التصنيفات
عام

الأمل عملٌ شاق

«قالت وقد سلخَ ابتسامتها الأسى، صدقَ الذي قالَ الحياة غرور. أكذا نموت وتنقضي أحلامنا. في لحظةٍ وإلى التراب نصير» إيليا أبو ماضي

«الأمل عملٌ شاق»

لم يخطئ الإغريق القدماء عندما سمّوا الأمل بشر الشرور. إذ نادرًا ما نرى فيلسوفًا -يونانيًا أو مُحدثًا- كان قد آمن بأن الحياة جميلة ورغيدة. ولم يذنب محمود درويش عندما أطلق تركيبة «لدغة الأمل الجريح» ليُشير بها إلى أن الأمل أقرب ما يكون لعضّة أفعى توهمنا أحيانًا بأن القادم أفضل. فتكون عندها حالة استثنائية مَرضيّة قد أصابتنا وليست توجّهًا طبيعيًا.

وليس ببعيد عن تشاؤم الفلسفات وتوجّس الإغريق من البهجة، نجد أن الأديان قد أدلت بدلوها أيضًا، لتفهمنا أن هذه الحياة مقر اختبار ولا رفاهية لك فيها إلا بعد النجاح. أي أنه لا سعادة هنا أيضًا، وما الأمل إلا ملوّنات شخصيّة يرشقها كل فرد منا على حياته ليُعطيها بعض أشكال الفرح والغِبطة.

لكن لو أردنا تجاهل كل ما سبق والنظر إلى النصف الممتلئ من كأس الحياة المهترئ. لماذا نشعر بصعوبة؟ لماذا الأمل عمل مُجهد إلى هذا الحد؟ تكمن إجابة هذا السؤال في قصتين، أولهما بطلها النبي يوسف. أما الثانية فمخرجها هو العبقري كريستوفر نولان. وكلتاهما تعرضان الفكرة ذاتها.

تتحدث قصة النبي يوسف التوراتية الموصوفة بأنها أحسن القصص على الأطلاق، عن معنى أبعد من الهيكل الظاهري الواضح بكثير. إذ تساهم بكسر نمط لطالما امتهنته القصص الأخرى، فعلى العكس من بقية الأنبياء الذين تقوم معاجزهم على خرق فيزيائي واضح لقوانين الطبيعة بحيث يكون الهدف نوعًا من الإبهار البصري، تقوم قصة يوسف على فعل تراكمي يتطوّر باستمرار، فعل يتعدّى حدود اللحظة الحالية بل يُضحي بها لأجل إعطاء فكرة عامة شديدة العمق في النهاية.

فأنت مهما اجتهدت لن تستطيع أن تشق بحرًا. ومهما بلغت قوتك لن تحوّل العصا لأفعى. ومهما تعلمت الغوص فلن تبقى حيًا في بطن الحوت. لكن مع يوسف يحدث العكس تمامًا. قصة يوسف تشكّل نموذج معياري يمكن الوصول إليه. صعب وعالي بعض الشيء، نعم. لكنه قابل للتطبيق. وهذا هو مفتاح أهميتها ونقطة تفرّدها.

ما هو الأسوأ من شعور الفقدان التام الأمل؟ الأسوأ هو وجوده. أن يكون هناك ضوء تراه في نهاية الممر.

نعود بالزمن قليلاً إلى فيلم باتمان «The Dark Knight Rises» عندما تم الحديث عن كيفية صناعة الوحش «بين Bane» وكيف تم إلقاءه في السجن. ذلك بعد أن دخل باتمان نفسه إلى ذات المكان وعانى فيه ما عانى. في نص الحوار السينمائي، كان هناك تساؤل يطرحه أحدهم عن لماذا كان ذلك السجن من أسوء طرق التعذيب الممكن خوضها. هل بالإمكان أن نجيب هنا عن ذلك التساؤل؟

نفس ما ورد في الفيلم تمامًا. أن ذلك السجن يحوي الأمل! ذلك السجن كان يحوي في أعلاه فتحة ضخمة يرون من خلالها النور. كما في بئر يوسف تمامًا، نفس آلية التعذيب. آلية وجود أمل واحتمال قدوم أحدهم.

في الحقيقة، لا يوجد أجمل من شعور الفقدان التام للأمل، على الأقل تعلم ما أنت مُقبل عليه. مثلاً تدخل لغرفة العمليات فيقول لك الطبيب احتمال نجاح العملية 0% أنت ستموت! رائع جدًا! على الأقل أنا سأعرف لأين أمضي. أما الصعب والقاتل أن يقول لك الطبيب هناك احتمال نجاح للعملية 5% فيكون هناك أمل. عندها لا تدري ما تفعل، هل تستسلم للاحتمال الأكبر وتمضي مُتجاهلًا وجود بارقة في النجاة. أم تصب تركيزك على احتمال ضئيل لا تعلم مدى نجاحه مُستدعيًا بذلك كل عبارات التحفيز والاقناع والاقبال على الحياة.

ربما وجود الأمل في أمور بسيطة شيء لطيف (أمل أن تنال درجة مدرسيّة وجامعيّة عالية، أمل أن تسافر، أمل أن تأكل وجبة لذيذة… الخ من نماذج الأمل المعتمدة على إفراز الدوبامين، فيكون الفرح ما هو إلا استجابة كيميائية) لكن هنا الأمل لم يكن جميلاً أبدًا. الأمل هنا كان أداة تعذيب يا صديقي. كان الأمل سجنًا.

من جانبٍ آخر، يصب الأمل في كونه ملوّنًا للحياة وبهارًا لبؤسها. وهو ما تُشير إليه مصطلحات علم النفس بما يعرف بـ: «واقعيّة الاكتئاب Depressive Realism». ولشرحها لا بد من الوقوف على المثال التالي.

هل صدف أن حضرتَ واقعة وقصة معينة أنت وصديق ما؟ ثم رأيت أن صديقك يحكي هذه القصة لأحد آخر. إلا أنه يرويها بطريقة مُختلفة تمامًا وكأنك لم تحضرها فتقول في سرك: تبًا كم يكذب هذا الوغد وأنا كنت معه! في الحقيقة، هو لا يكذب هو يُضيف نعم بهارات لتحسين القصة لكنه في الحقيقة لا يكذب وأنت لا تكذب، الفرق أن كلاكما تريان القصة من منظور مختلف.

ناقشت أحد الدراسات اللطيفة شبيه هذا الأمر، إذ عرّضت مجموعة من المتطوعين لقصة واحدة. ومن ثم طُلبَ منهم أن يقوموا بحكاية هذه القصة لأناس آخرين على انفراد. الطريف في الموضوع أن القصص التي نُقلت كانت جميعها مُختلفة في جزئياتها فكل منهم كان يروي القصة بتفاصيل معينة مع إهمال تفاصيل أخرى. فلا أحد هنا يغش، إنما عقل كل منهم والإنسان بشكل عام يركّز على تفاصيل معينة تعتمد على خلفية كل فرد وإطاره الفكري.

«لكَ أن تتخيل إذًا عندما تروى القصة شفهيًا لجيل آخر ثم الجيل الذي يليه يرويها للذي بعده ثم للذي بعده. من الطبيعي في النهاية أن تجد قصة مُختلفة تمامًا عن القصة الأولى. وهذا ما يدفع بالمناهج العلمية الحديثة في التاريخ على سبيل المثال لاعتماد الدليل الأركيولوجي فقط واستبعاد الدليل الشفهي والقصصي كونهُ لا ميزان للدقة له».

لنفترض مثلًا وجود تجمع جماهيري من الناس. وعلى سطح بناء مُطل على هذا التجمّع يجلس مصوّر ومصمم أزياء ورجل أعمال. سنجد جميعًا أن مصمم الأزياء يدقق على ما يلبسه هؤلاء الناس ويندهش من ألوانهم الفاقعة، أما المصوّر فيرى في تجمعهم فرصة لالتقاط صورة من زاوية لا تتكرر. ورجل الأعمال بإمكانه أن يستغلهم ويرشقهم بإعلانات لمنتجه الذي يريد بيعه صانعًا منهم مستهلكين، فينزل مثلًا إليهم ويقوم ببيعهم عبوات مياه ليبرد عطشهم. وهكذا. إذ يرى الجميع أي مشهد أو فكرة أو موضوع اعتمادًا على خلفيّتهم السابقة وإطارهم الفكري القادمين منه.

الآن نعود لمفهوم واقعية الاكتئاب. وهو يشير إلى أن المصابين بالاكتئاب عرضة لرؤية العالم كما هو بشكل موضوعي حيادي. بينما «المُصابين بمرض الأمل» يرون العالم دائمًا من خلفياتهم الجميلة اللطيفة التي تحتّم عليهم التطلّع للغد والنظر نحو النصف الممتلئ من الكأس، والتي غالبًا ما ستهتز عندما يأتي أوّل وباء أو حرب أو مجاعة. ولعلَ هذا ما دفع الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين لتكون المَولد الرئيس لفلسفات البؤس والعبث والتشاؤم. كونَ الأمل في تلك الفترة كان غائبًا عن الوعي.

«أكثر الناس شجاعةً يعانون من أكثر المآسي ألمًا، وهذا هو تحديدًا سبب إعطائهم الحياة قيمة كبيرة. لأنهم يواجهون الحياة وهي مُدججة بأكثر أسلحتها رعبًا». فريدريك نيتشه

حقكَ إن أردت أن تصادق أحدًا أن تختاره سعيدًا مُبتهجًا، وإن أردت أن تتزوج شخصًا فلا بد لذلك الإنسان أن يكون مُقبلًا على الحياة مُهتمًا بها. حقكم إن أردتم سماعَ حديث أقربائكم أن يكون للأخبار المفرحة أولوية بينما التعيسة في ذيل القائمة ولا تحبيذ للخوض الكثير بها لأنها تجلب البؤس. هذه السلوكيات مُحقة وعادلة ولعلها هي الأسلم والأكثر تكيفًا.

لكن الإطار العام – هنا يجب أن نوجه شكر للمجاعات والحروب والأوبئة لأنها تذكرنا بهذا دائمًا – يفرض أن الأمل والسعادة هي ملوّنات يرشق كل منا حياته بها وأن الحالة في صلبها الموضوعي لا تحتمل فقط الجانب السعيد الإيجابي بل هناك السيء السلبي، فالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس لا يُلغي أبدًا النصف الفارغ بل يفصل صاحبه أحيانًا عن الواقع لدرجة أن يصبح أشبه بما يمكن تسميته بـ «صيّاد أمل» أو «بائع أمل».

نعم، الأمل في غالبه اختيار موفق وإضافة جميلة. إلا أنها تكون لدى البعض رفاهية شديدة، رفاهية ليست بتلك السهولة. خصوصًا إن كنت تجلس في بئر يتمثلُ إليك الأمل فيه على شكل نافذة تراها يوميًا دون أن تستطيع إليها وصولا. عندها لن يكون الأمل إيجابيًا، بل سيكون أمرًا بشعًا، سيكون أداة تعذيب من القرون الوسطى، سيكون سجنًا نازيًا تُحرق فيه يوميًا، سيكون الأمل حينها عملًا شاقًا جدًا.

اقرأ أيضاً: فن الخسارة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *