التصنيفات
عام

جميعنا في البداية رائع!

قراءة كتاب جديد أشبه ما تكون بتذخير بندقية وتلقيم مدفع، نكون حينها مندفعين جداً للتعبير عن الفكرة الجديدة والمبدأ غير مطروق الباب الذي قد وجدناه بين ثنايا الكتاب، ولعلَ النفوس الرزينة هي تلك التي تتمهل ولا تحكم أو تتبنى فوراً، فكل شيء في البداية رائع، ونحن جميعنا في البداية رائعين أيضاً، إلا أن الخطوة للخلف قليلاً لا بد منها!

فعلى الطريقة اليابانية، لولا إنحناء قوس السهم وتراجعه للخلف قليلاً لعجز عن الانطلاق نحو الأمام بقوة! ولعلَ الإنسان وأفكاره وما يتبناه كذلك السهم أيضاً..

خصوصاً، أن الضوء الساطع والمُبهر في البداية ما هو إلا عمى مؤقت، يجعلك تعجز عن إبصار الأشياء الصحيحة في موضعها، وتتخبط هنا وهناك لترى بقعةً سوداء أينما وليت وجهك.

وتقريباً يحدث هذا بشكل شبه يومي في زمن السوشيال ميديا والضوضاء المرافق لها، فلن ينقضي يوم أو أسبوع وشهر حتى تشهد خبراً عن الجريمة الفلانية، والحادث المروع الذي فرّ سائقه، والسرقة التي حدثت دون أن يدري بها أحدا.. ولا بد حينها مِن التهافت السريع للتبني أو الشجب والاستنكار.

ولو أننا تعلمنا درساً في السنين الماضية، فهو أن لا أهمية لردات أفعالنا تجاه أي شيء. المواساة عمرها لم تفيد بناء منزل مُتهدم أو إحياء مَن مات ودفن تحت التراب.

المواساة لا تفعل شيء..

إلا أن ضوضاء السوشيال مثيرة للحنق، لدرجة أنها تجبرك على الحديث تحت تهديد ووعيد مِن مقصلة «الفرز الأخلاقي» والختم بالسوء..

لهذا.. فإن أفضل ما يُقال في هذا الزمن:

في الضوضاء والصخب، لا يُسمع الصوت العاقل أبداً، فهو أشبه بإنسان رزين يتكلم بهدوء بين فريقين مِن المتخاصمين الذين يخورون كالأبقار، لذلك لا داعٍ للانخراط في هذا الجو الرديء، ودع مَن يخورون على بعضهم يمارسون أفعالهم بهناء، ريثما يتعبوا وتخور قواهم..

و”سيبك” ممَن يتغنى على الدوام بعبارة: «أدنى درجات الجحيم لأولئك الذين يقفون على الحياد في المواقف الأخلاقية». لأن المواقف الأخلاقية باتت في عصر السيولة خاصتنا تختلف وفقاً لأسمك وعنوانك وليس لكينونتها الذاتيّة!

أي.. عرّف لي «المواقف الأخلاقية» قبل أن تطلب مني الالتزام بها! لأنه يبدو أن ليس هناك موقفاً موحداً تجاه ما هو أخلاقي وما هو لا!

ثم لا تجبر أحداً على تبني «موقف أخلاقي فرعي» دون أن يكون «الموقف الأخلاقي الجذري» غير مطبق عليه.. لأن هذا سيكون ضرباً من الجنون! وأشبه بمحاولة لقتل بعوضة بينما المستنقع يرتع ويمرح بالقاذورات!

أخلاقي في الأوراق.. لكنه ليس أخلاقي الجذع! في التفاصيل لا في الأسس!

في زمن السوشيال ميديا..

ولو كان عمرك فرضاً الآن 20 سنة..

ولو فرضنا أنه مع كل أسبوع هناك جريمة أو حادث مروع أو شيء ما، فأنت شهرياً لديك 4 حالات تضامن وتبني، وسنوياً لديك 48 حالة. ولو فرضنا أنك عشت لحدود الثمانين، فإن لديك 2880 حالة تبني وصراع إسبرطي في السوشيال ميديا من أجلها، وهذا برأيي المتواضع تلف غير مُهم للأعصاب، فلو سلّمنا بنظرية الكاتب الذي قيلَ أنه انتحر متناولاً السم، ديل كارنيجي، في قوله دع القلق وابدأ الحياة، فلا بد مِن القول أن هناك أهمية ليس تجاهل القلق وحسب، بل القضايا الأخلاقية وأن تبدأ الحياة!

أي.. دع القضايا الأخلاقية وابدأ الحياة!

لأن الأخلاق الآن أشبه ما تكون بشماعات لأيدلوجيات بعينها، حيث يصبح التضامن واجباً لتأكيد الانتماء وليس قصداً وطلباً للأخلاق في ذاتها!

دع القلق وابدأ الحياة…

دع الأخلاق المزيفة والتضامن الدون كيشوتي وابدأ الحياة..

وردد دائماً مقولة نيكولاس غوميز دافيلاً: «في زمن باتت وسائل الإعلام تعرض حماقات يومية لا حصر لها، بات الرجل المثقف يعرف بما يتجاهله لا بما يعرفه!».

ولعلنا نفعل كما قال دافيلا..

خصوصاً أن مثل هكذا استهلاكات يوميّة باتت تعبث في بِنية الدماغ الخاصة بنا. فمن المعروف في فلسفة اللغة أنها تساهم في إعادة تشكيل الدماغ ولربما صناعة فكره بكامله، ولهذا قال هايدغر كلمة هزّت المجتمع في القرن الماضي مُلخصاً القضية: «يبدو في النهاية، أن اللغة هي مَن يتكلمنا، لا نحن مَن يتكلم اللغة!».

بمعنى..

عندما تعوّد نفسك على لغة مُعينة فإن عقلك تلقائياً يفكر من خلالها ويتخذها كنسق وبراديغم فكري، ولهذا يعتبر مَن يتكلمون عدّة لغات بشكل ما أوسع أفقاً وأطلق فكراً، إلا أن اللغة «الترينديّة» اليومية Trending القائمة على شذرات مُتفرقة وخليط غير متجانس من المواضيع المتعلقة بالعلوم والفنانين والمشاهير والجرائم وقضايا السيئين، ستؤدي في النهاية لتحويل دماغ المُتلقي لمستودع نفايات غير متجانسة لا يملك انتباه تجاه أي شيء.

في زمن السوشيال ميديا، أصبح التدفق الفكري Flow أمر بعيد المنال إلا أعن أصحاب الإرادات القوية جداً والنابهين، حيث تجمع لك وسائل التواصل خلائط غير متجانسة من صور أصدقائك الشخصية، وفيديوهات عن الفن والغناء، ومن ثم مواضيع علمية واكتشافات جديدة. وهذا بالضبط يحطم جوهر التفكير لدى الإنسان، لأنه يمنعه من التدفق في سياق ومجال مُحدد، ويجعله مُشتتاً بين عدة أشياء غير مترابطة -ما علاقة صورة صديقك الشخصية مع خبر عن إحدى الفنانات؟- هذا بالضبط ما تفعله خوارزميات الميديا، الاعتياد على أشياء غير متجانسة وغير مرتبطة ببعض.. وحدهم أصحاب العقول العليا مَن يقفزون فوق هكذا خلائط هجينة.

اللغة تساهم في تغيير العقل..

واللغة الترينديّة اليومية التي تبنتها السوشيال ميديا، تساهم في تغيير العقل.

لم تقتنع؟

دعنا نطرح السؤال التالي..

مَن منكم في هذا الزمن لديه استعداد للجلوس وقراءة كتاب من 400 صفحة؟

لا أحد، وإن وُجد فالعدد قليل جداً..

ولعلك تجد نتائج مثل هكذا توجهات قد بدأت تظهر في عالمنا.. فلم يعد هناك أسماء كبيرة تجترح مجالات علمية وفلسفية وفكرية ضخمة كما كان في السابق..

أين الذين يبتكرون مدارس نفسيّة جديدة كفرويد؟ مَن لديهم ثقل فيزيائي ضخم كهايزنبرغ أو مدام كوري؟ أين العتاة في مجالات الكيمياء كما القرن الماضي؟

انتهى..

العالم الآن يعيش على أكتاف الذين عاشوا في المرحلة الجوهرية السابقة في القرن العشرين، حيث كان هناك صناعة لكنها لم تتغول إلى حد تسطيح ومَكننة الإنسان، وحيث كان هناك تقدم تقني، لكنه ليس بشراسة ذلك الذي نعيشه اليوم.

الآن هناك إنتخاب وانتقاء جديد، فمَن يستخدم التقنية لا ذلك الذي يجعلها تستخدمه ليصبح عقله مستودعاً تريندياً يعجز فيه ربما عن قراءة 100 صفحة وليس كتاباً، هو مَن سينجو.

لذلك..

لا تصدقوا مَن يقولون لا تقفوا على الحياد في الأزمات الأخلاقية..

أخلاق السوشيال ميديا ليست أخلاق..

لن أتبنى شيء..

أنتم تريدون تبني أرائكم المسبقة..

وبمجرد مضي الأيام وتحرّك رحاها، تُنسى كأي شيء آخر.. وتعودون لحياتكم اليومية..

كل شيء في البداية لديه وهج رائع يحفزك لأن تكتب وتناقش وتضخ قيمك هنا وهناك..

خصوصاً أن الأمر سهل، ولا يتطلب سوى أن تفتح صفحة الفيسبوك الخاصة بك أو تويتر وتنشر..

ليصفق الناس..

ويشدوا الجمهور طرباً..

وتغدو رائعاً..

في النهاية ما هو إلا وهج مؤقت..

يضر عقلنا قبل أن يضر أي شيء آخر..

لتجد بعد فترة ليست بالطويلة. أن معظم أفكار رأسك باتت تريندات لا تسمن ولا تغني مِن جوع، وأن معظم أفكارك لم تصل لمرحلة النضج الذي يؤهلها لأن تكون أي شيء.

أفكار مُبتسرة غير ناضجة قائمة على تصفيق السوشيال ميديا، تنتهي بمجرد تغيير خوارزميات الفيسبوك ومعدلات انتشارها..

في زمن بات يعرض فيها الجميع حماقات لا حصر لها، بات المثقف يعرف بما يتجاهل لا بما يقرأ أو يتبنى!

الجميع في البداية رائع ومُتحفز.

جميعنا في البداية رائع ويريد «نفي التهمة عن نفسه» وتبني الموقف الأخلاقي..

جميعنا يريد أن يقلق..

ومما علمتنا أياه الأمم المتحدة وبان كي مون مسبقاً، أن القلق لا أهمية له في أي شيء.

أقلق حتى تشبع، لن يتغير العالم..

بل يكرر نفسه في حلقة مِن العود الأبدي في تناوب مستمر ما بين الصعود والهبوط..

ولعلَ التمرد الوحيد في هذه الحلقة هو أن يفكر الإنسان..

ببطء..

وهدوء..

ورزانة وعدم استعجال أصبح من الصعب على إنسان التريند الدارج حالياً الالتزام بها!

يرغب الجميع في البدايات الرائعة..

بدءًا من الطفل عندما يضغط على زر Restart ليُعيد اللعبة من جديد يعتريه أملاً آخراً في الفوز!

جميعنا في البداية رائعين.

المحك ومربط الفرس الأخلاقي الحقيقي، أن تبقى رائعاً حتى النهاية!

لا أن تكون مجرد دمية ماريونيت تحركها خيوط التريند وخوارزميات انتشار السوشيال الميديا.

أن تكون رائعاً بحق ينبع مِن الداخل، لا أن تكون رائعاً كتحصيل حاصل لتفاعلات السوشيال ميديا!

أن تكون رائعاً غرضاً لا عَرضاً!

التصنيفات
كتب

قطار الليل إلى لشبونة: ماذا لو كانت حياتك أكبر مما تظن؟

رواية قطار الليل إلى لشبونة مناسبة جداً في مثل هكذا أجواء.. فهي شتوية بامتياز تثير الكثير من التساؤلات والشجون والوقفات مع الذات..

«من بين آلاف التجارب التي نخوض غمارها، هناك تجربة واحدة لا غير يمكن أن تسعفنا في نقلها الكلمات. ومن بين كل التجارب الخرساء المستعصية على القول، تكمن تلك التي تهب لحياتنا خلسةً، شكلها ولونها ولحنها معاً»

بدء تعرّفي على هذه الرواية من خلال سماع موسيقاها التصويرية -يمكنك سماعها من هنا– حينها علمت أن هناك فيلم ورواية خلف هذه الموسيقى الجميلة، فكانت القراءة وكانت المشاهدة.. ومن ثم كانت هذه المراجعة السريعة التي لا بد من سردها.

تتحدث الرواية عن عالم لغويات محترف في العبرية واليونانية، إنسان عتيق جداً بنظارات سميكة، يدعى رايموند غريغوريوس.. عمرهُ 57 سنة؛ قضى 30 منها يروح ويذهب إلى الجامعة ويدرس..

فكان صاحب نمط حياة روتيني جداً.. مكرر جداً.. عتيق جداً..

نظاراته سميكة جداً.. قلبهُ بارد وممل جداً..

فجأةً وفي إحدى الأيام الممطرة لذهابه نحو جامعته المعهودة يحدث اختناق مروري فيقرر أن يغير الطريق ويعبر فوق جسر كرشنفلد.. (مدينة بيرن – سويسرا).

ليرى هناك إمرأة ذات معطف أحمر توشك على الانتحار..

يركض نحوها مسرعاً فيسحبها ليسقطا معاً على الأرض..

لكن لا لا..

القصة ليست قصة حب..

القصة أن عالم اللغويات هذا.. كان طيلة الـ30 سنة من حياته الماضية يشعر بالاغتراب عن كل شيء.. الروتين المتكرر، الإيقاع المعتاد، نفس الوجوه في الجامعة.. فكان يرى نفسه يعيش دون أن يعيش!

تأتي الفتاة أمامهُ.. ليرى أحداً أمامهُ يحاول التخلص من حياته..

فيدفعها ويسقطا معاً ويمعنها..

هنا تماماً يكون قد دفع نفسه من حياته القديمة أيضاً..

فبعد أن وقفت تلك الفتاة واعتدلت مستويةً، تكلمت معه باللغة البرتغالية.. فأعجب حينها بلكنة الكلام ووقعَ في غرام هذه اللغة.. ليدخل بعدها المكتبة ويعثر على كتاب صغير تحت عنوان «صائغ الكلمات» مكتوب بالبرتغالية، ليجد فيه قصة توازي قصته تماماً!

إنسان بعيد عن نفسه كما هو! فيقرر أن يعرف أكثر عن الكاتب!

حينها ومن دون سابق إنذار يقول كفى ويقرر أن لا مزيد من كل هذا!

يترك ملاحظة لمدير الجامعة.. ثم يذهب إلى المحطة، ويستقل قطار الليل إلى لشبونة، ليدور هناك كل شيء!

تتحدث الرواية عن قصة تمشي في خطين متوازيين معاً.. الخط الأوّل هو رايموند غريغوريوس وهو يبحث عن نفسه بعدما قرأ ذلك الكتاب بالبرتغالية.. الخط الآخر هو صاحب الكتاب وحياته، وهو رجل يدعى أماديو كان يعمل كطبيب خلال فترة الحكم العسكري في البرتغال في القرن الماضي.

من خلال قصة أماديو.. يعثر غريغوريوس على نفسه، فتمشي الرواية في القصتين معاً.

الرواية فلسفية بامتياز، وهادئة جداً.. وتعتبر من الروايات التي ليس لها حبكة. بمعنى أنهُ لو كنت من الذين يحبون الروايات التي يحدث فيها اضطراب كبير وأن البطل يكتشف شيئاً خطيراً وتتغير الأحداث، فالرواية لن تعجبك.. بل هي رواية ذات رتم بطيء إلى حد ما ولا يمكن قراءتها على عجل، خصوصاً أنها تقع في 570 صفحة، وهو رقم ضخم إلى حد كبير.

تكثّف الرواية المعنى في أن الإنسان لديه احتمالات كبيرة للعيش، إلا أنه تحت دوافع الأمان والاعتياد يعيش في سيناريوهات مكررة مبتذلة. وهو ما تجسد في شخصية عالم اللغويات غريغوريوس الذي درّس في الجامعة لمدة 30 سنين ومن ثم وعى على نفسه عندما رأى امرأة على وشك الانتحار، فقال كفى!

ويبقى الاقتباس الأجمل الذي تدور في فلكه الرواية بكاملها:

«إذاً كان صحيحاً أننا لا نعيش إلا بجزء صغير مما يعتمل في داخلنا، فما مصير بقية الأجزاء إذن؟»

فما مصير بقية الأجزاء إذن؟..

التصنيفات
عام

لو كان هناك إهانة للمرأة فهي هذه الصورة!

لمَن لا يعرف، فهذه الصورة نشرت في الفترة الماضية كتقليد للصورة القديمة التي تحوي مجموعة من العلماء الذكور في ظل وجود عالمة واحدة فقط وهي ماري كوري. أما الآن فالعالم تغير والأحوال الاجتماعية تطورت، فرجحت كفة الميزان للجانب الآخر، وكانت الصورة الجديدة المؤلفة بشكل كامل من نساء ماعدا رجل واحد! في إشارة لدور المرأة الكبير في الوسط العلمي.. فكان حينها لا بد من طرح سؤال لا بد منه فعلاً: هل هذه الصورة انتصار أم إهانة للمرأة؟

لو كان الجواب هو الأوّل فأعتقد أنها للأسف فعلت العكس تماماً..

لا بد من الإشارة أولاً لأن مثل هكذا مواقف فرصة سهلة جداً للذكور المصابين بعقدة نابليون؛ وهي عقدة تصيب الرجل قصير القامة الذي يولد ويدرك أنه ضعيف مقارنةً مع الذكور الآخرين فيحاول فرض هيمنة على النساء لكونه «ذكراً»، لذلك لو كنت تعتقد أنه في الكلام التالي هناك مناصرة لأفكار الذكورية النابليونية المريضة فسيخيب ظنك، فعلى الرغم من عدم استساغتي لمصطلح «النسوية» لكن الدفاع عن المرأة وقضيتها أمر منتهي لأي إنسان يحمل في عقله دماغاً بدل سطل الدهان.

«أعتقد أن سبب وجود حركات ذكورية من أنصار الحبة الحمراء Red Pill وأشباهها، ناجم بشكل ما عن وجود نمط من النسوية فاشل في التعبير عن وجهة نظره، وهو غالباً ما يُشار إليه بالفتيات أصحاب الشعر الملون والقِرط داخل الأنف، والكثير من الـ Shares والمشاركة في الهاشتاغات».

لماذا عدم تقبل مصطلح «النسوية»؟

يجيب على هذا التساؤل في سياق آخر الفيلسوف -هو يرفض أن يسمى كذلك، ويقول أنه مفكر فقط- المغربي الجميل الطيب بوعزة في سياق حديثه عن الليبرالية قائلاً: لا أحد ضد الحرية أو المساواة أو العدالة، وغيرها من القيم التي ترفعها الليبرالية! هذه قيم جميلة وأخلاقية، لا يعارضها عاقل. نحن ضد «احتكار» هذه الأفكار من قبل أيدلوجيات بعينها، بحيث يصبح ليس بإمكانك أن تناصر العدالة إلا إن كنت مناصراً لهم!

لماذا لا يمكنني أن أكون مع العدالة والمساواة لكن من بوابة أخرى؟ لماذا فقط من بوابتهم؟ ويا للمصادفة هي البوابة الاستعمارية ذاتها والخواجة الأبيض نفسه؟

هذه هي فكرتي عن مصطلح النسوية أيضاً، وأفضّل هنا شيء قريب من تركيبات «قضية المرأة أو نضالها»، أكثر من المصطلح السابق.

عودةً إلى فكرة الصورة، وعلى الرغم من أنها رمزية وواضح أنها كذلك.. إلا أنها تشكّل إهانة أكثر من كونها تعزيز لحضور المرأة.. لأنها تشبه تماماً ما يحدث مع الأطفال في المدرسة أو في العائلة عندما يُكرّم أحدهم بشهادة تفوق لسلوكه الجيد. فيحصل على مرحى أو هدية.

حينها يبدأ الطفل والأخ الصغير بالبكاء والعويل لأنه لم يأخذ هدية مثل أخوه الكبير!

هنا من أجل ألا يحزن ذلك الطفل.. يشتري الأهل أو المعلم هدية له من باب مسايرته! دون أن يفعل مثلما فعل!

الصورة فعلت نفس الأمر تماماً! فقط من باب المسايرة!

لماذا؟

لأن هناك الكثير من آلهة العلم الذين على قيد الحياة الآن (روجر بنروز – آلان غوث – ليونارد ساسكيند – ديفيد غروس) وغيرهم غير موجودين في الصورة!

روجر بنروز يحمل جائزة نوبل!

روجر بنروز معه لقب فارس Sir!

آلان غوث الأمر ذاته، اشتغالاته في قضية تضخم الكون وما إلى هنالك..

أتفهم لو كانت الصورة نصف بنصف مثلاً! 50% ذكور 50% إناث أو ثلاثة أرباع بربع، (أي رقم عشوائي يشير فعلاً لصدق ذلك، وأن فعلاً هناك هيمنة للنساء في الوسط العلمي). لكن صراحةً وجود رجل واحد وعلى نفس المقعد الخاص بماري كوري، هو مناكفة طفولية، تهين المرأة أكثر من أن تحترمها!

لذلك وفي ظل سيادة هذا النمط، احترم جداً التأصيل الثقافي لآراء النضال “المرآتي”.. شخصيات على شاكلة جوديث بتلر، بيتي فريدان، وناعومي وولف، وسابقاً دي بفوار، وجون ستيوارت ميل.. إلخ. من الذين لهم ثقل نظري لا مجرد صور وعبر!

لأن مثل هكذا صورة تقلب الطاولة وتهينها أكثر من أن تعزز حضورها.. كما تعطي الكرة على طبق من ذهب لذكور عقد نابليون للكلام!

فمثلاً.. أبرز ما يمكن أن يقولونه تعقيباً على هذه الصورة هو التالي:

“حبيبتي.. أرينا نفسك في قوائم جوائز نوبل لا في الصورة التي بإمكان أي أحد التقاطها”.

هذا مثال سريع خطر على رأسي..

الفكرة الهامة هي التخلص من عقلية حشر النفس في أي «شغلانة» لمجرد أن الذكور فيها..

لأن التفكير العلمي والعلماء أنفسهم أساساً في طور الأفول!

صدقي أو لا تصدقي!

الآن لم يعد الفكر العلمي مهماً! وبالتالي هكذا صور لم تعد ذات شأن حتى لو كانت للذكور أيضاً في القرن الـ21!

خمّني لماذا؟

لأن الآن الفكر السائد هو التقني الغائي!

بمعنى لو أردنا التفكير بعقلية «حشر النفس في أي شيء ذكوري» فقط لإثبات وجود إناث فيه، فإن الحاجة الآن ماسة للدخول في المجال التقني، لأنه هو المسيطر، لأن المجال العلمي ودّع الحلبة منذ زمن!

مارك زوكربيرغ، بيل غيتس، جاك دورسي، ستيف جوبس، لاري بيج، إيلون ماسك.. إلخ من قوائم التقنية التي كلها ذكور.. لو أردنا التفكير بعقلية الصورة في الأعلى فيجب الهرولة لأخذ صورة مع ثلة الـ Big tech لا مع ثلة العلماء!

أخيراً..

أريد أن أشير لأن أبرز من كتب في قضية نضال المرأة -وهو نضال شرعي ومهم وكل من قرأ شذرة تاريخ يعرف أن هناك اضطهاد وظلم قد حصل ويحصل- هو العبقري الكبير جون ستيوارت ميل؛ الذي شارك شخصياً في صياغة الدستور الإنجليزي المعروف للمملكة المتحدة، وذلك من خلال كتابين مهمين جداً هما «مقالات عن الحرية On Liberty» و«استعباد النساء».

قرأتهم منذ أكثر من سنتين وخلال قراءتي لهم كنت أسال نفسي سؤالاً واحداً، ما الجديد؟ لماذا كل هذه الضجة حول هذا الرجل وكتاباته؟

ثم تذكرت أن هذه الكتب نشرت في منتصف القرن التاسع عشر، أي حوالي 1850. حينها ندرك مدى ثقل هذه الكتابات! التي قد تكون ثقيلة لمن يعيش في هذا اليوم فكيف لذلك الزمن!

الصورة رمزية، واضح جداً أنها كذلك.. لكنها تهين المرأة أكثر من أن تناصرها، وتصورها على أنها فقط تريد المنافسة وإثبات الوجود لمجرد إثبات الوجود حتى لو خرجت عن السياق نفسه! فالعالم الآن تقني وحريٌ بها أن تنافس الذكور في البيغ تيك لو أردنا اتباع هذا المنهج في التفكير! وليس العلماء الذين بات نجمهم يأفل شيئاً فشيء!

مَن يثق بنفسه لا يحتاج لأن يثبت للقاصي والداني، هو يؤمن بما لديه ويمشي دون أن يلوي! فامشِ دون أن تلوي!

التصنيفات
فكر

الإنسان البرو ماكس: دليل غير موجز لإتقان مبادئ الإنسان الأعلى!

«مبادئ الإنسان الأعلى»

في ديسمبر تنتهي كل الأحلام.. في ديسمبر تخبو الآمال.. تغلق الأبواب.. تنقطع الأسباب..

في ديسمبر تغور النجوم، وتنام الجفون..

وهذا أمر جيد، لأن ما إن ينتهي الإنسان ويفرغ من أحلامه ويشبع منها.. حتى يعود لعالم الواقع مستيقظاً!

حينها بإمكانه أن يفعل ما يريد أن يفعل!

ولهذا سمي الحلم حلماً.. لأنهُ ببساطة وصراحة دانية من الوقاحة.. مجرّد حُلم!

تُسدل ستور هذا العام وتسحب الذكرى عليه ذيول النسيان كسابقيه.. ليبدأ عامٌ جديد قد يحتوي ميلاداً جديداً أيضاً.. وأملاً جديداً.

إلا أن الأمل المبتذل في الكلام وغيره من مصطلحات العاطفة والدراما الإنسانية، لا يعمل كثيراً مع الإنسان القوي الذي نريد أن نتحدث عنه.. الإنسان الذي بات يُعرف مؤخراً باسم الإنسان الأعلى!

بعيداً عن سائر أجواء البرد، والاكتئاب، والتهاب الجيوب الأنفية، وتدلّي حِزم المخاط السائدة في أيام الشَتوية، وخصوصاً في هذا الشهر من السنة؛ الشهر الأخير الذي يحمل معه الكثير من الترسبات، وكأنه آنية تريد غسلها بعد وجبة دسمة، لتجد شتى أنواع الدهون والزيوت قد تجمدت وترسّبت وعلقت في أسفلها.

في هذا التوقيت بالذات.. لا بد من الإشارة لأن العالم يتغير!

يتغير بعنف شديد لم يكن يخطر على بال أي أحد من قبل أن يتخيله فضلاً عن تصديقه!

قبل مئة سنة فقط من الآن.. أي في نهاية عام 1921 لم يكن هناك شيء!

معظم  الجمهوريات والممالك لم تكن موجودة!

السيارات لم تكن موجودة!

الكهرباء ما زالت في معامل جنرال إلكتريك!

وأديسون يصارع تيسلا على معركة التيارات!

أما الآن وبعد 100 سنة فقط؛ والتي هي لا شيء في عمر كوننا اللامتناهي، نجد أنفسنا واقفين على قمة هرم لإنجازات عنيفة جداً..

الاتحاد السوفييتي كان وسقط..

قنبلتان نوويتان قصفتهم الطائرات الأمريكية على اليابان..

حرب عالمية أكلت الأخضر واليابس..

كل هذا أتى وأنتهى..

لقد مررنا بتغييرات عنيفة جداً. تغييرات فلسفية تستهدف جوهر الإنسان نفسه!

«لقد استيقظت يا زارا فماذا عساك تفعل قرب النائمين!» هكذا صرخ نيتشه محاولاً أن يبث الروح في إنسانهِ الأعلى!

محاولاً أن يهز أركان الإنسان العادي كي يدفعه للارتقاء!

العالم يتغير..

الإنسان يتغير..

الطقس يتغير..

حفاضات الطفل الصغير كل يوم على الأقل لمرة واحدة.. تتغير!

صديقتك وصديقك الذي ظننته ثابتاً كالصخرة، حتى هؤلاء.. يتغير!

هذا هو ناموس الكون الأعلى.. التغيير والتكيف المستمر..

الهدم وإعادة البناء للحصول على نتائج أفضل..

لا تريد التغيير؟ إذاً تقبل النتيجة الحتمية في هدمك وإعادة بناء نموذج أفضل منك وأكثر تكيفاً!

هذا هو المبدأ الذي اعتمدته الطبيعة، وتبناه التاريخ، ووافقت عليه العلوم الصلبة كالفيزياء والكيمياء، ومن ثمّ وقّع عليهِ الإنسان العاقل مُجبراً!

«الطبيعية ليست كمديرك في العمل، تخطأ مرة فيعطيك تنبيه واثنين وثلاثة.. الطبيعة تتركك ترتع وتمرح في أخطاءك وأنظمتك الصحية وسلوكك الرديء، تم توئدك وتقتلك بأمراضها وطرقها الخاصة دون أن تدري إلا متأخراً!»

فلا بد من التكيف مع الجديد القادم.. أحببته أم لم تحبه هذا الأمر لا يعنينا في شيء، المهم هو التناغم مع الظروف الجديدة.. ولعل التغيير الأبرز القادم هو قدوم الكائن الذي لطالما تحدثوا عنه في كتب الفلسفة ومجلدات أماني الإنسان..

التغيير القادم سيحمل معه وصول الإنسان الأعلى!

«إن الإنسان ينبغي أن يتم تجاوزهُ إلى الإنسان الأعلى».. هكذا صرخ نيتشه مستطرداً!

فإن أردت أن ترحب بهذا الكائن، ولعلك تكون ممن يحمل بضعاً من صفاته أو جزءاً منها أو كلها حتى -لا أعتقد بذلك إلا لندرة فقط- فهذا المقال موجهاً لك. وإن كنت تستصعب مثل هكذا نظريات وتراها محض خيال وهراء، فيمكنك ترك المقال من هنا دون أية احراجات.

لاسيما أن الكلمات القادمة تحمل معها كماً كبيراً من الشحن العاطفي، لذلك يرجى الحذر والتنبيه..

هل تسمعون صوت ذلك الكائن وهو يأتي؟

هل تصغون لصوت خطواته وهي تقترب أكثر وأكثر؟

لقد استيقظت يا زارا.. فماذا عساك تفعل قرب النائمين!

فهل تستيقظ أنت بدورك الآن؟ وترى بعضاً من المبادئ والخطوات المركّزة للوصول لرتبة الإنسان الأعلى!

أولاً: حتمية حدوث الانتخاب التقني

بدءاً من الفرز في المدرسة وحتى الجامعة والعمل ومحاولة الترقّي في السلم الوظيفي والوصول لأعلى المراتب والمناصب. لا بد من القول أن حياتنا بأكملها هي خوض فحوصات واختبارات في سبيل حدوث الانتخاب وانتقاء الأفضل منا كي يرتقوا!

لماذا يدخل طلاب المدارس أصحاب الدرجات الأعلى المجالات الدراسية الأفضل؟

لأنه هذا انتخاب دراسي.

لماذا يحصل العاملون المجتهدون على ترقيات وظيفية ويصعدون نحو الأعلى؟

لأن هذا انتخاب في العمل.

لماذا تزداد قيمة الإنسان المتعاطف صاحب القلب الكبير الذي يعمل الخير كثيراً؟

لأن هذا أيضاً انتخاب عاطفي.

الحياة كلها انتخاب.. لا بد من إدراك ذلك مبكراً، فمن العبث تكليفها عكس طباعها، ومن الحمق قضاء عمرك في العبث!

إلا أن الانتخاب القادم الأعنف حالياً والذي سيحمل معه الإنسان الأعلى ليظهر على الساحة.. هو الإنتخاب التقني.

أي إنسان، أية مجتمعات، أية دول، أية أقاليم لا تواكب الموجة التقنية وتقوم بتوطينها وترسيخها في شتى المجالات، ستواجه خطر الإنقراض.

ظروف العالم تتغير، موارد العالم تتغير، درجات حرارة العالم تغير، مستوى فتك الفيروسات فيه يتغير. هناك تغييرات كبيرة، ولعل التقنية هي الخيار الأكثر نجاعةً للتملص فيها.

«نحن الآن على مشارف نهاية الفكر العلمي، فقد دخل غرفة الإنعاش، والسيادة القادمة للفكر التقني الغائي».

إضافةً لأن التفكير التقني قد استطاع تحطيم نماذج التفكير الأخرى السابقة تقريباً. فمن المعروف أن أوّل نوع للفكر عرفته البشرية هو الفكر الخرافي، ثم جاء الفكر الأسطوري ليقضي على الخرافة، ثم جاء الفكر الديني والفلسفي ليحطم الفكر الأسطوري، ومن بعدها أتى الفكر العلمي ليعلن موت الفلسفة والدين معاً.

إلا أن الآن حتى الفكر العلمي نفسه دخل غرفة العناية المشددة وفي آواخر حياته، لأن الفكر التقني استطاع تقريبا أن يجهز عليه بالضربة القاضية.

الفكر التقني هو الفكر العلمي العملي الذي يستخدم الوسائل في سبيل تحقيق غايات بعينها. بمعنى أن التقنية؛ هي التقنية والوسائل لتحقيق الأشياء. لذلك فإن الفكر التقني هو منبثق من العلمي؛ كما انبثق من قبله العلمي من الفلسفة! إلا أنه فكر محدد وواضح ويسعى نحو تحقيق غايات بعينها.

ما قيمة دراسة الفكر العلمي للصحة النفسية للنمل والنحل الآن؟ بالمقارنة مع الفكر التقني الذي ينتج تكنولوجيا الجيل الخامس؟ أو اللقاحات؟

هذا هو بالضبط عنوان المرحلة القادمة.. إن لم تكن تقنياً وعلى وعي به وإدراك للتغييرات الحاصلة، فغالباً العجلة ستمشي عليك، وسيفوتك الإنسان الأعلى بشوط طويل جداً.

ينبغي عليكَ أن تكون تقنياً، ينبغي عليك أن تحقق المعايير المطلوبة القادمة!

ثانياً: سيكولوجية المارشميلو.. في أهمية الكبت!

لا بد للإنسان الأعلى أن يودع بائع الحلوى خاصته! غير ذلك سيبقى في بحر تتلاطمه أمواج الرغبة والهوى والنزعات الطفولية للإنسان الأدنى الرابض في داخلهِ.

دائماً ما يضرب مثال الطفل الصغير لتوضيح هذه الفكرة.. فلو كان لدينا طفل صغير يرغب بتناول الحلوة والمارشميلو وأتينا بطبيب يحمل في يده أوراقاً علمية بأضرار مثل هكذا أطعمة وأخطارها على الصحة، في حين هناك رجل آخر يحمل لهُ الحلوى والمارشميلو، لاختار الطفل فوراً بائع الحلوى! إذ لا يفهم الطفل الكبت ولا يعرف سايكولوجية المارشميلو هذه.

الطفل مثال بارز على الإنسان الأدنى الصغير الذي لا يفهم منطق اللذة اللحظية أبداً.

وفي معرض الدفاع عن الكبت صرّح فرويد بأن الحضارة بأكملها نتجت بفعل الكبت!

فخلال 300 ألف سنة من عمر الجنس البشري، بقي الكائن البشري أورغانيك Organic يتكاثر ويأكل وينام مثل سائر الكائنات الحية، لم يستطع خلال 280 ألف سنة أن يبني حضارة أو ينتج شيئاً قيماً أبداً.

أتت الفكرة الحضارية عندما لجم هذا الكائن غرائزه الأولية وكبتها في سبيل تحقيق لذات طويلة المدى وأبعد من حدود النشوة اللحظية، فكانت حينها الحضارة التي نعرفها!

«من نماذج الكبت الشهيرة التي فعلها غاندي، أنه كان يستقلي عارياً وينام بين مجموعة من النساء العراة أيضاً. إذ كان يعتبر ذلك طقساً للتعفف، يروح فيه إلى أقصى مواجهة مع رغبات الإنسان البدائية دون أن يجعلها تعبر عن نفسها!»

الفكرة القاتلة الآن أن إنسان العصر الحالي هو طفل مارشميلو تحركه خيوط الرغبة كدمية ماريونيت بلهاء، أي هو إنسان أدنى يعيش في منظومة حضارية في طور الأفول الأخير ربما. لذلك لا بد من أن نقول الآن؛ إن كنت تنشد الارتقاء فوق اللذات اللحظية، أن وداعاً يا بائع الحلوى!

اختر الطبيب صاحب الأبحاث لا الشعبوي الذي يريد أن يتخمك بقنابل الدوبامين التي يحبها الدماغ!

لو قارنا الإنسان مع بقية الكائنات الحية لوجدناه ضعيف جداً، وكل كائن يهزمه في باب ما.. السلحفاة تعيش أطول منهُ بأشواط طويلة.. والفهد يهزمه في أبسط حلبة للسرعة دون أن يعبأ بوجوده أساساً.. الإنسان لا يستطيع الطيران فلا يمكنه مجاراة كائنات السماء أبداً.. وفيما يتعلق بحمايته، فهو كائن عاري لا يملك شيئاً، ويمكن لشتى الكائنات أصحاب الأصداف والطبقات الخارجية القاسية أن تغلبه من الشوط الأول.. فلا بد أن نحزن على أنفسنا كجنس بشري لمدى ضعفنا وهشاشتنا..

«الإنسان هو الكائن العاري الوحيد الذي وجد نفسهُ ضعيفاً فأدمن البناء من حوله، كل محاولات بناء المدن وناطحات السحاب والأسوار حول المدن القديمة، وتعزيزها بطبقات الجيوش والثغور لم تكن إلا محاولة من هذا الكائن الهش لحماية نفسهِ.. إذ كان دائماً الكائن العاري الذي امتلك الوعي الكافي لإدراك عريه وهشاشته، فحاول بناء طبقة حماية خارجية.. كل حضارات الإنسان ما هي إلا تعويض عن صدفة سلحفاة لم يملكها يوماً!»

فكل الحيوانات تهزم الإنسان في بابها الخاص، الشيء الوحيد الذي ميّز الكائن العاقل ووضعه في قمة السيادة على كوكب الأرض ولربما النظام الشمسي بأكمله هو العقل!

لك أن تتخيل أنه بعد كل التميز الصعب الذي حاز عليه.. وبعد كل أشواط الانتخاب الطبيعي التي قفزَ فوقها.. قررَ أن يتجاهل عقله، ويختار بائع الحلوى، ويبيع نفسه وروحه لتلك الغرائز البدائية التي يشترك بها مع بقية الكائنات الحية!

ما هذا العبط الذي ليس من بعده عبط أيها الكائن العاقل غير العاقل!

بدأت الحضارة عندما منع الإنسان نفسه من لذة لحظية في سبيل الحصول على لحظات قادمة.. لا تكن كالقرد الذي يصر على أخذ موزة ويتجاهل فرصة الحصول على طرد موز كامل في الغد لأنه لا يستطيع كبت نفسه!

اكبح نفسك قدر الإمكان، واختر الطبيب على الدوام.. وردد دوماً أن وداعاً يا بائع الحلوى!

لكن هذا يحتاج لإثبات وأن يكون أكثر من مجرد كلام نظري فقط.. هناك قربان يجب أن يُقدّم في سبيل التأكّد من الإجهاز النهائي على طفل المارشميلو الرابض في داخلك.. ولعل الفقرة القادمة هي خير إثبات على ذلك!

ثالثاً: الزواج.. انتصار مَن لا انتصار لهم!

يعزّ عليّ ذكر هذه الفقرة جداً، فهي أشبه ما يكون بأن يسب الإنسان صديقاً قديماً عزيزاً في حضرة أعدائهِ، فكل إنسان منا، محاط بكم كبير من المتزوجين الذين يملكون أطفالاً وأخوةً وعوائل يحبونهم ويعيشون معهم، إلا إني مضطر ها هنا لهدم هذه الفكرة والمشاغبة حولها، أو على الأقل هدم جذرها أكثر من تفتيتها هي بعينها.

أولاً ينبغي التصريح بشكل واضح أن الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهُ! أي كلما كان الإنسان فارغ الأشغال وليس لديه شيء ما يصل إليه، وعجز في البحث عن طرقات الحياة ولم يعد لديه انتصارات يحققها، كان الزواج حينها، فهو الانتصار الأخير الزائف الذي ينوي تحقيقه.

ربما أن تتزوج أمر جميل وعادي ويشير لأنك إنسان Average إلا أن للإنسان الأعلى سلوك آخر غير هذا قطعاً.

«لا يوجد إختراعات فعلها أشخاص متزوجين»

– نيكولا تيسلا.

أليس من الجميل أن تستيقظ صباحاً وبجانبك من تحبه؟ أليس من الجميل أن تكون مع الإنسان الآخر لتتقاسم خير هذه الأيام ومرها؟ أليس من الجميل أن يكون للإنسان دعماً في شتى مراحل حياته، بعلوها وهبوطها، بقربها وبعدها؟

نعم جميل، لكن كما قلت في البداية.. هذا مفيد للإنسان العادي، ويكون بمثابة نشوة وانتصار مَن لا انتصارات أخرى له! الكائن الأعلى سلوكه يختلف تماماً!

«يرى الزوج زوجته أجمل تحفة في الوجود، وترى الزوجة في زوجها الأمير النبيل. وكلاهما بعد مرور 30 سنة إما يبقون مع بعضهم تحت سلطة “الواجب” أو لأن لا خيارات أخرى متاحة. ما هو واضح في هذه المنظومة أنها نسبية. زوجك رائع بالنسبة لكِ ولأمه ولأخوته فقط -في الحقيقة، قد يكون حتى لهؤلاء الناس سيئاً!- وزوجتك خارقة الروعة فقط لوسطها الضيق. فبالنسبة لإنسان الآن في بنغلاديش أو كينيا، لا أحد يعرف أي منكم، فالصورة النسبية، وما هي إلا تعبير عن مدى ضعف الإنسان وهشاشته وحاجته لترميم نفسه بالآخرين.. فالزواج يتغذى على ضعف الإنسان العاقل العادي!»

أول شيء مهم هنا هو أن ضرب الزواج -لا أتحدث عن الموضوع كمنظومة مجتمعية بقدر ما أتحدث عن الأمر بوصفهِ اختياراً شخصياً- يشير إلى تحطيم واحدة من أكبر الغرائز الرابضة في صلب الإنسان. الغريزة الأولى هي الغريزة البيولوجية المارشميلوية -نسبةً إلى المارشميلو في الفقرة السابقة- والغريزة الثانية هي الغريزة الاجتماعية التي تدفع الإنسان لئلا يكون وحيداً، وأن يحاول مشاركة حياته مع الآخرين، وربما أحياناً إثبات أنه جيد وسليم ولا يعاني من مشكلة مرضيّة ما.

ضرب الزواج عند الإنسان الأعلى هو بمثابة حجر الزاوية الأضخم في مشروعه، لأنه بذلك يكون قد حطم صنماً ضخماً ترتكز عليه غرائز الإنسان البيولوجية البدائية، وغرائز الإنسان الاجتماعية الحديثة المتمثلة بالدعم والسند العاطفي والاستيقاظ الصباحي بجانب من تحب وغيرها من الهراء والكلام الفارغ.

استثناء لا بد منهُ: في بعض الأحيان يحدث العكس، ويكون الزواج بالفعل طريق نحو العلو.. إلا أنه حالة بالغة الندرة، كـ ندرة أن تجد غراباً لونه أبيض. إذ يسود نهج الخمول عند الغالبية العظمى، أو كما عبّر عنها الموسوعي الأمريكي بنجامبين فرانكلين بالقول: «يموت غالبية الناس في عمر الـ 25، في حين أن أنهم لا يُدفنون إلا لعمر السبعين!»

الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهم. هو النقصان الذي يحاول الإنسان «العادي» ترميم ذاتهِ من خلال الآخر.. الإنسان الأعلى لا شأن لهُ بهذه الأمور، خصوصاً أنها مجرد مُلهيات بالتكاثر ريثما تزور المقابر! تنم عن أن صاحبها مازال في طور «الحاجة والإشباع» الذي يشترك بهِ مع جميع الكائنات الحيّة ضمن الكوكب؛ بدءًا من الشعب المرجانية وحتى السناجب!

وهذا ما قد يترجمه البعض بشكل خاطئ أحياناً، لينغرس فيما هو أسوأ! وهو ما سنحاول توضيحه وتجنبه في الخطوة الخامسة.

رابعاً: المشكلة مع العدمية.. فلسفة اللعب الرديء!

من الظلم أن نقول الآن أن العالم أصبح قرية كونية صغيرة، لأنه لم يكن كذلك ولم يعد أبداً، العالم الآن أشبه ما يكون بتواليت صغير وليس مجرد قرية صغيرة! كل شيء قريب من كل شيء! التواصل لحظي وفي الوقت ذاته على الرغم من كونك في اسطنبول أو لندن أو أي مدينة، العالم سائل والاتصالات سائلة وسريعة، إلا أن السيولة قد تسربت لروح الإنسان وتسببت في ضرب خصلة المعنى لديه، فسقط في فخ العدمية وشراكها.

«لا شيء يمكنه أن يعذب النفس البشرية أكثر من الفراغ»

-ستيفان زفايغ

فقدَ الإنسان الحالي المعنى وغرق في بحر الظلمات والعزلة والانغراس في الذات، ولعل هذه النقطة من أبرز سلبيات العدمية. لأنه لا مشكلة لأحد مع أن يفقد الإنسان الآخر المعاني!

المشكلة في العواقب المترتبة على ذلك الفقدان، ولعل أبرز هذه العواقب الواضحة السمات والمتجلية في عصرنا الحالي هي الانغراس في الذات؛ بما تشمله من إباحية على شتى الجبهات؛ في الطعام، وفي الجنس، والعلاقات، وكل شيء آخر.

إلا أننا هنا لطرح حلول وتبيان مبادئ الإنسان الأعلى لا الإشارة للمشاكل وتعزيز حضورها!

العدمية في صلبها فكرة متهافتة.. إذ تعبّر عن ماهيتها بأن العالم بلا معنى، وكل مبادئه محض اتفاق بشري مسبق كيلا ينهار هذا العالم الذي بلا معنى!

إذاً، أنا بوصفي إنساناً فرضت عليه الحياة، ماذا ينبغي أن أفعل؟

العدمية.. وهنا يسقط في الإباحية الكاملة!

لو أردت نقد العدمية ببساطة فهو أنها ردة فعل على طبيعة عالم لم يصرح أحداً بها أساساً!

يقول تولستوي في جملة بالغة الذكاء والدهاء:

إن أردت أن تكون سعيداً، فكن سعيداً!

بمعنى.. الموضوع مثل تطبيق واتساب وغيره من تلك التي تتيح إمكانية استخدام الحالات لمدة 24 ساعة. الطبيعة غالباً ما تكون محايدة. تريد أن تكون سعيداً؟ إذاً كن سعيداً (أي ضع حالة السعادة في تطبيقك الخاص). لا تريد السعادة، لا يمكنك أن تلوم الوضعية الافتراضية وتقول أنها بلا معنى!

لماذا؟

لأن وجود معنى في الحياة هو أسوء من فقدانه أساساً!

تخيل أن تولد في هذه الحياة ويقال لك الحياة فيها معنى جاهز هو أن تجمع جميع أصداف البحر؟ ما رأيك بهذا المعنى قليل الذوق؟

العدمية فكرة نفسية أكثر من كونها شيء يمكنك لمسه وضبطه، ولو كنت عدمياً وفرحاً بذلك فأريد أن أذكرك بأن «عدم اللعب» هو نوع من أنواع اللعب الرديء! أنت في لعبة مجبر أساساً على الوجود بداخلها، قولك بالعدمية، ليس إلغاءً للعبة! لأنك لا تملك الصلاحيات لذلك أساساً! قولك بالعدمية يعني أنك تلعب ضمن اللعبة لكن بشكل رديء! لأن اللعبة جارية شئت أم أبيت!

الإنسان الاعلى يدرك ذلك مبكراً جداً، ويضع معناه الخاص، ويعيش على أقصى درجات الحافة. فتعليب الحياة بمعاني مسبقة أتفه من فكرة العدمية نفسها. لأن حينها سيصبح السؤال ماذا لو لم يعجبك المعنى الذي في الحياة؟

ضع معناك الخاص وتوقف عن اللعب الرديء لأنك مجبر!

غير ذلك، سنرى الإنسان ينحط لرتبة طفل المارشميلو السابق، حياتي بلا معنى.. ماذا أفعل؟ أغرق في الاباحيات والطعام الرديء.. وغيرها من الملذات.

وهذا ما يجعله شبيهاً بأي كائن آخر على سطح الأرض، مجرد تلبية لغرائز بدائية، وانحطاط نحو قاع هرم ماسلو وسلوك الأسلاف الأوائل.

خامساً: التطهّر من الدوبامين

عند الحديث عن الابتعاد عن الزواج لا يعني الزواج بكونه اجتماعاً مع الإنسان الآخر بقدر ما هو معالجةً لنقطة الضعف في الإنسان وهي الحاجة إلى «الإنسان الآخر» بغية تحقيق وتلبية بعض الحاجات البيولوجية والاجتماعية. لذلك هناك حالة تتمثل بالزواج بشكل سيء؛ وهي أن لا يتزوج الإنسان بل يبحث عن بدائل أخرى تكون أكثر انحطاطاً من الزواج نفسه!

وهي ما يمكن تمثيله بتزويد سيارتك بكميات كبيرة من الوقود الرديء، وفي مثالنا هنا، هي الدوبامين الرديء!

ينتج الدوبامين الرديء وفق فيليب زيمباردو عالم النفس والأعصاب الشهير صاحب تجربة ميلغرام، عند الشباب من عدة أسباب أبرزها الإباحية ومشاهدة الأفلام الخليعة، ثانيها إدمان الألعاب، وبدوري أنا ها هنا يمكنني أن أضيف مشاهدة الإنمي أيضاً.

الفكرة في كل ما سبق هو تعريض العقل لوابل عنيف من الدوبامين الرديء، حينها ستصبح بالمعنى الحرفي للكلمة «عبداً لهرمونات جسمك».

وهذا ما يتناقض ليس مع الكائن الأعلى، إنما مع الإنسان العادي، هذا سلوك الإنسان المنحط البدائي، ليس الأعلى ولا العادي حتى!

الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.
الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.

فمثلاً، من المعروف جداً أن الوصول في عصرنا الحالي للأفلام الإباحية أسهل من شربة الماء، وكي لا أكون مثالياً وربما ينتقد البعض هذه الفكرة، لكني سأقولها على كل حال. إن مشاهدة الأفلام الخليعة خصوصاً في فترة بداية البلوغ والفضول العالي والرغبة في استكشاف النفس، أمر يعتبر صحي إلى حد ما. المشكلة تظهر عند إدمان ذلك، وإدمان الملذات التي تأتي من ذلك.

حينها لا بد من القول أن هذه الشابة والشاب مدمنون على الدوبامين الرخيص في دماغهم!

ربما يسأل البعض: ما المشكلة في ذلك؟ أنا أشاهد الإباحيات وأمتع نفسي، وآكل كل ما يخطر في بال «معدتي». وأشاهد الإنمي والألعاب.. ما المشكلة في ذلك؟ 

المشكلة أن الإنسان الأعلى لن يأتي حاملاً في يده صندويشة شاورماً أيها العزيز! هل تعلمون أن الإنسان يعيش حرفياً على ربع ما يأكله كل يوم؟ في حين يعيش الأطباء الذين يعالجونه على الثلاثة أرباع الأخرى!

أما بالنسبة لفيض الدوبامين الرديء الذي تطلقه الإباحيات والألعاب وغيرها، فلعل التجربة الشهيرة التي جرت على الفأر خير مثال على ذلك.

«قام العلماء بوصل أقطاب كهربائية لدماغ إحدى الفئران، وجعلوا لديها مقبس بحيث بإمكان الفأر أن يضغط عليه، وكلما ضغط يحصل على الدوبامين في دماغه، أي أن التحكم بيد الفأر. كانت النتيجة أن الفأر ظل يضغط على مقبس الدوبامين الذي يصعق دماغه بفيض من هرمونات السعادة، حتى عندما حرم منه لم يعد يتحرك أو يفعل أي شيء. اي اعتاد عليه. ومن ثم احذر ماذا.. لقد مات الفأر! ضغط على مقابس الدوبامين لدرجة الموت!»

باختصار شديد أيها العزيز، لا تكن ذلك الفأر.

وهذا الكلام ليس في سياق النصح والمدارسة والتوبيخ.. لا لا. هذا مجرد تحذير لا أكثر.

لأن الطبيعة نفسها نظام ذكي تقوم بالانتخاب كما قلنا. فالأكل الزائد وما ينجم عنه من دوبامين رديء يفتك بصاحبه بدءًا من عمر الـ40 عبر ترسانة كبيرة من الأمراض التي تصيبه، فإمكانية الانتقاء التي بإمكانه أن يحظى بها في سنوات الشباب تتلاشى فيما بعد. لأن القطار حينها يكون قد فات! ولهذا لا تجد بديناً كبير السن. لأن الطبيعية نفسها تقتله بأمراض القلب والسكري قبل أن يكبر!

الطبيعية نظام ذكي جداً تعرف كيف تنقح نفسها من الإنسان صاحب السلوك التعيس وتصطفي الأفضل، لذلك كن ذكياً، طهّر نفسك من الدوبامين الرديء، فأنت تعيش على ربع ما تأكله.. طهر نفسك، وكن إنساناً أعلى من ذلك!

سادساً: خرافة الاكتئاب والانعزال

العزلة مريحة لفكر الإنسان أحياناً حتى يتنقّى من الشوائب التي تختلط فيه نتيجة التواصل المستمر مع الناس واللحاق وراء العمل، والاشتباك اليومي مع كثير من المهام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا أنها خطأ جسيم بالنسبة للإنسان الأعلى، أو كما قالها الشهير روبرت غرين في كتابه قواعد السطوة، احذر أن تبني الحصون والقلاع من حولك.. احذر أن تنعزل!

تحرمك العزلة من الكثير من فرص العمل، تحرمك العزلة من الاطلاع على الأشياء الجديدة، تبعدك العزلة عن احتمالية وجود أفكار يمكن أن تتلاقى معها!

لا ينبغي اختراع العجلة في كل مرة من جديد! وأنت بدورك الأمر ذاته، لا ينبغي أن يكون كل فكرك هو محض تفكير خاص أتيت بهِ أنت فقط! لا مانع من أخذ الأفكار من الناس الآخرين والبناء عليها، لا عيب، بالعكس الأمر ينم عن ذكاء وتوفير للوقت حتى! حينها بإمكانك أن تعتزل لإنتاج أشياء جديدة وليس إعادة اختراع عجلة مخترعة مسبقأً!

في سياق متصل، لا بد من الحديث عن خرافة الاكتئاب -ليس بوصفهِ مرضاً، بل طريقة التعامل معه وعلاجه- التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي والعصر الحديث بكامله.

ولعل أبرز من نقد هذه الخرافة هو عالم هارفرد الفذ «ايرفينغ كيرش» من خلال أبحاثه العلمية التي نشرت ووصلت لنتيجة مفادها أن دواء الاكتئاب ومضاداته عبارة عن هراء ومجرد بلاسيبو.

ففي دراسته المنشورة لعام 2008. وجد كيرش وزملائه أن التأثير الدوائي لمضادات الاكتئاب على مستويات التوازن الكيميائي في الدماغ وخصوصاً فيما يتعلق بمادة السيروتونين هو تأثير زائف ولا علاقة لهُ برفع المزاج أو نزوله، بل لا يتعدى عن كونه مجرد تأثير بلاسيبو، إذ وجدت الدراسة الاحصائية أن أولئك الذين تناولوا مضادات الاكتئاب كانت مستوياتهم للسيروتونين في كيمياء أدمغتهم متباينة، بين من ارتفع، ومن انخفض، ومن بقي على حاله ولم يتغير فيه شيء! على الرغم من أن حالتهم النفسية تحسنت دون تحسن حالتهم الكيميائية في الداخل أساسا!ً

دراسة ايرفينغ كيرش.

يرجع الدكتور كيرش هذا لأن شركات الأدوية تخضع منتجاتها لاختبارات محدودة فقط بنية الحصول على الموافقة، فهي ملزمة فقط بتقديم اختبارين من أصل حوالي 25 اختبار لكشف فعالية الدواء!

كما وجد أن زيادة الوزن وغيرها من تبعات الاكتئاب وعوارضه قد تسبب انتكاساً أكبر من الاكتئاب نفسه بسبب تناوله أدويته! حينها يدخل الإنسان في حلقة عويصة من الصعب أن يتخلص منها! لا سيما إن كان المكتئب يقنع نفسه بجمل من نمط، أنا أذكى من الآخرين وأفضل لذلك أنا مكتئب، وطبعاً هذا يصب في خانة الهراء الذي لسنا بحاجة لأن نوصفه حتى.

«بشكل ما.. تكون أدوية الإكتئاب مصممة كي تبقيك مكتئباً، كونها تعالج العرض أكثر من جذر المشكلة».

الإنسان الأعلى أعلى من الاكتئاب نفسه! الإنسان الأعلى أعلى من الدراما البشرية بسائر تمثيلاتها! الإنسان الأعلى يملك نظاماً يعطيه المعنى في حياته، قد تكون الفلسفة الرواقية، قد يكون الدين، قد يكون أي شيء. المهم أن لديه معنى. الاكتئاب واقع، لكن علاجه والهالة حوله خرافة كبيرة يستثمر فيها كثيراً.

احذر من فخ الاكتئاب، احذر من فخ الانعزال.. داوي نفسك بالمعنى قبل أن تمشي فوقك عجلة الانتخاب وتطحنك لصالح من أهم أفضل وأرقى ومن يملك معنى أكبر منك!

سابعاً: جميعنا يحتاج للحليب

عندما تُعطي الطفل الصغير الذي لا يتعدى عمره بضعة أيام طعاماً صلباً أو عادياً غير الحليب، تتلخبط معدته وتنزعج ولربما يموت حتى!

الطفل بحاجة لمرحلة قدرها سنتين من الحليب فقط، فقط يشرب حليب أمه الغني بالأجسام المناعية والمغذيات التي يحتاجها. فيما بعد بإمكانه أن يأكل ما يشاء بالتدريج، ليشتد عوده، ويبني منهجه الغذائي والعام بنفسه.

الإنسان هو طفل.

كلنا أطفال..

كلنا بحاجة لمرحلة الحليب في البداية، ولا بد أن نصبر ولا نستعجل، ولا ألا نحاول أكل الطعام القاسي فورأً!

ينبغي علينا أن نمر بمرحلة روتينية مكررة نمطية تحضيراً للمرحلة المهمة القادمة.

وتبقى العبرة في الصبر والاستمرارية والمواظبة على ما يُفعل.

جميعنا أطفال، جميعنا يحتاج الحليب.. ولعل الإنسان الأعلى ليس استثناءً، فالقفر فوق المراحل بشكل أهوج وغير محسوب سيؤدي لكسر الرقبة ولربما الموت!

«الأمر يشبه قيادة السيارة.. فعندما تكون في بداية الإقلاع على السرعة 50 مثلاً، يكون تحريك المقود أمر بسيط وسلس نوعاً ما. لكن ما إن تسرع وتصل إلى أرقام عالية كالـ 180 و 200 يصبح تدوير المقود أمر صعب وكل حركة خاطئة فيه قد تهددك بالخروج من الطريق ولربما انقلاب السيارة بكاملها!
الإنسان الأعلى بوصفهِ وقوفاً وترفعاً عن الجوهر البيولوجي للإنسان هو محاولة للقيادة بسرعات عالية جداً، فحاول المواظبة على رؤية الطريق السليم دون تدوير المقود بزوايا قاسية وبشكل خاطئ! لأن ذلك قد يؤدي للخروج عن الطريق تماماً!»

حافظ على تسلسل المراحل.. حافظ على الاستمرارية والنفس الطويل.

لا تتجنب مرحلة الحليب..

عشها بكل تفاصيلها.. وبعدها لتبدأ مرحلتك الخاصة!

ثامناً: اقرأ حتى تموت

لا أفهم الإنسان الذي يمسك رواية ويشرب قدحاً من القهوة مع بعض! كيف يمكن أن يكون الإنسان سعيداً أو مرتاحاً عندما يقرأ؟ صدقاً لا أفهم هذه النقطة أبداً، على العكس أعتقد أن القراءة عملية صعبة وبشعة وتتطلب صبراً طويلاً، إلا أنها مهمة وغير ذلك دائماً ما كنت أعتقد أني سأبقى مغفلاً أحمقاً إن لم اقرأ، لهذا أجبر نفسي.

ولذلك أرى أحياناً أنه ينبغي «التعذيب بالقراءة» لا فقط أن تتلذذ بالقراءة وتسعد بكوب قهوتها!

فالمثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي هو مثقف منخرط في الجو العام، أن تكون روائياً تشرب قهوة فهذا دليل على أنك مثقف غير عضوي بعيد عن الواقع ولربما منفصل عنه.

اقرأوا حتى تموتوا.. من المحبرة حتى المقبرة!

هناك الكثير من الأشياء في هذا العالم غير مكتشفة. هناك الكثير من الأشياء موجودة فقط في الكتب. ابتسار العلم في بضعة مقالات توفرها بعض مواقع ومزابل المحتوى العربي أمر سيء. غالبيتها مواقع ربحية لا هدف لها للقارئ ولا هم يحزنون، هم يريدون «زيارة القارئ» فقط لا دين أم القارئ ومعرفته!

العلم في الكتب.. المعرفة في الكتب.. الدراسة في الكتب.. التركيز في الكتب.. القداسة في الكتب.. ألم ترون لماذا الأديان جميعها تستند على كتاب مقدس في صلبها وليس مثلاً تابلت آي باد سماوي؟

لأن الكتاب مقدس!

للكتاب معنى عميق!

فاقرأ بارك الله بك!

اقرأ حتى تتعلم..

اقرأ حتى تتحرر..

اقرأ حتى لا تموت صغيراً وإن رحلت في العشرين!

اقرأ لعلك تكون الإنسان الأعلى الذي يخرج هذا العالم من تعاسته..

اقرأ فقد تكون أنت المنتظر الذي يحمل الأمل..

اقرأ..

أرجوك اقرأ..

فقد تكون أنت الذي يُحررنا..

تاسعاً: خرافة المساواة.. صعود الإنسان البرو ماكس!

يُلقى في روعنا منذ الصغر أن جميع الناس «خير وبركة» وهذا بالفعل صحيح إلى حد كبير. غالبية الناس طيبون. غالبية الناس يريدون الخير فعلاً. غالبية الناس يشبهون بعضهم في الكثير، لكنهم أيضاً يختلفون في الكثير.. وأهم من هذا كله، غالبية الناس غير متساوين!

البعض يولد طويلاً.. البعض الآخر يولد قصيراً!

البعض عيونه ملونة.. الآخر عيونه داكنة!

الناس في السويد الحد الأدنى للأجور لديهم أعلى من الذين في الهند مثلاً!

المساواة في الفرص أمر مهم ومطبق في غالب مناطق العالم، إلا أن المساواة بالحالة الافتراضية للناس غالباً غير موجودة، نظراً للتنوع الجيني الضخم عند الجنس البشري. وأهم من هذا كله أن عدم المساواة في الظروف الأولية البيولوجية والاجتماعية أمر جميل وليس سيء، إلا أنه فيما يتعلق بسمات الكائن الأعلى والانتخاب التقني القادم، فالأمر يختلف قليلاً!

الانتخاب الذي نتعرض له في وقتنا الحالي يفرض نجاة -حتى أكون أدق النجاة هنا ليس عدم الموت، النجاة هنا بمعنى التميز واللمعان- نسبة قليلة من البشر فقط، كون التعداد البشري يعيش أوج انفجاراته ولأرقام فلكية لم تكن تخطر على بال أحد.

عدد سكان العالم في عام 1812 كان 500 مليون.

عدد سكان العالم في عام 1912 كان حوالي مليار ونصف.

عدد سكان العالم في عام 2012 هو 7.7 مليار إنسان!

لا يحدث الانتخاب إلا عندما يكون هناك أعداد كبيرة وفائض لا بد من التخلص منه -التخلص الطبيعي من البشر يكمن في عدة آليات، الأمراض تقتل أصحاب الأنظمة الصحية السيئة، الزلازل والبراكين والفيضانات تدمر مَن يعيشون في المناطق السيئة- والآن وفي زمننا الحديث، مَن لا يمتلك صفات تقنية حديثة، فإن الطبيعة باختصار ستتخلص منه ولن يتأهل للمرحلة القادمة. وأنا آسف لو كان هذا الكلام قاسياً، لكن حقيقة الطبيعة التي نعيش بها هي كذلك.. من العبث أن نكلفها عكس طباعها! ومن الحمق قضاء العمر في العبث!

نحن لسنا متساويين ولم نكن كذلك منذ البداية، البعض منا هو بمثابة آيفون برو ماكس يتمتع بصفات وعتاد قوي جداً، البعض بمثابة آيفون عادي. آخرين بمثابة آيفون ميني. البعض سامسونج فئة متوسطة عليا أو فلاج شيب. والبعض في هذا العالم قد يكون بمثابة نوكيا 3310!

ولا يوجد أتعس من الإنسان الذي يحمل هاتفاً ذكياً، إلا أنه هو نفسه ليس ذكياً!

هل تريد معرفة ما هو عتادك؟ هل أنت إنسان برو ماكس أعلى أم مجرد نوكيا بمعالج رديء ستنقرض قريباً؟

ما هو نظامك الصحي؟ إن كان سيئاً فإن الطبيعة ستكون كفيلة بتحطيمك مع الزمن. (مقال الحياة كفلتر مهم في هذا الجانب).

ما هو سلوكك التقني؟ إن تخلفت عن ركب مسايرة الموجة التقنية فلا محل لك في الزمن القادم. أنت كساعي بريد في زمن الإيميلات والواتساب!

ما هو سلوكك الدوباميني؟ كيف تحصل على السعادة؟ تُرمم نفسك بالآخرين وتداري هشاشتك أم ماذا؟

ما هو سلوكك المعرفي؟ أنت من ضحايا اقتصاد الانتباه ومقالات سقوط فستان هيفاء وهبي وغيره مما ينشر في مزابل المحتوى العربي أم ماذا؟

إجابات هذه الأسئلة تجعلك تدرك من أنت، فاحرص على أن تكون بعتاد قوي ذو معالج عالٍ يتمتع بمواصفات مرنة وقلب نابض من الصعب تحطيمه!

وأكررها مرةً أخرى، نحن لم نكن متساوين منذ البداية، وهذا سر جمال الجنس البشري، إنه متعدد ومختلف، ما يهمنا الآن في هذا الزمن ألا تجعل العجلة تمشي علينا.

وهي للأسف ستمشي على الكثير، وسيبقى وحده صاحب التكيف الأعلى.. الإنسان البرو ماكس؛ الإنسان الأعلى!

عاشراً وأخيراً: لا أعلى إلا وهناك مَن هو أعلى منه!

تصارعت عبرَ التاريخ عدة شخصيات للإنسان لتكون في قمة الهرم، فكان الإنسان دائماً في حالة تناوب ما بين: (إنسان السلطة والقوة، وإنسان الاقتصاد، وإنسان الدين والفلسفة، وأخيراً الإنسان البدائي الغريزي). وعبر التاريخ كان السجال دائماً ما بين إنسان القوة وإنسان الدين والفكر، وكانت الكرة تارةً لهذا، وتارةً لذلك، أما الآن فالإنسان ارتدَ إلى أسفل الهرم، أرتدَ إلى عصر البربرية الأولى!

«يا مُعلم.. أتظن أنك حُر؟ يا مُعلم.. فقط الحبل الذي حول رقبتك أطول من الذي حول رقبتي!»

زوربا اليوناني

يقول ديفيد فوستر والاس الكاتب الأمريكي الجميل جداً الذي انتحرَ في ريعان الشباب بعد أن حققت رواياته نجاحاً باهراً: لا يمكن للإنسان أن يكون ملحداً، لا يمكن للإنسان إلا أن يعبد، والخيار المتاح لنا في أن نختار ما نعبد فقط!

اعبد القوة وسترى نفسك تخبو بعد أن تكبر..

اعبد السلطة وستجد نفسك ضعيفاً بعد فقدانها..

اعبد جمالك وستجده قد ذهب أدراج الرياح مع التقدم بالسن..

نحن كائنات عابدة راكعة منذ صغرها، الاختيار لنا في انتقاء ما نريد عبادته وليس أن نعبد أو لا من الأساس!

هل تريد إثباتاً على ذلك؟

مثال الإنسان السابق.. عبر التاريخ كان دائماً إنسان السلطة أو الفكر هو الذي يربح، الإنسان الآن تخلى عن القوة، وتخلى عن الفكر.. التحالف الآن ما بين إنسان الاقتصاد وإنسان الغرائز البدائية!

لذلك من المضحك جداً أن ترى صنفاً من الناس يدعي التحرر وعدم الإيمان، وهو من أولئك الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي آخر الأسبوع يشرب كأساً من النبيذ الرخيص كي ينسى!

هذه حرية؟

يا عزيزي الجميل.. أنت حررت نفسك من ربقة الإيمان، لكنك سلمت رقبتك لربقة الاقتصاد والسوق!

دعني أقولها بطريقة أعنف قليلاً وسامحني لو جرحت مشاعرك: قد تعتقد أنك خرجت من حظيرة الإيمان، لكنك دخلت في حظيرة أسوأ منها دون أن تدري!

لأن الإنسان سيعبد شيئاً ما دائماً، المهم أن تكون حركتك استباقية وتعبد ما لا يمكن ضبطه وتحديده بالصفات والكلام والقدرة على التغيير والزوال البشري.

الإنسان سيركع.. الفكرة فقط أن يختار ما يركع لهُ لأن عدم الركوع خيار غير متاح!

أنت ستركع في كل الأحوال..

يمكنك فقط أن تختار..

إما أن تركع للجمال الذي يزول مع الزمن..

أو أن تركع للقوة التي تتراخى بفعل زوال الهرمونات بعد سن الستين..

أو أن تعبد الذكاء والفطنة التي يأتي الزهايمر ليجعلك تنسى اسمك فضلاً عن حل المعادلات من الدرجة الثانية..

أو أن تعبد القيمة العليا في السماء التي لا تزول بفعل الزمن..

الإنسان كائن ضعيف، ولا يمكن أن يصل لرتبة الإنسان الأعلى إلا أن تمسك بفكرة عالية جداً.. فكرة متسامية جداً.. فكرة لا يمكن ضبطها بالكلمات والتعبير عنها..

فكرة كل ما في بالك عنها هو من وهمك وخيالك..

فكرة أكبر من أن تهزم..

فكرة لا يمكن أن يراها إلا الإنسان الأعلى القادم وحده!

غير ذلك.. دعوا أصحاب الحرية الزائفة ينعمون في سجال الإنسان الاقتصادي مع الإنسان الغرائزي.. في مظلة كبيرة من وهم التحرر!

أنت فقط بدلت الحبل المربوط حول رقبتك يا عزيزي، خرجت من حظيرة الإيمان إلى حظيرة أخرى تغفل عن رؤيتها.. حاول أن تقطع الحبل.. وحاول أن تلاحق الأفكار العليا!

***

يعز علي كثيراً أن أكتب كل هذا الكلام السابق، فكما قلت منذ قليل، أعتقد بكتابتي هذه وكأني أسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائهِ.. إدراك هذا يحز في نفسي كثيراً، لكن من الواجب قوله، ومن الواجب التصريح به، ومن الواجب إدراك عملية الانتقاء والاصطفاء الانتخابي التي دخلنا بها دون أن ندري!

قانون الطبيعة الأبرز لا يرحم.. فهي تقتل أولئك الذي لا يتبعون نهجها الصحي أو الـ Organic. لذلك كان ينبغي لك أن تتكيف وتنظّم روتينك وألا تفرط فيما تفعل كثيراً، وألا تكن صلباً كثيراً فتكسر! أو أن تكون ليناً كثيراً فتُعصر!

الدوبامين الرديء يعرض نفسه عليك كل يوم، على الشاشة.. في السوشال ميديا.. في اليوتيوب.. وكل مكان، وحدهم من يملكون عقلاً يميزهم عن بقية الكائنات المتدنية يستطيعون التحكم، ولعل التحكم بهذه الرغبات الأولية بما تشمله من زواج وحاجة اجتماعية للدعم والمساندة النفسية وهرمونات السعادة وخرافة الاكتئاب.. يؤدي لنضج هيكل الإنسان الأعلى ويحرضه على الظهور أكثر وأكثر!

صرخَ نيتشه منذ حوالي قرن أن القيمة العليا في السماء قد ماتت وأن الله قد نزل على الأرض وكل شيء أصبحَ قابلاً للتفاوض! إلا أني أعتقد أن الإنسان الأعلى منفصل عن ذلك ولا ينبغي له أن يأخذ بمنحى ميتافيزيقي مثالي.

الإنسان الأعلى حقيقي وبدأت ملامحه تظهر يوماً بعد يوم.

في عالم الفوضى والسيولة وسيطرة مشاعر الإنسان الرديئة المنحطة، يرتع ويمرح الكائن الدنيوي العادي الذي تتمثل أقصى طموحاته بأن يتكاثر بانشطارية عالية كالأرانب.

آن الآوان لكي يبزغ الكائن الأعلى..

المقاعد محدودة..

الشروط الصعبة..

إلا أن قواعد الانتخاب والاصطفاء كانت دائماً كذلك.. (لا يمكن للانتقاء أن ينجح لو استطاع الجميع أن ينجح!)

فالقمة لا تتسع إلا لموطئ قدم صغير، ولا يمكن أن تأخذ عائلتك وبرادك ودوبامينك الرديء كحمل إلى القمة!

ينبغي أن تتسع لك فقط.. وفي الطريق إلى ذلك، ستلقي بتلك الحمولة من زورقك الصغير حتى لا يغرق بك! فتغدو كذلك الفأر الذي ظل يضغط على أقطاب الدوبامين حتى مات!

استيقظ زارا منذ قرن، فماذا عساك تفعل أنت الآن!

الكائن الأعلى لا بد له أن يظهر..

الإنسان عندما يحطم مبادئ البيولوجية في جسمه..

ويستغني عن الدوبامين..

والنهم في الطعام..

والعزلة المرضية..

وينمي عقله بالتعذيب بالقراءة..

حينها لا بد من أنه يتجاوز نفسه!

ولا يوجد أخطر من الإنسان الذي يملك سيطرة على نفسه!

ذلك هو التجاوز للإنسان العادي..

ذلك هو الإنسان الأخير الذي سيصب في مجرى التاريخ النهائي..

ذلك هو الإنسان الذي قضت مسيرة 300 ألف سنة من التراكم البشري لكي توجده.

ذلك هو الإنسان الذي تريده ولعلك تحمل جزءًا منه..

ذلك هو الإنسان الذي ينتهي ديسمبر من أجله..

ذلك هو الإنسان الذي يرفض أن يبقى في الحلم..

ذلك هو.. الإنسان الأعلى!

أما الآن..

فلقد استيقظَ زارا منذ زمن طويل..

فماذا عساك مازلت تفعل قرب النائمين؟

التصنيفات
كتب

دفاعاً عن الجنون: عن بساطة وقوّة ممدوح عدوان!

أحبُ كتابات ممدوح عدوان -دفاعاً عن الجنون مِن أبرزها- لنفس السبب الذي أحب فيه كتابات الماغوط، وأحب كتابات الماغوط لنفس السبب الذي أحب لأجله كتابات جورج طرابيشي، وهي أنها كتابات بسيطة بمعاني كبيرة.

كتبَ جورج طرابيشي مقالاً قديماً تحت عنوان «أخطاء ارتكبتها في حياتي» وصرحّ بأنّه..

بعد أن سافرَ لفرنسا..

وترجمَ جُل أعمال فرويد..

ونقدَ طروحات الجابري في العقل العربي..

قالَ..

فشلت في أن أكون غنياً!

وفشلت في أن أتكلم الفرنسية بطلاقة.. فلا زلت أرطن بها..

فشلت في تعلّم ركوب الدراجة..

كم هي جميلة البساطة في الكتابة.. كم كنتَ جميلاً يا سيد طرابيشي..

عندما سُأل ممدوح عدوان في أحد اللقاءات الصحفية عن عن ظاهرة كانت دارجة في عصرهم وهي «الشعراء المتكلفين جداً» الدخلاء على الساحة الأدبية، كان يقول أنه يمكن رصدهم بسهولة..

فهم لا يملكون حس..

وبعدها فوراً التفت بكلامه ناحية الماغوط وقال..

لم يكتب الماغوط يوماً ما بيتاً موزوناً..

لكنك تقرأ كلامه وتقول: مستحيل. هذا الرجل شاعر!

يملك الماغوط قلباً شعرياً..

حتى لو لم يكن موزوناً..

حتى وإن كسرَ المنصوب أو رقّ قلبه تجاه المضاف المجرور فأراد أن يرفعه!

الحس..

البساطة..

أن تخرج هذه الكلمات من داخلك، هو ما يمعني المعاني ويحدد الحدود!

البساطة في الكتابة أمر لطيف جداً، ولعل الجميل في ممدوح عدوان أنه كان بارعاً في ذلك.

يظهر هذا بوضوح في كتابه الصغير.. دفاعاً عن الجنون، الذي هو تجميعة لسلسلة من المقالات، وهو يتحدث بمنتهى العقلانية المبسطة عن مواضيع تشمل الفن والنضال والمرأة والإنسان..

يستهلها بقصة لؤي كيالي.. الرسام السوري الكئيب الذي انتحر.. ويسرد باحترافية كيف ضربت نقاط التحوّل حياة لؤي..

فغدا من استديوهات العالم البرجوازي إلى معارض الإنسان البسيط..

كيف فعل ذلك لؤي؟

لماذا فعل ذلك لؤي..

احرقت لفافة تبغ منزل لؤي، ومات..

دافع ممدوح عدوان عن لؤي..

عن العقلانية..

دافع ممدوح عدوان عن الجنون..

«جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري، أمرَ الملك العاري أن يروهُ مرتدياً ثيابه، فرأوه! وأمرَ أن يبدوا آراءهم في ثيابه فامتدحوه وأطنبوا.. وحين خرج إلى جماهيره فاجأه بالصراخ طفل لم يُدجن بعد: ولكنهُ عارٍ!… عارٍ تماما.
لو كان هذا الطفل أكبر قليلاً لأتهم بالجنون. ولكن لأن فيه تلك البراءة الواضحة العفوية الصارخة كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.
صرخة الطفل، مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون ومراؤون وخائفون إلى درجة تجاهل حقيقة يوميّة بسيطة يستطيع الطفل أن يشير بأصبعه
ِ إليها ويعلن عنها..»

يتحدث عدوان عن الحب والشعر والكفاح..

يهاجم الرأسمالية من أجل الإنسان..

كان ممدوح عدوان ماركسياً..

كان ماركسياً في زمن الماركسيين..

وإن كنت من الذين يعتقدون أن الماركسيين هم أولئك الذين يحلقون رؤوسهم ويصبغون شعرهم باللون الأخضر.. فينبغي أن تقرأ لعدوان حتى تعرف أكثر..

عندما تسمع كلمة ماركسي، فأنت ستعلم أنك أمام إنسان يمتلك قلباً كبيراً، قلباً جعله ينظر إلى الإنسان العامل البسيط ويرثي حالهُ لا إلى إنسان الأبراج العالية..

الرأسمالية هي عمل العقل في الإنسان، ولعلَ من براعة أدم سميث الأب الشرعي لها، أنه كان على غرام مع أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم ورسالته عن الطبيعة البشرية التي أصّل فيها لأنانية الإنسان وأنه كائن يرغب بالتملك والاستئثار بالثروة..

لم يخطئ سميث..

ولم يخطئ ديفيد هيوم..

ولم تخطئ الرأسمالية..

ربما أخطأ الماركسيون أنفسهم في أنهم فكّروا بقلوبهم وأرادوا الوقوف مع الإنسان البسيط..

يتابع عدوان حديثه عن المرأة..

ويدافع عنها..

ليتحدث عن كتاب “المرأة المخصية الذي تُرجمَ بالمرأة المدجّنة”.

كيف تأصلت الهجومية الذكورية لهذه الدرجة؟

ألا يمكن للإنسان أن يكون ذكراً دون عدوان!

لماذا العدوان؟

يقف عدوان ضد العدوان!

وما أجمل وقوف العَدوان ضد العدوان..

«نحن أمة خالية مِن المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكررة ومملة.
نحن في حاجة إلى الجرأة على الجنون والجرأة على الاعتراف بالجنون.»

مقالات بسيطة مليئة بالمعاني..

تنساب بلطف..

دافع فيها عدوان عن الإنسان، عن الحب، عن الشعر، عن المرأة، عن العامل، عن كل الطيبين.

عن الإنسان أينما كان..

دافع عدوان عن العقلانية..

دافع عن الطروحات الجميلة..

لكن مِن مآسينا..

ومنذ سنة نشر الكتاب..

أن الدفاع عن العقلانية استحال ضرباً من الجنون..

أن تدافع عن الإنسان..

يعني أنك بشكل ما بتَّ تدافع عن الجنون..

اقرأ أيضاً: فن الخسارة

التصنيفات
عام

رحلَ اللؤلؤ المنضود.. الآن لم يبقَ أحد..

شغّل هذه الموسيقى (من هنا) واقرأ..

إن سارَ الطيبُ في أرضٍ، تُعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء، لا تعطيهِ.. إلا دخان مداخنها..

مَن يذكر هذه الكلمات؟

شارة بحر الحكايات؟

لم أفعل شيئاً في هالعمر يضر الغير.. لم أفعل شيئاً إلا الخير.. فلماذا أحبس في الحبسِ، ولماذا أبعد عن نفسي.. وأنا لا أطلب إلا أن أحيا، كحياة الطير..

بحر الحكايات.. كان يا مكان.. أحلام كبيرة..

الشمس تشرق من جديد؛ عندما كانت مرام تكتب.. وكان باب الحزن مفتوح على باب الفرح.. الحزن متل الفرح.. بيبكي وبيقوي!

أغاني صباح فخري..

قلعة حلب الحقيقية..

العملاق في زمن العمالقة..

من الصعب أن يكون هناك أحدٌ مكانهُ..

فلو أتينا بإنسان من جمهورية الكونغو وأريناه صورته، لن يحتاج للكثير حتى يعرفه..

سيقول فوراً..

هذا صباح فخري..

شكلهُ..

اسمهُ..

كنيته..

طول قامته..

الرجل يجسّد كل صفاتهِ ببراعة ليكون هو نفسه!..

تلك الأيام كانت أيامهُ..

تلك الأيام كانت دافئة.. أيام لها رائحة يمكنك أن تشمها.. أيام مُختلفة بشكل يجعل إمكانية مقارنتها مع أي فترة ثانية محاولة باهتة..

باهتة كضوء مصباح يتدلى من سقف محطة قطار مهجورة..

تلك الفترة غير القابلة للمقارنة..

سوريا 2004..

تذكرني بكلمات الشاعر جون ملتون، صاحب الملحمة الشهيرة.. عندما قال:

«مهما كبرت.. سيبقى ذهنك حبيس فترة زمنية معينة، لن تستطيع أن تغادرها ولا أن تغادرك.»

أعتقد أنها سوريا 2004.

مهما كبرت..

ومشى عداد السنين متبختراً..

2010..

و2020..

و30..

و50..

وحتى 70.. إن كُتبت لنا أعماراً كثيرة..

لا أعتقد أن هناك فترة ستكون مثلها..

شبيهة أو تقترب؟ ربما..

لكنها ليست مثلها..

غريب كيف أن الإنسان يُسجن في حدود تواريخ معينة، ما هي إلا “مقولات زمنية” بلغة كانط. فالشمس لا تشرق، والأيام لا تأتي ولا تذهب، وليس هناك مفهوم ساعة ولا دقيقة أو ثانية.

كل هذه مقولات زمنية اخترعها الإنسان لكي يُقنن العالم من حوله..

كي يضبطه ضمن كلمات..

كلمات توصّف التكرار الرتيب اليومي لمجرياته..

غريب جداً كيف امتلكته هذه التوصيفات.. فأحبها.. وباتت تثير شجونه..

أحياناً..

وعندما تنتقل بين منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر، وهنا وهناك.. ستجد نبرة من العنصرية الجديدة التي تصفنا نحن بأننا لسنا عرباً.

وأن العرب هم أهل شبه الجزيرة فقط..

الباقي ليسوا كذلك..

هكذا هم..

بلا هوية..

وهنا لا بد من القول أن هذا الكلام خاطئ..

العربي أيها العزيز..

كانت له سمة ملاصقة لهُ تماماً أينما حل..

وهي أنهُ يرتحل..

يقف على الأطلال..

ليس لديه مكان ثابت..

تأتيه قافلة من الصعاليك فتحرق قبيلته وتمشي..

ليبقى وحيداً يرثي نفسه..

ويرثي المكان..

فيُنشد شعراً.. ويبكي دهراً..

لو طبقت هذا الكلام على عالمنا اليوم، لوجدت أننا عرباً مع شهادة الجودة والامتياز..

عرب مع مواصفات الآيزو..

ربما معهم حق.. صحيح، نحن لسنا عرب..

نحن عرب+، كوننا نقف على الأطلال أكثر من غيرنا..

دعني من حمضك النووي منقوص الاوكسجين..

ومن تتابع سلاسل النيكلوتيد لديك..

دعني قليلاً مما يوضع على الرأس من شماغ أو عمامة أو عقال..

نحن نقف على الأطلال..

دائماً نقف..

أما الآن..

فلم يعد هناك أحد..

ذهب حاتم علي.. ذهبت الأحلام الكبيرة معهُ.. وحتى تلك الصغيرة رحلت..

ذهب صباح فخري.. أخذ لؤلؤه المنضود ورحل.. كأنه بالون من الهيليوم، طار وارتفع بعيداً.. وغاب بين الغيوم..

باتت القاعة فارغة، كصالة أوبرا دخلها عامل النظافة بعد انتهاء سيمفونية عملاقة..

سيمفونية لا يدري شيئاً عن كنهها..

ليكون المكان خاوياً..

ثمّ..

ثم لم يبقَ أحد..

بات كل شيء موحشاً..

خالياً من الطيبين..

الآن تشعر بأنك عربي كأكثر من أي عربيٍ آخر..

*** إن سار الطيب في أرض تعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء..

لا تعطيه..

إلا دخان مداخنها.. ***

الكثير من الأطلال هنا وهناك، لتحتار على أية منها تقف..

هل تجازف؟

وتنضم إلى بيئة جديدة.. وقبيلة جديدة.. وعالم جديد لا صعاليك فيه؟

ربما..

الإنسان كائن صغير وهش..

ضعوه في سياقه..

وقارنوه مع مملكة الكائنات الحية بكاملها..

وستدركون مدى هشاشته..

للسلحفاة صندوق عظمي يحميها..

وللأسود بنية عضلية قوية لا تُضاهى أو تقارع..

وللطيور قدرة على التحليق تجعلها في مأمن حتى حين..

أما الإنسان..

فمنذ البداية كان الكائن العاري الضعيف..

ولذلك كان قد أدمن البناء..

وجد نفسه عارياً ضعيفاً، فأراد بناء العالم من حوله حتى يأمن..

ولعل من أسوء ما قد يمر عليه..

أن يعاصر تهدّم ذلك العالم من حوله..

أن يتهدم بفنهِ..

وبانتمائه..

وبرموزه الكبرى..

أن تتزاحم عليه هجمات البكاء، وتكثر طلبات الوقوف على الطلل ضمن صندوق الوارد عنده..

تغير العالم..

وتغير الإنسان..

وتغير كل شيء..

أما الثابت الوحيد الذي نعرفهُ..

هو أننا عرباً..

تريد الدليل؟

نحنُ نقف على الأطلال كثيراً..

أكثر من غيرنا حتى..

التصنيفات
فكر

عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!

ما إن تفتح حديثاً مع أحدهم وتأتي سيرة كلب ما، أو حمار وبغل في السياق.. حتى يعاجلك بعبارة: “محشوم”.. “الله يعزك”.. “أنت أكبر قدر”. وغيرها من مصطلحات التنزيه والحشمة.

لكن لماذا؟

لماذا كلب.. الله يعزك؟ لماذا حمار.. محشوم؟ لماذا بغل.. أنت أكبر قدر؟

هذه الحيوانات مِن أكثر الكائنات التي خدمت الإنسان عبر الزمن.. بدءًا من تدجينهُ لها وامتهانه الزراعة قبل 12 ألف سنة وإلى الآن..

ملاحظة جانبية: البغال من الحيوانات القليلة التي تقوم بفعل الانتحار.. فعندما تُحمَّل بكميات هائلة من الأوزان خصوصاً في الجبال، تقوم برمي نفسها من الأعلى وتنهي حياتها..

فهو يحمل النقائل الشديدة على البغال في الجبال.. والكلاب هي مَن يحرس أغنامه. والحمار هو مَن يركب عليه في الطرق الطويلة التي تحتاج لكائن لا يتكلم ولا يشتكي؛ وهو ما يُرضي الميول السادية لدى الكائن العقل!

بعدها.. تقول أنت أكبر قدر؟
لماذا؟

لماذا يحتقر الإنسان ما هو أدنى منه ويحب مَن يدوس عليه؟

هذه الحيوانات جميلة..

وليست هي “أنت أكبر قدر”!

هناك كائن آخر يجب أن نقول بجانبه أنت أكبر قدر ومحشوم والله يعزكم جميعاً.

الكائن الذي يدعي امتلاك العقل..

لكنه في كل مكان ينزل فيه يكون غير عاقل..

يكون قاتلاً..

يحترف السوء..

يشحذ سكينهُ شاهراً إياها في وجوه الناس الضعفاء..

وهي حالة مستغربة جداً لدى جميع الكائنات الحية..

المعروف أن الكائنات تقتل بدافع الغريزة والحماية..

أما الإنسان..

فهو يقتل في سبيل أن يشعر بالرضا والسعادة والتشفي!

وهو لا يقتل كائناً آخراً فحسب -رغم أنه لا يوفره قطعاً!- إنما يقتل بدافع اللذة!

لذلك استغرب آينشتاين مِن غباء هذا الكائن قائلاً:

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعلَ الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!».

فكّر معي لبرهة..

العالم يحتوي آلاف مِن الرؤوس الهيدروجينية وليس النووية حتى..

هذه الرؤوس لمَن موجهة!

لنصدق ادعاءات الردع وتوازن القوى وحق الدفاع عن النفس وغيرها من الكلام الفارغ..

ودعنا نشطّ في خيالنا كثيراً..

لمَن توجّه هذه الأسلحة؟

أليس للإنسان نفسه؟

الفئران اجتمعوا يا صديقي..

الفئران اخترعوا مصيدة الفئران الخاصة بهم..

الفئران في انتظار وصول البرابرة فقط!

وهم سيصلون.. هذه خلاصة نظريات جُل المفكرين ومستشرفي المستقبل.

طال الزمن أو قصر..

سيصلون..

وبعدها..

ارتقب يوم تأتيك السماء بدخانٍ نووي مُبين!

وحتى مجيء ذلك العالم.. لا بد من الحديث عن الأفغان.. مقبرة الامبراطوريات المزيفة التي يقودها مجموعة من المهزومون؛ مجموعة من الفرسان بلا جواد!

في حالة غريبة من وهم الانتصارات..

ومن الربح الزائف..

ومن مخادعة النفس..

فكثرة المعارك تشحذ النِصال.. لكنها تقتل الفارس!

فأي انتصارات تلك التي تحدث في مكان يكون فيه الإنسان نفسهُ مهزوماً!

هناك فرق بين البساطة والعفوية.. وبين الإنسان المهزوم.

تأمّل حال وصورة أي إنسان أفغاني وستجد عناوين الهزيمة حاضرة بكل تفاصيلها.

لا يعنينا التقدم على الأرض..

ولا حالة الخرائط..

ولا مَن يفتح ويقود.. ويكر ويفر..

الناس هناك مهزومون..

الناس هناك مُتعبون..

وربما أفضل ما قد يحصل لهم وينعشهم.. هو أحدٌ ما يأتي إليهم بخطط تنمية اقتصادية.

ومشاريع بنية تحتية..

هؤلاء الناس لا يحتاجون لسماء..

لا يحتاجون لجنة..

لا يحتاجون لدبابات..

ولا إلى قوى كبرى داعمة..

هؤلاء يحتاجون طعام..

ويمكنك أن تأخذها قاعدة مِن الآن وحتى تموت، مقولة كارل ماركس الخالدة: «تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام».

الإنسان في سبيل جوعه يحرق كل شيء!

لكنه.. وحتى موعد حصولهِ على وجبته التالية..

تحركه الأوهام الزائفة.. كما التائه وسط الصحراء، يخدعه سراب الوجود.. مُحاولاً تصديق أي شيء على أنه ماء!

ليأتي الاتحاد السوفيتي ويقول -لهؤلاء الجائعون- الحل عندنا!

تعالوا واعتنقوا الشيوعية وستشبعوا!

يخرج السوفييت..

ليأتي بعدها الأمريكان ويقولوا: الحل عندنا.. الحل هو السوق الحرة!

خصخصوا كل شيء وخوضوا المنافسة مع العالم وستربحوا!

ليخرج بعدها الأمريكان..

ليأتي بعدها المتطرفون.. ويقولوا: الحل هو الدين! فقط آمنوا وتوكلوا!

وستجدوا موائد الرحمن قد نزلت لتطعمكم!

كلهم كاذبون.. كلهم فاشلون.. كلهم يدعون أنهم فرسان الحق والله والعلم ومشاريع التنمية الاقتصادية..

كلهم يركبون جواداً وهمياً..

فرسان مزيفون..

لا أحد معهُ الحل..

الحل هو أن يتركوهم وشأنهم!

هؤلاء القوم يقاتلون ويُقاتل في أرضهم منذ حوالي 50 سنة!

هؤلاء قومٌ متعبون..

اجمعوا كل خردتكم المعدنيّة..

اخرجوا كل الأسلحة..

دعوا هؤلاء الناس وحدهم..

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة النظرية السياسية الأدق لهم، والإطار الاجتماعي الأفضل.. وكيف يجب تُدار عجلة الاقتصاد لديهم..

ما أعرفه أنهم قومٌ مُرهَقون..

دولة حبيسة..

تحيطها الامبراطوريات الكاسرة من كل الجوانب.. وتسعى كل واحدة منهم لأخذ حصتها عندهم..

لا يحتقر الكائن العاقل الحديث الذي يسكن المدن، فقط الحيوانات..

بل يحتقر الإنسان الآخر أيضاً..

الإنسان المخالف له..

أولئك البسطاء..

أولئك المزارعون..

ويرى أن مبادئه الفكرية تصلح للجميع ويجب نشرها..

دعوا هؤلاء الناس وشأنهم واخرجوا جميعاً..

لا يمكن للسوفييت تحويل حياة الأفغان لنعيم من خلال الشيوعية الاقتصادية!

لا يمكن للأمريكان وسوقهم الحرة تحويل حياتهم لنعمة من خلال الخصخصة والمنافسة مع الحيتان المحيطة بهم!

لا يمكن لخريجي المدارس الدينية الذهاب للجنة من خلال تحويل حياة هؤلاء البسطاء إلى جحيم!

طريق الله لا يمر عبر رؤوس العباد يا عزيزي!

وإن ظننت العكس، فاحذر وراجع نفسك.. وتساءل: ما هي نوعية الإله الذي تعبده؟

ما أعرفه من كل ما سبق وما يحصل حالياً، أن الإنسان كائن سيء..

منذ البداية كان هكذا..

عندما قال الله، إني أعلم ما لا تعلمون..

هذا الإنسان يحتقر ما دونه؛ رغم خدمتهم له!

ويحب من فوقه؛ رغم أنهم يدوسون عليه!

ليس كلب، الله يعزك! ولا حمار.. ولا بغل.. هؤلاء حيوانات لا شأن لها في وساخة هذا العالم..

دائماً كان إنسان، الله يعزك!

دائماً كان السوء في الإنسان..

الإنسان أنت أكبر قدر!

التصنيفات
عام

جماعات جنس المولود.. كم أتمنى لهم إجهاضاً موفقاً!

أعي أن الكلام على هذا النمط يعتبر عيب.. وغير أخلاقي، وسيء ويصنف تحت مظلة قلة الذوق والأدب.. لكن لا أعرف لماذا!

عندما أشاهد فيديوهات مِن هذا النمط.. أولئك الذي يضعون صور أجنتهم وأجناسهم على الأهرامات والأبراج وناطحات السحاب.. ويتظاهرون بالاندهاش والصدمة في حالة مكشوفة جداً مِن التمثيل.. لا أعرف لمَ آخذ نظرة سلبية عن هؤلاء الناس.

وأصنفهم تحت خانة مُحدثي النعم..

يمكن تشبيه هكذا حالات، لذلك الغني المترف الذي قد تصادفه في زيارة إحدى العائلات أو الاجتماعات. فيكون جالساً مع مجموعة من الفقراء أو بسطاء الناس. فيبدأ بالتشدق حينها.. بأنه يأكل أفضل الطعام، ويكسب من عمله الملايين. وما إلى هنالك من قلة الأدب الاجتماعية هذه..

لا تتحدث عن ملايينك عندما تكون بين البسطاء!

لا تتحدث عن صحتك المتينة، عندما يكون مَن بجانبك مريض!

هذهِ أبسط درجات الذوق العام!

وبيني وبين نفسي..

وفي جزء داخلي عميق جداً..

جزء راسكولينكوفي، ينبثق مِن الجريمة والعقاب..

أجدهُ يقول.. أتمنى أن يُجهض الطفل ولا تكتمل فرحتهم!

وهنا لا أقصد أحداً بعينه.. إنما كل من يحملون هذه الأفكار.. فالناس يتميزون بإنجازاتهم.. كما يفعل أبطال أولمبياد طوكيو.. لكن فيما يكونوا فيه تافهين، فغالباً هم سيّان دائماً. التفاهة لا تميز أحداً.. هي بوتقة ينصهر الجميع بداخلها.. فيذوبوا..

حسناً حسناً..

صدقوني لو حدث ذلك -إجهاض الطفل- لا تستبعدوا أن يقوموا بإضاءة الاهرامات والابراج وساعة بيغ بن في لندن باللون الأسود!

لا مكان للحزن في عالم الانتباه اليوم..

الجميع جوعى انتباه.. يريدون شد النظر ولو بأي ثمن!

يريد لفت الانتباه، ولو على حساب تسليب الصورة وذبحها!

نحن في عالم فارغ..

عالمٌ سائل.. مشاعره سائلة.. ضحكاته مزيفة.. مشاعر الحزن والسعادة كلها مبتذلة..

أبطالهُ فارغون..

مشاهيرهُ فارغون..

عالمٌ أفضل ما يمكنك فعلهُ فيه، أن تغسل يدك منه..

عالمٌ نجومه هم الفنانون والشخصيات التي لا قيمة لها.. وهنا كنت دائماً أستغرب؟

لماذا يطلق على الفنان لقب نجم؟

هو فنان.. نعم..

ممثل.. نعم..

لاعب كرة قدم.. نعم!

لكن أن تقول عنه نجم.. حطّ كثيراً من شأن هذه الكلمة ذات القيمة الكبيرة!

ربما بدلاً من ذلك، يجب أن تستخدم هذه الكلمة للإشارة للأب والأم.. والدائرة القيمة لدى كل إنسان.. فمثلاً يُقال:

توفيت نجمة الطالب الفلاني.. أي توفيت والدته.

وتوفي نجم السيد فلان.. أي توفي أباه.

لكن ليس لتلك الشخصيات المائعة جائعة الانتباه.. هؤلاء ليسوا نجوم. هؤلاء وجوم قد يكون كثيراً عليهم!

العالم فيه من المآسي ما يجعلك تعكف عن الاحتفال بأي شيء صدقني.. عندما ترى أخبار حرائق البلدان ومجاعتهم وسوء أحوالهم.. تستحي من إظهار الفرحة بشؤونك الشخصية.. وإن أردت إظهارها، فلتفعلها على استحياء ضمن وسطك الضيق العائلي الحميم..

عودةً إلى كل أولئك اليوتيوبريون ثقلاء الظل كُثراء المتابعين أودّ القول..

لكم الحق في الإعلان عن لحظات سعادتكم.. لكن لنا الحق أيضاً أن نطالب برؤية لحظات تعاستكم!

ففي هذا العالم هناك قسمان..

قسمٌ مسحوق.. وقسم يعيش في الأعلى..

وكما عودتنا الشُحن الكهربائية.. بأن الموجب يعشق التواجد مع السالب، ويتنافر مع مشابهه الموجب.. فإن مكوثناً معكم سيكون طويلاً..

لأن العالم يحب هذه الحالة الشديدة من التناقض والتنافر..

لذلك نطالب بلحظات ألمكم كما تجعلون نرى لحظات سعادتكم..

مَن يدري ربما يستجيبون؟

ويرفعون لنا فيديو.. أو حالة.. وستوري.. عن دموعهم وهي تنزل وكيف يبكون..

ويضعون لنا فيديو جديد على اليوتيوب، ليقولوا فيه..

لقد ماتت أمي اليوم.. ضعوا لايك واشتركوا في القناة واعملوا سبسكرايب!

مات أبي..

مات ولدي..

اعملوا سبسكرايب، حتى تصلكم آخر أخبار الوفاة.. وتذكروا أني حزين وبائس وأبكي وتنهمر دموعي.. كما وضعت في الستوري على الانستغرام.. لم تروها؟

إذاً اذهبوا وشاهدوها!

في عالم الانتباه لا قيمة لمشاعرك.. ولا لحزنك.

مشاعرك قيمة فقط عندما تأتي بالمشاهدات ويكون لها متابعين..

عدا ذلك كل المشاعر خاوية..

بدءاً من فقد الأولاد، وحتى الجنود الذين يسقطون في الحروب ولا يدري بهم أحدا..

لم يعد لهذهِ الأشياء معنى..

قدرنا أن نعيش في هذه المرحلة..

مرحلة الاغتراب..

نحنُ في عالم السيولة..

عالمٌ قد بات خاوياً..

أو كما قالها غسان كنفاني منذ زمن بعيد.. عالمٌ ليس لنا!

التصنيفات
عام

أن تكون النحّات والصخرة معاً!

الجامعة بشعة.. ولا أحد يُحب الجلوس لساعات مُطوّلة مُقلّباً الصفحات، دارساً السطور..

القراءة عملية مُرهقة وتحتاج لوقت فراغ.. لا سيما عندما تتمرس بها، فتتطلب منك الكثير من الإجهاد والتفكير والحملقة في جدران المنزل..

الذهاب للنادي والتمرّن بشكل يومي أمر مُتعب.. هو تحطيم للألياف العضلية بشكل فيزيائي حقيقي.. كيف يكون شيئاً جميلاً؟

أن تكون لطيفاً مع الجميع.. إرهاقٌ نفسيٌ بحق. وقد يضر بك على المدى البعيد..

وهلم جراً على هكذا أمثلة، مِن مفاهيم الألم والبؤس.. إلا أن لجوردن بيترسون -طبيب النفس الكندي الشهير- رؤيا أخرى يُلخصها بالقول:

«لا يطلب غالبية البشر السعادة، إنما يرغبون بحياة فيها مِن المعاني ما يُبرر الآلام فقط!».

بمعنى.. لا أحد يرفض الألم، على العكس ربما يحبونه حتى.. كونه هو الحالة الأساسية الافتراضية الـ Default للإنسان، كما أنشد أبو نواس شعرهُ قائلاً: تعجبينَ مِن سقمي! صحتي هي العَجبُ!

إنما يرفضون الألم غير المُبرر؛ ذلك الذي يكون بلا داعٍ.. دون سبب أو نتيجة!

فالجامعة يزول همها وألمها لتبقى الشهادة! فتُعينك -ولو قليلاً- على الانخراط في سوق العمل!

وعندما تمنحك القراءة فكراً مُستنيراً، تتلاشى ساعات الإجهاد الطويلة من الحملقة في سطور الكتب!

وفي اللحظة التي تحصل بها على جسم صحي يَشدُّ أزرك مواجهاً إرهاصات الحياة، لا يبقى لإرهاق النادي والتمرين معنى!

وعندما يحبك الجميع وتكون خفيفاً كأنك ورقة صفاف على جدول من الماء العذب، تنساب بهدوء.. يصبح عدم الخوض في جدالات الناس ومهاتراتهم أمراً مهماً!

حينها تتبخر كل الآلام السابقة، وتذوب كأنها بالون من الهيليوم، طار وارتفع بين الغيوم، ثم انزوى وغاب في الأفق..

فالإنسان بحاجة لهذا المفهوم ويَنشدُه ضمنياً، إلا أنه يستحي مِن المُجاهرة بهِ، كحُب المراهقين الخجول..

فالألم هو وجه العملة الآخر للمعنى، أن تكون بلا آلام يعني أنك كتحصيل حاصل بلا معاني، بلا أية مساعي..

وكأنك سفينة بالمرفأ.. مُرتاحة؟ نعم. لكن ليس لكي ترسو خُلقت السفنُ!

حينها لا معنى لوجودها أساساً!

الألم موجود.. نشعر به ويشعر بنا.. يطلبنا بعنف، ونطلبهُ على استحياء.. يعود كل ذلك إلى إنسانية الإنسان، حينها تتضاعف المعايير، ليكون هو الصخرة والنحات معاً! أنتَ الناحت والمنحوت به.. هو جزءٌ مِن تركيبنا. واستشعاره مجرد دليل على تحركاته التي تحصل، كحركة الجنين في بطن أمّه، حركته دليل المعاني؛ تلك التي تستعد كي تطفو على السطح! وتظهر..

من ناحية أخرى.. لا بد من القول أنّ إنسان العصر الحديث أصبح ناعماً جداً ومرهف الأحاسيس، لدرجة أنه يقضم حبة العنب على ست دفعات من شدة لطافته ورهافة كيانه. وهذا خاطئ..

أو ليس خاطئاً، بقدر ما هو غير طبيعي، لا يتناسب مع طبيعة الإنسان نفسها..

جميعنا درسنا منذ الصف الأول أن هناك نوعين فقط من الخلايا.. خلايا نباتية / خلايا حيوانية.

الإنسان ينتمي للصنف الثاني، ففي النهاية هو كائن طبيعي. يتحرك بقوانينها وينضبط بإيقاع عقاربها.

حينها لا يمكن للكائن العاقل أن يتصرف بنعومة مفرطة.. عندما يدخل الأرنب الغابة لا بد أن يتصرف كأسد.. سلوك الأرانب وسط الثيران والفهود والنمور لا يسوى قشرة بصلة..

فعلى الإنسان أحياناً أن يكون خشناً، ليس لا أخلاقياً أو سيئاً، لكن أن يملك أدنى مقومات الفهم التي تؤهلهُ لإدراك صعوبة الحياة، وأن النعم لا تدوم، ولا بد من أن تخشوشن قليلاً!

فسلوك قضم حبة العنب على ست دفعات لا ينفع في غابة الحياة هذه..

«الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها، فإذا أفلح المرء في ذلك، صار لا يفاجئه شيء، ليغدو سامياً فوق كل ما يحصل، ويصير تلك الضحية التي لا تقهر!» -رسول العدم، اِميل سيوران.

رحم الله الجواهري حينما قال، لم يبقَ عندي ما يبتزهُ الألمُ! لكن الآن الوضع تغيّر، ولم يعد استجداء الحزن أمراً جيداً، فهي طبيعة الحياة أن تكون هكذا؛ مخلوقاً في كَبَد! فوقوع الألم أمر محتوم، المهم أن تعي مُسبقاً أهمية حدوثه وأنه هو الافتراض أساساً.

حينها سيبقى عندك الكثير لكي يبتزهُ الألم! والمواجهة لن تنتهي مِن الشوط الأوّل أبداً..

وكما قال أحد الصالحين، لا تدعو الله أن يهبك ألماً أقل، إنما أن يعطيك ظهراً قوياً، حينها لن يضرك ثقل هذا العالم وكثرة أعبائه! على العكس، ربما تغدو قوياً لدرجة أنك تصبح حمّالاً للآلام..

تحمل آلام الناس الآخرين، وتخففها عنهم.. مَن يدري؟ ماذا لو كنا أقوى مما نعتقد بكثير؟

كعروة بن الزبير مثلاً..

الذي فقد ابنه في طريق السفر، ومن ثم أصيبت قدمهُ فاضطر إلى قطعها، ليرفع يديه إلى السماء ويقول..

اللهم لك الحمد.. كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فاللهم لك الحمد! فلئن أخذت فلقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما آخذت وعلى ما عافيت، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوءٍ قط..

أترون؟

هذا ليس ألم.. إنما آلام!

لك عندما يكون هناك ظهراً كبيراً تستند عليه، أليس ذلك بكافٍ حينها؟..

الحياة منذ بدايتها هكذا.. منذ اللحظة الأولى، ألم الولادة والانسلاخ من الكيس الأمنيوسي الجميل داخل بطن الأم.. وحتى ألم الموت والنزول في بطن الأرض. فنحن بين البطون نتدرّج ونلهو..

كان بالإمكان أن تبقى.. دافئاً شارباً نائماً، في أقصى درجات الإشباع..

لكن ليس لهذا خُلقت السفنُ..

الإنسان كالعنقاء، يُولد في اللهيب..

في اللحظة التي يموت بها، يُبعث مُجدداً..

مِن الصعب أن يموت الإنسان.. يمكن أن يقتلوا فيهِ كل شيء إلا روحهُ! وصدق مَن قال.. هاك إنسانٌ مُترفٌ في قصر ينتحر، وهاك إنسانٌ آخر في كوخ بسيط يعيش أجمل أيام حياته! الفارق بينهما كان أن الأول روحهُ مُمزقة، في حين أن الثاني يسند ظهره على قوّة كبرى!

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب ظهراً أقوى..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب معاني أكثر..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب كوب قهوة واستعد لجولة جديدة قادمة..

الدراسة عمرها لم تكن عملية جميلة.. والقراءة شيء مُمل يحتاج هدراً كبيراً للوقت.. والعمل مزعج ومرهق.. لكن هذه الأمور تقع في كفة الميزان المقابلة للمعاني. تسديد حساب لا بُد منه، كما تشتري البقالة وتُحاسب، شراءك المعاني، لا بُد أن يُدفع بعملة الألم!

وما حركتها إلا دليل على أن هذا الإنسان حي.. فكل شيء يتحرك. بدءًا من عقارب الساعة وحتى خلايا الإنسان نفسه..

فلو جرحت يدك، لانطلقت فيالق من الخلايا المناعية لمنطقة الجرح لتخوض اشتباكات عنيفة مع الميكروبات والالتهاب الحاصل..

ماذا لو تلك الخلايا لم تتحرك؟ ماذا لو شعرت بالكسل؟ ماذا لو كان لديها اتصال هاتفي مُهم ولم تأتِ؟

حينها “لا تنتظرها” فلن تأتِ!

كل شيء يتحرك..

وحركته دليل حيويته ونبض الروح فيه..

لذلك الإغريق القدماء أطلقوا على الرب لقب المحرك الأول.. لأن كل شيء حركة، فلا بد من مطلق أول لشرارة الحركة تلك.. فهو الثابت الأول! الثابت الذي لا يتحرك! لكنه يُحرك كل شيء!

ولهذا طقوس الحج..

والصلوات..

والذكر..

وحتى الرقص..

وكل شيء روحاني آخر..

كانت حركة..

كانت انسجاماً مع إيقاع هذه الموجة الكونيّة!

لا تطلب السعادة.. اطلب حياتاً فيها من المعاني ما يُبرر الآلام!.. لا تطلب ألماً أقل، اطلب ظهراً أقوى!.. وقل دائماً أنه بقي الكثير كي يبتزهُ الألمُ! ورحمة الله عليك يا جواهري!

هناك صعوبة.. نعم..

إذ أنت النحّات والصخرة معاً، ومن الصعب للإنسان أن يتحرك بهذه السهولة!

لكنه يستحق..

ولهذا كان الجنس السائد على ظهر هذا الكوكب الصغير..

الكائن الذي استطاع أن يفهم كل شيء..

ليس فقط هكذا..

استطاع أن يُغيّر كل شيء..

بدءًا من جريان الأنهار وحرارة الشمس، وحتى أصغر ما فيه..

ولا يوجد فشل، أكبر من أن يُغيّر ما حوله، وينسى أن يُغيّر نفسه!

فماذا ستجني؟ وماذا ستكسب؟

لو ربحت العالم وخسرت نفسك؟..

اقرأ أيضاً: الرابح يبقى وحيداً

التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!