التصنيفات
عام

الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية

معاداة العنصرية هي رفاهية ووهم الإنسان الحديث، لن تجدها تتبخر سوى عندما يُضغط على غرائز الإنسان البدائية، حينها ترى وجهه الحقيقي.

مأساة هي وفاة جورج فلويد، خصوصًا أنه أظهر لنا أن كل العالم ضد العنصرية، حتى تلك البؤر التي قد نعتقد لوهلة أنها مُتشددة حد النخاع، تبيّن معنا أنها ليست كذلك وأنها مع حقوق السود أكثر من السود أنفسهم، ولعل هذه فاتحة شر أكثر من كونها فاتحة خير.

في الحقيقة، هذا العالم مَبني على قانون كبير يُسمى «قانون همزة الوصل». أتذكر تلك الهمزة الشهيرة التي تلفظ ولا تكتب؟ نفس الشيء تمامًا لكن بعد قلبها للعكس. فمن العاديّ أن تؤمن بما تريد من عنصرية وتطرف وشذوذ وأي شيء، إلا أنه لا يجب عليك أن تقولها صراحةً (اكتبها وآمن بها لكن لا تلفظها). فالذي يقول أنّه عنصري -مَن يُسلّم بالتفاوت وليس الذي يؤذي الناس لأنه عندها يُسمى مجرم وليس عنصري فقط- على الأقل هو إنسان صادق لا شيء لديه ليخفيه، بينما الآخر الشرير هو الذي يصدق بها لكنها لا يستطيع قولها كون القانون يردعه. كهمزة الوصل تمامًا، يعلم أنها موجودة لكنه لا يستطيع أن يلفظها خوفًا من العقاب.

وحتى تعلم مدى عنصرية هذا العالم، راقب السلوك ليس الكلام والتغريدات والتصريحات. لأننا في المظاهر جميعًا سواسية، لكن عندما ننظر إلى الأفعال تنكشف الحقائق وتظهر.

هذه إحصائية مَن تقلتهم الشرطة الأمريكية في السنوات الأخيرة. وكما هو واضح فإنها تقتل الجميع ولا تفرّق. ولعل البيض في سقف القائمة أيضًا. يمكن القول أنّ الإعلام أحيانًا يلعب دورًا في تسليط الضوء على أحداث بعينها لا سيما إن كان بطلها (أقلية – امرأة – طفل). وهذا بحد ذاته نوع من الانحياز يمكن تسميته بـ «عنصرية العنصرية». فالغضب لموت نوع محدد من الناس فقط هو بحد ذاته عنصرية.

منذ مدة، مررت على إحصائية لنسبة الشركاء الذين يتزوّجون من نفس عرقهم. فكانت الأرقام -كلها 90% وما فوق- تُشير لأن الغالبية العظمى تميل لنفس عرقها. البيض يتزوجون البيض. السود مع السود. الآسيويون والآسيويون. العرب مع العرب وهلم جرًا. أي أن التفضيل -بشكل غير واعي- لمن هو في نفس السياق المشابه لنا سواءً سياق بيولوجي لا علاقة لنا فيه أو سياق ثقافي حتى.

لكنه يتجاهل كل هذا مُشددًا على أنه ضد العنصرية مع السود في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بأن أهل المدينة أفضل من أهل الريف، ولهجة المدينة الناعمة أرقى من الريفية الخشنة. مع ذلك هو ضد العنصرية. ضدها لكنه لا يزال يؤمن بأن الزبال إنسان رديء وأن المهنة ترفع قوامك الاجتماعي قبل قوام المادة في جيبك. يدرك هذا تمام الإدراك لكنه ضد العنصرية مع السود.

ضد العنصرية لكنه يؤمن أن ابن العاصمة أفضل من أهالي المدن البعيدة، وأن مدينته أفضل من بقيّة المدن وربما الحي الذي يسكن فيه حتى، لكن دعك من كل هذا، هو ضد العنصرية مع السود.

ضد العنصرية ويمقتها إلا أنه يؤمن أن ولادته كذكر تفتح له أبواب السماء بينما الأنثى بشكل ما تكون ناقصة الصلاحيات. مع هذا هو ضد العنصرية مع السود. ضدها وكل مصطلحاته وتشبيهاته وأساليبه اللغوية عنصرية، لكنه بالرغم من ذلك هو ضد العنصرية. هو همزة وصل عنصرية تائهة تنتظر أقرب ألف فارغة حتى تتسلق إليها لتعبّر عن حقدها.

أعتقد أن الإنسان العنصري الصريح غير المؤذي الذي يؤمن فعلًا بالتفاوّت بين البشر، هو إنسان محترم، على الأقل لأنه لا يتعامل معي بمبدأ الوجهين. بينما الذي يكون في وجهك مرآة وفي ظهرك حرباء، هو المزعج.

لا تشارك في الهاشتاغات، لا تكبد نفسك عناء الكتابة، جميعنا عنصريين يا عزيزي. ولأزيدك من الشعر بيتًا فإن من أسباب هيمنة الكائن العاقل وانتشاره الكامل على هذا الكوكب هو أنه مارس العبودية والتفريق بين البشر منذ الأمد، فاستعباد جنسنا لإنسان النياندرتال وإذلاله أصبح شبه مؤكد الآن. تخيّل معي أنه كان هناك في أحد الأزمنة 4 – 6 أصناف شبيهة بالإنسان تعيش على الأرض. إلا أنها كلها انقرضت ولم يبقَ سوى واحد هو المعروف بإنساننا العاقل. لماذا حدث هذا برأيك؟ حاول أن تفكّر قليلًا.

لم يكن يومًا ما الكائن العاقل. كان دائمًا الكائن القاتل العنصري.

الفرق الوحيد الآن أن التوجهات الليبرالية الحديثة جعلت من الجرم أن يصرّح الناس بالعنصرية ومن الواجب كبتها في الداخل فقط، كالفرن الذي يغلي وهو مُغلق. عندها سيحدث الانفجار أمام أوّل طارئة ليظهر الانقسام والشرخ، فتطفو المشاكل على السطح كما يحدث حاليًا في الولايات المتحدة. يا أعزائي، الناس أكلت بعضها في المتاجر خلال أزمة كورونا. تريدون إقناعي الآن أن نفس تلك الكائنات الشرهة تقف ضد العنصرية؟

«معاداة العنصرية هي رفاهية ووهم الإنسان الحديث، لن تجدها تتبخر سوى عندما يُضغط على غرائز الإنسان البدائية، حينها ترى وجهه الحقيقي».

الجميع عنصريون، لا أحد ضدها. ومَن سيكون ضدها سيشهد له سلوكه بأنّه ربما لا يؤذي أحدًا ولا يشتمه بلونه أو بشكله إلا أنه عندما يختار للزواج أو العمل أو أي شيء فإن اختياره سيكون للقرين الشبيه لا لمن يخالفه.

العنصرية شيء قميء، لكنها وجدت وتوجد وستبقى. إذ تسري في أوردة الكائن العاقل. لا تتخيل أنه بهذه السهولة بإمكانه التخلي عنها، هو فقط يُجيد إخفاءها.

تعليقين على “الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية”

شكرا على المقالة الموضوعية يا عبد الرحمن وأتفق معك في وجود العنصرية بشكل خفي وأحيانا غير مدرك لدى غالبية من يصرحون بكرههم لها ! وأعتقد شخصيا أن التخلص نهائيا منها يحتاج إلى وعي كبير أولا وإلى انسلاخ أكبر عن كل الموروث الثقافي المجتمعي للأفراد ثانيا، ولكن، هل يعني ذلك أن هذا الأمر مستحيل؟ طبعا لا ! ومن تجربتي الشخصية استطيع أن أقول أنني عرفت أشخاصا تجاوزوا العنصرية في نظرتهم و تعاملهم مع الآخرين وصولا إلى أعمق جوانب حياتهم وهنا أقصد الارتباط بشريك “مختلف” وهو المثال الذي طرحته أنت للتعبير عن عمق وتجذر هذه المشكلة، حيث لدي أصدقاء من البيض الأوروبيين ممن اختاروا الارتباط والزواج أيضا بشركاء قادمين من بلدان افريقية فقيرة ولايحملون أي جنسية أوروبية. والحق يقال أنني وجدت هذه الدرجة من القبول للآخر المصنف من قبل المحيط على أنه أدنى حضاريا أو فكريا أو حتى إنسانيا، وجدتها بشكل خاص لدى أفراد نشؤوا في بيئة تعزز مكانة وحقوق ومساحة الفرد وتغلبها على الانتماء للجماعة، بالإضافة إلى كونها بيئة يحصل فيها الافراد على حقوقهم الاساسية كاملة ويتمتعون بسببها بدرجة من الرخاء المعيشي، وهذا باعتقادي مايمنح هؤلاء الأفراد احساسا بالأمان يضعف بدواخلهم القلق الغريزي من تهديد الآخرين المختلفين.

يبقى ملاحظة صغيرة بخصوص الاحصائية التي أوردتها عن حالات القتل من قبل الشرطة الاميركية وأود أن الفت النظر إلى أن الارقام المطلقة لاتعكس الواقع بشكل دقيق لأن نسبة البيض في أميركا تعادل اربعة اضعاف نسبة السود. حوالي ٦٠% مقابل مايقل عن ١٥%. وبالتالي فإن القيم النسبية للاحصائية اعلاه تثبت نسب قتل اكبر بين صفوف السود، أي أن ٢٣% تقريبا من الضحايا لعام ٢٠١٩ هم من السود ممن نسبتهم ١٣% فقط من المجتمع الاميركي بمقابل ٣٧% من الضحايا من البيض الذي يشكلون اكثر من ٦٠% من المجتمع .

تماماً سيد خالد. قطعت المجتمعات الفردانية شوطًا طويلًا في تجاوز هذه الاختلافات، ولعلَ الدول الاسكندنافية تقع في رأس هذه القائمة. أتمنى زيادة ذلك صراحةً، ومن كلامك عن حالات تخطي العنصرية وتمازج الأزواج من بيئات مختلفة، شيء يبعث للأمل نحو الأفضل.
بالنسبة للإحصائية فهي نعم غير كاملة. أوردتها فقط من باب لفت النظر لأن الإعلام نوعًا ما يسلّط الضوء على حالات بعينها أكثر من أخرى. فقط لتوضيح هذه النقطة لذلك ارفقتها بمثال الطفل والمرأة. أما من ناحية عنصرية الشرطة مع السود قياسًا إلى نسبتهم الإجمالية. فهو أمر حقيقي مَفروغ منه.

رد

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *