التصنيفات
عام

نازيّة الحواضن الاجتماعية

نحن محظوظون جدًا أننا عشنا في هذا الزمن الحديث الحيوي. زمن رؤية كل شيء من أي بقعة تقطنها في العالم. لأننا استطعنا أن ندرك كيفيّة صناعة تلك الهالات الاستعلائية حول معظم الشخصيات الكبيرة التي اشتهرت عبر التاريخ.

لم يعد البعض مِن مقدمي المحتوى على يوتيوب وفيسبوك وأشباههم يملكون مُجرد متابعين أو روّاد لما يصنعون، إنما أصبح هناك نوع من الحواضن الاجتماعية العنيفة. حالة أشبه بأدولف هتلر ومن حوله جيش نازي يتلقى الأوامر (المحتوى) بدون أن يُسائل أو يناقش. فقط تلقَ ونفذ بدون أي مجادلات. فغدت حينها مواقع التواصل الجديدة تلك ساحة لصناعة حركات نازية جديدة يقودها أفراد لا يملكون متابعين Followers فقط، إنما يوجّهون آلات إعجاب وتعليق وشن بلاغات على المخالفين. مُتعدين بذلك مرحلة المؤثرين، غادينَ أقرب ما يكونوا للمسيطرين أنصاف الآلهة الذين لا يُنقدون ولا يخطئون.

في الحقيقة، نحن محظوظون جدًا أننا عشنا في هذا الزمن الحديث الحيوي. زمن رؤية كل شيء من أي بقعة تقطنها في العالم. لأننا استطعنا أن ندرك كيفيّة صناعة تلك الهالات الاستعلائية حول معظم الشخصيات الكبيرة التي اشتهرت عبر التاريخ، من خلال مُقارنتها مع ما يحصل في يومنا الحالي واسقاطه عليها. والتي تبيّن لنا الآن أنها قد تكون شخصيات بلهاء لا وزن حقيقي لها، إلا أن الحاضنة الاجتماعية ساهمت في إعلاء شأنها. خصوصًا في تلك الأيام التي لم تشهد اختراع الكاميرا وسهولة التواصل. فلا شك أن الحاضنة في وقتها كانت أكثر عنفًا ومركزيًة مِن الآن.

لنتخيل مثلًا أن سقراط بُعِثَ بيننا الآن في هذا الزمن، ما الذي سيحدث لهُ؟ أول شيء هو أن الفيسبوك سيحظره لأنه أنتهك قوانينه الرديئة. خصوصًا أن تهمة سقراط الحقيقية التي أدت لإعدامه كانت «افساد شباب أثينا». نتخيل الآن سقراط يحمل أفكاره الجديدة المتمردة وينزل إلى أسواق الفيسبوك واليوتيوب ليعرضها. ما الذي سيحدث؟ لن تجد حوله أحد. شخص بدون حواضن اجتماعية تداعب مخيلات الحشود وأوهامها بل هو أساسًا جاء ليهدم هذه الحواضن، لذلك سيكون وحيدًا وسيتم إعدامه، إلا أنه كان ذو حظ جميل ونجا من ذلك كونه لم يعش في هذا الزمن.

الموهبة والفكر يا أعزائي شيء فردي جدًا. لن تجد كتاب من تأليف مدينة أو قرية كاملة. بل ستجدون مدن وقرى وجماعات بأكملها تُساق إلى الحروب. لماذا؟ لأن الأفعال الهمجية تغلب على طابع الجماعات. بينما الأفكار والتوجهات العليا تميل للأفراد والعدد القليل. فاجتماع الناس دليل سوء أكثر من كونه دليل إيجاب.

«حقيقة أنّ رأيًا ما مقبول على نطاق واسع ليست دليلًا على عدم سخافة هذا الرأي. في الواقع، في ظل النظرة القائلة بسخافة الغالبية العظمى من الجنس البشري، الرأي المقبول على نطاق واسع مرجّح أكثر ليكون رأيًا أحمق وليس معقولًا». بيرتراند راسل

ومع قدوم الإعلام الجديد والاستقطاب العنيف المشحون لكل طرف نحو «هتلره الخاص» نرى بوضوح كيف تتحرك هذه الحواضن الاجتماعية وتُساق بدون أي تفكير أو مناقشة. ولعلها شيء إيجابي أكثر من كونها سلبي. لأنها أتاحت للكثيرين فرصة النظر بشمولية أكثر للتاريخ وإدراك كيف تمت صناعة الهالات العظيمة حول شخصيات عادية مُستغلين فرصة عدم وجود كاميرات لتوثق ذلك. فهم لم يتعدون كونهم شيئًا مهمًا، إلا أنه الحاضنة الاجتماعية هي من زادت شأنهم.

الحذاقة والتفكير حدث نخبوي آحادي، بينما لا تملك الجماعات إلا الفوضى. لذلك صديقك كائن رائع جدًا حينما تكون وحيدًا معهُ تسأله عن شيء ما. بينما عندما يجتمع مع ثلة أصدقائه ينقلب إلى شخصية الوغد وربما قد يستخدم أسرارك الشخصية كمزحات اجتماعية لإعلاء هالته في المجلس المنعقد. ذلك لأنه فقد عنصره الفردي الخاص وانحل في بوتقة الجماعة، فأصبح سلوكهُ أرعنًا كسلوكها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *