التصنيفات
كتب

بارتلبي النسّاخ.. حكاية إنسان قرب الجدار

تتعدد الروايات والقصص التي تُروى على المسامع، فهناك روائع عالمية قد لا يختلف عليها أحد، كالجريمة والعقاب لديستوفسكي أو قصة مدينتين لتشارلز ديكنز، إلا أن هناك رائعة جديدة تعرفت عليها مؤخراً وأود مشاركتها، وهي حكاية «بارتلبي النساخ الأمريكي» وهي قصة قصيرة من كتابة الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل، الذي عاش في القرن التاسع العاشر، وحضر ذروة الحرب الأهلية الأمريكية.

على الرغم من قلة صفحاتها، تكثف قصة «بارتلبي النساخ» المعنى بشكل صعب البلع، لتشعر بالغصة وأنت تقرأها وتحديداً عندما تصل إلى النهاية وينكشف من الحقائق ما ينكشف.

تحكي القصة حكاية إنسان (لا يحدد هيرمان ميلفيل اسمه لكنه يشير لأنه كان يعمل في في المحكمة الأمريكية). لكن وبعد نهاية وظيفته، يفتتح مكتباً يحمل الرقم 28 في شارع وول ستريت، ويقوم بتوظيف عدد من الأشخاص وإيكال مهمة نسخ الرسائل وإعادة كتابتها إليهم.

تختلف شخصيات الموظفين وفقاً لاختلاف اسمائهم التي ابتكرها هيرمان، فهناك الناسخ تيركي Turkey وهو يشبه تماماً الديك الرومي ذو طبع نزق وبدين نوعاً ما، في حين أن هناك نييبر Nipper الذي يخالفه في الطباع. أما الشاب الأخير فهو البندق Ginger Nut وهو شاب صغير أشبه ما يكون بـ “حويص” المكتب الذي يعملون بهِ.

تنقلب حياة المكتب رأساً على عقب عندما يأتي موظف جديد بعد نشر صاحب العمل لوظيفة شاغرة عنده، وذلك الموظف هو “بارتلبي”.

بارتلبي باختصار يمثل الإنسان الذي يمر بمفهوم انحلال الشخصية أو ما يعرف بالـ Depersonalization. أو كما عبر عنها هيرمان نفسه، كان بارتلبي كحطام سفينة مهجور في ظلام قاع المحيط الأطلسي.. إنسان يمارس عمله بشكل ساكن دون أن يتكلم في ظل أقران ينشطون بالصخب، إنسان يهتم بشؤونه الخاصة، إنسان لا يغادر المكتب، ولا يأكل سوى بضع لقيمات يقمن صلبه.

يتعجب صاحب العمل من سلوك بارتلبي، فمن عادته دائماً بعد نسخ الرسائل أن يُمسك النسخة الأصلية ويقوم بقرائتها بصوتٍ عالٍ حتى يتتبع الناسخ نسخته الجديدة ويرى مدى دقتها. حاول صاحب العمل هذا أن يتعاون مع بارتلبي كي ينقح نسخته لكنه لم يستجيب.

فكان يقول: بارتلبي.. تعالَ كي ندقق النسخة الجديدة.

ليرد بارتلبي: أفضل ألا..

يتعجب صاحب العمل من ردة فعله، فعلى الرغم من مدى دقة ما يفعله وصومه عن الكلام، عدا جملته الشهيرة أفضل ألا I Would Prefer Not To.. إلا أن سلوكه الغريب جعلَه في مرمى النقد.

يحاول صاحب العمل بشتى الطرق استدراجه، لكن النتيجة نفسها.. ليرد بارتلبي دائماً: أفضل ألا..

وفي نهاية القصة؛ تحديداً عند آخر أربع صفحات، ينكشف سر بارتلبي، ولماذا فعلَ ما فعل..

من الواضح في القصة حضور رمزية “الجدار” بشكل كبير، فالمكتب يقع في شارع وول Wall ستريت، وهناك ضمن المكتب جدار يفصل بين غرفة صاحب العمل وغرفة بارتلبي، إضافةً لأن لبارتلبي نافذة تطل على جدار قرميدي كئيب يتألق الضوء الخافت عليه بصعوبة.

كما في نهاية القصة رمزية للجدار أيضاً..

كل هذا يدفع لسؤال لا بد منه.. ما الذي يدفع بشخص ما إلى سكون رهيب كأنه قبر؟ ولعل الحماسة لكشف سر بارتلبي تكمن في أنه إنسان بلا تاريخ، لكنه مجد وهادئ ولا يمكن أن تؤذيه، وهذا حاضر بشدة ضمن عواطف مكتب الناسخ الذي وصف مشاعرهُ بدقة هيرمان ملفيل.

قبل أن أنهي لا بد من القول أنه في داخل كل إنسان بارتلبي صغير، بارتلبي ساكن يقبع وحيداً كآخر عمود لمعبد قديم مهجور.. أحياناً يكون الوصول لحالة بارتلبي تلك قمة الطموح البشري، وأحياناً يكون الهروب منها هو طموحٌ أيضاً. لم يكن بارتلبي لا مبالياً بقدر ما كان يمثل دوامة من الوجود والسكون. كان عاجزاً عن النطق لإدراكه عدم نجاعة الفعل نفسه.

آمن بارتلبي أن كل شيء في النهاية سيصطدم بـ “الجدار”، الجدار الذي يهدم اللذات، الجدار الذي لا مفرَ منه أبداً..

التصنيفات
فكر

تأثير راشمون.. لماذا يكذب صديقك عندما يروي قصة؟

منذ مدة عندما سقطَ الطفل المغربي ريان في البئر لمدة خمسة أيام وانشغلَ العالم في قضيته، ظهرت فكرة لا بد من الإشارة إليها وتفسيرها وفقاً لمبدأ وتأثير راشمون Rashomon Effect. وهي مدى أهمية عنصر «الذاتية» على قراءة أي حدث مهما كبرَ أو صغر.

بعدما انتهت قضية الطفل الذي علقَ في البئر لخمسة أيام، ليخرجَ حياً ثم ميتاً. انهالت التفسيرات من كل حدبٍ وصوب، ولعلها تباينت كالتالي:

  • الحالة الأولى: الذي وضع الحق على إهمال الأهل.
  • الحالة الثانية: الذي وضع الحق على إهمال الطفل نفسه.
  • الحالة الثالثة: الذي وضع الحق على إهمال أصحاب القرار فيما يتعلق بفتحة البئر الذي كان ينبغي حفره في القرية وسقط فيها.
  • الحالة الرابعة: الذي وضع الحق على الإله وقال أين مفهوم العدالة الإلهية.
  • الحالة الخامسة: الذي رأى في الحالة فرصة عظيمة للوحدة العالمية فتبنى شعار: أتى ليوحدنا ثم رحل.

وآراء كثيرة لا تعد ولا تحصى. وهذا كله يُفسر ويصب في إطار مفهوم واحد يدعى تأثير راشمون. ولشرحه لا بد من طرح المثال التالي:

عندما يكون هناك حشد من الناس يتجمعون في نقطة معينة. كيف يمكن لأشخاص مختلفي الخلفيات الثقافية والمهنية والعلمية أن ينظروا إليهم؟

مثلاً:

عندما يمر «الكوافير» على هذه الحشد فإن ما يلاحظه غالباً هو تسريحات شعرهم وهل هي منضبطة أو لا. عندما يراهم مصور فوتغرافي فإنه سيهتم بأخذ لقطة مناسبة لهم. عندما يرصدهم صاحب محل أحذية فإنهم سيهتم برؤية ما ينتعلون في أقدامهم، عندما يمر بهم تاجر، فإنه سيحاول فهم احتياجاتهم كي يحاول بيعها لهم.. هل هم في مكان حار؟ هل يحتاجون لزجاجات مياه حتى نبيعها لهم؟ وهكذا دواليك.

يتحدث تأثير راشمون عن أن أي فعل أو رصد لحالة، لا يكون بشكل موضوعي بقدر ما هو إسقاط «للذاتية الشخصية» على كل حدث. فالوقائع -بشكل ما- تتأثر وفقاً للخلفية التي يأتي منها «راصد» تلك الوقائع أيضاً.
ولعل الحيادية في تلك الوقائع تقتصر على أيدلوجيات محدودة جداً؛ أبرزها المنهج العلمي، الذي يتبنى فكرة تكرارية التجربة وقابلية القياس كمبدأ أصيل وثابت.

عدا ذلك، تكون الذاتية حاضرة بشكل كبير. والأخطر من هذا، أن تلك الذاتية تضمحل بشكل تدريجي دون أن يعي صاحبها ذلك. وتتحول لناظم فكري غير مباشر وعدسة فكرية لكل ما يُنظر إليه.

سأضرب مثالاً جديداً حتى تتضح الفكرة: عندما تقرأ الجملة التالية ماذا سيخطر على بالك؟

الجملة: طالبة ذبحت بواسطة صديقها..

سيخطر على بالك فوراً اسمين لا ثالث لهما، وهما “نيرة أشرف” وسلمى بهجت”.

هناك شيء غريب!

أنا لم أذكر أسماء أبداً.. فقط قلت طالبة ذبحت. هناك آلاف الناس يذبحون. لماذا قفز هذان الاسمان فقط إلى وعيك؟

لأن الذاتية الآن مشحونة ومعبأة وLoaded حتى درجة الغصة بما يطرح في وسائل الإعلام، ولعلَ أبرز السلبيات الحاصلة في عصرنا هي فقدان هذا العنصر النفيس دون أن ندري. عنصر الذاتية النقية. الذاتية غير المشوهة.

فكل حالات التضامن سواءً مع الطفل المغربي أو الطالبات أو أي إنسان يقع ضحية هي حالات تضامن زائفة.
لماذا؟

لأن الإنسان يريد فقط أن يبرر موقفه الذاتي المسبق لا أكثر، وكل تلك ردات الفعل و«الريأكشنات» على فيسبوك وتويتر لا تسمن ولا تغني من جوع.

نعود لحالة الطفل المغربي ريان ونحاول فهم عنصر الذاتية وتأثير راشمون.

  • الذي يقول أن الحق على الأهل غالباً هم شباب غير متزوجين، يريدون تبرير الموقف من وجهة نظرهم كأشخاص عزاب. (حضور الذاتية).
  • الذين يقولون أن الحق على الطفل هم غالباً متزوجين ويملكون أولاد طائشين يلعبون كالقرود، ويرون في ذلك تبريراً لما يفعل الأطفال من حماقات. (حضور الذاتية).
  • الذي يرى في رحيل ريان فرصة “ليوحدنا” غالباً يريدون مواساة أنفسهم بانتماءات كبرى صعبة التحقق، مثل هكذا أحداث تكون فرصة مواتية. (حضور الذاتية).
  • الذي يرى في رحيل ريان عبثاً وعلامة على ” اللا إلهية” يرون الحدث من ذاتيتهم التي أساساً لا تؤمن بمفهوم قابلية حدوث الشر في وجود الإله. فغالباً ما يكونون مثاليي التوقعات. (حضور الذاتية).

القصة باختصار أن أي حدث، لا وجود لهُ إطلاقاً -عدا ضمن المنهج العلمي- خارج إطار الذاتية. وكل حدث ما هو إلا تفسير مسبق لكمية مخزنة من القناعات الموجودة لدى الأفراد، ولهذا قال العظيم نيتشه قبل قرن من الآن، لا يوجد حقائق! يوجد فقط وجهات نظر!

وحتى على نطاق أكبر من ذلك، نطاق الحياة خارج الأرض وفي الكون كلهُ. هناك ضرب من المركزية البشرية المثير للشفقة.

غالباً نسمع عبارة.. البحث عن حياة خارج الأرض وهل يوجد حياة؟

الفكرة الحاسمة أن الإنسان -بعنجهية شديدة- عندما يريد البحث عن حياة خارج الأرض، يتخذ من «نفسه» معياراً للحياة وينطلق ليرى هل يوجد نفسه في كل الكون! بمعنى أن الحياة وفقاً للفهم البشري (القدرة على الاستقلاب والتكاثر ..الخ). هي ناموس كوني ودستور عابر للمجرات. وبالتالي عندما يبحث عنها خارجاً لا يفكر للحظة أنه يمكن أن تكون بشكل آخر خارج توليفته الأساسية بشكل كامل! (هناك وثائقي جميل تحت عنوان «حياة الصخور» يتحدث عن كيف أن الصخور تملك حياة من شكل آخر تماماً).

قالَ الساخر الجميل جورج كارلين كلمة جميلة منذ زمن.. قال: مبدأ قدسية الحياة تافه، لماذا؟ لأن البشر يقدسون الحالة التي يعيشونها لا أكثر! اذهب للمقبرة واسال الموتى.. هل الحياة مقدسة؟ لن يقولوا شيئاً، لماذا؟ لأنهم Fu*kin Dead.

أي أن الإنسان «يُمعير / يتخذ كمعيار» الحالة التي وجد نفسهُ عليها ويضعها ناموساً. حالة شبيهة جداً بمبدأ الاستشراق الغربي، عندما يرى الغرب في نفسه مركزاً وينظر للعالم بأسره من عدسات أفكاره. لكن البشرية بكاملها فعلت ذلك أيضاً مع فكرة الحياة نفسها والبحث عنها في الخارج، حيث اتبعت مبدأ «الاستئراض / معيارية الأرض» أو «الاستئناس / معيارية الإنسان» حيث وضعوا من الحياة على كوكبنا الأزرق كمعيار للحياة بكاملها، وهذا كما قلنا نوع من أنواع الذاتية المسبقة التي تحدث عنها راشمون.

ربما آخر مثال هو الحدث والقصة التي تحضرها أنت وصديق ما، فتندهش عندما تراه يرويها بتفاصيل جديدة ومنظور مخالف تماماً، فتقول في سرك، تباً لهُ ما أشد كذبه! كنت معه في نفس الحدث ولم يحصل كل هذا، لماذا يختلق الأكاذيب؟
ليست أكاذيب.. إنهُ تأثير راشمون وحضور عنصر الذاتية. فالحلاق يرى في العالم مجرد شعر، والمصور يراهم كوضعية تصوير، والتاجر يراهم كفرصة لبيع منتجاته.

ولعلَ أهم ما يمكن قوله في الختام، أهمية الحفاظ على «الذاتية» النقية في ظل عالم مشحون بشكل مخيف بكمية مرعبة من الأخبار والمعلومات -غير المفيدة- التي تشوه الذاتية، خصوصاً أن ذلك يشحنها ويجعلها حكماً -غير مباشر- في مواقف تالية ستعيشها في حياتك، فيتأثر معيار حكمك على كل شيء تقريباً.

التصنيفات
عام

روايات مناسبة تحت الفلافل

تقول القاعدة السائدة أن نسبة الروايات في الحصيلة العامة للقراءة لا ينبغي أن تتجاوز الـ 10%. بمعنى أنه من بين كل مئة كتاب تكون 10 منهم روايات. ومن بين كل 10 كتب تُقرأ هناك رواية واحدة فقط.

هذه كانت القاعدة القديمة، هناك أخرى جديدة سأحاول فيما سيكتب تالياً الجدل دفاعاً عنها، بأنهُ لا داعٍ لقراءة الروايات من أساسها، باستثناء قلة قليلة يمكن حصرها في قائمة الأدب العالمي الرصين. عدا ذلك -خصوصاً أننا نعيش في زمن روايات أدب الرعب- فيمكن القول أن الروايات أصبحت فائدتها الوحيدة هي الوضع تحت الفلافل والطعمية وغيرها مما يُقلى من طعام، حتى تمتص الزيت كالإسفنجة ويكون لها نفع ملموس.

من الفروقات الجوهرية بين الإنسان العاقل -الذي يدّعي زوراً أنهُ كذلك- وبين الحاسوب، أن الحاسوب لا يقضي عمره في تفاهة وهراء الجنس البشري فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، والمقدمات، واللف والدوران الساذج دون الانخراط في الموضوع.

الحاسوب يتبادل معلومات -وفقط معلومات- بدقة وسرعة كبيرة، زوّدني بمعلومة لأعالجها فوراً، الحاسوب لا يقول للحاسوب للآخر «صباح الخير» أو «كيف الحال». لا، بل يدخل في صلب الموضوع مباشرةً. متبادلاً فقط معلومات ومعالجاً لها، ولهذا خلال سنوات بسيطة من عصر هذا الحاسوب تمكن من اكتساح الإنسان في عديد من المجالات والقائمة على الطريق فلا تزال في أولها.

من المهم التفريق بين البيانات Data وبين المعلومات Information. ولفهم ذلك نطرح مثال درجات حرارة الطقس. عندما تُسجل حرارة الطقس ضمن أرشيف ما دون إطلاع عليها تكون حينها بيانات Data. لكن بمجرد أن ألقى الإنسان نظرة عليها تصبح معلومة Info. ويمكن القول أيضاً أن مصطلح المعرفة Knowledge هو الخبرة المطولة الحكيمة في التعامل مع المعلومات.

يحتاج الإنسان للمعلومات أكثر من حاجته لأي شيء آخر. المشكلة الروائية تكمن في مخاطبة العواطف وبناء حس إنساني داخل كل فرد وهذا جميل بالطبع، لكنهُ في حدود دنيا وكثرته قد تؤدي بصاحبهِ -أو بصاحبتها بنسبة أكبر- لحالة فيضان عاطفي سيّال تنجم عنه شخصية لا واقعية، وإنسانية بشكل زائد عن اللزوم.

لو أردنا تقسيم آلية تفكير الإنسان فيمكننا وضعها في سياقين اثنين، الأول هو قسم «المعالجة الفكرية العُليا» متمثلاً بالدماغ واستطاعته من تحليل ومحاكاة، ثانياً وهو الأهم جداً قسم «التخزين والأرشفة».

متى يُلعن الكائن العاقل وتُقلب حياته جحيماً؟

عندما يكون قسم المعالجة المركزي (الذكاء الوراثي) لديه قوي وضخم ومتطور إلا أن قسم التخزين (القراءة وإدخال المعلومات والبيانات) لديه يكون فارغاً تماماً! الأمر شبيه جداً بحاسوب متطور يملك معالج من أحدث طرازات شركة إنتل، لكنه لا يوجد لديه قرص صلب «هارد ديسك» حتى يعالج هذا المعالج بياناته ويحاول استخدامها.

لكن على عكس الحاسوب الذي يمكن أن يُطفئ إن لم يكن هناك معلومات للمعالجة، فإن الإنسان غالباً ما يميل لشيء آخر يجعلهُ شخصية بشعة وصعبة التعامل، وهو استخدام هذا الذكاء في معالجة الحياة الاجتماعية، ومشاكل فلان وعلان وما تقوله فلانة وعلانة، مما يقلبهُ لشخصية غريبة غالباً ما تكون منفّرة.

الإنسان بحاجة لمعلومات وبيانات أكثر من حاجته للحس الإنساني العميق لأن هذا الحس سيُكتسب بطريقة أو بأخرى، وأعتقد أن منظومة الأسرة، والمدرسة، وحتى التربية الدينية بفرعها القيمي.. بوصفهم أماكن «للغرس» كفيلة بأن تزرع هذا الحس وفي وقت مبكر حتى، لذلك لا داعٍ لمحاولة اكتسابه في مواطن الروايات التي يغلب عليها لطابع الرديء كما نرى.

استغرق فيكتور هوغو 15 سنة لإنهاء روايته العالمية البؤساء، لكنها في النهاية خرجت نصاً عملاقاً مازال يعيش إلى الآن. أما الآن فالأدب الروائي لا يصلح لشيء، خصوصاً أدب الرعب وأدب العناوين الرنانة كما في عنوان هذه التدوينة.

روايات تُكتب في سنة واحدة. تذهب لترى كاتبتها / كاتبها ضمن الـ Goodreads فتجد أنهُ في عام 2017 لديه رواية، و2018 هناك رواية، و2019 هناك رواية، و2020 هناك رواية. وهكذا بشكل انشطاري.

ما هذا العمق الروائي ها هنا؟ مَن هذا الراوي الخارق الذي ينتج كل سنة رواية؟

ناهيك طبعاً عن عدم وجود مرجعيات يمكن التقييم من خلالها، لربما باستثناء البوكر هي التي تحاول سد هذه الثغرة.

كما ينبغي التذكير أن قراءة الأدب تكون محصورةً بلغتهِ الأصلية، بمعنى لا يمكنني قراءة الأدب الروسي ودوستويفسكي إلا بالروسية، ما نقرؤه هو «الأدب العالمي المترجم». صحيح أن النبرة تصل بشكل ما، لكن تبقى كذائقة أدبية موطّنة فقط في اللغة الأم. وقد وصفَ أحد الأدباء الإسبان حالة قراءة الأدب المترجم بالقول: كأن يدخل الإنسان للاستحمام وهو يرتدي معطفاً! هذا هو الأمر الشبيه بقراءة الأدب بغير لغته الأم، الاستحمام مرتدياً معطفاً!

وعلى رأي الشاعر الإنجليزي الشهير الكسندر بوب، فإن العواطف هي أشد العواصف. وكما قال شيرلوك المحقق الفظ، فإن العاطفة هي خلل يُتواجد عند أصحاب الموقف الخاسر، ومثلما صرّح فيلسوف المطرقة نيتشه فإن العواطف وما يختلجها من مثل وقيم ما هي إلا صناعة العبيد حتى يمنعون السادة من تحطيمهم والخلاص منهم.

في جميع الأحوال يبدو أن هناك ذم تجاه الموضوع، ولعل قدح الرواية أو حصرها في سياقات محدودة يقوم في جزء كبير منه بسبب ارتكانها على هذا الجزء الهش من الإنسان، وهذا طبعاً إن أجادت الرواية في نقل ذلك وكانت رصينة كالبؤساء أو الكونت دي مونت كريستو، فكيف يكون الحال أساساً عندما تفشل في ذلك؟ فتخرج لنا النتيجة النهائية كخلطة شعورية سيّالة مُخرجة بشكل سيء على جميع الأصعدة.

في النهاية، قد يسأل سائل لماذا الاهتمام المقابل بالمعلومات لهذه الدرجة؟

في الحقيقة، لأن كل شيء في هذه الدنيا هو معلومات! (حتى لو أن أحداً لم يصرّح بذلك).

عندما يُطلب منك في سوق العمل ورقة الخبرات، ما المقصود بكلمة «خبرة». الخبرة هي تتالي مرور ضخم جداً لمعلومات على الموظف المطلوب، بالتالي عندما يمر هذا الكم الكبير من المعلومات أمامك، وتقوم بمعالجتها وحل مشاكلها فإن الخبرة تتكون لديك.

أليست هذه معلومات؟

في المدرسة والجامعة، بناءً على ماذا كانت التقييمات؟ أليس حفظ المعلومات وتذكر المعلومات!

أفهم أن الرغبة في «عيش الحياة بكل ألوانها» هي حالة أصيلة في الجنس البشري، لكن ينبغي التذكر أن نقطة الافتراق ما بين الكائن العاقل وما بين بقية كائنات مملكة الحياة كانت عندما بدأ باستخدام نظام المنطق والسببية والوعي الذاتي. غير ذلك من التعاطف وحتى التعاون والعلاقات الاجتماعية موجودة عند الشمبانزي وقطعان الذئاب حتى.

لذلك ليست شيئاً يُعول عليه كثيراً، بل عامل رديف.

ثم إن القول بأولوية المعلومات مهم لأن الإنسان حتى لو أراد عازماً فعل ذلك، فإنه لن يستطيع. بمعنى التشديد على أهميتها مفيد لأن غالباً ما سيُطبق 80% منها أساساً، بالتالي وكتحصيل حاصل سيبقى هناك هامش يضع فيه الإنسان العاقل ما يريد من مشاعر وأحاسيس وروايات رديئة.

أختم بمثال ذو طابع مخل بالأدب لكنه مهم لإيصال الفكرة النهائية.

العملية الجنسيّة عند الإنسان.. ما هي؟

يسميها البعض «ممارسة الحب». وآخرين «عقد زواج» وأشياء كثيرة. لكن لو أزلت كل هذه الطقوس والتأويلات ستجد شيئاً مهماً يربض في داخلها، وهو «محاولة تبادل معلومات».

إذ يتواجد في رأس كل نطفة ذكرية نواة صغيرة تحوي بداخلها الـ DNA الذي يشكل البذرة المعلوماتية لشيفرة الإنسان القادمة، وهذا الحمض النووي يكون على هيئة جذور كيميائية شهيرة تُعرف بالـ ACGT. وعند المرأة وبويضتها الأمر ذاته.

العملية الجنسية في جذرها هي «تبادل معلوماتي». أشبه ما تكون بوضع USB ضمن الحاسوب كي ينقل بعض الملفات الهامة. ولأن هذه العملية مهمة جداً في سياق البقاء واستمرار النوع، يحصل الإنسان على مكافئة ضخمة مع كل مرة يحاول تنفيذها، سواءً نجح أم فشل بذلك.

لكن الدماغ البشري -تحديداً القشرة المخية Cortex- أداة «اصطلاحية» بشكل مخيف. لذلك لا بد من اصطلاح وتأويل كل عملية حتى ينظم الإنسان وجوده من خلالها. بدءاً من مصطلحات «شروق وغروب الشمس» التي لا معنى لها لأن الشمس لا تتحرك بل الأرض والكواكب هي مَن تدور. وليس انتهاءً بحياته الشخصية وكل ما يعتريها.

لماذا المعلومات؟

كل حياتنا معلومات، بدءًا من أصغر مرحلة وهي مرحلة النطفة والبويضة، مروراً بالمدرسة والجامعة ومن ثم العمل والخبرات، وحتى الموت والتحلل.

الفرق الوحيد هو اختلاف الاصطلاحات التي يطلقها الدماغ لإعطاء تلك المعلومات معنى يفهمهُ.

التصنيفات
فكر

تشريح التدميرية الجنسية: مبادئ لتفهم كل ما يجري

يتفق الجميع على أن النقد فعل حميد، فسواءً كان غير صائب فإنه يساهم في تعزيز مكانة الفكرة المستهدفة، وسواءً كان صحيحاً فإنه سيؤدي لزعزعة استقرار كيان الفكرة المستهدفة.

لأجل هذا، سأكتب نقاطاً مهمة هدفها فقط النقد، في محاولة لتبيان الآراء كما هي وكما يتبناها صحبها لا كما تعرض بشكل Lite من قبل مَن يعارضونها، وهي حالة معروفة جداً في المناظرات والأوساط الثقافية الرخيصة. حيث يقوم كل خصم بخلق نسخة مغفلة وحمقاء من آراء الطرف الآخر ويستمتع بنقدها وتحطيمها دون أن يعلم أن لا أحد يؤمن بها سوى نفسه.

تجنباً لهذا، واعتماداً على المبدأ الفلسفي؛ ليس بوسعنا التفكير عن الناس بل فقط إرشادهم لطرق التفكير، هذا نقد عام وشامل لجميع آراء الحالة الجنسية عند الإنسان.

نبدأ..

الفكرة الأولى: قد يغفر الله لكن الطبيعة لا تفعل

لربما هي الأهم في ظل هذا السجال، وهو أنهُ بعد نهاية الإيمان عند الإنسان وبعد رفض القيمة السماوية وقتل الإله بلسان نيتشه، ليس بالضرورة أن يتم تحطيم القيمة الإلهية والمدلول المُصاحب لها، بمعنى أن هناك فرق ما بين التخلي عن الإله كعبادة، وما بين التخلي عن الإله كدور في انتظام المجتمعات.

مثال..

هل سألت نفسك يوماً ما سر هيمنة الدين المطلقة على التاريخ الحضاري للإنسان؟
في عالم قبل وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي وكل شيء.
انتشر الدين وهيمن بشكل واسع ومطلق.

وحتى الآن وفي ظل أوج انتشار الأفكار المضادة لهُ، ما زال الخيار الأول للاستثمار في روح الإنسان وكيانه ووجدانه على أقل تعبير؟ لماذا؟ من أين يأتيه كل هذا الدعم؟
الجواب باختصار هي الطبيعة نفسها!

الـ Mother Nature نفسها هي أكبر داعم للدين عبر التاريخ.

يشكل الدين نظاماً تكيفياً مرعباً، وكأنه جوهرة ثمينة اشتغلت الطبيعة على صقلها لآلاف السنين.. نظام يجعل الإنسان يتكيف مع بيئته بشكل مطلق، محافظاً على توازن طبيعي، ضامنةً استمرار النسل وعلى العكس التباهي بأعداده، دون الخوف من الموت كثيراً لأنه يحل المعضلة، ودون التطرق كثيراً لمعضلة البداية ومن أين أتينا، لأنه أيضاً قد صرح بشأنها أيضاً.

قالَ نابليون للعالم الفرنسي لابلاس في القرن الثامن عشر قبل حوالي 300 سنة من الآن، لماذا لم تضع وظيفة للإله ضمن مخططك الميكانيكي عن العالم؟

ليرد لابلاس.. وهل نحتاجه؟

لكن وبعد 300 سنة من الثورة العلمية والتكنولوجية لا يزال حاضراً وربما يتضاعف.

كلمة مدينة مشتقة من لفظة دين. وتعني التجمع البشري الذي يخضع سكّانه لقواعد ونهج اجتماعي منضبط. لأن ما خارج المدن كانت تسيطر عليه العشوائية.

لماذا؟

لأن الطبيعية باختصار تعشق نظم التكيف الشاملة عند الإنسان، وإلى الآن الدين هو جوهرتها الثمينة. وهذا قطعاً بغض النظر عن الصواب والخطأ ومَن المحق ومن لا. لأن الطبيعية لا يهمها هذا، المهم فقط هو التكيف واستمرار النسل والحياة.

الفكرة الثانية: الـ 2% التي ستهدم الـ 98%

المشكلة مع التوجهات الجنسية هي مشكلة إعلامية أكثر من كونها مشكلة حقيقية. هذا إن كان هناك مشكلة من الأصل. لنأخذ على سبيل المثال فيلم Lightyear الذي عُرض مؤخراً وفيه مشهد مثلي. من الأمور المثيرة جدًا أن الفيلم لا علاقات فيه من الأساس! ليس مثلاً كالمسلسلات الدرامية التي تحوي كثيراً من الأزواج أو العلاقات. الفيلم لا علاقات فيه أبداً.

لكن وفي منتصفه، وفي المشهد الوحيد الذي يعرض عائلة، يتفاجئ المشاهد بقبلة مثلية أمامهُ.
أين المشكلة هنا؟
المشكلة أنهُ حتى الإنسان المثلي الليبرالي الذي يؤمن بالحقوق ينبغي أن يستغرب ويستهجن!
نسبة المثلية في العالم لا تتعدى 2%. ورغم أن الصراع المغفل يدور حول هل هي مرض أم لا، فهو أمر غير مهم، المهم أن هذا الشيء موجود.

  • هل هناك ذكور بالفعل يرفضون دورهم البيولوجي أو لا يرونهُ؟ نعم. أعتقد أن كل شاب مر في حياته إنسان أو صديق يرى فيه انخفاضاً للدور البيولوجي السائد.
  • هل هناك إناث بالفعل يرفضن دورهم البيولوجي أو لا يرونهُ؟ نعم. أعتقد أن كل شابة مرت في حياتها بصديقة ما ترى فيها انخفاضاً للدور البيولوجي السائد.

الفكرة غير المفهومة، أن الإعلام يقوم بتشويه صورة المثلية عن غير قصد عندما يحاول أن يجعل الحالة السائدة هي المثلية! (حالة شبيهة جداً بالأهل عندما يكون لدى طفلهم مشكلة ما، فيقومون بالغدق عليه بالمديح بشكل زائد حتى لا يشعر بما فيه من اضطراب بدلاً من توضيح الحالة وحقيقتها).

فيلم أو مسلسل.. لا علاقات فيه من الأساس. وعندما تظهر علاقة أو مشهد لعائلة، تقوم بوضع الحالة الاستثنائية -التي نسبتها 2%- وهي عائلة مثلية! ما هذا التقدير الإحصائي السيء؟ الأمر شبيه جداً أن تكون بطلة فيلم جيمس بوند فتاة محجبة! أو أن يكون جيمس بوند بلحية حليق الشارب!

تخيل ردة فعل الإنسان العالمي عندما يرى أن فتاة جيمس بوند محجبة ضمن الفيلم. الأمر غير معقول لأنهُ حالة استثنائية.. ووضع الاستثناء كسائد هو مشكلة الصحافة الصفراء التي تريد صناعة محتوى على حساب الهوامش.

الفكرة الثالثة: الإنسان البرو ماكس ضد الإنسان البطارية

مع بلوغ الإنسان لعمر الـ 40 سنة، يبدأ جسمه بالتحطم بشكل تدريجي. إذ يفقد 0.8% من نسيجه العضلي بشكل سنوي وتبدأ القوة الجنسية بالخفوت والتباطئ ومن ثم الفتور، إذ يكون أفولها نهائياً عند المرأة مع عمر الـ 45 فيما يعرف بانقطاع الطمث النهائي. ويكون أيضاً ذلك عند الذكر بصيغة مختلفة، إذ يصبح عضوهُ مجرد “ديكور” لا يقف شامخاً مثلما كان يقف أيام الشباب. فالفحل الذي لا يُجدع أنفه، قد جُدعَ أنفهُ وتمرّغ في التراب.

تبدأ الخلايا السمعية بالتآكل والانخفاض التدريجي، في حين يتعرض البصر لحالات مدّه الشيخي أو أمراض أخرى.
يبدأ انهيار الإنسان..

هل تعرفون.. ما هو أكبر وأضخم وأهم استثمار كان يفعله الكائن العاقل طيلة حياته؟ إنجاب الأطفال.

لماذا؟

إن قطعت الـ 40 ولم تنجب أطفال، فإن نذر الكارثة في طور الظهور.

أكبر وأهم استثمار يفعلهُ الإنسان هو إنجاب أطفال.. رغم أنه رهان معلق في الهواء، إلا أن الإنسان مارسه عبر التاريخ كونه يضمن استمرارية النوع. وتأمين ختام حياة مشرف لآباء النوع. وحتى يضمن سعادة النوع بشكل أو بآخر.

رفض الأنجاب أو عدم القدرة عليه لشيء ما سيضرب صميم الإنسان، فمع بلوغه الـ 40 يبدأ الإنحدار البيولوجي. ومع بلوغه الـ 60 يبدأ الانحدار الوظيفي كونه السن المتفق عليه للتقاعد حول العالم، فغالباً لا أحد سيعمل بعد هذا العمر. وفي ظل عالم الوفرة الذي نعيش فيه، ومتوسط عمر الإنسان الذي هو 80 سنة تقريباً. هناك هامش كبيراً لعيش 25 سنة كعالة على المجتمع.

ولهذا نشأت مفاهيم كالموت الرحيم وغيرها كعلاج لهذه المشكلة.

لهذا أعتقد أن هناك نمطين من الإنسان على وجه الأرض، الإنسان البرو ماكس والذي هو يخالف قوانين الطبيعة في التكاثر وأي شيء آخر، لكنه ينتدب نفسه في سبيل الحصول على دكتوراه ورفد البحث العلمي واختراع شيء ما يفيد الجنس البشري بكامله، فيكون قد ضحى بنفسه في سبيل الصالح العام.

النمط الثاني هو «الإنسان البطارية». وهم الغالبية الساحقة من الناس، الذين لا إمكانيات لهم في البزوغ الساطع كنجوم الإنسان الأعلى، لكن لديهم مقدرة كبيرة على التكاثر وتلبية نداءات الطبيعية الغريزية، فيساهمون في استمرارية النوع ورفد الحياة على سطح الكوكب.

السؤال الكبير هنا..

إن لم تكن إنساناً أعلى يرفد حياة الجنس البشري بكاملها ويحسنها كجميع العباقرة عبر التاريخ. وفي نفس الوقت إن لم تكن «إنساناً بطاريّاً» يساهم في التكاثر وضمان استمرارية النوع، فما هي الفائدة من وجودك؟

  • لا يؤمن بإله ولا يحقق المبادئ السامية في الدنيا كالإنسان الأعلى.
  • لا يؤمن بأهمية نوع الإنسان ولا يساهم في تقدمه كإنسان غريزي.
  • إذاً ما هو الدور الذي تنيط به حياتك؟ استمرارية استهلاك الأوكسجين على الأرض؟
    قد يقول البعض الحصول على المتعة والحرية وتحقيق ذاتي.
    ممتاز.. يمكنك القراءة قليلاً عن فلسفة الـ Satanism أو الشيطانية. لأن هذه هي بالضبط.

الفكرة الرابعة: في مديح الشذوذ

كلمة شذوذ لا ضير فيها لأن كل شيء استثنائي -بالمعنى الإيجابي- هو شذوذ. راقب طلاب المدارس والجامعات، الغالبية الساحقة هم في المعدل المتوسط، الحالات الشاذة هم أولئك العباقرة الذين يبزغون فيما بعد.

راقب نبضات القلب، الشذوذ في ذلك الخط يعني الحياة وأن القلب مازال يعمل، بمجرد أن استقر يعني أن الحياة قد فارقتك وأن الذكرى قد سحبتك عليك ذيول النسيان.

اللغة نطقاً وكتابةً هي شذوذ. عمر الجنس البشري هو 300 ألف سنة تقريباً، عمر الكتابة لا يزيد عن 3 آلاف سنة. الحالة الطبيعية للإنسان أن يكون أبكماً يهمهم دون أن يقول شيئاً، الكتابة وما نتج عنها من انقلاب حضاري مخيف هو شذوذ بمعيار الطبيعية.

الحضارة بكاملها هي شذوذ، المفروض للإنسان أن يعيش ويشرب ويأكل ويتكاثر، وانتهى. لكنه كائن متمرد. اخترع النار -وهي شذوذ- واستطاع أن يخترق نظامه الغذائي ويطبخ اللحوم -وهي شذوذ ضمن الحمية الغذائية القديمة- ليقوم بعد ذلك بتنمية دماغه وتوسيع القشرة المخية لا سيما في المنطقة الأمامية المسؤولة عن التحكم واتخاذ القرارات والكبح و”الكبت الجنسي”.

هذا الشذوذ هو الذي ولد الحضارة.

لذلك فإن الاستشهاد دائماً بفكرة أن النصر للأفكار العامة لأنها متقبلة على نطاق أوسع هي مجادلة متهافتة جداً، أوسع وأضخم وأهم الأفكار عبر تاريخ الإنسان بكامله كانت شذوذاً عن الحالة الطبيعية. لهذا استغرب البعض استهجان كلمة شاذ لأنه بالفعل كلمة لا معنى لها.

لديك صف دراسي فيه 30 طالب. رسب الـ 29 بينما نجح 1 فقط. هذا الطالب هو شاذ. بعيون الرسوب الذي أجمع عليه البقية.

فعلى العكس ربما.. كلمة شذوذ تحوي مدحاً أكثر من قدحاً حتى.

الفكرة الخامسة: اضطراب الهوية الجنسية ومفهوم التنوّع العصبي

يُتصارع على هذه القضية بأن هل الحالة الجنسية عند الإنسان مكتسبة بواسطة التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها، أم المواقف النفسية التي يمر بها، أم خليط من العوامل المعقدة المتداخلة، أم أن الهوية الجنسية تُحدد بواسطة البيولوجيا والحالة الفيزيولوجية للجهاز التناسلي عند الإنسان وينتهي الأمر في أرضه!

لفترة طويلة من الزمن كان وصف الحالة المغايرة للجنس البيولوجي المحدد بواسطة الولادة تعتبر بأنها اضطراب نفسي يُسمى اضطراب الهوية الجنسية. إلا أنه حذف فيما بعد لتصبح الحالة طبيعية وأنه بالإمكان للإنسان أن يكون مخالفاً للحالة الفيزيولوجية التي وُلد بها.

فعلى جميع التوجهات، هناك حالة فيها الإنسان يكون مضطرباً تجاه ميوله الجنسية الأساسية. هذا يعترف به الجميع.

الفكرة أن أصحاب التوجه الليبرالي طالبوا بالحقوق، وبالتالي أصبحت هذه الحالة طبيعية.

وأصحاب التوجه غير الليبرالي خصوصاً المحافظين، قالوا لا. وأن هذه الحالة موجودة فعلاً، لكنها ليست طبيعية. (البعض يأخذه الحماس ليقول ألا وجود لها من الأساس وهذا خاطئ، الفرق أن من يرفضها يقولون أنها حالة غير طبيعية تحتاج لعلاج أو شيء ما.. الخ).

وهذا الأمر ليس فقط في سياق الوضع الجنسي عند الإنسان.

كل الاضطرابات النفسية وحتى تلك ذات الطابع العصبي بدأ التحلل منها حالياً، إذ بدأ ينتشر مصطلح NeuroDiversity. أي التنوع العصبي. فلم يعد هناك مصاب بالاكتئاب أو القلق أو حتى التوحد بالدرجات الخفيفة. النقطة فقط أن الناس مختلفين عصبياً ونفسياً ومتنوعين.

والمعيار السائد الـ Standard لم يعد موجوداً سواءً في الحالة الجنسية أو العصبية النفسية.

هذه «المرونة» في التعامل مع الإنسان بوصفهِ طيف كبير من كل شيء، تأتي بشكل عام للرد على ما حدث خلال فترة الحرب العالمية من نشوء أكبر العقائد اليمينية عبر التاريخ. من بعدها بالتدريج بدأت الرغبة في «حلحلة» أي شيء يعطي معياراً مركزياً لأي شيء. لأن هذا يعني كتحصيل حاصل الأدلجة والتمركز حول مركز ورفض الهوامش والأطراف.

ويصبح الأمر أكثر وضوحاً مع تفاوت مجتمعات الوفرة والندرة.

الفكرة السادسة والأخيرة: مشاكل مجتمعات الندرة، ومشاكل مجتمعات الوفرة

التعداد السكاني قبل قرن من الآن، أي في عام 1922 كان حوالي مليار ونصف إنسان. لك أن تتخيل كيف كان الحال قبل ألف أو ألفي سنة من الآن. عندما كانت المجتمعات تعيش في حالة ندرة موارد، وتكتلات صغيرة أقرب ما تكون للقبائل والممالك الصغيرة.

حينها ندرك من الطبيعي أن تظهر المثل والأخلاق الداعمة والدافعة لموضوع إنجاب الأطفال والحفاظ على الأنساب لأن أساساً كانت الحاجة ملحة لتلك المبادئ.

الآن اختلف كل شيء تقريباً، المجتمعات الحديثة مجتمعات وفرة لا أخطار فيها، ويستطيع الإنسان فعل ما يحلو له، فمن الطبيعي أن تتغير المثل والقيم الحاكمة.

فمثلاً مما ذكرته المؤرخة إليزابيت آبوت في كتابها History of Marriage أن سبب تعدد الزوجات التي مارسته كثير من العقائد عبر التاريخ كان دائماً نفسهُ. وهو “الإمبراطوريات التي تسعى للتوسع والتمدد”.
لماذا؟

لأن الرجل يملك عدد هائل من النطاف فهو كالديناصور، بينما الأنثى محاصرة ببويضة واحدة كل شهر.
كيف بإمكاني أن أزيد الأعداد؟ هل أزيد الرجال؟ لا ينفع هذا أبداً زيادة الرجال لا تزيد الأعداد على العكس تضرب المرأة.

ما الحل؟

أزيد عدد الإناث. وهكذا تتضاعف الأعداد وتتوسع الإمبراطوريات.

كل هذا كان في زمن مجتمع الندرة. أكرر مرة أخرى التعداد السكاني في 1922 كان مليار ونصف. لك أن تتخيل التعداد قبل ألوف السنين! حينها تفهم لماذا تبنى الإنسان ما تبنى من أفكار ولماذا رفع من قيم ما رفع.

ولربما القضية باختصار يمكن تلخيصها بالسؤال التالي: هل عادت تنفع “قيم مجتمعات الندرة” في زمن مجتمعات الوفرة التي نعيشها؟

تختلف الإجابات كثيراً، وعلى هذا الاختلاف يتحدد الموقف الفكري لكثير من الناس. وكتلخيص لكل النقاط السابقة تجنباً للضياع يمكنني قول النقاط التالية:

الخاتمة وزبدة الكلام.. الـ Bottom Line

  • الطبيعة نظام ذكي جداً لا يهمه الحق والصواب والخير والعدل، هذه قيم موجودة في رأسك تبنتها عديد من الحضارات لأجل قيام مجتمعات تملك عقود اجتماعية فيما بينها. يهم الطبيعة فقط استمرار الأنواع والتكيف الطبيعي. وإلى الآن الذي يتبنى قيم ومبادئ الطبيعة (استمرار النوع والتكاثر – الصبر وقت الشدائد – علاج قضية الموت الوجودية وماذا بعدها – إعطاء تفسير للإنسان ومن أين أتى) هو الدين. وبلغة علمية بحتة، الدين هو نمط من أنماط التكيف الطبيعي. لذلك سيبقى ما دامت الطبيعة نفسها باقية. (باستثناء أن تنشأ توجهات دافعة للتكاثر بنفس القوة الدينية، وهذا صعب).
  • الشذوذ ليست كلمة سلبية، كل عمل استثنائي كان شاذاً في البداية، الحالة الطبيعية للإنسان ومحيطه هي الصمت. ثم أتى الكلام وأتت الكتابة وأتى النور وأتى إسحاق نيوتن. لذلك الاستثناء وكونه قليل لا يعيبه بالعكس، هو دليل على تفرده، غير ذلك كان الجنس البشري كلهم عباقرة وأينشتاين.
  • في جميع الحالات الجنسية من المهم أن تبقى حالتك الجنسية شخصية، تخيل أن يأتيك أحدهم ويقول لك كم أنا سعيد لأني أملك قضيـ*اً كبيراً. ما وجهة نظرك عن ذلك؟ سواءً كنت مستقيماً أو غير مستقيماً، أياً كان، احتفظ بجهازك التناسلي لنفسك، لا داعي لإشهار جهازك التناسلي في وجه الناس في كل مناسبة.
  • المرونة العصبية أصبحت مصطلح واقع، قريباً تختفي مصطلحات الاضطرابات النفسية الحدية والنرجسية وغيرها وتصبح مجرد تنويعات. هذه سمة مجتمعات الوفرة المبنية على التسامح لذلك طبيعي في المجتمعات الغنية تحديداً أن يكون هناك تساهل مع كل شيء تقريباً، هذا ما يسمى عصر الرفاه.
  • نسبة المثلية الجنسية هي 2%، هذا طبعاً إن شعر الإنسان بالفعل أنه مختلف واستطاع تحديد ذلك لأنه الأمر معقد وأحياناً يتداخل فيه عدة أمور. المتاجرون الليبراليون حول العالم يشوهون القضية أكثر من تعزيزها لأنهم يريدون عرض القضية وكأنها الحالة السائدة لا الاستثناء – فيلم لايت يير- وهذا برأيي أشبه ما يكون بالأم التي تقول لابنها المصاب بمتلازمة داون مثلاً، لا يا حبيبي أنت رائع وأذكى من الآخرين.
  • يوجد 180 مليون طفل يتيم حول العالم بشكل سنوي، كنوع من المبادئ الجديدة في مجتمعات الوفرة هو قضية التبني. موضوع التكاثر الانشطاري غير مهم الآن لأن المهم هو التبني أو رعاية هؤلاء الأطفال لمن يتحسس من مصطلح التبني. العالم متغير وكل شيء تغير. فلا تثبت في فترة زمنية واحدة بارك الله بك.
  • المشكلة هي إعلامية في جوهرها، وعندما تكون بسيط إعلامياً من الطبيعي أن يتم التهامك. فمثلاً يدافعون دائماً عن مفهوم قيم الأسرة وأن نتفليكس تهدمها. لماذا لا تفعلون العكس؟ مثلاً يتم إنشاء منصة عرض تلفزيونية مثلها وتتبنى إنتاج أفلام ومسلسلات تشجع وتمدح قيم الأسرة. لماذا لا تحارب بنفس الطريقة التي تحُارب بها؟ هذا يدل على شيء واحد فقط، إن كان معك حق فأنت محق لكنك كسول مغفل، وإن لم يكن معك، فأنت مخطئ وكسول ومغفل معاً.
التصنيفات
كتب

التفكير السريع والتفكير البطيء

يملأ دانيال كانمان -أحد آلهة طب النفس والاقتصاد السلوكي في عصرنا- كتابهُ «التفكير السريع والبطيء» بالنماذج التي تتحدث عن كيفية تفكير الإنسان والمُحددات الواسمة لهذه النُظم، إلا أن الفكرة العامة تتمحور حول قضية لطالما داعبت أذهاننا وصعب علينا توصيفها ومن ثم توظيفها، إلا أنهُ يشرحها بسهولة عارضاً إياها ضمن النموذج التالي..

يحكم التفكير البشري نظامان لا ثالث لهما.. النظام الأول (نظام غريزي، عاطفي، وسريع). والنظام الثاني (نظام عقلاني، بطيء، يتمتع بمهارات تحليلية عالية). يميل الدماغ البشري لاستخدام النظام الأول على نطاق واسع جداً لدرجة أنهُ هو المهيمن في كل شيء تقريباً، في حين يكون النظام الثاني “على الطلب” في الوقت الذي يتم استدعائه فيه، فيلبي النداء فوراً.

مما طُرح في الكتاب من أفكار جميلة أيضاً، أن النظام الثاني -التحليلي المنطقي- غالباً ما يستخدم أفكار ومبادئ مستمدة من النظام الأول نفسهُ!

«بشكل ما، يبدو أن الإنسان يستخدم ذكائه، لتبرير جزء من غبائه أحياناً».

بمعنى أن الدماغ يستخدم “طرق ومبادئ ذكية” لمعالجة معلومات وبيانات “غبية” أو غير منطقية. وهذا الفخ غالباً ما يسمى باللغة العامية بالأدلجة أو تلغيم المقدمات Loaded Premises المنطقية بمسلمات لا استدلالات منطقية عليها.

التفكير السريع والتفكير البطيء

يطوف الكتاب حول العديد من الأمثلة والدراسات والاحصائيات، خصوصاً أنهُ يعتبر عصارة 40 سنة من الأبحاث لصاحبه الذي يحمل جائزة نوبل بالمناسبة، وهو دانيال كانمان. فيما هناك بعض الفصول التخصصية، يمكن تجاوزها وتركها.

ومن حسن حظنا أننا نعيش في زمن السوشال ميديا ووسائل التواصل حتى نستدل -بشكل ما ولو جزئياً- على صدق هذه الدراسات، فمثلاً.. عندما نرى منشوراً ما هنا أو هناك كيف نتفاعل معهُ؟

غالباً تضع قلب (أحببتهُ). أو أغضبني (كرهته). أو حتى مجرد لايك أو اعجاب.

ماذا نستفيد من هذا؟

نستفيد من الإنسان يتعامل مع كل شيء بعواطفه (أحببت، أعجبني، أغضبني). لأن التعامل الحقيقي مع أي شيء -لو كان المفعّل هو النظام الدماغي الثاني- سيكون بمثابة التالي:

ممم، هذا يبدو منطقياً!

أو هكذا يستقيم المعنى It makes sense. أو شيء ما من هذا القبيل.

يجادل كانمان كثيراً في أن النظامان مهمان لدى الإنسان، فمن غير المعقول عند الطعام أن تفكر في النظام الثاني!

وتجلس تحلل الطعام وتفنده وتفصفصهُ! أنت جائع، تلتهمه فوراً بدون مقدمات! لكن استخدام “تدخلات” محدودة من النظام الثاني يساعد في بناء العضلات وخلق أنظمة صحية ومعالجة مشاكل السمنة وترسب الدهون في الشرايين وغيرها!

فيبدو أن الحل المثالي والحياة الرغيدة تتمثل في إعطاء كل نظام حقهُ، ولعل من ترجح لديه الكفة الثانية يتجه لأن يكون عبقرياً أو عالماً أو نجماً في مجال ما، في حين أن من ترجح لديه كفة الأوّل يكون عفوياً بسيطاً أقرب لطفل مدلل في مسلاخ إنسان كبير.

يشير النظام الأول لحضور الجزء الحيواني من الإنسان؛ من خلال تاريخ طويل قد خاض غماره عبر الأزمنة، في حين يمثل النظام الثاني المنطقي قشرة رقيقة كان قد اكتسبها بعد حصول الثورة الزراعية وتعلم الطبخ واكتشاف النار وبالتالي زيادة حجم الدماغ وتعزيز مادته الرمادية. حينها انبثق هذا النظام وسيطر على جماح النظام الأول.. فكانت الحضارة وكان كل شيء بعدها!

اقرأ أيضاً: أن تكون النحات والصخرة معاً!

التصنيفات
عام

الواقعية.. الصفة الأهم لتحقيق المكاسب

عندما تذهب للطبيب بغية تحديد ما يعتمل في داخلك من اضطرابات.. يحاول جاهداً تقصّي الأعراض والعلامات في محاولة لتشخيص المرض، وتعتبر هذه المرحلة الواقعية -مرحلة التشخيص- هي الأهم والتي بناءً عليها تُوضع خطة العلاج لتبدأ فيما بعد سلسلة التعافي.

لكن.. ماذا لو فشلَ الطبيب في تشخيص المرض من أصله؟ ماذا لو لم يكن الطبيب واقعياً ولم يرَ العلامات والأمارات الواضحة الدالة على المشكلة؟ ماذا لو آثرَ أن يكون مثالياً؟ ويوهم نفسهُ ألا شيء يحدث وكل شيء على ما يرام بينما العكس هو الصحيح!

هنا يكون الطبيب فاشلاً، يعيش في عالم المثل.. لأنه لم يرَ العالم بأمراضه وبلاءاته كما هو.. بل رآه كما يريد أن يراه!

هنا كان الطبيب مثالياً.. هنا كان الطبيب لا واقعياً!

مدحاً في الواقعية وأولئك الذين يرون الحقائق المرة حتى لو آلمتهم.. تشخّص الطبيبة النفسية «لورين ألوي Lauren Alloy» صفة مهمة لدى المصابين بمرض الاكتئاب؛ اسمتها «الواقعية الاكتئابية Depressive Realism» وهو مصطلح يشير لأولئك المصابين بالاكتئاب -كأفراد- ويكونون أكثر ميلاً لامتلاك صفة الواقعية، ورؤية العالم كما هو لا كما يشتهون أن يرونه.

لنوضح الفكرة قليلاً نضرب المثال التالي.. لو أتينا بمجموعتين من المتطوعين وقسمناهم لقسمين متساويين، ومن ثم عرضنا قصة ما كي يرونها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أفراد القسم الأول أصحاء في حين أن القسم الثاني مصابين بالاكتئاب.

مَن برأيكم أكثر فرصة لأن يرى القصة كما هي؟ أن يتلقى القصة دون بهارات أو منكهات وملونات؟ لو كان جوابك المجموعة المصابة بالاكتئاب فهو صحيح، وهذا هو مفهوم الـ Depressive Realism. فهؤلاء الأفراد المنعزلون هم الأكثر إمكانيةً لرؤية الواقع كما هو، ولهذا هم نفسهم وبشكل ما لو وُضعوا -في المكان والزمان والسياق المناسب- تزيد فرصة نجاهم بشكل ملحوظ نظراً لوجود قدرة على التقييم الواقعي لديهم، وبالتالي تحقيق نجاح في الوسط العاملين به.

على الرغم من أن الاكتئاب مرض حقيقي مُشخص، إلا أن مثل هكذا مفاهيم قد تشير لفكرة أنه في بعض الجوانب -لا سيما فيما يتعلق برؤية الوقائع- يكون مرضى الاكتئاب هم الأصحاء، في حين بقية العالم هم المرضى؛ إذ يكونوا مصابين بمرض يمكننا تسميته جُزافاً اضطراب الرؤية الجمالية الفصامية الملونة للعالم!

يؤكّد على هذه الفكرة -أن النجاح من نصيب من يدركون الواقع كما هو- المؤلف روبرت غرين صاحب سلسلة السطوة الشهيرة. إذ يقول أن هناك صفتان مهمتان للربح والنجاح في أي مجال تريده.. أول صفة هي الواقعية؛ أن ترى العالم والأشياء من حولك كما هي لا بعدستك الشخصية الموجّهة مسبقاً. أما الصفة الثانية فهي «اعتناق الملل» والقدرة على المواظبة وممارسة نشاطات يوميّة مُملة لفترات طويلة.

يوافق روبرت غرين أيضاً إنسان عاش قبله بحوالي 500 سنة تقريباً، وهو الداهية الشهير نيكولا ميكافيلي صاحب الكتاب ذائع الصيت الأمير..

بماذا نصحَ ميكافيللي ملك فلورنسا لورينزو عندما أهداه كتاب الأمير؟

نصحهُ أن يكون واقعياً في التعامل مع الرعية، وشدد على أهمية عدم التعامل بالمثل والقيم العليا وما «يطمح الناس إليه» بقدر التعامل مع «ما هم كائنيه بالفعل».. التعامل مع الإنسان كما هو لا كما يريد ويسعى لأن يكون!

أي التعامل مع الإنسان ككائن طبيعي بحت.. الأولوية القصوى لديه للغرائز البدائية وقاعدة هرم ماسلو، أما المثل العليا والأخلاق هي «منكّهات» موجود على ألسنة الناس الذي يعيشون في «أمان وجودي للغرائز البدائية».. ولهذا لا ينبغي أن يُلتفت إليها من الأساس.

نصيحة ميكافيللي هذه كانت ثمينة جداً وفعّالة.. ولهذا يعتبر هو أول رجل مؤسس لعلم جديد سُميَ «علم السياسة العملية».

من جانب آخر تماماً.. لدينا مواقع المحتوى بكاملها على الإنترنت، تخيل مثلاً لو أنك تمتلك موقعاً وفجأة تنخفض الزيارات للنصف! هل يمكنك أن تتجاهل ذلك وتقول ليس هناك شيء يحصل؟ هذه جناية وضرب من ضروب الغباء، فالأرقام لا تكذب أبداً!

أن تكون واقعياً يعني أن ترى العالم كما هو.. حالة من النضج الفكري، أن ترى العالم بمشاكله وآفاته وأعبائه. وبالتالي أن تكون أكثر قدرة وتأهباً لأن ترى خطة التعافي وطريقة الحل كونك من الأساس تبصر المشكلة بدقة. فمعظم مشاكل العالم ومشاكلنا الشخصية هي مشاكل «تشخيصية».. مشاكل طبيب أبله يقنع نفسه أنه غير مصاب بمرضٍ عضال بينما هو يعيش مراحله الأخيرة!

ينبغي التفريق ما بين الواقعية والتشاؤم، فهي لا تعني رؤية النصف الفارغ من الكأس إنما رؤية الكأس كما هو؛ بشقيه الفارغ والممتلئ. حينها فقط يمكن تقدير الموقف بحيادية، وجعل التحركات التابعة أكثر دقة وأصالة.

قد تختلف وتتبعثر صفات النجاح والناجحين.. قد تتشعب وتتنوع طرق «الربح» فيما تفعلهُ من عمل، سواءً كنت كاتباً أو طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو ناقداً فنياً.. إلا أن أهم صفة حجزت مكانها في هرم الصفات الرئيسة المؤهبة للربح والنجاح هي الواقعية.. الواقعية الشجاعة الدافعة لرؤية الأحداث كما هي لا كما نريد مُسبقاً أن تكون.

ولنتذكر دائماً أن المثل مكانها الداخل الوجداني، وأن العقل هو مركز التفكير.. فإن قلبت الآية حدث الاختلاط، فكنت مثالياً في فكرك، وقلبك وضميرك مرتعاً لأفكار لا يستطيع إدراكها أبداً..

اقرأ أيضاً: لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

التصنيفات
عام

العدو الذي يستحم بشامبو سنان

في كتاب لماذا تتحارب الأمم «Why Nations Fight» وجد مؤلفهُ -المنظّر السياسي الأمريكي ريتشارد ليبو- نقلاً عن الاستقصاءات والاطلاعات التي جرت بُعيد فترة الحرب العالمية الثانية، أنا غالبية الجنود لم يكونوا يفضلون توجيه إطلاق النار بشكل مباشر على الجنود الآخرين الأعداء، كانت أيديهم ترتجف من ذلك الفعل.. وكانوا يفضلون إطلاق رشقات غير مباشرة أو غير قاتلة بشكل صريح.

وهذه فكرة لو أردت تعميمها قد تكون صادمة وغير مفهومة.

جندي في مجابهة.. يقاتل ضمن معركة.. في سياق حرب بكاملها.

لماذا لا يطلق النار بشكل مباشر على الآخر؟ أو لماذا يتردد في فعل ذلك؟

كان الجواب على يد علماء الاجتماع، حيث وجدوا أن الجنود يفعلون ذلك في حالة اعتقادهم أن مَن أمامهم مساويين لهم تماماً، إنسان لا يختلف عنهم في شيء. أما الجنود الذين كانوا يقاتلون ويقتلون بشكل مباشر وصريح، هم الذين يعتقدون أن مَن أمامهم كائنات أدنى منهم وأحط درجة على سلم الإنسان كجنس بشري.

بمعنى..

لا يمكن للجندي أن يقتل جندياً آخراً مصوّباً عليه بشكل مباشر، إلا عندما يؤمن بمبدأ وأيدولوجيا أن هذا الجندي الذي أمامه أحط قدراً منه وأدنى درجة كإنسان.

وهذا قد يختلف تبعاً للعقائد والأيديولوجيا.

وغالباً كلمات على نمط.. مؤمن / مهرطق / خائن.. كافية لأن تهبط بك درجات على سلم الإنسانية، وبالتالي تعطي تبريراً لمحترفي القتل أن يوجهوا البندقية نحوك.

لهذا..

أحد أبرز العقائد الشرسة خلال الحرب العالمية الثانية وهي النازية ابتكرت مفهوماً أيدولوجياً سمته الـ Positive Christianity حيث حصرت الإيمان في العرق الآري فقط. أي البيض الطوال أصحاب الوجوه الشمالية والنتوءات الوجنية البارزة. عدا ذلك لن يقبل منك.

ولهذا كان الجنود الألمان يمارسون نوعاً من الاستعلاء العرقي الكامل.. حيث الغجري يُقتل، والأعراق الدنيا تذهب لأفران الحرق، ومَن يمارسون نفس عقيدتهم لكن ليسوا آريين أيضاً هم أقل درجة!

قد يسأل سائل.. كيف كان جنود الحرب العالمية يطلقون النار بشكل غير مباشر وسقط قرابة 50 مليون ضحية في الحرب العالمية؟

معظم من سقطوا كانوا نتيجة القصف العشوائي.. خصوصاً أن الحرب العالمية كانت بيئة خصبة لاستخدام كافة الأسلحة الغبية وغير الموجهة، والتي غالباً كانت أسراب من الطائرات التي تقصف من الأعلى، فيموت البشر والحجر.. الأخضر واليابس.

ما أريد قوله أن الإنسان حالياً، يفتقر لمفهوم العداوة الشريفة، يفتقر لمفهوم أن يملك عدواً مخالفاً لكنه عدو يملك أقل مقومات النزاهة.

نبرة تَسقيط العدو أخلاقياً لمجرد أنهُ «عدو» أمر غير صائب.

يمكن للعدو أن يبقى عدواً، لكنه بالفعل يُحب أطفالهُ ويواظب على الاستحمام، ولا يخون زوجته أو يسرق جاره.

التخنّدق في جبهة ومحاربة الآخرين حق أيدولوجي للجميع، لكن جعل العدو المُخالف أدنى قيمة فقط لأنه عدوّك، هو حالة غير صحيحة.

يذكرني هذا بأيام المدرسة عندما كنا أطفالاً نتشاجر، فأول ما كان يقال حينها عندما تشتبك مع أحدهم: يا مقمّل.. متهماً الطفل الصغير الآخر المعادي بأنه مصاب بالقمل، وبحاجة لشامبو سنان المخصص في القضاء عليهم!

لماذا؟

ألا يمكن أن يكون عدوي وضدي ولا أطيقه، لكنه نظيف ويستحم؟ لماذا يجب أن يكون عدوي سيء في الوقت نفسه وبشكل إجباري؟ -لاحظوا هنا كيف يخلق الدماغ التبريرات، تقرين العدو دائماً مع السوء فكرة مُحببة للدماغ، لأنها تقنع صاحبها أنه هو الطرف الأخلاقي وأن الآخر يستحق المعاداة.

قد تكون كلمة مقمّل وشامبو سنان محض نكتة بالنسبة للأطفال.. لكن عندما تكبر وتجد أن حروب العالم وأيدلوجياته المتنوعة باتت ترى من نفس العدسة والمنظار، فحينها تدرك مدى الانحطاط الذي وصل إليه الجنس البشري.

الإنسان في طبيعته كائن محايد إلى درجة كبيرة تعجنه البيئة الإجتماعية كما تشاء، وهي النظرية المعروفة بالورقة أو الصفحة البيضاء Blank Slate. لكنه كي يجهز على الإنسان الآخر المُخالف بحاجة لمُبرر.

مبرر كان يقول أنه مصاب بالقمّل أيام الصبا..

أما عندما كبر، اختلق حجج أخرى ليداري طفولته ومراهقته المتأخرة..

حجج تجعل الإنسان الآخر أقل قدراً وأحط قيمة..

وهو ما يعطي انتفاخاً ذاتياً وهمياً بالأخلاقية وتنظيف العالم من الشر..

ليكون هو ضحية عقائد فاسدة، ومَن أمامه ضحية مَن آمن بعقائد فاسدة أيضاً.. حينها لا يدري القاتل فيما قتلَ، ولا المقتول فيما قُتل!

اقرأ أيضاً: بدأ العالم يتقيّأ

التصنيفات
عام

كوكتيل سريع البلع من العنصرية

يحكي لي صديقي إحدى المواقف التي حصلت مع قريبهِ في برلين عن العنصرية، عندما كان يمشي في أحد الشوارع ليلاً ليجد متسكعاً كبيراً في السن وهو مخمور، ليتمتم عنهُ بضع عبارات عنصرية تهينه بأنه عبارة عن: «يهودي شرق أوسطي».

إلا أنهُ في مَعرض رد الصديق على هذا الموقف لم يكن مُنزعج سوى من كلمة «يهودي» بمعنى أنه لم يتأثر كثيراً مما قاله ذلك السكير من تمييز عنصري وقح، كان حزنه فقط من مناداته لهُ باليهودي. وهذا ما يمكننا أن نسميه هنا بدورنا «عنصرية العنصرية» حينما يغدو ضحية العنصرية نفسهُ عنصرياً.

لا يخفى على أحد ما يجري حالياً في العالم، موضوع أوكرانيا واللجوء نحو أوروبا مرةً أخرى.

إلا أن مشهد المراسلين وهم يفرزون الناس إلى أصحاب عيون زرق وشقر وآخرين ليسوا كذلك، هو أمر لا بد من الحديث عنه.

ولعلَ من تأثر كثيراً بهذا الفرز بوصفهِ عنصرية وقحة وتعرّي للغرب «وخرافة الإنسانية» هو مبالغة لا داعٍ لها.

هناك فرق بين مفهوم العنصرية ومفهوم عدم الألفة..

أريد أن أطرح سؤالاً بريئاً جداً، هل يقبل عالمنا -واعذرني عن تعريف وشرح كلمة عالمنا وماذا تعني- قبول مليون لاجئ يهودي من أصحاب البشرة السمراء؟ مليون لاجئ يهودي من أثيوبيا؟ أي مجموعة من اللاجئين الذين هم من دين آخر ولون آخر؟

لا أعتقد ذلك..

لماذا هذه المقارنة؟

المقارنة هنا لتوضيح نقطة هامة وهي «عدم الألفة». 

الإنسان عندما يميل لمَن يشبهه يكون بدافع الألفة لا العنصرية. العنصرية هي اتخاذ إجراءات إقصائية بناءً على هذه الاختلافات البيولوجية والثقافية الموجودة، ولعل ما جرى في الولايات المتحدة في القرن الماضي أبرز مثال على العنصرية، عندما كانت الحمامات مُنقسمة لسود وبيض.

أما أن الإنسان يفضل مَن يشبهونه فهذه ليست عنصرية، هذه ألفة.

أنت نفسك تتزوج مَن يشبهك.

وتصاحب مَن يشبهك.

وتوظف في العمل مَن يشبهونك.

ودعنا نمشي في الموضوع إلى خطوات أبعد، عندما تدرس في الجامعة ضمن مدينة أخرى غير مدينتك، غالباً أصدقائك في تلك المدينة هم الطلاب الذين مَن مدينتك نفسها!

لماذا؟ هل أنت عنصري أيها الطالب؟ 

لا لست كذلك.. لكنها طبيعة بشرية أن يألف الإنسان مَن يشبهونه.

عودةً إلى الحدود الأوكرانية، هناك مشاهد مختلطة من العنصرية وعدم الألفة والتحيز والنازية ربما، لكن توضيحنا كان لا بد منهُ لمَن يشتكي وينوح كثيراً على مفاهيم الإنسانية التي هُدرت وفق تعبيره على زيف انكشاف الغرب اللآنساني. فالإنسان دائماً هكذا بغض النظر إن كان غربياً أو شرقياً أو باذنجانةً حتى.

مِن ناحية أخرى، لا بد من القول أيضاً أن مفهوم الهجرة والنزوح هو مفهوم طبيعي -بمعنى موجود في الطبيعة وليس بمعنى عادي- لدى جميع الكائنات الحية على الرغم مِن قسوته، فالطيور والنوارس وأسراب الفيلة تهاجر في كل موسم بحثاً عن الدفء والمكان الأفضل والطعام الأوفر. فهو سلوك طبيعي على الأقل لدى الكائنات الحية الدُنيا.

المشكلة أن الإنسان يعيش حالياً فيما يسمى «مجتمعات وفرة» فهو ليس بحاجة للهجرة لكي يحصل على الطعام، بل يمكنه شراؤه متى أراد. وليس محتاجاً للنزوح كي يستدفئ في المناطق القريبة من خط الاستواء في أوقات الشتاء الباردة بل يمكنه تشغيل المدفأة حتى لو كان في القطب الشمالي.

أي أن الإنسان هيّأ بيئتهُ بشكل كامل لتحمّل مُختلف الظروف كي لا يهاجر، وهذه سمة ظاهرة جداً في مجتمعات الوفرة الحديثة التي نعيشها.

النقطة الحرجة حالياً، أن مفهوم الهجرة السائد هو مفهوم استثنائي، إما بدافع الحرب أو بدافع النجاة من مخاطر محدودة عالمياً.

بالتالي، مشهد الهجرة نفسه خاطئ وغير طبيعي، فالمطالبة بوجود عدالة على بوابات مشهد أساساً استثنائي، مُطالبة غير مُتسقة. على الرغم من الانحياز السلبي الواضح Negativity Bias -مفهوم انحياز وسائل الإعلام لنقل الخبر السلبي لا الإيجابي- وهنا نطرح تساؤلاً هاماً:

عندما يسمح حرس الحدود للاجئين ملونين بالدخول، هل تنقل وسائل الإعلام ذلك؟ وتقول انظروا سمحوا لهم بالدخول!

هم فقط ينقلون الخبر السلبي، خبر أنهم «يتعنصرون» عليهم ويفرزونهم.

لذلك أعتقد أن هناك موجة انفعال لا أهمية لها، وهذا ليس مدحاً لإنسانيتهم المزعومة، لأني أميل لتبني نظرية المسيري في أهمية نزع المركزية عن الغرب الذي يعتقد نفسه محتكر حصري للقيم المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة وغيرها.

وهنا دعني أخبرك شيئاً مهماً، هم ليسوا مِن مناصري القيم ولا محتكري مركزيتها، الفكرة فقط أن لديهم سيولة في كل شيء، ولا يوجد إنتماء لأي شيء، فقاموا بتعريف هذا «اللا إنتماء» على أنه قيمة للتسامح والحرية.

فهدئ مِن روعك قليلاً، واعلم أن ديدن الإنسان هو نفسه منذ البداية، الاختلاف فقط في أن الإنسان نسي أو انشغل في السعي ضمن حياته، ومع كل حرب أو موجة هجرة جديد تطوف مثل هكذا مواقف على السطح.

العنصرية دائماً موجودة، النقطة الحاسمة هي ألا يُتخذ إجراءات بناءً عليها.

غير ذلك يمكن تسميته كعدم ألفة أو ميل، وهو أمر طبيعي إلى حد كبير، تطبقهُ أنت في حياتك الشخصية قبل أن تطبقه الثقافات والأمم الأخرى.

اقرأ أيضاً: الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية

التصنيفات
كتب

لماذا فشلت الليبرالية؟ مفهوم عدم قيمة القيمة

«أن تكون حراً يعني أن تتحرر مِن رغباتك الخاصة الأكثر دناءةً». يُمكن اعتبار هذه الجملة كملخص لما يُريد إيصاله المنظّر الأمريكي «باتريك دينين» في كتابه «لماذا فشلت الليبرالية Why Liberalism Failed» إلا أنه رغم ذلك لم يكتفِ بالمقاربة الذاتية الشخصية فحسب، بل توسع طولاً وعرضاً ليفنّد المناقب المزعومة للفلسفة الليبرالية على جميع الأصعدة.

وعلى هذا يقول:

«فشلت الليبرالية لأنها نجحت.. لأنها صارت نفسها على نحو مُكتمل. إذ تنتج الليبرالية أمراضاً بنحو أسرع بكثير مِن قدرتها على المعالجة، تفشل الليبرالية لأنها تعجز عن إنتاج لصقات الجروح وحُجب لتغطية الآلام»

نقاط رئيسيّة:

  • لا يعني نقد الليبرالية النكوص لما هو دونها، إنما تجاوزها وعدم تثبيت نموذج نهاية التاريخ الاقتصادي.
  • تبيّن في عصر الليبرالية أن أدوات تحرر الإنسان ما هي إلا أدوات لاستعباده أيضاً.
  • لا يوجد مفهوم حرية بالمعنى المطلق، فالإنسان دائماً يخضع لحتميات بيولوجية وإجتماعية.
  • الفكرة الكبيرة في الليبرالية هي استبدال الإنسان العالمي بالمستهلك العالمي، والنظر للإنسان على أنه حيوان اقتصادي لا أكثر.

فيبدو أن أجر التحرر هو الوقوع تحت ربقة حتميات إقتصادية، فالإنسان المُتدين الذي يحتفل بعيد الأضحى والفطر، والكريسماس، أصبح الآن يهرول للاحتفال بيوم الجمعة السوداء Black Friday!

لهذا يمكن القول أن مرحباً بكم في عالم «عدم قيمة القيمة» كما سماها المسيري، حيث يغدو الكائن العاقل مجرد حيوان اقتصادي مستهلك، مؤمناً بالحرية على أنها رفع للغطاء عن ما بين فخذيه وفكيه لا أكثر، وهو اختزال إجرامي لقيمة عليا سامية.

ولهذا نبدأ مِن النقطة الأكثر أهميّةً في نقاش الفلسفة الليبرالية.

مِن سياج الأرض.. إلى سياج المصنع!

لا يوجد فلسفة لم تدعو إلى تحرير الإنسان، لذلك فإن الدعوة الليبرالية باحتكار قيمة ضخمة كالحرية وصنّدقتها -وضعها في صندوق- أمر خاطئ ومبالغة كبيرة. خصوصاً أن نشوء الحرية في السياق الخاص بها لم يكن نتيجة انبثاق فلسفي قيمي جدلي قائم على تغييرات في نمط الحياة الاجتماعية وترقّيها، بقدر ما هو تغييرات جوهرية لنمط استعباد العبيد والأقنان في أوروبا لا أكثر.

فمع نشوء المجتمعات الصناعية، كانت الحاجة مُلحة للأيادي العاملة، إلا أن هناك عقبة تواجدت أمام حركة هذه الأيادي، وهي سهولة حركة العبيد وتنقلهم، إذ كان صعباً في ظل النظام الإقطاعي السائد حدوث ذلك، ولهذا وجب تغيير النمط والانتقال إلى شكل جديد، فكانت حينها قضية تحرر الإنسان؛ التي ما هي إلا تحرير للعبيد وتسهيلاً لحركاتهم.

فالإنسان نُقل حينها من سياج الأرض، إلى سياج المصنع! مجرد تبديل أماكن لا أكثر.

فادعاء تحرير روح الإنسان تحت مظلة الليبرالية في القرن الـ 21 أمر مبالغ به، خصوصاً عندما تكون من الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي نهاية الأسبوع تشرب كأساً من الـ Cheap wine. ومع كل شهر لديك 80% من دخلك هو ضرائب.

هذا ليس تحرر، هذا فقط تبديل للسيد الذي تعبده لا أكثر..

هكذا تحدث أرسطو..

ولهذا كانت الفلسفة الأرسطية.. فعلى النقيض من النظرية القديمة التي رأت في الحرية بأنها ضبط للغرائز البدائية عند الإنسان وتحقيق «فضيلة الانضباط الذاتي» فإن النظرية الحديثة تحث الإنسان لتحقيق أكبر سعي ممكن نحو الشهوات وإشباعها.

إذ يقول غاردنر موصّفًا حال العالم الحديث:

«في عصرنا الحديث، يجب أن ترفع الغريزة الجنسية الإيروسية Eros إلى مستوى العبادة الدينية. ينبغي أن يعتقد الفرد في العصر الحديث أن رغباته الجسدية هي التي تؤكد فردانيته. يجب أن يكون الجسد هو الموضوع الحقيقي للرغبة. لأن الفرد ينبغي أن يكون هو الخالق لرغباته الخاصة»

ستيفن غاردنر، قاضي وضابط أمريكي في جيش الاتحاد أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

ويرى أرسطو في كتاب السياسة، أن الطعام والجنس هما الغريزتين الأساسيتين الأكثر حاجة للرعاية والاهتمام. فبالنسبة للغذاء فإن تطوير سلوكيات تشجع على شهية معتدلة واستهلاك متحضر، وبالنسبة للجنس تهذيب عادات التودد والتفاعل المهذب بين الجنسين، وأخيراً الزواج باعتباره الملاذ الآمن. فبخلاف اتباع ذلك، سيكون المجال مشحوناً وقابلاً للاشتعال. إذ لاحظ أرسطو أن الأشخاص غير المهذبين في استهلاك الطعام والجنس هم الأكثر فساداً، ويستهلكون أكثر من بقية البشر في سبيل إخماد شهواتهم الوضيعة وغير المروّضة.

ولهذا غالباً ما تمسخ المذاهب التي تدعي احتكار القيم -كالليبرالية- القيمة وتعرضها بطريقة سطحية، فلا يوجد أحد يعارض ثلاثية القيم النبيلة التي ترفعها الليبرالية «الحرية، المساواة، العدالة» إلا أن صنّدقة هذه القيم في سياج الليبرالية التي ما هي إلا غطاء مصنعي لتحويل الإنسان إلى مستهلك عالمي، يبدو أمراً مربكاً نوعاً ما. خصوصاً أنه بالإمكان مقاربة القيم ذاتها من خلال أيدلوجيات أخرى خارج نطاق الليبرالية، فلا يمكن أن تكون حراً وأنت في الوقت نفسه عبداً لحتميات اقتصادية!

كما أن هذا المسخ القيمي يأتي مصاحباً لمفهوم السوق الحرة، وتقتضي هذه «الحزمة» أن يكون الإنسان مُعرّفاً ككائن اقتصادي لا أكثر.

وهنا قد يسأل البعض: ما المشكلة في «تقصيد الإنسان».. أليس الإنسان كائن اقتصادي بالفعل؟

نعم، لا مشكلة طبعاً.

المشكلة أن الليبرالية تضع «الإنسان كحيوان اقتصادي» كمُحدد تعريفي تنطلق منهُ للنظر للوجود بأكمله! لا مشكلة مع الاعتراف بأن الإنسان كائن اقتصادي يسعى للتملك في جزء منه، لكن أن تضع مُحدد تعريفي مُسبق لهُ وتنطلق من هذا المحدد للنظر للوجود بكامله أمر خطير، ويحوّل الماهية الإنسانية العاقلة التي لطالما افتخرت بذلك، إلى مجرد ماهية مستهلكة تعمل كالبطارية لا قيمة «قيميّة» لها!

حينها سترى المسلم يلغي أعياده الدينية كالفطر والأضحى، وترى المسيحي يلغي الكريسماس الخاص به، وسترى الجميع يتحولون لماهيات مستهلكة، ويحتفلون بالأعياد المقدسة الخاصة للبلاك فرايدي وآخر مؤتمرات آبل وسامسونج!

لكن لا تنسى! الليبرالية تحرر الإنسان ها! تحرره من مقدساته! لكنها تخلق له مقدسات أخرى أكثر انحطاطاً!

وعلى هذا يقول فرانسيس فوكوياما الذي أصّل لنظرية الليبرالية الأخيرة كنظام نهائي للمجتمعات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، مرتكزاً على رؤية هيجلية واعتماداً على مبدأ «وداعاً أيها الفكر البشري لقد إنتهيت» ولم يعد بالإمكان أبدع مما كان، بالقول:

«إذ كان الإنسان هو بالأساس حيوان اقتصادي محكوم برغبته وعقله، فإن الصيرورة الجدلية للتطور التاريخي يجب أن تكون في المتوسط مماثلة بالنسبة لمختلف المجتمعات والثقافات».

أي لم يعد بالإمكان أبدع مما كان، الليبرالية بنهايتها للتاريخ تقوم بوضع نهاية للفكر الإنساني نفسه! لأنها تجهضه عن ابتكار أدوات أخرى جديدة، خصوصاً أنها تدعي تحريره من المقدسات «التقليدية المتخلفة» لكنها تسلمه لمقدسات أخرى جديدة يتبناها العالم الرأسمالي القائم على ثنائية الرغبة والحاجة.

فحاجات الإنسان شيء أصيل فيه، وهذا ما أدركته الرأسمالية مبكراً وعملت على تكريسه، ومما يمكن القول هنا، أن الاستهلاك لن يصل في عمره للإشباع! لأن الإنسان لن يشبع، تأمّل في الأثاث الذي اشتريته، والهواتف، والأجهزة، وكل شيء آخر.

كم مرة قلت أنها المرة الأخيرة وبعدها ستكتمل! 

لن تكتمل.

الشخصية التي تكتمل بالماديات ليست شخصية ثرية.

أنت فقط مستهلك تحاول ترميم نفسك بالجمادات. ابحث عن معاني أكبر وأرقى من ذلك.

أين فضيلة الضبط الذاتي التي تحدث عنها أرسطو؟ عندما دعى لعدم الجشع في الطعام! وها أنت الآن جشع في الاستهلاك!

أين.. أوكلما اشتهيت اشتريت التي قالها ابن الخطاب؟

لم تعد هذه المفاهيم موجودة. إلا أنك في النهاية يجب أن تؤمن بالليبرالية وبنظريتهم، فتذكر أنت حر! أنت حر جداً! فقط حول رقبتك بضعة مئات من السلاسل التي تكبلك وتعجز عن رؤيتها.

لكن لا تنسى.. أنت حر جداً!

لذلك أنهِ قراءة هذا المقال وتابع عملك لمدة 9 ساعات..

اختزال القيم أمر معيب.. إلا أنه يبدو حتى القيمة المشوهة المختزلة لم تعد موجودة. كل شيء غدا مقدساً، ولا ننسى أن صاحب التمرد اللإقليدي في علم الهندسة قد طُرد من جامعته عندما عرض نظريته الجديدة، لأن اقليدس وقتها كان يعتبر مقدساً وتابو!

ويبدو أن الليبرالية غدت كذلك، فهي ليست تحريراً للوعي من المقدسات بقدر ما هي استبدال المقدسات بأخرى أكثر انحطاطاً.

وآخر دعوانا.. أنه لا يعني تحرير الفكر من الليبرالية رفضها والارتداد لما هو أسوأ منها، بل مجرد تحرير للفكر البشري من دوغمائية نهاية التاريخ الاستهلاكية هذه، والسعي لمتابعة الفكر البشري في إبداعاته وخلق أدوات أخرى بقيم جديدة تحترم فعلاً كينونة الإنسان، لا تدعي احترامها كشعار فقط!

اقرأ أيضاً: الأمل عملٌ شاق

التصنيفات
فكر

الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية

لم يكن السؤال يوماً متى يأتي الحب وأهله وأصحابهُ.. لم يكن السؤال كما وصفه زيجمونت بومان في كتابه عن الحب السائل مُوافقاً نظرية عبقري التحليل النفسي إريك فروم. بل كان السؤال لماذا يُحب الإنسان أن يُحب؟ يُريد أن يُلتفت إليه؟ لماذا يزداد ذلك في زمننا؛ زمن الهشاشة النفسية وظهور الإنسان اليتيم المحروم؟

سالَت جداولٌ مِن الحبر للحديث عن هذا الشيء، وألفت الكثير من الكتب، وثُبتت العديد من التواريخ لتشير إلى المضمون، وأنتجت أكوامٌ من الروايات للتعبير عن الغريزة، وصُورَ سيلٌ من الأفلام والمسلسلات التركية، فالجميع يريد أن يعرف الحب ويصوّر الحب ويكتب عن الحب..

فكلٌ يدعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تعترف بأحد!

للتأصيل للحب لا بد مِن الانطلاق من نظرية إريك فروم؛ المُلَخصة بأن الحب هو محاولة قهر للانفصال والعودة إلى جذور الاتحاد الأولي الفردوسي. وقد اعتمد في ذلك على النظرية اليونانية القديمة التي قالت أن آلهة الأولمب خلقت كائناً مدمجاً هو ذكر وأنثى معاً، لكنه تمرد وعصاها فقسمته نصفين وكان بعدها أن قدرهُ يرتكز في العثور على الآخر مِن أجل «الاتحاد» معهُ والعودة للحالة الأولية.

ولهذا يُفسر إريك فروم، أن كل مظاهر العربدة البشرية؛ مِن محاولة للسكر وفقدان الوعي والعمل بإفراط، ما هي إلا تكتيك لتشتيت النظر والتركيز وإبعاد الفكر عن حقيقة فشل الإنسان في الوصول لحالة الاتحاد الأولى تلك ونسيان الكارثة التي ألمت بهِ.

كارثة الانفصال الفردوسي الجنائني الأول..

«فقلنا يا آدم إن هذا عدوٌ لكَ ولزوجك فلا يخرجنكما مِن الجنة فتشقى»

القرآن الكريم، سورة طه.

لهذا يشير فروم لأن الحب المثلي، في طبيعتهِ هو حب «شبقي» بالضرورة، كون عملية الاتحاد تكون مُستحيلة، وبالتالي لا يخرج من حدود لذات لحظية غير هادفة.

ونجد أن مثل نظرية فروم القائمة على الأسطورة اليونانية تتواجد في السياقات الدينية، لا سيما أن حواء خُلقت مِن ضلع آدم. وهو ما يشير إلى أن الحالة الأولية كانت مُشتركة -يمكن ملاحظة استخدام فعل «تشقى» في الآية السابقة بصيغة المُفرد بينما الخطاب كان موجهاً للاثنين معاً. وكأن هناك دلالة للحالة الأوليّة الاتحادية تلك- فيما بعد عصى آدم الله فطرد من الفردوس ونزل إلى عالم الطبيعة القاسي، وكل تنظيراته للحب ما هي إلا محاولة للاتحاد الأولي الفردوسي تلك بغية قهر الانفصال الذي جرى.

أبرز مَن وافق على نظرية فروم، وأكد عليها، وقال أن الحب الذي نعيشه في زمننا الحالي هو سائل في زمن متصدع لا قيمة له هو زيجمونت بومان. ففي الثقافة الاستهلاكية التي نعيش فيها، تفضّل الناس المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري، والاستعمال السريع، والإشباع اللحظي والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل. والوصفات السهلة المضمونة، والتأمين ضد كافة المخاطر، وإمكانية استرداد النقود المدفوعة!

العلاقات الإنسانية سائلة جداً في زمننا الاستعمالي هذا، فالارتباط لم يعد ارتباط إنما مجرد «تواجد» والمجتمعات البشرية لم تعد مجتمعات بل مجرد «تجمّعات» لعدد مِن الناس والأسر!

إذ يقول بومان عن هذا:

إنه عصر قطع الغيار واستبدال المنتج قبل نهاية فترة الضمان وليس عصر فن إصلاح الأشياء، إنه عصر الفرصة القادمة التي تجعل فيما يدك قابلاً للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة، فقد لا يكون شريكك هو الآخر راغباً أو قابلاً لعلاقة طويلة تحرمه بدوره من فرصة أفضل منك!

ولهذا يصبح الحب وعلاقات الإنسان كلها هشة، وتعتمد على استعماليتها وفرصة استبدالها بفرصة أفضل مع الأيام! فالعلاقة التي وصفت بأنها «ميثاق غليظ» في الدين الإسلامي، والزواج الكاثوليكي العتيد في الدين المسيحي، أتى عصر «العجل الذهبي» ليجعل من الذكر والأنثى مجرد كائنات مشوهة لا تحب بعضها ولا تتزوج بعضها، إنما فقط يسكنون مع بعضهم بغية الانتفاع اللحظي الشبقي لا أكثر.

يُصر إريك فروم على أن الفكرة السائدة لدى عوام الناس عن الحب خاطئة، فالحب ليس ذلك الشاب الذي يرفع أوراق الفتاة التي تسقط، ولا ذلك البطل صاحب العضلات، ولا تلك المرأة الحالمة. يقول فروم أن الحب هو نشاط وليس شعور سلبي. إنه الوقوف وليس الوقوع –يرفض فروم عبارة يسقط في الحب، ويقول أن الحب هو ترقّي– وبأشد الطرق عموميةً يمكن وصف الطابع الإيجابي للحب بقولنا أن الحب هو العطاء أساساً وليس التلقي.

إن ذروة الوظيفة الجنسية تكمن في العطاء، فالرجل يعطي نفسه.. يعطي عضوه الجنسي للمرأة، وفي لحظة الجماع يعطي منيهُ لها. وهو لا يستطيع أن يمتنع عن العطاء ما دام قادراً، وإذا لم يفعل ذلك ولم يعد قادراً يكون عنين. أما بالنسبة للمرأة فلا تختلف العملية كثيراً على الرغم من اشتداد تعقيدها، فهي تعطي نفسها أيضاً، إنها تفتح البوابات لفرجها الأنثوي، وهي في فعل التلقي إنما تعطي. وهي إن كانت عاجزة عن ذلك العطاء تغدو باردة جنسياً. معها يحدث فعل العطاء لا في وظيفتها كمحبة بل منها كأم. إنها تعطي نفسها للطفل النامي داخلها، إنها تعطي حليبها للطفل، تعطي دفأها الجسماني.. وعدم العطاء هو فعل مؤلم!

إريك فروم، فنّ الحب

يملأ فروم كتابه «فن الحب» بمعلومات غزيرة جداً بأسلوب جميل يترائى فيه العقل الألماني الضخم الذي يملكه. 

«إن لقاء الرجل والمرأة هو الأرضية التي اجتمعت فيها الطبيعة والثقافة لأوّل مرة»

-كلود ليفي شتراوس.

إلا أن ما شدد عليه هو وبومان على أن الحب هو مسؤولية تقوم على الأعمدة الأربعة: (الحب، الجنس، الولادة، الرعاية). الفكرة التعيسة السائدة أن الناس وخصوصاً في المجتمعات الصناعية لا تركز إلا على نظرية الجنس فقط وتهمل مفهوم الرعاية والولادة والمسؤولية. فبدلاً من الحب أصبحت العلاقات النفعية المؤقتة الشبقية هي السائدة، حيث إمكانية «تبديل المنتج» واستغلال فرصة أخرى دائماً موجودة. أما من ناحية الرعاية فالأمهات تعيش بمفردها وهناك ضمانات حكومية تساعدها على ذلك والأب يبحث للاستثمار في مكان آخر.

وحتى بات من الممكن للمرأة أن تصبح أماً بدون أب أو زوج أو حبيب، فقط أن تذهب لبنك الحيوانات المنوية ويزرع في داخلها نطفة، فتحصل على ما تريد!

الموضوع ما هو إلا ابتسار واختزال مَعيب لمفاهيم إنسانية كبيرة لم تعد ثقافة الاستهلاك تريدها نظراً لكثرة التكاليف، فالعالم غدا موضوعاً كبيراً لشهيتنا المريضة، العالم أصبح مُجرد تفاحة كبيرة، ثدي كبير، ونحن الذين نمتصه كل يوم. ومع كل رشفة نخسر قيمة، ومؤسسة، وأفق كنا نحاول التسامي في سبيله..

إذا استثمر الإنسان في الحب فإن الربح الذي يحصده هو الأمن في المقام الأول والأخير. الأمن بمعانيه المتعددة. أمن القرب من يد العون في الشدائد، والتعزية في الأحزان والمؤانسة في الوحدة، والغوث في المحنة والمواساة في الفشل والتهنئة عند النجاح، لكن على المرء أن يدرك أن وعود الارتباط في ظل الحداثة السائلة التي يقطعها أهل الحب على أنفسهم قد تغييرت لأن امتداد الزمن أصبح هنا والآن وفقط!

تغيير المفهوم، تشوهت القيمة، سقط الأفق المتعالي الذي كان يتسامى الإنسان إليه، وهذا ما عناه نيتشه بنظرية موت الإله، أي ماتت قيم الإنسان العليا ونزلت قيم الإنسان الدنيا، فأصبح التفاوض على الوضع الحالي للإنسان بينما قُتلت الحالة المثالية المتعالية التي سعى إليها كما كانت تشدد الأديان والفلسفات دائماً.

وتعرفون أين تكمن المأساة الكبرى؟

أن الإنسان فشل في النظريتين معاً! فلا الإنسان أصبحَ إلهاً بعدما قتل القيمة العليا، ولا هو التزم المنهج الديني المتعالي المثالي. إنما وقف في مرحلة برزخية جعلت من ثقافة الاستهلاك والأدوات التقنية تتسيد عليه كل يوم، والنتيجة ترونها في كل مكان.. غدا كائناً عبداً تحت رحمة غرائز بدائية، ومواقع تقنية لا أكثر.

كيف يمكن للإنسان الذي يحارب فكرة بشراسة أن يصل بالنهاية لأن يصبح عبداً لما هو نقيضها؟

وكأن هناك شعرة بسيطة، بمجرد تخطيها.. يصبح الإنسان مجرد دمية في يد النظرية التي يعتقد أنها تحرره!

من دلالات هشاشة الكائن الإنساني الحالي أنهُ بات يبحث عن الامتلاك والأنانية لا عن الحب.

إذ تشير كثير من الاحصائيات لا سيما الأمريكية لأن هناك رابط في توليفة أسماء مَن يحبون وتشابه أحرف اسمائهم وتواقيت ولادتهم.. وإضافةً مني أقول «أبراجهم».

بمعنى لو كان اسم الشاب جون، فحبيبته ستكون جينيفر.

مولود في الشهر الثالث.. ستكون هي في الشهر الثالت..

الخ..

وهذا إن أشار لشيء فهو مؤكداً لأنانية الإنسان ورغبته في رؤية نفسه في الآخر. مُجرد إنسان يبحث عن نسخة كربونية منهُ -لكنها تملك عضو جنسي مختلف- لا أكثر. أما حالة من التكامل أو كما قال فروم: ليس الحب علاقة بشخص معين، إنما هو موقف تجاه الشخصية يحدد من خلالها علاقة الشخص بالعالم ككل!

هذا لم يعد موجوداً..

نحن الآن في عالم آخر..

الحب هو العطاء لا التلقي..

بمعنى..

إن الشخصية الثرية الحقيقية هي تلك التي تمنح الحب able to love، لا تلك التي تنتظر المحبة being loved.

لماذا؟

دونكم المثال التالي لنفهم..

الذين يربون قطط وكلاب وطيور وحيوانات أليفة في منازلهم، لو نظرنا في العمق وحاولنا التفلسف لو جدنا أنفسنا أمام كائنات تريد Being loved. تُريد التلقي لا المنح! وهذا يتعارض مع تعريف الحب. ولهذا نجد توجهات في عالم الحداثة السائلة أنه لا داعي للارتباط والزواج والمسؤوليات، “اسكن لحالك وربي كلب أو قطة!”

لماذا؟

لأن شروط الحصول على الحب الإنساني صعبة وتتطلب شخصاً بمواصفات ثرية وبعد إنساني قيمي حقيقي؛ إنسان محترم وصعب المنال!

أخرج أخطر مجرم في العالم ودعه يقدم الـ Dry Food لأي حيوان أليف.

الحيوان الأليف سيأكل، وسيحب ذلك الإنسان.

فهو لا يعلم أنه مجرم ولا يعلم أنه خطير!

هذا هو حب الحيوانات، حب غير شرطي وعشوائي وبلا حدود.

الحب الإنساني مختلف كثيراً!

الحب الإنساني صعب ويحتاج لأن تكون شخصية ذات معنى وبُعد قيمي حتى تحصل عليه!

ولعل مَن لا يستطيعون إيجاده، ويرفضون تغيير شخصياتهم، يميلون لأن يسكنوا مع قطة تمنحهم حباً غير شرطي، ليشعروا بأنهم Being Loved. ويكتفون بفعل التلقي وهو عكس ما صرح به فروم والآخرين، فالحب هو العطاء، هو المنح، ولعل الشخصيات الثرية القادرة على فعل ذلك نادرة.

أخيراً.. 

لا يسعني سوى ذكر نظرية «الحب للشجعان بينما الجبناء تزوجهم أمهاتهم» لأنها نظرية موغلة في الخطأ. فالذين تزوجهم أمهاتهم غالباً يحققون العناصر الثلاثة التي أشار لها فروم، الرعاية والمسؤولية والولادة، وحتى الحب أيضاً، الذي إما يكون في البداية أو ينمو مع الأيام ويتكامل. أما حب الشجعان لا سيما في المجتمعات الصناعية فمصيره الطلاق، لأن ما بني على العواطف يتغير بتبدّل العواطف، هكذا كان ينصح ميكافيلي أميره أيضاً!

معلومة إثرائية: في كتاب الأمير، كان نيقولا ميكافيلي يدعو الأمير لأن يكون مُهاباً لا محبوباً، لأن الحب عاطفة بشرية تتبدل وفق الأهواء، بينما المهابة تكون نابعة من أسباب جامدة وصلبة، فمن يضع رقبته عرضةً للأهواء لا بد أن يتدهور مع الزمن، في حين أن الأسباب تكون أكثر تماسكاً.

فيبدو أن الشجعان متهورين، ويبدو أن «التقليدية» لم تكن إلا أصالة عجز أصحاب العيون «الشجاعة» عن إدراكها!

في يوم الحب وأسبوع الحب.. تذكر أن الذي يتكلم عن سلعة كثيراً غالباً هو فاقدها ولا يعيشها.

الحب ليس مسلسلاً تركياً، ولا رواية رومانسية.. الحب فن؛ الفن المؤسس لذلك البيت الذي يتربى فيه الإنسان ويكون قائماً على الأعمدة الأربعة السابقة التي ذكرناها.

وهذا ليس كلامي..

هذا كلام فروم وبومان وغيرهم..

فدعك من البحث عنه، وابدأ بمنحه..

فهو العطاء.. وليس التلقي.

الأمر صعب.

فالحب الإنساني عنيف جداً وشروطهُ صعبة، لكنه قيم ويشكل أفقاً لتسامي الإنسان بكامله. فلا تسقط بهِ كأنه حفرة تصريف صحي، بل ارتقِ معهُ!

فليس بإمكان أي حيوان أليف أن يعوّض مكانه!

اقرأ أيضاً: الرابح يبقى وحيداً