التصنيفات
عام

في حياة موازية

متى يتوقف الإيمان بكيان معيّن؟ عندما ينصرف المؤمنون عن تلاوة قصته. مايزال رع موجودًا كما بعل وزيوس وغيرهم، إلا أن المؤمنين بهم قد انصرفوا عنهم فاندثرت قصتهم واضمحلت.

لطالما كنت أؤمن أن الإنسان وكل الأشياء الأخرى قائمة على الثنائيات. لو تأملنا في الحياة قليلاً، لوجدنا فيها الخير والشر، الجميل والقبيح، الحلو والمر، الطويل والقصير، القريب والبعيد، الدافئ والبارد، مَن يحب ومَن يكره. إذ ستمرّ على ديمومة شبه كاملة مِن ثنائيات تتصارع، أحيانًا بعنف وأحيانًا أخرى بلين، لا يغلب بعضها بعضاً، بقدر ما تمنح المعاني للقصص التي نرويها لأنفسنا مواساةً أو عزاءًا.

وإن أردنا أخذ المقارنة لمستوى بعيد فحتى الفلسفات العدمية تُقر بهذه الثنائية وتصرّح أن الوجود ما هو إلا حالة ابتكرها العدم كي يفهم نفسه ويَعيها.

الإنسان بشكل ما، يخضع لهذه الثنائيات أيضاً. تأمّل فيه جيدًا وستجد لديه دماغ واحد لكنه مؤلّف من نصفي كرتين مُخيتين. تأمل في وجهه وسترى عينان. تأمل في ذراعيه ستجدهم اثنتان. تأمل في رئتيه، تراها ثنائية. تأمل في قلبه، مضخة الدم مُسببة المشاكل على الدوام. ستجده مؤلفًا مِن بطينين وأذينتين. حتى قلبه وعقله الواحد ككل، إلا أنهما أيضاً قائمان على التثنية، يحتويانها على الرغم من أنهم لا يمثلانها بشكل عام.

أعتقد أنه لا يوجد إنسان ذكر وإنسان أنثى. نعم، هناك كائن حالته العضوية البيولوجية ذكر أو أنثى، هذا شيء واقع يهمه في خطته المستقبلية إن أراد التكاثر. لكن فكّر أبعد من ذلك، أنت، أنا، هي، هم. جميعنا نمتلك نفس الصيغة، جميعنا أتينا من نصف أنثوي ونصف ذكري. أي أننا بشكل ما نحوي الاثنان بداخلنا على الرغم من حالتنا العضوية الظاهرة، إلا أن تكويننا يدخل في تركيبه جزءان متساويان تماماً، جزء ذكري وآخر أنثوي.

جميعنا بداخله أنثى وذكر معاً، إلا أن النسب الهرمونية هي مَن تختلف في سبيل تحقيق الهدف العضوي التكاثري للإنسان. عندها إما ترتفع هرمونات البروجسترون وشقيقه الآخر فتكون الحالة العضوية أنثى. أو أن تنخفض الهرمونات الأنثوية وترتفع الذكورية (التستوستيرون) فنجد أن عضويّة الكائن غدت ذكراً قادراً على التكاثر والإنجاب.

لكن لو عدنا للأصل المكّون فهو واحد، ذكر وأنثى معاً. داخلنا الاثنان جنباً إلى جنب، التعبير العضوي هو مجرد وسيلة تكاثرية فقط، آلية القفل والمفتاح التي لطالما شُرحت لنا. فلكل شيء يجب أن يكون نقيض مُعاكس إلا أن هذا لا يعني التضاد. مثل القلب تماماً. بطين أيمن وآخر أيسر إلا أنهما كلاهما القلب نفسه.

فكّرت الأساطير الإغريقية القديمة بهذا الموضوع وقالت أنّ الإنسان عندما خلقه زيوس كبير آلهة الأولمب كان ذو شكل مزدوج، رجل وامرأة ملصقان مع بعضهما. 8 أطراف ورأسين. إلا أن هذا الكائن قد عصى الإله زيوس وطغى في الأرض فسادا، فعاقبه بأن قسمه إلى نصفين، ذكر وأنثى مُستقلين. ويكون بشكل ما، هدف الحياة لهذا الكائن أن يلتقي بنصفه الآخر ويعيد الاندماج معهُ.

ربما شعرَ الإغريق بذلك الأمر لكنهم لم يستطيعوا ضبطه بشكل دقيق، فألفوا حينها القصص والحكايا. إلا أنها تبقى تدور في الحدس نفسه. كائن واحد رغم تضاد ثنائيتاه. ودائماً ما يسعى نصف الثنائية الأول لإيجاد نقيضه الآخر التائه.

مِن جانب آخر، أحد الثنائيات المُتواجدة بقوّة على الساحة هي ثنائية المعنى والعدم، السعادة والألم. ولعل هذه المُتناقضات تلخص مَسعى الإنسان بكامله منذ رفع رأسه منتصباً نحو السماء بعد سني طويلة من الانبطاح، ليفكر حينها بكل شيء يقرّبه من السعادة ويجنبه الألم. كل ما يُعطيه المعنى ويشغله عن فراغ العدم. إذ تدور دراما الكائن العاقل كلها حول هذه النقطة.

إلا أنه بإمكاننا القول أنّ السؤال عن المعنى هو سؤال خاطئ لا بد من التوقف عن طرحه. مَن يقول ما معنى الحياة شبيه بمن يقول ما معنى فرشاة الأسنان أو معنى جهاز تخطيط ضربات القلب. لا يمكن أن تسأل بما معنى، لأن السؤال نفسه ملغوم ومشحون. فعندما تسأل «ما معنى» فأنت مُسبقاً تفترض وجود معنى. وهذا غير مُتسق. لا معنى لفرشاة الأسنان إنما لها «وظيفة» تؤديها مِن وجهة نظر مراقب خارجي. بينما بالنسبة للفرشاة نفسها، فلا أستطيع أن أقول إلا أنها تتكيف وفق قوانين التراكم الطبيعي لتمنح نفسها قصة سعيدة تعطيها معنى للوظيفة التي تؤديها ليس إلا.

ولندقق هنا قليلاً على كلمة سعادة لأنها كلمة صعبة الضبط وضبابية إلى حد بالغ. قل لي الآن أو عرّف المصطلح، ما هي السعادة؟ الضحك. بإمكاننا أن نضحك في اليوم عشرات المرات والقلب يقطر دماً، لا علاقة لها بالضحك. إذاً ماذا؟ قد يندهش البعض لمعرفة أن السعادة لفظة ومفهوم فلسفي تتعلق بعيش حياة الفضيلة والمعرفة كما عرفها سقراط، تلك الحياة «اليودايمونيّة Eudaimonia». السعادة مفهوم فلسفي أقرب ما يكون للمثال. أما أبعد ما يمكن للإنسان أن يُقارب بهِ السعادة هو مفهوم المتعة، والتي ما هي روابط عصبية ونواقل كيميائية هنا وهناك. والتي غالباً ما تكون ذات تأثير قصير الأمد غير طويل الدوام. لذلك مَسعى الإنسان مع السعادة صراع أبدي، ولعلَه لن ينتصر فيه يوماً، والسعيد بشكل ما هو مَن لم يفكر فيه مُعتقدًا أن المتعة الافتراضية الممنوحة له هي نفسها السعادة.

لذلك قال نيتشه أحد الجمل المركّزة في وصف الحياة:

«لا تُمنح الحياة سوى قيمة جمالية»

بمعنى أن القيمة الوحيدة التي بإمكانك أن تراها هي الجمال. عدا ذلك كله نسبي وغير مطلق ومجرد محاولات واهنة للتبرير. لطالما كنت أقف مندهشاً أمام توجهات الناس التي تسبب الصراع، لا سيما تلك السياسية والدينية على وجه الدقة. مثلاً ترى إنسان على رأي وتوجه معين ينتف رأس الآخر المخالف له. يا رجل! أمن كل عقلك تفعل هذا؟! كلاكما بالنسبة للمراقب الخارجي بنفس مستوى التقوقع. إذ يرى كلاكما أنّ الآخر هو الأخرق الذي لا يفهم. كلاكما متعصب للمنطقة و«المحور» الذي تنتميان إليه. ولأزيد من معلوماتكم، كلاكما أبناء البيئة والتنشئة، بمعنى لو كنت أنت محله وبنفس نشوئه وتعليمه وأسرته وما تعرّض له نفسياً من أذى لكوّنت نفس موقفه. ولو كان هو مكانك بنفس مستواك التعليمي والاجتماعي… الخ، لكوّن نفس رأيك.

«أبرز علامات الخداع ألا تعلم أنك مخدوع وتعتقد أنك مُحق بالمطلق، لأن المحق الحقيقي دائمًا يضع هامشاً للخطأ ولا يعتقد بالفوز التام، بل بالترجيح».

ثمّ يعتقد الجميع ببؤس مؤلم أنهم هم يكوّنون أفكارهم وآرائهم. يا صديقي أنت ابن البيئة والمنطقة والمدينة والحالة الاجتماعية التي أنت فيها. لذلك نجد على طول التاريخ تقريباً أن الفقير يكون ثورياً شرساً بينما الغني المترف مع الحكومات. نعم هناك اختلافات وشذوذات لكنها صغيرة لا تعارض الخط العام. لذلك لا تتمسك بآرائك كثيراً فهي ليست آرائك، بل أنت رأي لها.

«عندما كان يُسأل فيلسوف المنطق بيرتراند راسل عن رأيه في مسألة ما. يقول للسائل هل تريد رأيي اليوم أم البارحة أم غدا؟! في كناية وسخرية من أن الإنسان يغيّر مواقفه على الدوام تبعاً لزاوية النظر التي يرى منها وثقب الباب الذي يُطل على العالم مِن خلاله».

نفس الأمر مع المواضيع الأخلاقية، فما تعتقده أخلاقياً هنا قد يكون الشر عينه في مكان آخر. عدا طبعاً الأخلاقيات البيولوجية التي تحافظ على النوع البشري بشكل عام من نمط: (لا تقتل لأنها تضر بالنوع ككل. أو مثلاً لا تمارس الجنس بدون زواج لأنها ستؤدي مثلاً لأولاد بلا عوائل وبالتالي تفكيك الأسر التي تعتبر لبنة قيام مجتمع الإنسان.. الخ). أما الأخلاقيات الأخرى فجميعها نسبية. ولا يمكنك إلا أن تُشده بمَن يعتقد أن أخلاقياته عابرة للزمان والمكان. أي عبور هذا يا عزيزي؟ الأخلاقيات مفهوم نسبي. يكفي لتدرك ذلك معرفة أن التجديف بحق الإله رع أيام الفراعنة كان أكبر إهانة وقلة أخلاق، أين رع الآن وأين مَن يبتعونه؟ انتهى. لقد كان مفهوماً نسبياً وفقاً للنظام الخيالي الذي أتفق عليه الجميع تلك الفترة كما يقول يوفال هراري. انتهت القصة كلها ولم يبقَ منها سوى تاريخ بسيط يذكر في الكتب من باب التنويه ليس إلا. ولعل الأفن قد يكون في أحد تعاريفه هو الاعتقاد بالاطلاقية على وجهات نظر نسبية واضحة.

«متى يتوقف الإيمان بكيان معيّن؟ عندما ينصرف المؤمنون عن تلاوة قصته. مايزال رع موجودًا كما بعل وزيوس وغيرهم، إلا أن المؤمنين بهم قد انصرفوا عنهم فاندثرت قصتهم واضمحلت».

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *