإمساك عن نفسها والتقاعد عن العمل. ربما لا تكون مُشكلة كبرى الآن، لكنها لطفل بعمر 6 سنوات قد تشكل عقبةً، أو على الأقل مغامرة صغيرة لا بد مِن خوضها.

***

جالساً مطمئناً في مدرستك الحكومية الاعتيادية. نفس المقعد، نفس المدرّسة، نفس الأصدقاء، نفس الحصة، نفس المروحة المتهالكة التي تدور ببطء، نفس كل شيء. أي باختصار، إنه مُجرد يوم مُمل آخر يضاف إلى حياتك الرتيبة. مع تعديل بسيط في دورة إطراح الفضلات. إذ فجأة وبدون سابق إنذار، تجد أن الحاجة قد أصبحت ملحّة عليك. وأنت كطفل صغير ضعيف المقاومة هزيل البنية لن تستطيع الاحتمال لفترات طويلة كما يفعل الكبار جِمال الصحراء ذلك.

الخطوة الأولى هي أخذ الإذن للانصراف إلى حمامات المدرسة. تخرج على استحياء من مقعدك، مُمسكاً بطنك بشدّة لأن الكتمان قد بلغ أوجه، تتجه إلى الآنسة غليظة القلب عريضة المنكبين لتستأذن بالذهاب.

تمنحك الإذن سريعاً، تخرج من الصف في لحظة متجهاً إلى دروة المياه، قسم التواليتات تحديداً.

لا أعرف صراحةً لمَ تُسمى دورة مياه رغم أني لم أجد فيها مياه يوماً. دائماً كانت مقطوعة ودائماً كانت الصنابير في تسلسل بغيض من الأسى. الصنبور الأول مخلوع بالكامل، الذي يليه موجود لكنه مُلتصق لا يمكن فتحه. الذي بعده يكون مفتوح لآخره لدرجة أنك لا تستطيع أن تمد يدك حتى تغسلها خوفا من أن تقطع، وهكذا.

لكن مُشكلتنا الآن ليس صنبور الماء لغسل الأيدي مشكلتنا في المكان المقابل لذلك. على الناحية الأخرى تماماً.

لو كان هناك إمكانية للتعديل في بعض إعدادات الحياة ضمن نطاق الزمكان الذي نعيش فيه لوضعت خاصية إضافة موسيقا تصويرية لبعض المواقف التي نعيشها في حياتنا. مثلاً، وأنت تدخل للكلية أو أنت تخرج منها. أنت تنتظر على طابور الخبز، أنت تنتظر على طابور الغاز. طابور البنزين. الخ. الكثير من المواقف التي نعيشها يلزمها عندما تحدث آنياً أن تنبثق موسيقا تصويرية في خلفية المشهد الذي أنت بطله. حاول تخيّل ذلك، أعتقد أن بإمكانه أن يضفي تحسيناً واضحاً على حياتنا.

إلا أن أهم موسيقا تصويرية تلك التي تشتغل عندما تحاول أن تجد تواليتاً نظيفاً يحوي أبسط الإمكانيات والمتطلبات التي يحلم بامتلاكها أي تواليت يحترم نفسه، ويصلح للإنسان العاقل بكل غروره وإرثه البيولوجي أن يجلس فيه. لكن مع الأسف لن يحصل. مثل صنابير المياه تماماً.

الأول سيكون حائماً بالمياه بالقذرة، وعليك أن تعوم بداخله ببدلة سباحة. الثاني أموره تمام لكنه بدون باب، وإن أردت المخاطرة وكنت قوي القلب فعليك به. الثالث مليء بالفضلات بشكل مثير للريبة. فضلات على الصنبور، على الحائط، على مقبض الباب، على السقف، فضلات في كل مكان. لطالما كنت أتساءل كيف كان التلميذ الوغد الصغير يفعل ذلك. صدقاً لو أراد عن قصد نثر بقاياه في كل الأرجاء بهذا الشكل لما استطاع، كيف بإمكانه تلويث كل المكان لهذه الدرجة القبيحة من السوء!

الرابع لا يمكن أيضاً، لأنه غير موجود أساساً. فعددهم كان ثلاثة فقط.

لا يكن منك حينها سوى أن تبتلع ريقك وتخرج من دورة مياه لا مياه فيها تجر أذيال الخيبة وأنت تفكر بالخيارات البديلة. لا يزال اليوم الدراسي في أوله، ومحاولة الكتمان كل هذه المدة ستكون بمثابة سباق تحمل غالباً ستفشل به. وإن كنت واقعياً، فالحالة كما رأيتموها، كل شيء مكسور ومعطل وملوث مِن قبل الأوغاد الصغار.

ماذا إذن. هل الاستسلام يحدث الآن؟ هل تنسحب في عمر الـ 6 سنوات من أول معركة أمعاء قد تخوضها؟ لا لا؟ قطعاً لا.

تنبعث الموسيقا التصويرية التي تمنيتها قبل قليل لتسلّط الضوء على مشهد جديد. لحظة اكتشاف شيء لطالما كان موجوداً. المكان المعروف بـ «حمام المدرّسات». وهو حمام خاص غير مسموح للطلاب العاديين أن يدخلوا إليه، فكما هو معروف هناك في المدرسة دورتين مياه. الأولى تكون شيوعية للتلاميذ، يتبرزون فيها على سقف الحمام. والثانية هي رأسمالية برجوازية للمدرّسات.

وبما أن الخروج كان أثناء الحصة الدراسية، فغالبية المدرّسات كانوا في دوامهم، والمديرة تمارس نشاطاً عديم الفائدة كعادتها. فالانسلال إلى الحمام الخاص كان قد حصل، وتم تسليم الحمولة. وما كان قبل دقائق معدودة عبئاً على تلميذ لم يتجاوز الـ 6 سنوات تقريباً أصبح الآن في طي النسيان. شاقاً بعدها طريقه نحو الصف من جديد. بعد مغامرة مليئة بالمخاوف كان قد أجبر عليها.

لأكون صادقاً معكم، أحياناً كان حمام المدرسات يُقفل لأسباب مجهولة، فهن نادراً ما يستخدموه حتى، لكن وجوده واجب. فكان حتى هذا الخيار في بعض الأوقات ملغياً، لذلك كان لا بد مِن خطة بديلة دائماً، خطة تقتضي تحمل المسؤولية الشخصية في عبء حمل الفضلات داخل وخارج جسمك. خطة لم تخترها مُباشراً لكن لم يتبق لكَ إلا هي.

خطة تقتضي أن تعود إلى المنزل وأنت تمشي كالبطريق. خطة كانت في وقتها مدعاة للألم والسخرية والبكاء، لكنها بعد سنوات طويلة تتذكرها فتضحك وتضحك وتضحك. خطة كان بالإمكان الاستغناء عنها لو كان هناك مياه في دورات المياه. لكن للأسف لم يحصل. وبعد مرور الأيام تفرح لأنه لم يحصل، لأن ذلك هو تماماً ما يدفعك لتذكر تلك الأيام البائدة. في حين أن كل شيء آخر قد نُسي واضمحل. كل شيء آخر كان قد مضى وتبخر..

التصنيفات
عام

إجابات أسئلة عبدالله الموسى | جائزة ليبستر

أن تكتب تدوينة وأنت تعلم مُسبقًا أن مَن سيقرأها هم مجموعة مِن المدونين والكتّاب الأفاضل، يفرض شعورًا غريباً من الهيبة لا بد من وجوده. تماماً كأنك مُدرس ومعلم صف يجد نفسه واقفاً قبالة مجموعة من الأساتذة وموجهي التربية كثي الشوارب مُحدبي الكروش، يجلسون أمامه بدلًا من الطلاب المُعتادين، يرمقونه بنظرات الشك والريبة. لكَ حينها أن تتخيل ما هو الشعور وكيف تفكر.

امتثالاً لمبادئ الجائزة، أودّ أن أشكر جميع الأساتذة الأفاضل الذين سبقوني في الكتابة والإجابة على الأسئلة، وكنت قد قرأت ما كتبه عبدالله وهادي وفرزت ويونس. كما أشكر مَن سيتبعني في هذه السلسلة ويجيب على الأسئلة اللاحقة مُكملًا المسير.

جائزة ليبستر هي جائزة يقدمها المدون لمدونين آخرين يهتم بمحتواهم، وتكون فرصة لقرائه كي يتعرفوا على تلك المدونات، لذلك هي ليست جائزة بالمعنى التقليدي الحرفي فلن يكون من ورائها مبلغ مبالي أو تمثال، وشروط الحصول عليها هي التالية:

1. شكر الشخص الذي رشحك ووضع رابط مدونته كي يتمكن الناس من الاطلاع عليها. [شكراً صديقي عبدالله، أتمنى أن تفتح تطبيق تلغرام كي ترى رسائلي الكثيرة التي فوّتها. أرجوك افتح تلغرام يا رجل :)].

2. الإجابة على الأسئلة المطروحة عليك من قبل المدوّن (تم).

3. رشح مدونين آخرين واطرح عليهم بعض الأسئلة (في الأسفل).

4. نبه المدونين الذين قمت بترشيحهم ليشاركوا (على تويتر).

5. اكتب قواعد المسابقة وضع شعارها في منشورك أو مدونتك (هنا).

السؤال الأول: كيف بدأت رحلتك التدوينية؟

أول احتكاك حقيقي مع التدوين كان في عام 2014 مع مقال اسمهُ تفاحات ثلاث غيرت البشرية. كنتُ حينها أشاهد مقطع فيديو يروي فيه صاحبه أن جُل التغيرات المهمة التي ضربت البشرية كانت ناتجة عن تفاحة. فها هو النبي آدم، وها هو نيوتن. تفاحةٌ حرمت الجنس البشري بكامله من الجنة. وأخرى علمته سر هبوط الأشياء نحو الأسفل.

فيما بعد رأيت خبراً عن ستيف جوبز وآبل وأن هذه «التفاحة» تغيّر البشرية وتكتسح العالم. فربط عقلي التفاحات الثلاث مع بعضها وكانت التدوينة الأولى على مجلة أراجيك.

السؤال الثاني: موقف جميل حصل معك مُرتبط بالتدوين، أو كان التدوين أحد أسبابه؟

عصرت مُخي لأقصى درجة لكن دون جدوى. لم أجد جواباً لهذا السؤال. لا يوجد هكذا مواقف قد حصلت.

السؤال الثالث: هل ساعدك التدوين في طريقة عرض أفكارك؟

حاول أن تفكّر بلون ما غير موجود في قائمة الألوان المعروفة. هل تستطيع؟ لا. حاول أن تفكر بفكرة ما بدون لغة أو كلمات. هل بالإمكان فعل ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن اللغة أساساً هي واحدة التفكير. فلو كانت واحدة التوتر الكهربائي هي الفولط، فإن واحدة التفكير هي اللغة.

لدينا مثلاً المستطيل وهو رباعي الأضلاع، لدينا المربع وهو كسابقه، لدينا الدائرة، لدينا المثلث. لنفرض الآن لدينا شكل هندسي مكون من 50 ضلع! ما هي وجهة النظر تجاهه؟ عدم التعريف. سنقول عنه أنه مجرد شكل هندسي. لكن لماذا؟ -هنا مربط الفرس- لماذا هذا الشكل مجهول بالنسبة لنا؟ السبب هو أننا لا نملك في «لغتنا» وصفاً ومصطلحاً له كي يعرفه.

للأمر حتى أساس عصبي وليس مجرد نظرية معلقة في الهواء. لا يمكن للإنسان التفكير بدون لغة، بالتالي هي النافذة التي يطل مِن خلالها على باحات الفهم المختلفة. للتوضيح أكثر سأضرب مثالاً:

نطوّر المثال السابق ونتخيل أن طفلاً تعلم في مدرسته مذ كان صغيراً أن المثلث يملك 3 أضلاع والمربع والمستطيل أربعة والدائرة منحنية. وأن الشكل ذو الأضلاع الخمسين اسمه مثلاً: «شاكوش». حينها سيكون هذا الشكل عنده معتاداً ومألوفاً. لأن «لغته» قد وصفته بمصطلح، وبالتالي أصبح معرّفاً بالنسبة له.

نجيب الآن على السؤال، هل ساعدك التدوين في عرض أفكارك؟

نعم، بشكل كبير.

اللغة بشكلها الحر المخزن في الدماغ تكون فوضوية، اخضاعها وضبطها وتنسيقها يقوم التدوين بفعله على أكمل وجه. ولهذا نجد معظم المفكرين الكبار هم مؤلفين وكتّاب بالضرورة. نادرًا ما نجد مفكرًا لا يكتب، مفكر شفوي مثلاً!

ولو أردنا أخذ الموضوع لنطاق أكبر بكثير نقول:

لماذا أساساً لم يبدأ الإنسان بناء حضارته إلا عندما تعلم الكتابة؟ ماذا كان يفعل قبل ذلك؟

للتدوين أثر كبير جداً، الكتابة نفسها أطلقت شرارة حضارة الإنسان بشكل ما.

السؤال الرابع: هل لديك طقوس وروتين خاص في الكتابة؟

البساطة.

حينما يكون لدي شيء لأكتبه أفتح المدونة وأكتبه وأضع صورتي عندما كنت في الصف الأول كصورة بارزة لهُ كما في هذه التدوينة، عندما كنت أعقد «الفولار» تحت الجوزة كيلا تسقط للأسفل وتضيع.

وعندما ليس لدي شيء لأقوله لا أفعل. أعتقد أن الإجبار على انتاج شيء ما خصوصاً في مجال التدوين يُقلل من قيمة المحتوى الناتج أو على الأقل يُجهض من إبداعيته.

السؤال الخامس: تقييمك للمحتوى العربي على الانترنت اليوم بشكل عام.

غير مُلم بكامل المحتوى العربي، كما أني أعتقد أن الإجابة على مثل هكذا سؤال تتطلب وضع مخطط دقيق لمتى بدأ المحتوى يظهر وما هو تواتر دعمه والمجالات التي يغطيها ومن ثم نقيسها طبقاً للزمن والدعم الذي كان قد تلقاه. لذلك أرى الأمر صعباً نوعاً ما. خصوصاً أن علاقتي بهذا الوسط هو أن أكتب مقالاً وتدوينةً ثم أخرج. لذلك لا أعتقد أني أملك المفاتيح اللازمة لتقييم الصورة الكاملة.

لكن بشكل عام ودون دخول في تفاصيل كثيرة، أعتقد أن تعداد المواطنين الذي يقرؤون باللغة العربية حوالي 420 مليون. أكثر موقع يتم الدخول إليه -فرضاً- 50 مليون زيارة شهرياً، جُلها من محركات البحث.

عن أي محتوى نتحدث؟

الغالبية لا يقرأ. وإن قرأوا فهم يأتون من محركات البحث التي دائماً على غرام مع مواضيع (كيف أفعل كذا وكيف أفعل مذا).

السؤال السادس: ما هي آخر لعبة جربتها وما رأيك بها؟

أحب الألعاب الاستراتيجية التي تكون أنت فيها المتحكم العام والقائد الأعلى للجيش، هذه الألعاب تُرضي غرورنا الشخصي بحب السيطرة. كما في لعبة جينيرال زيرو أور، رغم أني لا ألعبها إلا قليلاً.

إضافةً لألعاب فلاش التي كانت موجودة في «السيديات» القديمة من إنتاج أفندي وصباهي، كانت تأتي في حزمة مع برامج أخرى كما في برامج المجموعة الرائدة، وكييف، والبرق 2 و3.

إنترو إقلاع البرق 3 كنت أراه معجزة بحد ذاته، وهو حاسوب يتلولب ويتحرك بشكل جميل ثم يبدأ العَرض.

أحب لعبة السمكة التي تأكل الأسماك Feeding Frenzy إضافةً للعبة فلاش باربي التي تكون شبه عارية وأنت تقوم بإلباسها، كانت متواجدة بقوة أيضاً تلك الأيام.

السؤال السابع: آخر كتاب قرأته وما رأيك به؟

ليس كتاب إنما مجلة. هذه صورتها.

اشتريتها من أحد البسطات الصغيرة متعددة المهام، حيث يبيع صاحبها البزر والبسكويت والطرابيش -إحدى أنواع «المخدرات الطعامية» المتواجدة بقوة في الفترة الأخيرة- ويقوم بتجليد الهويات الشخصية والبطاقات النقابية. ومن ضمن ما يعرضه قائمة الكتب والمجلات التي تصدر عن الهيئات الرسمية التي لا يشتريها أحد.

رأيي هو الحزن. عندما اقرأ هكذا مقالات ونصوص محكمة، وأرى أن أصحابها دكاترة ويحملون شهادات من موسكو وأماكن بعيدة. أقول بيني وبين نفسي لماذا لا يطورون هؤلاء الأفاضل من أنفسهم؟ لماذا لا يسجلون على الشبكة وينشؤون حسابات وينشرون هكذا عناوين رصينة هنا؟

صدقاً أخجل من نفسي. عندما أرى هكذا كتابات تدفن في مجلات لا يقرأها أحد.

***

هذا كان كل ما في جعبتي، آمل ألا أكون قد أطلت حد الملل، ولا أوجزت حد الخلل. كل الشكر لقراءتكم ولهذه الجائزة وأصحاب فكرتها.

أما ترشيحاتي للجائزة، فهم الأفاضل التاليين: محمد حبشمحمد بعيو.

وهذه هي الأسئلة:

1. كيف بدأت رحلتك في عالم الكتابة والتدوين؟ هل أنت نادم؟

2. نصيحة -غير سرية- اكتشفتها في عالم الكتابة وكانت قد أفادتك خلال الرحلة؟

3. ما رأيك في التدوين باللغة الإنجليزية؟

4. ما رأيك في الترجمة بشكل عام؟ هل كل مُترجم هو مدوّن بالضرورة؟

5. هل تحب الكتابة والتدوين وترى فيها نشاطاً مُحبباً، أم مجرد روتين يومي أصبح لزاماً عليك ممارسته بحكم ظروف معينة؟