التصنيفات
عام

الرابح يبقى وحيداً

«لماذا تريد تدمير هذا العالم؟ لأتمكن مِن إعادة بناء عالمي». باولو كويلو

لم أحب كرة القدم ولا أتابعها، إذ لا تتعدى معلوماتي عنها قدر معلومات جدتي عن الهندسة النووية، كلانا في الهواء سواء. ولعلَ التبرير لهذا موجود أيضاً، إذ لطالما وجدت في الموهبة شيئاً فردياً لا حدثاً جماعياً، لا يمكن لموهبة أن تكون مُشتركة مع 10 و20 و50 و100 شخص آخر، بقدر ما تكون أحاديّة، وإن أشرت لأسماء لاعبين بعينهم فهذا دليل آخر يضاف للتأكيد؛ فأنت «خصصته» لوحدهِ بالموهبة وليس الفريق بكامله.

بقيَ الرابح في رواية باولو كويلو وحيداً، إلا أنه هنا سيكون خشناً. قد يكون بمفرده أو بين جمعٌ من الناس إلا أن أهم ما فيه هو الجفاف، ولعلَ تركيبة «فنّ الخشونة» أقرب توصيف لمفتاح وسر تألق ذلك الرابح.

النجاح! كل شيء أصبح عن النجاح ومن أجل وصوله، افتح أي متصفح وموقع يَعرض محتوى وستجد عشرات الصفحات تشير إلى النجاح وتدلك عليه، إذ وأنت تأكل وجبة إفطارك تغصّ بموعظة عن النجاح، وأنت تنزل من على درج البيت تعرقلك نصيحة في النجاح وكيفية بلوغه. لكن النتيجة؟ النجاح بعيد، ولعلَ الأمر يتعلّق بتعريفه الزئبقي غير الواضح.

ما هو النجاح أساساً؟ نأخذ التعريف الأساسي المعروف في الأوساط الدراسية، فالنجاح في المقرر الواجب عبوره يتعيّن بتخطّي عتبة محددة؛ أي أن النجاح يعني تجاوز الحد الأدنى من شيء ما، لا سيما في الجانب الدراسي.

نمضي في التعريف أكثر، لو فرضنا أن العلامة التامة في المقرر الدراسي هي 100 وحدّ النجاح 60 وأنتَ نجحت 70. هل يعتبر هذا نجاح أم مجرد «تخطّي» للمادة؟ هنا لا بد من إضافة الجزء الاستكمالي لتعريف النجاح ألا وهو «التميز». بمعنى لا يجب فقط أن تنجح متخطياً عتبة شيء ما، بل يجب أن تنفرد وحدك بذلك التخطي وعليهِ نمضي في مثالنا أكثر. تخيّل أن تنجح متخطياً مقرراً دراسياً معيناً بدرجة 90! لكن بقية طلاب الدفعة جميعهم 90 أيضاً. هل يعتبر هذا نجاحاً؟

نعيد تخيّل المثال بأن تنجح بـ 90 لكن الآن بقية الطلاب إما قد رسبوا أو في حدود دنيا من التخطي. الآن ربما يعتبر هذا نجاحاً.

بإمكاننا صياغة تعريف النجاح إذًا كالتالي:

هو تخطي للحدود الدنيا التي تؤهلك للعبور نحو المرحلة القادمة، إلا أن هذا التخطي وجبَ أن يكون منفردًا؛ أي لا يكفي لكي تنجح أن تعبره فقط، بل يجب أن يتعثر بقية العابرين.

من جانب آخر بعيداً عن الدراسة، نذهب إلى أنبياء العصر الجديد، بيل غيتس، وارن بافيت، مارك زوكربيرغ، جاك دورسي، ستيف جوبز… الخ. هؤلاء جميعهم مِصداق لتعريف النجاح بأنه التميز وليس فقط تخطي الحدود الدنيا، إذ يجب أن تكون وحدك مَن يتخطى ذلك الحد لا مع جيش من الرفقاء المساندين، ولعلَ هذا ما يفسر تقريباً لمَ جميع هؤلاء المشاهير كانوا كائنات خشنة بعلاقات اجتماعية سيئة، وستيف جوبز وحده مثال بارز في هذا. فالقمة كما يُقال لا تتسع للكثير، وكلما صعدت خطوة للأعلى كلما اضطررت لتترك صديقاً مُحباً قريباً وراءك.

قد يسأل أحدهم ويتعجب لكن بيل غيتس يقرأ الكتب ويشارك قائمته كل سنة! في الحقيقة نعم، لكن هذا بعدما أنتهى من مشروعه التجاري وأكمله. لو عدنا إلى بيل غيتس ومارك زوكربيرغ في فترة دراستهم وإنشاء شركاتهم، فيمكننا شبه أن نجزم أنهم لم يقرأوا حرفاً. القراءة التي يمارسها الآن جميع هؤلاء المشاهير هي رفاهية تحسين الصورة لا أكثر.

قد يبقى الرابح وحيداً، إلا أنه يستدعي مسبقاً أن يكون -مشروع الرابح- إنساناً خشناً. الاستجابة العاطفية الشعورية لكل شيء دليل ضعف أكثر من كونها دليل تعاطف ورقّة. أنت تبكي مع صديقك في عزاء والده، تبكين مع صديقتك في مصابها، هذه أمور لطيفة إنسانية.

إلا أن العالم في الخارج بارد ولا يُراعي مشاعرنا. العالم في الخارج خشن، مليء بالانتصارات الحزينة التي تعيشها وحيداً كأنك جيش مهزوم، ومهما تكوّرت وانطويت على نفسك لن يتحوّل إلى رحم أم دافئ بل سيبقى كما هو. لذلك كن دائماً متوقعاً أن ترى منه الخشونة رغم طيب قلبك. كن دائماً مستعداً لأن تحارب في معركة استنزاف بطيئة مجهدة معه. كن دائماً جاهزاً لأن تربح. وأهم من هذا كله، كن دائماً على استعداد لأن تبقى وحيداً!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *