التصنيفات
عام

بدأ العالم يتقيّأ

«مَن لم يقرأ التاريخ محكوم عليه تكرار مآسيه». جورج سانتايانا

نظرةٌ إلى الولايات المتحدة، تعقبها أخرى إلى الصين وخاصرتها هونغ كونغ، تليها واحدة إلى كوريا الشمالية، ومن ثم النظرة الكبيرة إلى منطقتنا الجميلة التي لا تزال مُشتعلة منذ فجر الثورة الزراعية -12 ألف سنة ماضية- وإلى الآن. ألا وهي منطقة «الشرج الأوسط». لا تجعلنا نعتقد كل هذه النظرات سوى أن العالم دخلَ في مرحلة نهائية يصح أن نسميها بمرحلة «القيء». وأن دورة تاريخيّة على وشك أن تكتمل ومرحلة زمنية على مشارف أن تنقضي.

تتلخّص هذه الإرهاصات الحادثة بأن المرض الذي لطالما اعتملَ في الداخل قد بدأ يخرج من باطن الجسد ليظهر ويعوم على السطح. مثلًا، لطالما كانت العنصرية والتطرّف أمور موجودة إلا أن الفرق أنها مع التوجهات الحديثة -الليبرالية خصوصًا- أصبحت جرمًا كتصريح، أمرًا طبيعيًا كباطن تحتفظ به مع نفسك. في حالة أشبه لكتم صوت المريض أو معالجة أعراض مرض ما دون أن تعالج السبب الدافع لنشوئه. على العكس، ربما كبتها والحرمان منها قد عمّق الشرخ أكثر وزاد كثافتها.

أما الآن فالجميع صريح جدًا. ولا يمكننا سوى أن نشكر وسائل الإعلام في هذه العالم لا سيما تلك المنحازة لأطراف معينة، ولا أحتاج لوضع أمثلة هنا كونَ وسائل الإعلام العربيّة تضرب مثالاً ساطعًا في انعدام الموضوعية. هذه الصراحة الدانية من الوقاحة مُفيدة جدًا لأنها أخرجت المرض الذي في الداخل وسهّلت على المريض أن يتقيأ أمام الجميع. وجُل ما نراه يوميًا ما هو إلا عملية التقيؤ التي تجري.

ما الذي ينبغي علينا أن نفعله؟

لا شيء. لا شيء تمامًا. فقط يجب أن نترك هذا المريض يُخرج كل ما في داخله حتى تنتهي كل تلك الانقباضات العنيفة التي عملت في جوفه لمدة طويلة. يتقيأ ليخرج كل الأطعمة الملوثة التي خلطها مع بعضها دون أن يتساءل عن عاقبة فعله قبل أن ينفذه. دعوه يتقيأ فقط، يتقيأ ليخرج كل ما فيه، يتقيأ حتى يستريح.

«من لم يقرأ التاريخ محكوم عليه تكرار مآسيه» -جورج سانتايانا

تُشير النظرية الأبرز في التاريخ إلى أنه دائرة وأن الأحداث تُكرر بعضها. وأن كل شيء موجود كان ولم يزل. الفرق أنّ بطل القصة التاريخية يصدف أحيانًا ليكون جدك أو أباك أو أنت، إلا أن الحدث يبقى واحدًا عبر الأزمنة مع اختلاف المسميات والأمكنة فقط، فلا شيء جديد فيه. في الحقيقة ينبغي تسمية التاريخ بـ «العلم الكئيب» كونه يعلمك أن دراما الإنسان نفسها نفسها. فصراعاته لم تتغير وما زالت لنفس الأسباب وذات الأهداف والمكاسب والاطماع، منذ 12 ألف سنة وإلى الآن، فقط أسماء الأبطال ومواقعهم وألوان ملابسهم هي مَن تغيرت. أما الأحداث فهي ذاتها منذ أن رفع الكائن العاقل رأسه لأول مرة نحو السماء وإلى الآن.

فلو طبقنا النظرية الدائرية على مثال الإنسان الذي يتقيأ مُتمثلًا بواقعنا المعاصر، نستنتج أن الضرر الأكبر سيكون عمن سيمسح هذا القيء وينظفه. إذ عند فَراغ هذا العجوز المريض طاعن السن من اخراج ما في داخله من سموم لا بد لأحد أن يأتي لينظف ويبدأ من جديد على أرضية طازجة. ولعل هؤلاء هم أصحاب الأسماء البارزة التي تُحفظ في الكتب. إلا أن الدائرة سرعان ما تدور عليهم ليقعوا هم أيضًا كضحية.

إذ يكبر ذلك الذي نظفَ يومًا ليصبح هو العجوز. عندها يبدأ بالتقيؤ فيأتي من كان بعده لينظف ما فعله وهكذا. نفس الدورة تتكرر. الأشخاص فقط يختلفون. أما الأحداث هي هي.

كل ما نراه يوميًا ما هو إلا تشنّجات إنسان مريض بدأ يُخرج ما فيه، دعوه وشأنه، اتركوه، لينزع كل المرض الذي في داخله. بعدها سيستريح، سيجلس مرتاحاً، سيُندب بعض الأشخاص للتنظيف، ولعلهم سيكونون الأرفع أخلاقًا وفهمًا للواجب، حينها يبدأ عالم جديد، يبدأ إنسان سليم معافى.

لكن سرعان ما تدور عليه الدائرة أيضًا، إلا أننا على الأقل نكون قد سَعدنا لمدة لا بأس بها، ولعلَ هنا تكمن الحكمة في كون عمر الإنسان لا يتجاوز متوسطه 70 عامًا. لكي يرى دورة تاريخيّة واحدة لا أكثر. غير ذلك سيشهد تكرارية الأحداث الرتيبة ويستشعر مدى سخافة المأساة التي يعيشها.

4 تعليقات على “بدأ العالم يتقيّأ”

سبحان الله ، حاس أني نقرا في كتاباتي اللي اني مكتبتهاش …. يعطيك الصحة .

بس ممكن التاريخ لايكرر نفسه بقدر مايكرر الإنسان غباءه ، مع إختلاف الجغرافيا فقط .

تسلم عزيزي ⚘

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *