التصنيفات
عام

ماذا لو وُلِدت خروفاً؟

هذا يختم على رأسك بدمغة القدر أنك لن تموت موتاً فيزيولوجياً عادياً إنما في أحد المسالخ داخل بطون أحدهم. قلة هم الخراف الذين يموتون بشكل طبيعي بسبب الكهولة وارتفاع ضغط الدم والسكري، إذ تموت الغالبية الساحقة بسبب القتل والإجهاز المُباشر.

عندما ألّف الكاتب الروماني العدمي «إميل سيوران» كتابه «مثالب الولادة» كان قد ذكرَ قصة السبب الدافع لخطّه ذلك العمل، بأنه قد عانى في أحد الأيام من بعض الصراعات والضغوطات وغيرها مما يكتنف وينغّص هذه الحياة، فعاد إلى المنزل وسألته أمه عن حالهِ مُجيباً بنبرة من الأسى والبؤس. لترد أمه حينها: لو أعرف أنك ستغدو هكذا لما كنت قد أنجبتك!

وهنا تماماً، لمعت فكرة جديدة في ذهن سيوران، صاباً فيها جام غضبه على الولادة وما يليها مِن عواقب وتراكمات سلبية لا تتبع إلا للحدث الأوّل ألا وهو الإنجاب، مُلخصاً كل أفكاره بالقول:

«مِن أجل لذة لا تتعدى 7 ثواني، يُولد إنسان ليُعاني 70 سنة».

ولأن الجدل حول فائدة ولادتنا من عدمها بدون جدوى، إذ دائماً ما ينتهي إلى طرفين متقوقعين في زواياهم، سأستبدل بماذا لو لم نولد، بماذا لو ولدت كائنًا آخرًا، ماذا لو وُلدتُ خروفاً على وجه التحديد.

نحن البشر بما نطلق على أنفسنا مِن مسميات أننا كائنات عاقلة، بارعون جدًا في صناعة المعاني لما نفعله، حذقون جدًا في تبرير الآلام والمآسي وما سيحصل مُقبلًا وقبيلًا. ولعلَ هذا ما أدى لنجاتنا وبقاءنا بشكل أو بآخر، إذ كنا دائماً «مُحترفي وجود» ولدينا بضاعة معنوية وجودية قادرة على تبرير كل شيء والوقوف على الحِكم التي تعتمل في داخلها، لكن للخروف قصة أخرى، وحكاية مُخالفة.

تخيّل أنك وُلِدتَ خروفاً! هذا يختم على رأسك بدمغة القدر أنك لن تموت موتًا فيزيولوجيًا عاديًا إنما في أحد المسالخ داخل بطون أحدهم. قلة هم الخراف الذين يموتون بشكل طبيعي بسبب الكهولة وارتفاع ضغط الدم والسكري، إذ تموت الغالبية الساحقة بسبب القتل والإجهاز المُباشر.

لكن حتى بعد الموت، لا يُترك الخروف بحال سبيلهِ. يُؤخذ صوفه لتُصنع منه الملابس. وقرون أولاد عم الخراف تُباع بدورها. بالنسبة للحومهم فهي السبب الأساس الدافع للاستهداف، إذ يؤكل كل شيء فيه حرفياً. ابتداءً من اللحم الأحمر والعضلات، انتقالاً إلى الأمعاء واللسان وحتى الأمخاخ، وليس انتهاءً بخِصى الخروف وقلبه. كل شيء فيه يؤكل وتُصنع الصندويشات منه. ربما فقط عيون الخروف لم أسمع أن شيئًا ما يُفعل بها، وأحداً ما يأكلها، فلعلها تنجو بذلك.

فهذا هو ملخص رحلة الخروف التعيسة. يُولد في حظيرة، يُسمَّن حتى يكبر، ثم يموت ذبحاً. وحتى بعد موته لا يرتاح إذ يقوموا بفرمه وسلخه وتحويله لكل شيء، فلا يبقى فيه شيئاً ولا يَذر.

ما أريد أن أعرفه، كيف يبرر الخروف كل هذه المعاناة؟ ما المعاني التي يعطيها لنفسه حتى يستمر بمسيره الشاق؟

أن تولد خروفاً وتعلم أنك محبوس ضمن حظيرة، تدرك أنك تُغذّى وتُسمَّن حتى تكون ذبيحة ثمينة مرتفعة السعر، حينها تباع بعلاقات تجارية نفعيّة. بعدها تذبح بسكين حادة، يُصفّى دمك ببطء. تُسلخ. يؤخذ الصوف وتصنع منه الملابس. بقيّة لحومك تؤكل. أمعاءك تحشى بالأرز وتُطبخ. أعضاءك الداخلية وقلبك يؤكل. كل شيء فيك يتم هضمه ومضغه وطحنه.

دون التطرّق لموضوع الحليب الذي يخرج منك لأنه يؤخذ خلال حياتك لا موتك. إذ هو أمرٌ مفروغ منه مُسبقاً.

لكن حينها تداركت نفسي بالتذكّر أنّ الخروف لا يملك معاني كونه لا يملك عقلاً كبيرًا ولا قدرة التفكير التي تجعله يعي ما الذي يجري من حوله سوى بحدود ضئيلة جدًا، إذ هذه هي ملكة الكائن العاقل المغرور وحده. إلا أنه تبقى هناك معضلة فلسفية تناقش حاليًا في أوساط ما يعرف بفلسفة تحرير الحيوان التي يقودها «بيتر سينغر». إذ يتعلّق الأمر بإحداث الألم بالكائن الأخر وليس «وعيهُ» فقط لفكرة ما يجري.

هل يشعر الخروف بالألم؟ نعم. إذًا أنتهى، أنت تؤذيه. سواءً كان يعرف ما يجري أو لا لم يعد مهمًا، طالما أنه يتألم فهذا أمر سلبي سيء. وإن كانت المشكلة فقط في الوعي فلماذا لا يأكل الكائن العاقل الأجنة البشرية؟ هي لا تدرك ما الذي يجري أيضًا ولا تفكّر، إلا أنها كما الخرفان تماماً، تشعر بالألم، ولعل هذا هو المقياس كما يراه فيلسوف أخلاقيات الحيوان بيتر سينغر معتمداً على رؤية سابقهِ «جيرمي بينثام».

بعد كل هذا، ماذا لو ولدت خروفاً؟

لا أعرف صراحةً. لو كنت خروفاً بتفكير كائن عاقل لكانت كارثة، لكن ربما سأتكيف صانعاً لنفسي معنى يبرر كل الفوضى والمآسي الحاصلة. أما لو كنت خروفاً بتفكير خروف فالأمر سيكون سهلاً، خصوصاً أني لا أملك من التفكير ما يجعلني أتخيل وأتوقع السكين وهي على رقبتي في أحد الأيام القادمة، لذلك سأعيش حياتي لحظياً مستمتعاً بكل جذاذة عشب آكلها وكل قطرة ماء أشربها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *