التصنيفات
عام

اِحترم أحلامك

لو كنت مكان مارتن لوثر كينغ الذي حرر السود لعدّلت خطابه قليلاً، واستبدلت عبارة لدي حلم الشهيرة التي قالها بعبارة: «لدي خطة يجب أن تنفذ».

عندما نتحدث عن أحلامنا الصغيرة التي رسمناها كبالونات حائمة نتركها تطير نحو الأعلى، وسرعان ما تذوب ببطء بين الغيوم. لا بد أن نتخيل شيئاً ما لطيفاً، زوارق صغيرة من ورق تطفو على الماء أو طائرة كرتونية صغيرة يحملها طفل ويلعب بها في ضوء شعاع شمسي بمكان ما مجهول من بقاع هذا العالم. أو أي شيء يحمل هذا المدلول البريء البسيط. وكأن الأحلام لا يجب أن يكون لها سوى تصوّر رقيق، تصورّ ملوّن ناعم تملؤه البراءة وتُفعمه الياسمينات برائحتها.

لطالما آمنت بعكس هذا وصدقت أن الصيغة الشعورية للحلم أمر رديء ومثالي يقتصر على التفكير الطفولي لدى صاحبهِ، وعندما أسمع وأرى كلمة حلم، كان لابد أن يخطر على بالي شيء أقرب للآلة الحاسبة وجداول المواعيد وقوائم ما ينبغي فعله، معادلات من الدرجة الثانية ومجاهيل وجب حلها واكتشاف قيمتها على أرض الواقع.

إذ رأيت في الأحلام صيغًا رياضية قابلة للتفكيك. لا بد أن يكون لها جداول وأوقات ومعايير محددة مسبقًا. الحلم الذي يملك صيغة حلم هو حلم فعلاً! لاحظوا أن اللغة هنا متواطئة ضد الخيال، فتصف كلمة حلم لتعبّر عن شيء غير قابل للتطبيق، أو ممكن لكن بصعوبة كبيرة فيُقال: «ولا بالأحلام»! لذلك لم أقبل هذا أبداً، كنت أحترم أحلامي، أحترمها كثيراً ولا أريد التفريط بها، لذلك حوّلتها إلى صيغ رياضية مجدولة كي أبقيها على قيد الحياة، كي أمنحها الأوكسجين اللازم، كي لا ينفذ منها وأضطر أن أضعها على منفسة الندم، كي تبقى تطير كبالونة وردية تغيب بين الغيوم وتنزوي.

فلو كنت مكان مارتن لوثر كينغ الذي حرر السود لعدّلت خطابه قليلاً، واستبدلت عبارة لدي حلم الشهيرة التي قالها بعبارة: «لدي خطة يجب أن تنفذ».

لكنك تكبر. تنضج أيها الطفل. لتدرك أن النمو يترافق مع الإيمان بالمحدودية وعدم إمكانية أن تصبح شيئًا كثيرًا. إذ يؤمن الصغير أنه سيصبح طيارًا ورائدًا للفضاء وراكبًا للأمواج عندما يكبر. تؤمن الطفلة بأنها ستصبح من جميلات سبيستون وأفضل صغيراتها. يؤمنون بصيغ عفوية لأحلامهم. يؤمنون أنه بإمكانهم. يؤمنون أنه باستطاعتهم فعل أي شيء. فأنهار الأمنيات لن توقفها السدود ولن تكبح طريقها المعترضات. لكنهم يكبرون، يكبرون بقسوة. ليصبح الطفل رجلًا كبيرًا يصطحب أولاده للسينما.

وبينما يبكي أولاده في حرقة عند رؤية البطل يموت وانتصار الشرير، يقهقه هو بخيلاء الكبير الناضج الذي فهم كل شيء. فيقول لهم: لا تحزنوا يا أولاد هذا مجرد تمثيل! نعم، لقد كبر. لم يعد يؤمن بالإمكانية والاستطاعة والأحلام التي يؤمن بها أطفاله، إمكانية العبور من عالم الخيال لعالم المادة. إمكانية اختراق الممثلين للقصة الحقيقية وتحوّل ذاك الفيلم إلى شيء فعلي. لم يعد يؤمن أبدًا. بات محدودًا جدًا يعلم أن كل شيء كذب وتمثيل وأنه ليس بالإمكان إلا أسوء مما كان.

كبر ذلك الطفل وبات يؤمن أن كل تلك الأشياء كانت أوهام وأن الأهم هو دراسة الطب والصيدلة كي يؤمّن مستقبلهُ. فيدرس الطب. لينضج ويكبر موفياً بوعده في دراسته، لكن الحياة لم توفِ بوعدها بمنحهِ مستقبلًا مؤمّنًا، إذ غدت حياة بلا مستقبل. حياة تعيش فيها الماضي والحاضر ولربما المستقبل البعيد حتى الذي تدركه عند المشيب، إلا أن المستقبل الحيوي السعيد سيكون أمرًا صعبًا بعيد المنال.

تجنبًا لهذا السيناريو المؤلم، وبما أن الطفل هو الصفحة البيضاء بلغة ستيفن بينكر التي نرسمها كما نريد، والتي كما قالها أرسطو أحد المرات: «اعطوني طفلًا صغيرًا وسأرجعه لكم محاربًا كبيراً»، كناية عن إمكانية قولبة الطفل بالطريقة التي تريدها. أريد أن أقول للأطفال جميعًا أن حافظوا على أحلامكم. تمسكوا بها جيدًا. الإنسان في أحد تعاريفه هو الكائن الخيّال، الذي يستطيع التخيّل. فمثًلا لو أمسكنا قردًا وسعينا لإقناعه بترك موزة اليوم في سبيل أكل طرد كامل من الموز في الغد لن يفهم، هو يسعى لتحقيق لذات لحظية سريعة. بينما الإنسان لا. الإنسان يستطيع أن يتخيل طرد موز في الغد، لذلك كان دائمًا الكائن صاحب الخيال، الكائن صاحب الأحلام.

لذلك الآن أقول: عزيزي الطفل، تمسك بها، تمسك بأحلامك، تمسك بخيالك، وحتى تمسك بأوهامك إن أردت، المهم أن تتمسك بشيء!

إلا أنك يجب أن تتخلى عن أحلامك كي تتمسك بها وتحافظ عليها. ولفعل ذلك يجب أن تحول أحلامك لروتين يومي ممل. لا يجب أن تحافظ عليها كبالونة تسبح بين الغيوم. لا لا. يجب أن تعطيها جدولًا مملًا من المهام التراكمية الصغيرة. يجب أن تجعلها شيئًا يمارس يوميًا أثناء ذهابك لرمي سلة القمامة في الحاوية أو عند انتقاء البطاطا عند بائع الخضار.

اِحترم أحلامك وأعطها مواعيد محددة مُنتهية. جميعنا في الكلام سواسية. جميعنا في القدرة على الحلم عملاقة بإمكاننا بناء قلاع من خيال دون أن يكون لها أي وجود في عالم الواقع. قلة هم مَن يقومون بالتطبيق الحقيقي. لذلك احترم أحلامك وحولها لخطط ذات جدول مهام يومي، حينها تتحقق بشكل تراكمي مع الزمن.

إن أردت أن تحقق أحلامك يجب عليك أن تحترمها، وإن نشدت احترامها فأوّل ما عليك فعله هو التخلي عن صيغتها البريئة مُحوّلًا إياها لمخطط قابل للتوظيف في الحياة ذات الأربع والعشرين ساعة الرديئة.

ما هي نسبة الناس الذين يتحملون الملل لمسافات طويلة؟ قليل جدًا. ربما لا يتعدون 5%. وهذه هي نسبة الناجحين في العالم، لا تتعدَ نفس ذلك الرقم (5%). لأن من أهم خطوات تحقيق الأحلام والنجاح، هو بناء روتين يومي قائم على تحمل الملل لمسافات طويلة ريثما تجهز الصورة النهائية للحلم والخطة.

يعتقد الناس كما في السينما أن هناك رقاقة توضع في الرأس فتتعلم بثانية واحدة اللغة الألمانية وبناء المشاريع الصعبة والانجاز. هذا غير صحيح. الحلم مفهوم تراكمي يحتاج لبيئة واقعية مبنية على خطوات صغيرة مملة وجب تنفيذها. ولعلَ هذا السبب في أن معظم الناس يخيبون في تنفيذ أحلامهم، لأنهم احتفظوا بها كصور بلاغية بريئة ولم يحولوها لمشاريع حقيقية قابلة للإنشاء.

لذلك عزيزي الطفل أو حتى الكبير الذي لا يزال يملك تلك البذرة الرقيقة في داخله. احترم أحلامك. احترم أحلامك واجعلها حبة الطماطم الأكبر التي تنتقيها كل يوم. اجعلها روتين يومي تنفذه عند الوقوف في طابور شراء الخبز وتسديد الفواتير. اجعلها شيء عملي بإمكانك رؤيته دائمًا ولمسه وتحسسه والاطمئنان عليه.

يؤمن الناضجون بالمحدودية وأن كل شيء كذب وأوهام. إلا أن الطفل لا يزال يملك صفحته البيضاء، الصفحة التي تخبره أنّ بإمكانه واستطاعته أن يفعل. ولعل هذه الإمكانيات والاستطاعات لن تنجح إلا إذا تداخلت بعنف مع الواقع اليومي. لذلك قم بـ «وقعنة أحلامك» وإنجازها.

أحلامنا لا تعرف حدودًا، لن تقف في وجهها السدود. ولا تتذرّع بأن السدود التي تعترضك كبيرة لأن هذا هو ديدن الحياة والتاريخ منذ بدايتهم، السدود دائمًا كانت موجودة. إلا أنّ في وجودها حافزًا إضافيًا لمواجهتها وتخطيها.

فعكسًا لما قال مارتن لوثر سأقول: أنا لا أملك أحلام، أنا أملك خطط عليّ تنفيذها الآن. لماذا خطط وليس أحلام؟ لأنه باختصار شديد، أنا أحب أحلامي واحترمها، أحبها لدرجة عدم التخلي عنها، لدرجة أني سأحولها لروتين يومي ممل قابل للتطبيق كي أراها تكبر أمامي يومًا ما.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *