التصنيفات
عام

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة

الخطأ الأوّل هو الذي اُرتكبَ في فترة الطفولة حينما دُرّس الصغار، عندما كانوا ألواحاً طينيّة مرنة بإمكان الجميع أن يرسموا فيها ما يشاؤون، إلا أنهم رسموها بطريقة بشعة، فجفت بشكل زائد، وكانت لوحاً خشناً بدون أية تعابير.

أمسك أي شاب لا يتجاوز عمره الـ 18 عاماً واسأله عن وجهة النظر السياسية والخريطة العالمية السائدة للهيمنة، وستجده يسهب في الكلام والشرح وكيف أن فلان يدعم فلان وأنّ علان يدعم علان، وكيف أن المحور الفلاني يعارض المحور العلاني، ويبقى يثرثر ويثرثر حتى تراه احتد في غضبه وبدأت لتور -جمع لتر- اللعاب تتطاير في الهواء بلا رقيب أو حسيب، متحولًا خلال لحظات إلى قاموس من الشتائم.

غريب جداً أليس كذلك! شاب بهذا العمر، لماذا يتراكم في عقله كل هذا الأسى والصور والمحاور العالمية التي لن تفيده في حياته لا من قريب ولا من بعيد؟

كان أستاذ التاريخ لدينا وهو واحد من أفضل المدرسين الذي مروا علينا وكنا قد أحببنا التاريخ بسببه، يقول أنّ مشكلة الشاب والطفل العربي أنه يُعطي السياسة حيّزًا كبيرًا من تفكيره. فالفرق بين الشاب هنا والشاب هناك. أنه هناك لا يدلي بصوته إلا كل 5 سنوات في وقت الانتخابات، فالأمر لا يشكل جوهرًا مهماً في حياته اليومية. أما هنا فاسأل أي شخص وستجده يُعطيك خريطة ليس لبلده فحسب، بل خريطة السياسة العالمية ولا أبالغ بهذا أبداً.

إلا أن المشكلة تقبع في مكان آخر، إذ هزمونا في مجال بعيد الصلة نوعاً ما. كانت هزيمتنا الأولى على مقاعد الدراسة، في جوانب العلم. الخطأ الأوّل هو الذي اُرتكبَ في فترة الطفولة حينما دُرّس الصغار، عندما كانوا ألواحاً طينيّة مرنة بإمكان الجميع أن يرسموا فيها ما يشاؤون، إلا أنهم رسموها بطريقة بشعة، فجفت بشكل زائد، وكانت لوحاً خشناً بدون أية تعابير.

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة، في المدارس، عندما أقنعونا أن العلم هو ما يُدرس هنا فقط ما عداه أشياء لا قيمة لها. دون أن ندري أن العلم المدرسي / الجامعي هو علم «مهني» يهدف لمنحك مهنة في المستقبل لا عقل. ولعل هذا ما يفسره قولبة الجامعة والمدرسة بشكلها الحالي الأكاديمي لحظة انطلاق الثورة الصناعية واستشعار نقص في العمال والمتخصصين، فقامت الجامعات بفعل ذلك من أجل انتاج أفراد صالحين للعمل. فميثاق نشوئها لا يتعهد بمنح العقل بل الوظيفة، ولعلَ هذا ما يفسر رؤية الكثيرين من أصحاب الشهادات بأحوال فكرية يُرثى لها.

هُزمنا على مقاعد الدراسة عندما حصروا الأهمية في الأفرع العليا لا السفلى، دون أن ندري بأن الأمر لا يتعدى كونه ترتيب لما هو مُربح أكثر وأشد طلباً في سوق العمل -مصداق آخر لموضوع أن التعليم هدفهُ المهنة والتوظيف- فكلما اتجهنا نحو الفرع الدراسي الأعلى كلما زادت كمية المردود الذي ستحصلهُ.

وهلم جرًا لغيرها من سلبيات طرق التعليم منذ بدايتها وإلى لحظتنا الحاضرة.

في هذه الأرض التي نحيا عليها هنا. يوجد ألف خارطة طريق مُقترحة للخروج لكن ويا للعجب لا أحد يخرج من مكانه! تسأل البعض فيقول لك الجواب هو الدين، تمسكوا بالدين يُحل كل شيء. تسأل آخر يقول لك الحداثة، تمسكوا بالحداثة والتحرر فيُنظّم كل شيء بدوره. تسأل أحدهم فيجيبك بالجنس. تسأل آخر فيجيبك بالكسل والزهد والتعفف. تلتفت يميناً فتراهم يقولون أنّ الحل يكمن في الرجوع للماضي. تستدر يسارًا تجدهم يقولون أنّ الحل يكمن بقطع الصلة مع الماضي.

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة ما هو الحل الأمثل، فضلًا عن الحديث عنه وحصره بنفسه فقط. ما أعرفه أن كل ما يجري ما هو إلا تراكمات لصدمة أوليّة كانت في الصغر. تراكمات كانت قد توحّشت تحت تأثير فوضى الفراشة لتصل إلى إعصار في اليوم الحالي. ما حدث ما هو إلا تداعي حر لما جرى على مقاعد الدراسة، حيث كانت هزيمتنا الأولى هناك، ومن بعدها بدأت الحكاية بكاملها.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *