التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!

التصنيفات
فكر

شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة!

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك الشخصيّة..

كن مستقياً في سلوكك الجنسي أو خارجاً عن المألوف كما تشاء، العالم بات يتسع للجميع ولن يعتقلك أحد بتهمة حيازة أعضاء تناسلية لديها نزوات غريبة..

كن نحيفاً أو بديناً..

كُل كما تشاء، وأينما تشاء ومع مَن تشاء..

لكن في رحلتك الكبيرة هذه، وعندما تُريد أن تبرر توجهاتك الخاصة، لا تلقي باللوم على إيمان الناس البسطاء يا صديقي.. ولا تغتر بأنهم في مجاهل العالم الثالث لا يدري بهم أحدا..

أريد أن أقول لك التالي يا أيها العزيز..

لا تلوم الدين في كل شيء، وهنا أقصد لا دين الكتب والعقائد، إنما إيمان الناس البسطاء.. إيمان بائع الخضار الذي يبدأ يومه وهو يجر عربة خضاره.. مؤمناً أن الرزاق هو الله.. وأن مَن خلقه لن ينساه!

لا تتحامل كثيراً على هؤلاء الطيبين.. لا تتحامل..

عطفاً على موضوع البارحة…

وهو حادثة جريمة اللاشرف التي حدثت، قرأت بعض التعقيبات لبعض الأشخاص المحترمين عن ذلك الموضوع.. وكانوا يضعون نصب أعينهم في قفص الإتهام، كلمة الدين!

ما سبب جرائم الشرف وقتل الإناث؟

الدين!

لا يوجد أسهل من هكذا إجابة!

لدرجة أنهُ لو دخل أحدهم إلى الحمام وقُطِعَ عنهُ صنبور الماء الساخن لوضع الحق على الدين!

ما سبب تخلفنا؟ الدين حتماً.

ما سبب غياب المنهج العلمي؟ الدين الدين.

ما سبب نقص الملح في الطعام؟ الدين حتماً.

ما سبب قتل الإناث والبشر والشجر والحجر؟ الدين الدين.

أرأيتم؟

أصبح الدين الشماعة الجديدة “التنويرية”.

هو نظرية المؤامرة لهذا العصر، والتفسير السهل بالنسبة لهم.. كل شيء دين.. كل شيء بسبب الدين وناتج منه!

لكن.. لو أردنا تفنيد ذلك، لا سيما حجة الموضوع الساخن الآن وهو جرائم الشرف، فهو بسيط جداً.

عندما تريد ربط حدث ما مع مُسبب، فأنت بحاجة لقياس سلوكه أولاً. ثم عزله ثانياً.

مثلاً:

البدانة تسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

نقوم بالقياس..

ونراقب العلاقة الطردية الحادثة.

  • هل اذا زادت البدانة زاد احتمال الإصابة بأمراض القلب؟

نعم.

  • هل إذا نقصت البدانة والتزم الإنسان بروتين صحي يتعافى القلب؟

نعم.

إذاً نصل لاستنتاج هنا هو: للبدانة علاقة مع أمراض القلب!

هذا نموذج ومثال للربط الصحيح.

الآن نأتي لمثالنا الرئيسي.. جرائم الشرف!

يقولون أن ذلك يحدث بسبب الدين. نقول لهم: هل اذا زاد التدين زادت جرائم الشرف؟

هل اذا كان الإنسان متدين بنسبة 10% فإنه يقتل مثلاً واحدة!

وإذا كان متديناً بنسبة 90% فإنه يقتل عشرة!

الأمر مثير للضحك فعلاً قبل السخرية والنقد! وأعتقد أن الجميع يدرك أن المتدينين كثيراً يتحاشون المرأة بشكل كبير، ولا يقتربون منها فضلاً عن إيذائها!

هؤلاء يبنون رجل قش Straw Man لنسخة سهلة النقد من الدين. وغالباً لا أحد يؤمن بها سواهم، ويبدأون مغامراتهم الدون كيشوتية في صراع طواحين هواء غير موجودة!

ثم يصورون لك الإنسان المتدين وكأنّ له روتين يومي كالتالي:

في كل يوم يستيقظ ولديه To Do List هي التالية:

  • قتل عشرة نساء.
  • رجم وجلد 20 رجل.
  • منع المنهج العلمي، وقتل 10 علماء كانوا على وشك الوصول لاكتشاف ما!

أخي العزيز.. آمن أو لا تؤمن، هذه حريتك.. لكن أن تقول أن الدين سبب المشاكل وأصل كل الشرور بلغة دوكينزية، فأنت متحامل، وتقنص حبات الكرز من البستان الذي تريده أنت فقط، لأجل تأكيد وجهة النظر التي تتبناها مسبقاً.

غريب، ألا ترى هنا أن دماغك يخدعك! يذكرني هذا بالفيديو التاريخي لمهدي حسن عندما ناظر في أوكسفورد بعض أحزاب اليمين عن مواضيع مشابهة لهذه الفكرة.

العامل الثاني في قران المُسبب مع الفعل، هو العزل.

بمعنى، هناك دائماً حاجة لوضع عدة عينات بعد اكتشاف «نمط» ما لأجل تأكيد تكرار التجربة.

مثلاً:

عندما نريد قرن البدانة مع مرض القلب.

نقوم بأخذ عينة أخرى لبُدناء من بلد آخر.. أو بدناء لديهم أمراض أخرى.. أو بدناء بفصائل دم متباينة وهكذا.

سبب هذا هو عزل النمط المتواجد “البدانة تسبب أمراض القلب” في سبيل تجربتها على عينات أخرى للتأكّد. وفي حال ثبوت ذلك يعني أن العلاقة حقيقية والبدانة فعلاً تسبب أمراض القلب!

نأتي لمثال جرائم الشرف..

يا أخي العزيز المتحامل علينا..

هذه الجرائم هي شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني! نحن فقط نسقط “بلاوينا” على العالم الإسلامي الذي قد لا يدري بنا ولا بوجودنا! نسبة العرب ضمن العالم الإسلامي هي أقل من 21%! يعني أقل من الربع!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع الختان! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من مشاكل الشرف! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع التخلف! بل العالم العربي!

اختطاف الإسلام والدين ووضعه في صندوق العرب وحدهم، وإسقاط مشاكلهم وعقدهم النفسية والقبلية والتقليدية على الإسلام لتصبح قضايا الأمة، جرم كبير، وحالة نرجسية مرضية، يجب أن تصحح قبل أن يتوه العالم بنا وبه!

هذه شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني!

على هذه السياق..

قرأت منذ مدة كتاب بعنوان “سقوط العالم الإسلامي” للكاتب حامد عبد الصمد، لا أكذب إن لم أقل أن العنوان استفزني، وأشعرني بأنه سيأتي بشيء ضخم عميق، حالة أشبه لكتاب المؤرخ ثقيل العيار صاحب الروح الألمانية أوزفالد شبنغلر، الذي خطّ كتاب سقوط الحضارة الغربية، في نبوءته الشهيرة نحو اندثار القارة الأوروبية.

مسكت الكتاب الذي لا يتعدى مئتين صفحة، آملاً أن أجد شيء يدعو فعلاً للخروج من مسار السقوط إن كان يحدث حقيقةً.. فما وجدت سوى كلام لا معنى له!

لدرجة أن اسم الكتاب يجب أن يكون بدل سقوط العالم الإسلامي، سقوط سقوط العالم الإسلامي!

لماذا؟

الكاتب يعتقد أن العالم الإسلامي هو العالم العربي.. الذي ويا للمصادفة لا يشكل سوى 21% من العالم الإسلامي!

نكمل..

الكاتب يتحدث عن كيف هؤلاء المسلمون المهاجرون سيركبون قوارب الموت ويتجهون نحو أوروبا ويغرقونها!

كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب سقوط العالم الإسلامي..

انتهى الكتاب، ولم أجد شيئاً! لا نظرية سقوط ولا أي شيء.. بحثت عن حامد لأرى ما طبيعة دراسته فوجدت أنه يحمل شهادة في العلوم السياسية، ويعرف نفسه كباحث في قضايا التراث الإسلامي.

إن كان السيد حامد باحث في قضايا التراث، فأنا يمكنني هنا أن أعرف نفسي بأنني باحث في الهندسة النووية أيضاً.. وجدتي باحثة في علوم الذرة والفيزياء الكوانتية!

الكتاب منذ بدايته وفي عنوانه وفكرته الكبرى خاطئ.. يرى أن العالم الإسلامي هو العرب فقط! الذين لا يمثلون سوى الربع! ولا يرى حتى العرب كلهم إنما الشرق الأوسط!

ثم أن قوارب الموت التي ستحمل المهاجرين إلى أوروبا.. هل هي بسبب فشل العالم الإسلامي الذي أساساً ليس موجود إلا كدين شعبي ثقافي!

أين المهاجرين إلى أوروبا من الإمارات المسلمة؟

ومن سلطنة عمان؟

ومن السعودية؟

ومن المغرب والكويت؟

أين المهاجرين من تونس والجزائر؟

أين المهاجرين من أكبر دولة إسلامية في العالم وهي أندونيسيا؟

أين المهاجرين من ماليزيا ذات التعليم المنافس على مستوى العالم؟

يا عزيزي.. يا سيد حامد..

المهاجرون هم من الشرق الأوسط، الذين يوجد لديهم ألف سبب آخر قبل أن يكون العالم الإسلامي -غير الموجود أساساً- الذي تكلمت عليه حضرتك!

صراحةً.. أعطيت الكاتب وكتابه فرصة وبحثتُ أكثر..

ولا أكذب عليكم بأني استشعرت رائحة العنصرية عند الحديث عن أن هؤلاء سيهاجرون ويغرقون أوروبا وهكذا كلام..

بحثت أكثر.. فوجدت للسيد حامد لقاء على اليويتوب مع غاد سعد Gad Saad.

هنا أغلقت كل شيء..

وأوقفت البحث..

وعرفت أن الأمر لا يستحق..

هي النظرية نفسها..

النظرية العنصرية التي تقسم العالم لأصناف وأننا نحن السيئون!

غاد سعد يا أعزائي من أبرز فتحات التصريف الصحي -تجنباً لقول كلمة بلاليع- اليمين العنصري في كندا!

يمكن أن نقول أنه النسخة الأخرى من بين شابيرو..

الثلة الذين يعتقدون أن الرجل الأبيض هو صاحب الفضل على العالم وأن البقية هم أصناف أقل جودة!

هؤلاء ينسون أن الرجل الأبيض لم يكن طول عمره سوى صياد غير أخلاقي بلا قلب ولا شرف!

الرجل الأبيض الذي أسس أمريكا..

الرجل الأبيض الذي وضع تمثال الحرية، وتحت كل حجرة فيه، فروة رأس لهندي أحمر!

الرجل الأبيض الذي أتى إلى الشرق في عز حضارة العرب والإسلام حينها ليتعلم!

ما المشكلة حينها، هاا؟

في العصور الوسطى عندما كنا نحن مركز الإشعاع، هل كان الرجل الأبيض حينها أسمراً أم ماذا؟ لم تكن نظرية الذكاء التي يتشدقون بها الآن موجودة أم ماذا؟

والمضحك في الموضوع أن غاد ليس كندياً أصلياً، إنما لبناني من أصول يهودية! ربما الإنسان يتقبل العنصرية عندما تكون من أهلها الأصلاء، لكن أن “يتعنصر” عليك مهاجر مثلك، فهو أمر مضحك صراحةً!

دعكم منهم.. ودعونا منكم..

لكن مهما حدث، ينبغي على الإنسان ألا ينسى أصله ولا ينكره. حتى لو اختلف معه.

هذه العقيدة..

المتواجدة لدى الفكر الحامدي عبد الصمدي والغاد سعدي، توجد لدى بعض أصدقائي الذين أعرفهم، وكانوا قد هاجروا.. سواءً إلى ألمانيا أو أوروبا أو أمريكا بشكل عام..

أصدقائي هؤلاء.. يحاولون جهد استطاعتهم أن يكونوا بيضاً!

يحاولون عند سؤالهم بعد أن يُمنحوا الجنسية الجديدة.. أن يقولوا أنهم ألمان أو إنكليز! بعدما كانوا يعرفون أنفسهم بأصلهم ومن ثم جنسيتهم الوليدة!

ينضمون لأحزاب اليمين الأوربية.. وخمّنوا ماذا؟

يعادون المهاجرين الجُدد!

وهي سيكولوجية معروفة وتتكرر دائماً.. أشد العداء لموجات الهجرة واللاجئين الجُدد هم اللاجئين والمهاجرين القدماء الذين تجنّسوا.. لأنها تفتح لهم الدفاتر والذكريات القديمة التي يحاولون دائماً طمسها!

أياً كان.. شتتنا عن الموضوع قليلاً..

ما أريد قوله..

أخي العزيز الذي يحاول أن يكون أبيضاً، مشاكلنا موجودة نعم.. لكنها شجون عربية.. شجون شرق أوسطية.. شجون مناطق فيها تعليم رديء وحياة سيئة.. لأن الماليزيون بتعليهم الجيد لا يتركون العالم الإسلامي ويذهبون لأوروبا كما يريد الصمد أن يقول!

ولن يغرقوا أوروبا خاصته بقوارب الموت!

لا تتحاملوا كثيراً.. كونوا منصفين..

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك..

عبر كما تشاء وأينما تشاء..

لكن لا تقول أننا السيئين، ولا تطلق رصاصة على عربة خضار أبيك البسيط.. فهي رغم كل شيء، شجوننا الخاصة، لا علاقة لها بأي عقائد أخرى.

يزيد البعض من مستوى العبقرية ليأتي لك بأحاديث وآيات. وهي لعبة خاسرة جداً.

يا رجل.. آيات وأحاديث ماذا؟
النبي قال مواسياً طفلاً صغيراً مات عصفوره يا أبا عُمير ما فعل النغير؟

النبي قال في أعلى الأحاديث صحةً، دخلت امرأة النار في هرة حبستها؟

تريد أن تقول أن قتل الناس هو عرفنا؟

أنت متحامل ياعزيزي.

آمن أو لا تؤمن.. هذا مشيئتك الخاصة.

لكن لا تتحامل على إيمان البسطاء..

عش في بلادك الجديدة..

كن أوروبياً.. كن أبيضاً..

تابع بين شابيرو وغاد سعد و إيريك زامور إن كنت في فرنسا..

تابع أخبارنا.. وأبصق علينا إن شئت.. وقل كم نحن متخلفين وتقليدين..

لكن لا تتحامل ولا تظلم..

وإن كنت تصارع الوحوش كما تعتقد.. فاحذر أن تصبح منهم، وتغدوا وحشاً! فانتصار الوحوش لم يكن يوماً ما بقتلها، كانت دائماً تنتصر بأن تجعل من يعاديها يعمل بنفس طريقتها! فيغدوا سيئاً وعنيفاً!

يغدوا وحشاً مُتحاملاً.. يتبنى المنهج المخالف بطريقة الوحوش نفسها!

التصنيفات
عام

بخصوص جريمة اللا شرف!

مفهوم جداً أن يقتل الإنسان عدوه في ساحة حرب.. جندي يواجهُ جندي.. أن يختنق الإنسان غرقاً في بحر ما وهو يحاول الهروب.. أن يموت الإنسان بسبب رصاصة طائشة.. أن يموت بسبب أرذل العمر وتيه الجسد وضعف الحيلة..

بسبب أمراض القلب وتكدس دهون الطعام وأحزان الأيام في شرايينه..
لكن أن يُقتل بدافع الشرف!
شرف ماذا بالضبط؟
هذا المصطلح من أتعس المصطلحات التي قد تمر على خاطر أي إنسان..

لا يوجد شرف في الجرائم.. الجريمة دائماً بلا شرف، بلا أخلاق، بلا مبادئ.. وما اختراع هكذا مصطلحات إلا لتجميل وترميم الفعل، تلك اللعنة التي أتى بها الشيطان ميكافيلي قائلاً أنّ الغايات تبرر الوسائل. فلو كانت غايتك نبيلة -أن تقتل قريبتك الصغيرة الضعيفة- حين إذِ يمكن لجريمتك أن تغدو شريفة!
في حالة قد يستغرب منها القانون ويضحك عليها المنطق السليم، وترمي الأخلاق الإنسانية نفسها من الطابق العاشر لشدة الاستهجان والعجب!
عموماً، ولأن البعض يُريد أن يفهم ما الدوافع المحركة لهكذا أفعال بربرية همجية. يجب أن نفهم طبيعة الذكر -كجنس بيولوجي- لا كجندر اجتماعي.
عبر التاريخ، تقدّم الذكر دائماً بفارق خطوة إلى الأمام عن الأنثى، لسبب بسيط جداً، وهو أنّه يرى فيها دائماً الحاضن.. المستقر النهائي للـ DNA الذي يملكه.
شرّعت غالبية الثقافات وبررت السيطرة الذكرية على الأنثى كونها تملك رحم! أي المكان الحاضن الذي سيستقر فيه DNA.
لذلك، وبشكل عام أيضاً، بالنسبة للذكر -البيولوجي على وجه الخصوص، وبتجريد كامل لأي منحى اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي- فإن السيطرة على الأنثى ليس لأنه يريد السطوة ولا تقمّصاً لدور القائد ولا أي شيء آخر. هو فقط يريد السيطرة على الرحم، بلغة ماركسيّة: يريد السيطرة على مركز الإنتاج!.. مما يسمح له بتوليد نسل جديد وتحقيق الرغبة الطبيعية المُلحة في التكاثر.
فلو كان هذا الرحم موجود في ذكر -ولو أن الموضوع مستحيل تخيله قليلاً- لكان أن سيطر عليه أيضاً! كونه هو الضامن للجيل الجديد الذي سيأتي.
هذا كله في الغابات والسهول وكهوف الزمن الغابر..
تمر السنون سريعاً، ليرى الكائن العاقل نفسه قد تحضّر، وغدا في مدن كبيرة ذات أعداد سكانية مرتفعة، ومآوى قد بات مؤمن وسهل الوصول. لم تعد مخاطر العالم السابق موجودة، فكل شيء تغير. ونشأت هيئات مدنيّة جديدة، يمكنها أن تقوم بمهمة المحاسبة والردع والزجر.
لكن عقل الإنسان، لاسيما بعض الأصناف شبه البشرية التي تصر دائماً على الحيونة. لا تنمو كثيراً، ولا تقرأ، ولا تسير في ركب التطور البشري.
فكما بقي الخوف غير المبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب في دماغ الإنسان المدني على الرغم من قلة خطر تعرضه لها في عالم المدينة وفرصة موته بحادث مروري أكبر منها، بقيت أيضاً أشياء أخرى في عقله، كالسيطرة العنيفة على أرحام النساء هنا وهناك. حتى لو كانت النتيجة هي قتل صاحبة الرحم نفسه! في حركة قد ينتحر منها عقل الإنسان العاقل المدني، وعقل الإنسان البربري أيضاً!
فالأول يستهجن ذلك بسبب وجود قوانين في المدن الحديثة، والآخر البربري يستغرب ذلك لأنه لم يستطع أن يحمي ما كان ينبغي أن يحميه!
حينها، لا نكون سوى أمام فاجعة كما الفواجع الأخرى التي باتت خبراً عادياً تسمعه في كل يوم.. جريمة لا شرف بداعي الشرف، يعجز عن توصيفها القلب قبل العقل.. كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟
مفهوم أن يموت الإنسان في حرب..
في معركة..
في سبيل الله.. والوطن.. والمبدأ..
يا أخي، حتى.. مفهوم جداً أن يموت الإنسان من أجل الشرف.. لكن الشرف الحقيقي وليس الادعاء الهمجي البربري!
مثلاً، لو دخل منزلك لص ليسرقك ويغتصب زوجتك، هنا أنت تصارعت مع اللص وقتلته.. ما الجريمة المُرتكبة؟
هذه جريمة شرف. جريمة شرف يستحق الذكر حينها التكريم من أجلها.
عندما يحمي الإنسان نفسه وعائلته من الأوباش.. لا أن يكون هو الوغد الذي يقتلهم!
الأمر مؤلم نفسياً قبل أن يؤلم جسدياً أقسم لكم، يذكرني بالعبارة الشهيرة التي تقول: لم نمت حينما أطلقوا رصاصة علينا، لقد متنا حينما رأينا وجه مَن أطلق!
لا أعرف ما يجب أن نقول صراحةً..
الأمر ذاته منذُ حادثة إسراء إلى كل المواجع التي حدثت وستحدث..
كل ما نفلعه -أنا وأنت وهي وهم- ما هو إلا مجرد إراحة للضمير بأننا نغضب لهكذا حوادث وننكرها..
لكننا لا نفعل شيئاً..
ولا تبقى لهم سوى الرحمة الإلهية لتتغمدهم.. فإن ضاقت بهم الأرض، ففي السماء متسعٌ أكبر..

التصنيفات
عام

فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!

مشكلة فرعون في كل زمان ومكان على اختلاف تمثيلاته أنه أحمق.

نعم، لديه قوة جبارة..

يمتلك أحدث التقنيات..

يسكن في قصر منيف..

يتحالف مع فراعنة آخرين..

نعم، لديه ترسانة إعلامية هائلة.. وتفوق جوي بارز.. وطائرات F35..

لكنه أحمق!

إذ يترك «نقطة عمياء».. تتسرب منها فراشة صغيرة اسمها فلسطين.. لتهز بجناحها الصغير في مكان.. ثم ما إن يتداعى هذا الأثر، ليغدو زلزالاً بعد أن فاض واستفاض!

عندما تأتي النبوءة لفرعون بأن هناك طفل صغير ذكر سيُولد قريباً، فيحطمه ويأخذ عرش مصر.

يجن جنونه..

يأمر بوأد كل ذكر يولد حينها..

خوفاً من ذلك الصغير الذي سيأتي وينهيه..

لكنه يترك ثغرة صغيرة.

نقطة عمياء بسيطة..

تتسلل منها فراشة صغيرة تهز بجناحها..

في تلك اللحظة تحديداً.. وفي قصر فرعون نفسه.. يُولد موسى!

دائماً كانت هكذا..

وستكون هكذا..

بذرة الانهيار تولد في أوج التجبّر والانتصار..

فما بعد القمة العالية هو المنحدر القاسي المحتوم..

في عز الطغيان والتجبر..

لا يترك فرعون طفلاً إلا وقتله خوفاً من تلك النبوءة..

لا يترك فرعون عدواً “خارجياً” إلا ومزقه..

لا يترك فرعون تهديداً محتملاً إلا واشتبك معه..

لا يترك فرعون عالماً قد يشكل تهديداً عليه إلا واغتاله!

لا يترك فرعون خائناً إلا وتحالف معه!

لكن تلك الفراشة الصغيرة تمر..

دائماً كانت كذلك..

في اللحظة التي يبلغ فيه الوغد أوج الطغيان، تُولد بذرة انحطاطه في المكان الذي لم يتوقع منه ذلك!

تُولد في “الداخل”..

في قصره تحديداً!

ليأتي موسى.. يتيماً.. محمولاً في نهر..

بعد قدوم المواساة الإلهية لأمه عندما وضعته في اليم بأن: «لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ»..

فيذهب موسى يتيماً صغيراً متقوقعاً داخل صندوق خشبي في نهر بارد..

يدخل قصر فرعون في عام قتل الذكور.. لتكون بذرة نهاية فرعون قد وُلدت!..

«هناك رجلٌ بمفرده، بدون أسرة، بدون أطفال، بدون اللّه… هو يبني جحافل لكنَّه لا يبني أمَّة. يتم إنشاء الأمَّة من قبل الأسر، والدين، والتقاليد: تتكوَّن الأمَّم من قلوب الأمهات، وحكمة الآباء، وفرحة الأطفال وحماسهم. إنَّ الحداثة التي تبتلع الجميع، والتي تحترم الكرامة الإنسانيَّة والهيكل القديم لعرقنا، تضع نفسها في مكان كلِّ شيء آخر.

والإنسان الذي بمفرده، يدمج نفسه فيها بأكملها، ليس لديه إلهُ يُكرِّمه ولا أسرة يحفظها ولا ماضٍ يتشاور معه.»

فيلهلم الثاني، قيصر ألمانيا.

هي إذاً نقطةٌ عمياء..

بوابة صغيرة جداً يعتريها الأمل..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتكسر القوانين المتعارف عليها وموازين القوى..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتسرب أدعية الأمهات.. وصرخات الأرامل..

رباط المجاهدين.. وثبات المخلصين..

من هذه النقطة العمياء التي ينساها فرعون، يدخل موسى ليطأ عرشه..

فتهز فراشة فلسطين جناحها..

وتبدأ الحركة الجدلية الهيغلية..

ويتغير التاريخ..

ويمشي للأمام..

فإذا بالأسطورة الفرعونية بأرض الميعاد تتهاوى..

وإذا بمَن يمتلك أفضل تفوق جوي..

وأفضل وسائل دفاع..

وسلاح ردع..

ومفاعل نووي..

ومواقع إباحية..

ومَن يدعي أن الحمص والشاورما هي لهُ وليست عربية!

وأفضل تحالف مع سفاسف قريش..

يغدو أضحوكة!

ربما فرعون لن يموت..

ربما سيطول ذلك كثيراً كان أم قليلاً..

أهم ما في الموضوع.. هو تبيان أن فرعون قد أصبح “مسخرة”..

وأنه مجرد فقاعة تبنيها وسائل التواصل وشركات الإعلام “ومعابد آمون” وغيرهم من المنتفعين..

ففي النهاية، لن يقتل فرعون سوى موسى الذي وُلد في “الداخل”..

في قصره..

لتكون بذرة الأفول قد زرعت في النقطة العمياء التي غفل عنها ولم يرها..

تلك النقطة التي تحتضن أدعية الكثيرين..

ويمر منها التاريخ بحركته الجدلية الشهيرة..

فيتغير كل شيء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة..

تمر عبرها فتغلق للأبد…

تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً!

فراشة صغيرة متعبة ومحاصرة ومجوّعة..

فراشة صغيرة عنيدة رغم كل شيء..

فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

التصنيفات
فكر

لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

يؤرخ عالم هارفرد الشهير «ستيفن بينكر» في كتابه الضخم «الملائكية طبيعتنا» لمسيرة تقدّم المجتمع الإنساني عبر محطات عدّة.

متمحوراً حول عدّة مفاهيم وسياقات.. في سبيل تكثيف فكرة عامة للكتاب ولفلسفته بشكل عام؛ هي أنّ الإنسان أصبح كائناً رقيقاً، وعاد إلى طبيعته الملائكيّة –التوجهات الفلسفية هنا ثلاث، الإنسان كائن شرير بطبعه وهي فلسفة توماس هوبز. الإنسان كائن مُحايد بطبعه أو نظرية الـ «Blank Slate» «Tabula Rasa». والإنسان كائن خير بطبعه-.

«الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان» – توماس هوبز.

ينتصر بينكر للفكرة الأخيرة، خيريّة الإنسان وأننا نعيش في عصر رفاه جداً بالنسبة لجنسه.

وعندما يُسأل عن لماذا كل هذه الكوارث والآلام تحصل في زمننا الحالي؟

يجيب بأنه الانحياز نحو السلبية «Negativity Bias».

وسائل الإعلام في علاقة غرامية مع الأخبار السلبية والسيئة والمقيتة. لأنها هي ما يصنع حدثها وبالتالي يسمح لها بالعمل والاستمرار ولربما النمو!

لو لم يكن هناك أخبار سيئة ما الذي سيقولونه؟ ماذا سيغطون في نشراتهم؟

سيقف أمامك المذيع، أو المذيعة التي غالباً ما تكون حسناء ذات أصول لبنانية لتقول..

اليوم لا يوجد أخبار.. العالم مكان جيد وفي أحسن أحواله. شرقنا الأوسط بخير.

لذلك سنعرض لكم باقة من أغاني فيروز. ولا شيء آخر!

لا يمكن لهذا أن يحدث..

لأن الإعلام ليس هدفه فقط الإعلام.. إنما أن يجعلك تكره حياتك وحياة مَن حولك!

هذا من ناحية العمل في الأوساط الإعلامية، وعلاقتها الغرامية مع السلبية.. أما من زاوية عمل الطبيعة وقوانينها الثابتة، فهناك قصة أخرى..

للألم أهمية كبيرة من الناحية الطبيعية كونه ينبه الإنسان من عاقبة اقتراف الخطأ السابق مرة أخرى.

لنتخيل معاً إنساناً لدغه عقرب في غابة ما.. وفيما بعد نجا من اللدغة.

ومن ثم وبعد مرور سنة، تعرّض للدغة أخرى.. لكنه مات في هذه المرة!

مفهوم الألم في لدغة العقرب الأولى.. ما هو إلا تنبيه وزجر للإنسان من أجل تجنب هكذا حوادث في المستقبل.

لأنه لو لم يكن هناك ألم.. لكانت النتائج حينها كارثية!

أن تكون هكذا خبرات غير مؤلمة، يعني أن العقل لن يحفظها كونها لن تترك فيه ندوباً لأنها لم تكن مؤلمة.. وبالتالي سيكون الناتج كائن مهمل لا يعرف ما هو الصائب وغير الصائب له.

لكن مع وجود الألم، يختلف الأمر كثيراً.. فالاستجابة الألميّة، مهمة جداً على المدى البعيد لعدم تكرار الحماقات.

وحتى الأمور الجيدة المتعلقة بصميم استمرارية الجنس البشري، يُكافئ الإنسان عليها طبيعياً أيضاً بفيض من الدوبامين المتناطح داخل دماغه، ولعل النشوات اللحظية (المادية – الطعامية – الجنسية) تقبع في رأس الهرم لهذا الجانب.

أما السعادة، فهي مفهوم آخر..

السعادة مفهوم نقي.. خفيف.. صامت، وغالباً ما يكون تحصيل حاصل وبدون جلبة، إنما يظهر كخاتمة لمسيرة طويلة كانت قد حدثت، ولذلك عرّف الإغريق القدماء بأن السعادة أو اليودايمونية، هي الحياة وفقاً لنسق الفضيلة والقيم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اللبس الذي يحدث عند الاشتباك بين مفهومي السعادة والمتعة.

المتعة Pleasure هي كيمياء الدماغ.. نشواته اللحظية العابرة. عندما يُتخم بوجبة دسمة مليئة باللحوم.. عندما يمارس الجنس بشراهة.. حينما يشرب الماء بنهم.. عندما يملك المال كما يملك كيم جونغ كوريا الشمالية.. هذه متعة.. أي بهجة الدماغ الكيميائية فقط.

بينما مفهوم السعادة اليودايمونية الفلسفية هو الأكبر والأرقى..

تلك السعادة هي سعادة الرحلة الطويلة.. والتي غالباً ما تكون مرات إحساسها محدودة على طول الحياة المُعاشة.

مثلاً.. عندما تُربي طفلاً وتكبره ليكون إنساناً جيداً وينجح في ذلك وتفخر به، هنا أنت تحصل على السعادة.. سعادة القيمة والرحلة الطويلة الناجعة لا سعادة وجبة الدجاج التي تأكلها!

الاعتقاد بالمتعة Pleasure على أنها نفسها سعادة القيم، اختلاط خطير يُشير إلى تضارب المفاهيم وتوهان الطريق عند صاحبه.

ولربما هذا الاختلاط يكون مقصوداً.

لأن صاحبه يكون مرابطاً سابقاً على ثغور السعادة القيّمة تلك، لكنهُ غدا مرهقاً.. وأعجزه السعي المطوّل وراء ذلك السراب الضائع صعب الوصول، فقرر أن يضرب بها عرض الحائط وينغرس في المتعة..

ليأكل كثيراً…

ويشرب كثيراً..

ويمارس الجنس كثيراً..

ولا ينجب طفلاً كثيراً..

ولا يراه يكبر ليكون إنساناً جيداً كثيراً..

أصحاب المتعة هم نفسهم أصحاب السعادة بعد أن يأسوا وتحطموا..

لا يمكن للسعادة أن تترك ندوباً..

لأنها مفهوم نقي بسيط.. ولأن قوانين الطبيعة تتكاتف ضدها لتنصر تجربة الألم، كونها تحذر الإنسان من تكرار الفعل، فتصب في مصلحته طويلة الأمد، بينما لا تؤثر البهجة كثيراً في ميزان التكيّف، فيهملها العقل البشري..

ولا ننسى أيضاً، الانحياز الإعلامي نحو البؤس.. كونه يصنع الحدث دائماً..

سؤال بسيط..

هل سمعتم يوماً قناة إخباريّة غطت خبراً عن أب يُهدي ابنته هدية في عيد ميلادها؟

في يوم تخرجها؟

في حفل زفافها؟

لا..

لا يغطون سوى خبر الأب المُختل الذي يقتل ابنته..

والأخ الذي «يصون عرضه» بالطريقة الحمقاء التي نعرفها..

وهكذا عناوين رنانة بائسة..

لماذا؟

لأن السعادة لا تترك ندوباً.. ولا تصنع خبراً ولا عنواناً في نشرة أخبار.. ولا تُطعم خبزاً.. ولا تجلب مشاهداً..

السعادة مفهوم بسيط بريء، مُغفّلة جداً في عالم المنفعة هذا.. لدرجة أن الانتباه لا يلتفت إليها ويعرض عنها مُخاصماً.

السعادة شيء جميل..

خير محض.

فكما النُبل الحقيقي يكمن في فعل الأشياء الحميدة دون أن يدري الناس بها كما يقول تولستوي..

فإن السعادة الحقيقية تكمن في القيم الخفيّة بدون جلبة..

هي ليست كالألم.. مفهوم طبيعي مِن الواجب وجوده لتحذير الإنسان من تكرار الحماقة مرة أخرى في المستقبل.

السعادة مفهوم نبيل..

مفهوم بسيط حد السذاجة..

تستحي من أن تؤذي صاحبها..

لهذا هي لا تترك ندوباً..

التصنيفات
ساخر

دودة الربيع أتت!

يختلف الكثيرون في كونهم “شتويون” أم “صيفيون”.. إلا أن كلاهما يتفقان على محبة فصل الربيع.. المحطة المفصلية ما بين برود الشتاء الكئيبة وسطوة شمس الصيف الحارقة بما تحمله من لزوجة وتعرّق، والكثير من استخدام الريكسونا..

وكما قالت القصيدة المدرسية..

يا ثلج قد هيجت أشجاني..

ذكرتني أهلي وأوطاني..

بالله قل عني لجيراني!

يُبدع البحتري في التهليل للفصل الجديد قائلاً..

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً.. مِن الحسن حتى كاد أن يتكلما!

ففصل الربيع فصل مُفعم بالطاقة..

ولو أردنا تشبيهه لرجل ما، فهو أقرب ما يكون لشاب وسيم فارع الطول مُقبل على الحياة.. يُمكن أن يكون قريباً من «جوني برافو» صاحب العضلات المفتولة المغرور.

أما الشتاء، فهو بدون جدال عجوز كئيب لكنه يملك الكثير من الحكمة والهدوء.

مناسبة هذا الترحيب..

دودة الربيع اللطيفة التي استوقفتني أثناء مروري من أحد الحدائق..

كان شكلها مُبهراً كما في الصورة التي أخذتها.

هذه الفراشة التي ما تزال في مرحلة سابقة لمرحلة الإزهار النهائي.

كائن رقيق في منتهى الجمال..

عكساً ربما من الكائنات الأخرى التي يتفق الجميع على بغضها، كالصراصير والجراد وتلك التي تُسمى “أم علي”.. لا أعرف ما اسمها صراحةً. يُقال لها فقط أم علي 🙂 .

وهذا ما يذكرنا بالمدرسة العجيبة المتبعة في التسميات ها هنا. فمحارم الكلينكس -مناديل ورقية- تحورت لتصبح محارم تينكس.. وهي في الحقيقة محارم ورقية فقط. لا كلينكس ولا تينكس.. كلينكس هو فقط اسم الشركة الأولى التي انتجت هذا المنتج!

نفس الأمر مع ظرف الـ Baking Powder الذي تحوّر بطريقة ميلودراميّة ليصبح تراتيب لغوية جديدة.

فالأمر لا يقتصر على تسمية الحشرات كما هو واضح، إنما مدرسة لغوية قائمة بحد ذاتها..

عودةً للربيع.. يُقال أنّ الفراشة هي الكائن الأجمل الذي اتفق عليه الجميع.. وذلك لسبب بسيط.. لأنها جميلة وهذا أولاً، ولأنها هادئة وصامتة وهذا هو الثاني الأهم!

الفراشة هادئة جداً.. بلا صوت.. بلا شوشرة.. بلا ضجة.. بلا أي شيء.

فقط جمال.. جمال يتحرك بخفة وبدون جلبة.

وبما أن الانقلاب الربيعي حدث قبل عدة أيام، أي 21 من آذار.. فلا بد لهذه الدودة أن تظهر لتبدأ دورة حياتها السنوية بالعمل..

هناك عديد من الحشرات الأخرى اللطيفة التي تظهر الآن.. منها صندوق النبي الذي لا أعرف ما هو اسمه الحقيقي أيضاً.

تلك الدعسوقة ذات الصندوق الأحمر ذو النقط السوداء.

أيضاً تظهر في هذا الفصل وتبدأ دورة نضالها وتشمّر عن ساعدها لتعمل.

فها قد أتانا الربيع يختال ضاحكاً مع كتائب من الفراشات الجميلة والحُسن.. لعلنا نستشعر شيئاً من جماله وحسنه في عالم باتت الحالة المعاكسة فيه هي سيدة المشهد..

التصنيفات
ساخر

العلاقة ما بين فيروس كورونا والكبة المشويّة

لدى كل كائن حي ميزة حيوية تساعده على التماهي ضمن بيئته والنجاح، ليحقق نموذجاً عالياً من التكيف.

فالأخطبوط لديه حبر يؤذي بهِ عيون المفترسات..

والفهود تملك سرعات عالية..

وللأسد قوة عضلية وفكيّة تساعده في الإطباق على القصبة الهوائية للطريدة..

والحرباء تتلون حسب خلفيّة جلوسها..

وهلم جراً..

بينما الإنسان.. وكونهُ المتربع الأوحد على عرش السيادة في شجرة الحياة.. فإنه يملك ميزة عتيدة مثيرة للجدل، ساعدته في بلوغ منصبه هذا.. وهي ما يعرف بالعقل.

إن أردنا تهديد نظام العقل عند الإنسان، فلا بد من الانطلاق من تسميته نفسها!

كلمة العقل فضفاضة جداً وتحوي على مضمون أوسع من ماهيتها الحقيقية.

توضيح هام: الكلام هنا عن السائد اجتماعياً عند استخدام لفظة العقل، وليس المعنى الفلسفي الحقيقي للكلمة.

بمعنى..

عواطف الإنسان.. مشاعره.. حاجاته.. لذته الطعامية.. نشوته الجنسية.. الخ. هي أمور مُدركة بمجسات الدماغ نفسه، ويتبناها شخصياً!

لذلك، تنحية العواطف والغرائز، ووضعها في مقابلة ومعاكسة للدماغ والعقل أمر غير حقيقي. لأن جميع هذه السوابق تُدرك فيه أساساً!

منذ متى يشبع الإنسان في قلبه!

ويحب في معدته!

منذ متى يطرب الدماغ بأغنية عن طريق أذنه!

منذ متى يمارس الإنسان الـ */##$#$ عن طريق $%#$$%؟

هذه أمور تدركها الحواس نعم، فيعتقد صاحبها أن الحواس هي مَن يفسرها. وهذا خاطئ. الحواس مُجرد ناقل.. في النهاية كله ينتهي بالدماغ ويفسره العقل.

إذ هو مصدر الأشياء العقلانية وغير العقلانية كالعواطف والمشاعر والحاجات وغيرها..

فهو أشبه ما يكون بالصندوق الأسود في الطائرة..

توجد فيه الحصيلة الجامعة لكل العمليات الحيوية التي تجري على اختلاف تفسيراتها النهائية..

المشكلة التي يعانيها الإنسان الحديث..

أن تاريخ إنتاج هذا الصندوق وتصنيعه بات يعتبر غير متوافق مع تاريخ وطبيعة حياتنا الجارية شديدة التعقيد والتداخل في وقتنا الحالي..

فمثلاً..

ما هو سبب الخوف غير المُبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب؟ رغم أن طبيعة الإنسان المدني الذي يعيش في مدن حديثة جعلت من هذه المخاوف صعبة الحدوث والتحقق!

وعلى العكس، الخوف من الارتطام بسيارة والموت بحادث سير أكثر احتمالاً من مواجهة عقرب فضلاً عن دلغته!

لماذا ما يزال دماغ الإنسان يخاف؟

السبب هو اختلاف تواريخ إنتاج كل منها..

لا يزال يعتمد الدماغ المحمول بين أكتافنا الأساليب القديمة التي عانى منها إنسان العصور الماضية..

وارتماء الإنسان الحديث في أحضان المدنية والتطور الحضري خلال آخر 3 آلاف سنة لا يعد أبداً فترة كافية لإحداث تغييرات جذرية في الدماغ.

ولهذا نجد مثلاً أن أكثر المناطق راحةً نفسيةً للإنسان هي الطبيعة.

لماذا؟

لأن عقولنا تحن لتلك البيئة القديمة التي اعتادت وألفت عليها.. أما جدران الاسمنت وزفت الأراضين والزجاج وغيرها من الأبنية الرتيبة، تمثل بيئة جديدة غير مريحة خانقة للعقل.. وإن أردت التأكد يكفي أن تسأل عن مدى الإحباط والملل والاكتئاب لمَن يقضي طول يومه في المنزل دون أن يخرج..

الحصار ضمن جدران منازل العالم الحديث بشع جداً..

فالدماغ ما يزال قديماً، ولم يعتد على إدراك سرعة القفزة الـ «بربرية-حضارية» التي نفذها الإنسان مؤخراً.

من الأمثلة الحصرية الجديدة أيضاً هي فيروس كورونا..

لا يعتقد عقل الإنسان أن بإمكانه أن يُضر من قبل شيء غير مرئي! شيء لا تدركه الأبصار بل المجاهر الإلكترونية فقط.

أما مثلاً لو واجه دب أو حيوان ما مفترس في الطريق سيجري دون أن يلوي..

والسبب نفسه..

لم يعتد دماغ الإنسان بعد على التهديد الطبيعي الفيروسي الجديد الذي ظهر في الفترة الأخيرة من عمر البشرية.. رغم أن فكرة الوباء قديمة وحصلت مرات عديدة، لكن التفسيرات المنصرمة لها كانت لا تتعدى حدود الفلسفات والخوارقيات الدينية والعذابات الإلهية..

الآن الزمن تغيير..

لكن عقل الإنسان لم يفعل..!

فادعاء الإنسان العقلانية والإيمان بـ “العقلانية” يكون في غالب الأحيان ادعاء مبالغ به كثيراً..

لأن نظام العقل نفسه يحتوي كماً كبيراً من الأشياء غير العقلانية.. فالحب والجوع والعطش والشبق، كلها تتراكب في الدماغ وتصب فيه ويفسرها هو.

ربما الصفة الأكثر دقة لمن يريد أن يكون عقلاني ليس صفة عقلاني بل منطقي.. أي أنه يعمل وفق نظام المنطق في العقل، وليس العقل كله.

أخيراً..

للعقل علاقة أيضاً مع الكبة المشوية، كونهُ لا يرى فيها خطراً مُحدقاً مثل فيروس كورونا.

تهالك الأوعية الدموية عند الإنسان مع مرور الزمن والتدخين والنظام الصحي السيء سيؤدي في النهاية إلى الموت بأمراض القلب وتوابعها.

وفي قائمة الأنظمة الصحية المسببة لهذا هي الدهنيات، والكبة المشوية تعد إحدى آلهة الدهنيات في هذا السياق.

لماذا لا يخاف دماغ الإنسان من قرص الكبة المشوية ويعتبره خطراً مثل العقرب الذي لم يعد موجوداً في طور المدنية الحديث؟

نفس سبب عدم خوفه من السيارة أو الفيروسات غير المرئية.

لم يستوعب التكيف البشري بعد القفزة الحضرية التي حصلت خلال الـ 3 آلاف سنة الماضية.

فما تزال مخاوفنا هي مخاوف الإنسان القديم لا الحديث، وما تزال محفزاتنا هي تلك القديمة ذاتها.

فالعقلاني كوصف على الإنسان الرياضي الذي لا يحيد عن المنهج التجريبي المنطقي هو وصف خاطئ.. لأنه العقل يفيض بكل شيء وليس فقط معادلات الدرجة الثانية وحواصل الجمع والطرح..

التصنيفات
عام

عندما يموت أحدهم في هذا الزمن

هناك خياران..

إما أن يكون من «جماعتنا».. إنساناً طيباً خيراً نرى فيه الصدق والإخلاص.. فنحزن عليه ليكون الألم هو سيد الموقف.

أو.. أن يكون مَن يموت مُخالفٌ لنا وليس من طرازنا وعلى نفس أهواءنا..

ولأبالغ في التوجّه أكثر.. سأقول أنّه عدونا أيضاً!

ما المتوقع حدوثه؟

لا شيء..

لأن موت الأشرار -وفقاً لمَن يعتقد أنهم أشرار- سيكون دليلاً على هيبة تحقق العدّل في هذه الدنيا.. في هذه الحياة الأرضية البائسة.

ليس هناك سوى هذان الخياران..

عندما نخسر الطيبين نحزن عليهم.. وعندما نخسر الأشرار نستشعر هيبة الموت عندما يحقق عدلهُ فيهم!

هذا الكلام لا يعيه مَن يؤمن بمفاهيم من نمط “فطس / هلك / نفق”.. إلخ. من هذه المصطلحات التي تدل على هبوط في سلم الضمير بضع درجات نحو الأسفل..

الأمر مُتعلّق بمدى أخلاقية كل فرد وكيف ينظر للإنسان الآخر بوصفهِ إنساناً قبل أن يختلف مع ذلك الإنسان من أصله!

لو هناك أمنية ينبغي أن ننشدها جميعاً ونرجو تحقيقها، فهي أن تمنحنا الأيام خصماً شريفاً.

خصماً يمتلك أدنى مقومات النزاهة في المقارعة والمجادلة..

يكاد يكون الخصم الشريف رفاهية وترف في زمن وسائل التواصل هذا..

قبل أن أختم هذه التدوينة السريعة المستعجلة أريد أن أقول وأوضح أن الشر و”الناس السيئين” مفهوم نسبي يعتمد على نقطة تمركز صاحبه الفكرية..

بمعنى..

الأشرار الذين تعتقد أنهم أشرار.. لا يعتقدون هم أنفسهم أنهم أشرار، بل يمارسون الخير ويسعون لتحقيقه مثلما تفعل أنت تماماً. نادراً ما يكون هناك إنسان يعي الشر ويعرف أنه شر ويقوم بفعله!

حتى النازية نفسها كانت فكرة لتحسين الجنس البشري.. فهي بعيون روّادها فكرة جيدة تهدف لتطوير البشرية لا إبادتها.

فالسوء وجهة نظر.. تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية واللسان المحكي والقالب الفكري المتبع.

فهدئ من روعك يا صديق.. وكفى كسراً في عظام الموتى..

التصنيفات
عام

كلمة الشيطان الأخيرة!

ولو كانت الدنيا جزاءً لمحسنٍ.. ما سقى الله فيها شربة ماءٍ لظالمِ..

فلقد جاع فيها الأنبياء كرامةً.. وقد شبعت بها بطون البهائمِ!

أحياناً.. وبدافع فقدان الأمل والعجز عن العمل.. يتخلى الإنسان عن أبطال عالمه المُعاصر -إن وجدوا- وينسحب إلى رموزه القدامى..

لكثرةٍ في المسوخ المُشاهدة أو لحنينٍ إلى ماضٍ قديمٍ سحيق..

ينسحب الإنسان ويعود إلى الوراء..

وعندما نعود للماضي وأهرامه الكبرى.. لا بد أن نذكر أنبياءنا؛ أشقاء إبراهيم وإخوته وأولاده..

تميّز الابراهيميون عن غيرهم بالبعد الإنساني الكبير في شخصية النبي..

عكس الإغريق المتفلسفين والفراعنة القدماء والبابليون تحت أشعة الشمس.. الذين يمنحون أنبيائهم وآلهتهم صفات خارقة للطبيعة.. يركز الإبراهيميون على البعد الإنساني.. على الجانب البشري في شخصية النبي..

فذلك كان تاجراً، وهذا كان راعياً.. والآخر خياطاً..

ولا ننسى صاحب الحوت.. الذي خرج مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات!

مزّقت المُصاب فؤاد أيوب..

أعمى الحنين عيون يعقوب..

أكلت جدران البئر الباردة جلد النبي يوسف..

أما زكريا فقد قُسِم وهو مختبأ داخل الشجرة..

لم يهنئ أحداً منهم..

جميعهم حُوربوا.. فحاربوا!

وقفوا ضد أهليهم وزوجاتهم وأولادهم.. ولعل في قصة نبينا محمد وعمه أبو طالب الذي رباه خير دليل على ذلك..

كان محمد يبكي كثيراً على عمه.. لكنه لم يؤمن!

لماذا يا عمي لماذا؟ لماذا لا تقولها وتُريحني؟ لماذا لا تؤمن يا عمي لماذا؟

لم يستطع أبو طالب أن يؤمن.. ولم يستطع محمد أن ينقذ عمه..

كل هذا في سبيل ماذا؟

في سبيل عالم قادم! في سبيل أشياء يتكفل الزمن بتحقيقها ولا يمكن إفهام الناس حينها بها.

لا يمكن ذلك..

آمن يا عمي.. آمن.. ليتك آمنت يا عمي.. ليتك قلتها..

ننسحب إلى الماضي لنرى ما فعله هؤلاء الأبطال في “دنياهم” لنجدهم بشكل شبه جماعي إما مهاجرون أو مطاردون، أو وسطهم الاجتماعي حاقد عليهم..

لم يكن نبياً ما مُرتاحاً..

أبدع الإغريق في صناعة الآلهة والأنبياء الخارقين.. بينما الإبراهيميون -وهذا سر انتشارهم العالمي- أن أنبيائهم كانوا أناساً عاديين..

وربما العكس، كانت متاعبهم أكبر بكثير من الناس العاديين حتى..

لا يوجد نبي جاءه الوحي في فندق خمس نجوم، وبلغه لقومه، فاستشعروا السعادة وآمنوا وانتهت الحكاية بشكل جميل!

لا يمكن.. ولو أنه جميل كسيناريو خيالي تمليه مخيّلة الإنسان الحالم رغبةً في عالم مثالي جميل بلا صدام.. لكن الإنسان ليس هكذا..

الإنسان يصطدم.. الإنسان بحاجة للقرقعة كي يصنع طحيناً..

بحاجة لأن يؤلم كسر البيض في حال أراد صناعة العجة..

في مقابل كل إنجاز هناك تضحية.. وفي مقابل كل تضحية عديدٌ من الآلام تحصل!

لكنها تبقى في إطار عام لما يمكن تسميته بتركيب “الحياة الدنيا”.

هناك حياتان.. تلتهمنا كحيتان!

ربما لم يعد الكثير يؤمنون بهم.. لكنهما موجودتان سواءً كموضوع قائم بذاته أو في عقول المؤمنين بهم فقط.. موجودتان كـ “حديث” تاريخي، بغض النظر عن وجودهم كـ “حدث” تاريخي أم لا..

هناك حياتان.

الأولى..

تلك التي تبدأ ليلة خميس عندما تلتقي نطفة عمياء مع بويضة ثقيلة الظل فتتمسك بها كأنها أسطوانة أوكسجين أخيرة في مستشفى يطفح بمرضى الربو وكورونا، في قرية نائية لا يعبأ بها أحد..

هذه الحياة..

التي تبدأ بعويل وتنتهي بعويل..

أصر جميع كبار العقول في فلك التاريخ على تسميتها بالدنيا أو شيء ما قريب من هذا اللفظ. نظراً لدنوها وانحطاطها ومدى قربها من تراب الأرض.

ثم أتت النظرية الطبيعية لتؤكد ذلك أيضاً..

وها هو تشارلز داروين يُقر بالأصل الحيواني للإنسان.. ليتلقى الكائن المغرور جرحاً في صميم نرجسيته المضخمة.

حيوان؟

هناك نسب مع القرد؟

لا فرق سوى بعض الوظائف الدماغية المتطورة؟

دائماً ما كنت أعتقد أن المشكلة مع التطور لم تكن يوماً مع الأصل الحيواني بقدر ما هي النرجسية البشرية نفسها!

بمعنى..

لو كان التطور يقول أنّ للإنسان نسب مشترك مع الفهود والنمور والأسود لما اعترض الكائن العاقل كثيراً بل العكس ربما فرح!

فهو لو أراد أن يمتدح شجاعة أحد لقال أنهُ كالأسد!

المشكلة هي مع القرد..

المشكلة أن الإنسان النرجسي المغرور لا يعجبه القرد.. وكأنه يقول لتشارلز داروين: يا رجل أما وجدت كائناً آخر أفضل من القرد تنسبني إليه!

عدا ذلك.. فإن الدين نفسه يقر بالأصل الحيواني للإنسان أو لنسميه الأصل الأرضي للإنسان!

إذ غالباً ما يصف الإنسان بصفات سلبية.. وأنه كائن بحاجة لأن يتبع طريقاً معيناً حتى ينجو..

وهذا جوهر فكرة “الاستخلاف” الإلهي في الأرض.

غير ذلك.. سيكون مجرد فرد في سلسلة طبيعية تتصارع من أجل البقاء على هذه الأرض..

فرد يلهيه التكاثر حتى يزور المقابر!

فرد إذا أنعم الله عليه نأى بجانبهِ! وإذا مسه الشر فهو ذو دعاءٍ عريض!

هذه الحياة هي “الدنيا”.. هي السفلى.. هي الواطئة..

اسمها واضح.. وعنوانها واضح.. وطبيعتها واضحة.. ومَن يربح فيها واضح.. نفسهم في كل عصر وزمان ومكان..

دائماً كانوا نفسهم..

التغييرات فقط في أسمائهم.. وأشكالهم.. والشعارات التي يرفعونها.. بينما هم نفسهم.. يركبون دوائر التاريخ نفسها.. ينتظمون في صفوف الشر ذاتها..

إننا نعرفهم.. ونعرف أشكالهم وألوانهم وأسماء سياراتهم ولوحاتها..

يملؤون الدنيا ظلماً وجورا.. كما يملأها من يقف قبالتهم قسطاً وعدلا..

ليربحوا مرة.. ويخسروا مرات..

هذه هي الدنيا.. متخمةً بهم، وهم متخمون بها!

أما شقيقتها الأخرى المجهولة.. البعيدة القريبة..

فهي الحياة الآخرة..

دار النهاية..

دار الخلود..

مكان تصحيح ورقة الامتحان..

غرفة المدير..

الدار التي لم يؤمن بها الكثير.. ويعولون في ذلك على خوف مَن يؤمن بها..

تؤمن بالآخرة؟ ألا تعلم أن الآخرة هي اختراع بشري لمداراة خوف الإنسان من العدم.. ألا تعلمون هذا يا أيها البسطاء!

هكذا يقولون.. وهكذا يرفضون الحياة الآخرة.. فإن كانت الدنيا هي المنطلق.. فإن الآخرة هي المستقر..

إن أردنا نقد الكلام السابق فيما يتعلق بخوف الإنسان فهو بسيط..

وهو موافقته!

نعم أنا خائف.. ماذا يعني؟

خوف الإنسان لا يعني أن ما يتبناه غير صحيح.. على العكس، خوف الإنسان هو مصداق صحتهِ.

فخوف الأم عند مرض طفلها لم يكن يوماً ما مصداقاً لعدم وجود حبها له!

خوف الإنسان من أن تكون هذه الحياة الواطئة هي كل شيء مصداق وجود الآخرة..

الإيمان بنقص الإنسان وخوفه وعدم كماله هو عين قوته.. لأن ادعاء العكس يتعارض مع قوانين الطبيعة نفسها قبل معارضة قوانين السماء!

لا سيما أن التاريخ يخبرنا أن قوائم الأمم الكبرى والحضارات ودفع عجلة التاريخ نحو الأمام كانت مليئة بأسماء هؤلاء “الخائفين”!

غريب جداً..

كيف هؤلاء الخائفون يحركون الدنيا ويموتون أكثر من غيرهم؟

بينما أولئك الأقوياء غير الخائفين نجدهم أحرص الناس على حياة!

كان أحد العجائز من أصحاب اللحى البيضاء؛ أولئك الرجال الصالحين الأتقياء.. يرد بجوابٍ على سؤال..

لماذا الناس تكره الآخرة؟ حتى أولئك الذين يؤمنون بها؟ لم يرفضون العبور ويستصعبونه..

كانت الإجابة..

لأنهم يذهبون من دار العمران إلى دار الخراب خاصتهم..

لأنهم يعلمون أن تلك الدار “غير عامرة”.. كونهم لم يفعلوا شيئاً في حياتهم من أجلها..

لهذا يرفضون..

لأنهم يعرفون أنهم سيتركون المكان العامر، لذلك المكان الخرب الذين تناسوا بنائه..

أما بالنسبة لمن لم يؤمن بها أصلاً وليس من استصعب عبورها..

فلربما الدماغ وآلية عمله هو من يقف حائلاً أمام ذلك..

هناك آلية دماغية دفاعية تسمى التحجير أو التغريف “Compartmentalization”.

هذه الآلية يمكن تشبيهها لبناء غرف داخل الدماغ من أجل حفظ المعلومات المهمة المرتبطة ببعضها البعض..

مثال..

والدك أسمه أحمد.. شكله كذا طوله كذا..

رباك لمدة 40 سنة..

عشت معه غالبية لحظات حياتك..

هذه كلها معلومات عصبية مخزنة في الدماغ ومرتبطة مع بعضها البعض..

لنفترض أن أحمد لم يكن والدك..

وبعد مرور سنين سحيقة أتى أحدهم وقال لك وأثبت ذلك بالدليل القاطع.

الجواب ورد الفعل منك سيكون الرفض..

ليس لأنك ترفض ذلك.. بل لأن دماغك يرفض!

تلك المعلومات المرتبطة ببعضها بشدة عن الوالد أحمد وكيف عاش معه مختلف لحظات حياته تكون متواجدة داخل الدماغ بما يشبه الغرف والحجر.. مُحاطة بسور عتيد. كونها ذات ارتباط وثيق مع بعضها.

في حال تعرض هذه النظام العصبي لخطر، الدماغ نفسه يحارب المسبب لكي يحمي الدماغ نفسه من الانهيار!

لأن تلك الحقيقة -أن أحمد ليس والده- قد تتسبب بتغييرات عنيفة داخل الدماغ على النطاق العصبي، هذه التغييرات لا تتطلب فقط “خروج من منطقة الراحة” إنما أشبه ما يمكن وصفه بضرب قنبلة نووية داخل منطقة الراحة!

لذلك يختصر الطريق من أوله ويكون الحل الأفضل هو الإنكار والغضب والرفض..

أعتقد أن الحياة الآخرة كذلك.. ومن لا يؤمن بها ذات الأمر..

لأن مجرد وجودها تهديد لغرف دماغية بنيت على نظام مخالف..

بنيت على أنه لا يوجد شيء.. وأن العدم سيبتلعنا، ومن نجى من الدنيا الواطئة نجى ومن ربح ربح ومن مات ومات..

وفي النهاية نموت ونحيا ولا يهلكنا سوى الدهر!

كل هذا يهدد تلك الغرف..

ليطفو سؤالاً على السطح..

ماذا لو كنت أنا المخطئ؟

لا أحد يعلم الجواب إلا صاحبه..

وما بين الدنيا والآخرة.. أمم وحضارات وأديان وتقاليد وقوميات.. وتاريخ مليء بالأفراح والأتراح..

قصص عظيمة رويت.. وأخرى تنتظر دورها في سيناريوهات المؤلف..

لكن إلى ذلك الحين..

حين تأتي بعض آيات ربك.. لا ينفع نفس إيمانها كانت قد آمنت من قبل..

تنزل تلك الآية ذاتها..

الآية التي خاطبت محمد في مشهد احتضار عمه الذي أحبه ورعاه بعد وفاة أبيه.. لكنه لم يقولها.. لم يؤمن..

لتقول لهُ: “إنك لا تهدي من أحببت”..

أما لنا فقد قالت شيئاً آخراً إضافياً..

قالت..

هذه حياتكم الدنيا.. حياتكم الواطئة.. رديئة الجودة.. منتهية الصلاحية..

لا تتوقعوا الكثير منها.. عيشوها نعم.. كونوا جيدين فيها نعم.. تعلموا وساهموا في إفادة البشرية من حولكم، نعم..  لكن لا تتوقعوا فيها الكثير.. فلو كانت هي المركز لما سقى الله فيها شربة ماءً لظالم!

لتقول لنا تلك الآية..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لا نهدي من أحببنا..

أننا في هذا الدنيا الواطئة لن نمنع أصدقائنا من السفر ولن ننجح في إقناع المطارات بعدم أخذهم..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لن نحمي المقربين من أن يموتوا.. ولن نمنع من كرهنا من ألا يموتوا.. أن يعمروا طويلاً طويلا..

لتقول لنا أن العدل الذي سعينا قد لا يحدث..

وأن الحب الذي نشدنا قد لا يكون..

وأن للقدر مشيئة أخرى.. وتلك هي ركيزة الإيمان.. أن تؤمن بالقدر.. خيره وشره..

هذه دنياكم..

الدنيا التي رفضت الأديان محبتها كثيراً كونها “لعب ولهو وزينة مفرقعة.. وتكاثر بالبنين وتفاخر بالأموال”..

الدنيا التي رفضت الطبيعة منحها سمة سوى أنها “حيوانية” يعتريها التطاحن العنيف لأجل البقاء..

الدنيا التي وصف حضارتها التي هي ذروة سنامها، عقل ويل ديورانت الفذ بأنها مجرد “قشرة رقيقة من المدنية” على بركان هائل من البربرية الحيوانية..

الدنيا التي تفتح التلفاز ووسائل الاخبار لترى شيئاً من أخبارها فتطرح على نفسك سؤالاً: لم كل هذا السوء؟ لم كل هذا يحدث؟

إن كانت الدنيا هي الوحيدة الموجودة في تصورك للوجود، فيا ويل الإجابة التي ستخطر على بالك حينها..

أما إن كنت من أصحاب الإيمان.. فستعلم أنها مجرد بوابة، اختبار سريع انتقائي يهدف لفرز بعض الناس لا أكثر..

والجميل في هذا الاختبار..

أن حتى اللادينيون يؤمنون به..

لكن مع رفض عنصر “الدسم الإلهي” ووجود صاحب اختبار -راجع فكرة التغريف في الأعلى- بل يؤمنون أن الحياة محاكاة وأنها أشبه ما تكون بمسلسل “WestWorld” أو نيو في ثلاثية الماتريكس..

في مرحلة ما سيُسحب القابس من رأسه ويستيقظ من الحلم!

حينها سيرى الحقيقة..

ليكون بصره اليوم حديد!

إنهم يقفزون للإيمان كما نقفز نحن تماماً..

الفرق أنهم لا يحبذون وجود العنصر الإلهي، كونه يترتب عليه تغييرات دماغية كبرى.. وما ادعاء العقلانية في هكذا محاكاة ميتافيزيقة إلا الآلية الدماغية التحجيرية السابقة ذاتها! كونها تتطلب منهم إعادة هيكلة مرعبة.. فيعكفون..

لماذا هذا؟

ما الهدف من الاختبار؟ لماذا كل هذا يجري؟

لا يمكن الإجابة..

لو تمكّن الإنسان من الإجابات لحصل على العلم الكامل.. وأغلقت الفجوة بينه وبين الإله.. فأصبح إلهاً ونُزعت منه رخصة الإنسانية..

إنها الدنيا..

ساحة اللعب ورقعة الشطرنج التي حلف فيها الشيطان وتوعد بعزة الله أن يغوينا أجمعين..

وها هو يأتينا كما قال..

من بين أيدينا..

ومن خلفنا..

وعن شمائلنا..

وعن أيماننا..

ذلك إلى يوم يبعثون..

إلى النهاية..

فإما أن نسقط فيها وندنو منها.. فننحط.. ويربح الشيطان..

أو نرتفع.. ليخسر صاحب القرنين..

يمكن أن تعيش فيها بقوة.. وأن تكون جيداً.. وأن تحترم القوانين.. وتساعد العجائز في عبور الطرقات..

لكن تذكر دائماً غرابتها.. ولا يُلهيك الأمل..

وهذا ليس سلوك نبوياً دينياً فحسب.. بل سلوك أصحاب المعارف العليا كلهم..

بدءاً من الامبراطور العظيم أوريليوس.. وحتى العبد الحالم ابيكتيتوس..

جمعتهم فلسفة واحدة.. هي الرواقية..

وفرقتهم حالات اجتماعية لم يؤمنوا بها بل تعالوا عليها!

فحفظ التاريخ كلاهما..

فذاك عبد وهذا إمبراطور.. لكنهما في ميزان التاريخ سيان!

وليس انتهاءً بفيتغنشتاين الذي خطّ كتابه عن اليقين في خندق الحرب العالمية.. مروراً بتولستوي صاحب الأراضي التي باعها ليساعد الفقراء ويموت في النهاية على سكة القطار بعد أن أصبح “على الحديدة” قولاً وفعلاً!

إنها الدنيا..

لن يحدث فيها ما أحببت ولا مع من أحببت..

أعوام الحزن ستكون كثيرة..

أبو طالب سيموت أكثر من مرة ولن يستطيع محمداً في داخلك أن ينقذه!

فاحرص على تذكر أنك لا تهدي مَن تشاء!

دار الخراب..

لو كانت جزاءً لمحسنٍ لما سقى الله منها شربة ماء لظالم.

لكن الأنبياء..

والعباقرة..

وأولو العزم..

وأصحاب الفكر..

جاعوا.. وحزنوا.. ولم يسعدوا..

كل هذا تكرماً..

لأن مَن سيشبع -ليس من سيأكل- هو ذلك الذي وقع في فخ الشيطان.. فدنا وتدنى.

وخسر رهاناً كبيراً في مواجهة خصم قديم..

خصم رفض السجود للإنسان بدافع الكبر..

خصم لم يحبنا ولم نحبه..

خصم في النهاية لن يقول سوى جملة واحدة عندما تكون الحسرة قد وقعت، معلنةً انتهاء اللعبة لتبدأ شارة النهاية بالظهور..

سيقول:

ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!

التصنيفات
ساخر

نظرية نشوء الخلية الأولى من حلاوة الجبن

لا تُعد ولا تحصى تلك الثنائيات التي تتصارع.. ابتداءً بالموجب والسالب.. الأعلى والأدنى.. ما هو فوق وما هو تحت.. مَن مع ومَن ضد.. مشجعو برشلونة ومشجعو ريال مدريد..

وليس انتهاءً بيمين أو يسار.. ملحد أو مؤمن.. وهلم جراً..

لا تسلم المدن والبلدان مِن هذه الثنائيات أيضاً، لا سيما تلك التي تظهر وكأنها نقيض جارتها أو على خلاف وسوء فهم معها..

وكوننا وضعنا حلاوة الجبن في العنوان.. فلا بد مِن الحديث عن جمهور الكرامة والطليعة الذين لطالما أحبوا بعضهم كثيراً في مدرجات الملاعب.. ليكون الاختلاف بين مدينتين جميلتين، حمص وحماة..

لنتتبع حينها لمن تعود ملكية حلاوة الجبن، وكيف نشأت الخلية الحية والقطعة الأولى منها؟

مع وقفة محايدة، وتجرّد مِن خلفيتي الحموية ووضعها على الجانب.. يمكن القول بحزم أنّ حلاوة الجبن حموية حتى الصميم والنخاع.. وهذا لسببين اثنين، أولهم..

أن القول بالنقيض «أن حلاوة الجبن حمصية» كالقول أنّ جزر القمر دولة نووية!

كيف؟

عندما نُريد أن نثبت أن دولة ما نووية يجب أن يكون هناك مفاعلات نووية.. يجب أن يكون هناك تخصيب يورانيوم.. يجب أن يكون هناك بلوتونيوم… الخ.

عندما ننظر إلى حمص الجميلة، لا نجد فيها البنية الخصبة لتأسيس مفاعلات حلاوة الجبن ونشوء الخلية الأولى منها لو أردنا استعارة مُفردات البيولوجيا..

بمعنى أبسط.. لا يوجد فيها الكثير مِن «حيتان الحلويات» كما هو موجود في مدينة حماة.. فحماة أساساً هي مدينة الحلويات، لا سيما تلك البسيطة منها. إضافةً لكون حماة نفسها مدينة شعبية.. ومَن يعرف المدينتين حقاً، يرى بوضوح الفرق بين شعبية حماة وبين هدوء و«كلاسيّة Classy» مدينة حمص.

فالنقطة الأولى لصالح حماة كونها مدينة حلويات أولاً، ومدينة شعبية ثانياً.

وكما قلت منذ قليل.. القول بحمصية حلاوة الجبن، كادعاء امتلاك سلاح نووي دون وجود مفاعلات وبنية مهيئة لذلك..

أين الحلويات في حمص؟

يوجد طبعاً، لكن ليس بمقدار تلك الحموية التي تعدك بإصابتك بمرض السكري من القطعة الأولى، وتساهم بشكل غير مُباشر في تدمير شريانك الرئوي.

أما السبب الثاني، وهو الحاسم في حموية حلاوة الجبن.. فهو الشق الثاني مِن اسمها.. أي “الجبن”!

حماة مدينة أجبان وألبان.. ولو لديك صديق حموي، فلا بد أنه سيهديك في مرحلة ما من مراحل دورة حياته العظيمة “ربعية” أو “نصية” لبن، ولربما يُحبك كثيراً فيهديك “تنكة” جبن أيضاً.

فكما هو متعارف عليه أن هناك جبن عكاوي، وفرنسي.. هناك أيضاً جبن حموي.

فهي شهيرة به. وأعرف الكثير من الأشخاص الذي يعملون في هذا الجانب كعمل رديف لهم في موسمه لتحصيل دخل إضافي في كل سنة.. عندما تأتي فترة “المونة” ويزداد الطلب على مشتقات الأجبان هذه.

فحماة ليست مدينة حلويات فقط، وإنما مدينة أجبان ومشتقاتها. وبالتالي يصبح لدينا هنا نقطتان لصالح حماة في دعم النظرية القائلة بنشوء الخلية الأولى من حلاوة الجبن فيها.

إذاً، ماذا تبقى لحمص؟

ما بقي موجود في موقع ويكيبيديا في سياق حديثهم عن حلاوة الجبن.. فما هو مكتوب عنها أنها نشأت في مدينة حماة لكنها عُرفت واشتهرت في حمص. وهو كلام دقيق بشكل كبير، بسبب اختلاف العقليات بين المدينتين.. وكأن التشبيه التالي يصف الحادثة الأولى للنشأة تماماً..

كان هناك رجل حموي يقوم بـ “التعفيس” فيخلط الجبن مع الحلو.. لتظهر فجأة قطعة ذات مذاق لذيذ.. حلاوة الجبن الأولى بين يديه!

وكان بجانبه صديقه الوقور الحمصي الذي لعب الدور الأهم.. وهو شهرة حلاوة الجبن وانتشارها.

إذ قام الحمصي بتقديم هذا الاكتشاف الجديد ونشره وتأنيقه.. فأُضيف الفستق الحلبي عليه، بعد أن قام الحموي بوظيفة الدمج والخلط المباشر.

فالعقلية التي تقوم بمزج حلو مع جبن، يمكن أن أبصم بأصابعي المئة على أنها عقلية حموية بامتياز.. لا يمكن لأحد أن يقوم بهكذا مزيج عجيب سوى عقلية حموية.

والعقلية التي هندست ونسقت وساهمت بانتشار هذه الوجبة الجديدة هي حمصية.. فالأناقة فعل حمصي -مقارنة مع حماة- طبعاً..

فكانت هذه هي القصة باختصار..

تضافر العمل ما بين مفاعلات الجبن وأجهزة الطرد المركزي للحلو الحموية، مع «الأتاكيت» والتنسيق والتعليب الحمصي.

وهذه من الصور الجميلة لمدينة حماة..

بالمناسبة.. لمَن تعود ملكية نهر العاصي؟

حسناً، هذه قصة أخرى يطول شرحها..