التصنيفات
عام

لقد ماتت طيورنا يا عُمر

تموت الطيور عندما يبتعد عنها صاحبها. عندما تجد الجبل لم يعد راغباً في أن تجلس عليه لتستريح. هنا تموت الطيور. لا تموت الطيور مِن قلة الطعام، بل مِن التغيير، مِن عدم الألفة، تموت الطيور قهراً لا جوعاً.

ألا تتعب الطيور مِن الطيران؟ ألا يقول أحدهم لنفسهِ ذات مرة مُتسائلاً: أريد أن أنزل إلى اليابسة قليلًا وأتمشى قرب الشاطئ ثمّ أجلس على المقعد وأرى المارة يعبرون؟ ألا ترغب الطيور بفعل ما نفعل؟ أم أن هذه الأحلام والأمنيات المبنية على ما يمتلكه الآخرون تقتصر على تفكير الكائن العاقل؛ فهو فقط مَن يحلم بالطيران بينما مَن يطيرون لا يحلمون بترك أجنحتهم وإراحتها والنزول لعالم كائنات البر الفاسد.

أياً كانت ما تفعله تلك الطيور إلا أنها الآن قد ماتت بعدما تعبت كثيراً. لقد ماتت الطيور يا عُمر، لم تجد قمحاً على رؤوس الجبال ولا حتى في السهول والوديان في الداخل. لم تجد شيئاً. سقطت الطيور يا عُمر. ماتت طيورنا.

لنسرح في عقلنا قليلاً ونتخيّل أن طيراً قد قررَ التنكّر بزي إنسان عاقل والنزول إلى اليابسة مُمارساً الحياة البائسة للكائن البشري، ما هي أوّل الأشياء التي بإمكانه أن يلاحظها؟ أنه لا يمكنه أن يطير. سيدخل إلى المطار مُستغرباً بوجوب الوقوف على طابور والحجز كي يعبر وينتقل مِن مكان إلى آخر ممارساً هوايته العتيدة في التحليق، وسيزداد عجبهُ أكثر عندما يتسمّر أمام ضابط المطار المسؤول عن عبور المسافرين، ويمد إليه جواز السفر، لينظر إليه بازدراء قائلاً: مرفوض! لا يمكنك العبور!

مهلاً لحظة، ما هو التبرير؟ لماذا؟

هناك خلل في أوراقك الرسمية. ليس لديك حساب بنكي أيها الطير. لا تؤهلك المنطقة الجغرافية القادم منها للعبور إلينا، أنت طير مستنقعات ونحن طيورنا برجوازية. أنت محكوم ومختوم بجغرافيتك. أنا آسف. لا يمكنك أن تعبر أيها الغريب. لا يمكنك دخول ديارنا.

هنا يتعجب هذا الطير ليقول له بالحس الإنساني الذي امتلكه خلال فترة تنكّره بهذا الزي البشري: ولكن أليست بلاد العرب أوطاني؟ من الشام لبغدان؟ ومن نجد إلى يمن؟ إلى مصر فتطواني؟

يرمق ضابط المطارات هذا الإنسان غريب الأطوار دون أن يدرك أنه طير متنكر بمسلاخ بشري. عزيزي أيها الغريب، هذا الأمور حفظناها جميعاً في الصغر ورددناها كثيراً، ولعلي أنا بنفسي قد فعلت ذلك آلاف المرات، فعندما كنت صغيراً، عريفاً للطليعة الأولى، وتدرّجت بالمناصب حتى وصلت لرتبة نائب عريف، فاشتريت من فرحي ألوان حمراء وخضراء وزرقاء ولصقتها على كتفي الأيسر لأشير إلى منصبي الجديد، كنت مثلك تماماً. أؤمن بها. لكني عندما كبرت أدركت مدى هشاشة هذه الأمور، لم تكن سوى أوهام نظرية لا قيمة لها على أرض الواقع. ربما تتعجب أيها الغريب أني أمنعك مِن السفر، لكني أنا نفسي لم أستطع أن أسافر يوماً!

أصبحتُ ما هو أسوء، أصبحت ضابط مطارات، موظف تكمن مهمته في رؤية أحلام العابرين تتكسر هنا مذكرةً إياي بأحلامي. لم أمت مرة، مت بعدد المرات التي يعبر بها الناس هنا. اذهب يا صديقي اذهب، اذهب أيها الغريب، ليس لك مكان هنا، لا إمكانية لك للعبور، ابحث عن مكان آخر يناسبك.

تعجب الطير مِن منطق الكائن العاقل، كيف يمكن لأختام حبرية تُمهر على ورق أن تمنع كائناً آخر من العبور والتحليق؟ على الرغم مِن وجود «مبادئ» تدّعي أن الناس سواسية وأن الأرض كلها لك بإمكانك الذهاب أينما تريد، فأنت عندما تسافر من مكان لآخر لا تستبدل المنزل بكامله، بل حالة أشبه مِن التنقل بين غرفة وأخرى. فأنت ما زلت ضمن نفس «الوطن» الخاص بك، فقط غيّرت مكان الإقامة.

تعجب الطير لكل هذا، وضاقت بهِ نفسه شاعراً أن الزي البشري قد بدأ يضغط عليه أكثر ويخنقه، فانزوى لأحد الغرف الفارغة في المطار، ووقف على أحد النوافذ وطار. بدون جوازات سفر، بدون أختام، بدون حسابات بنكية وتأشيرات. وقف على أحد النوافذ، نظر نحو السماء، وطار دون أن يلوي.

لكن سرعان ما دوّى صوت رصاصة طائشة مِن أحد البنادق، لنجد ذلك الطير قد سقط ميتاً. ربما كانت بندقية صيد أو حتى عادية. هنا الرصاص كثير، المهم أن تأتي بمعنى كي تبرر إطلاقه، دائماً كان القتل شيئاً مشروعاً، الفرق الوحيد هو تسويغه وإجابة سؤال لماذا ومعنى هذا التنفيذ.

سقط الطير دون أي ذنب. ربما كان ضحية محاولة التنكر بزي الإنسان لفترة وجيزة جداً، فكان لا بد أن يمسه شيئاً من أذاه كونهُ أصبح محسوباً علينا لبُرهة. مات الطير يا عُمر. سقط الطير. مات قبل أن يحلّق. سقط في أرض المطار أمام موظف العبور الذي كان يتحدث معه قبل قليل.

لكني سأخبركم بسر صغير لا بد مِن الإفصاح عنه، وهو أن أحد تلك الطيور التي كانت قد اعتادت أن تأكل في بلادنا ولا تجوع، قد أتى إليّ وأخبرني أنه لم يكن يفعل ذلك لأنه يريد الطعام، بل كان يأتي لأنه وجد هذا المكان دافئاً، رأى فيه شيئاً حنوناً لا مثيل له في الأراضي الأخرى.

لا تصدقوا أن الطيور تموت جوعاً، فهي أينما ولت وجهها تجد طعاماً. لذلك يدعي المؤمنون بالقول: ليرزقنا الله كما يرزق الطير، إذ أنّه يحط في أي مكان يريده ويأكل من أي بستان ومن أي صنف دون أن يحاسبه أحد. لا تموت الطيور من الجوع، الطيور تموت عندما تتغير أمكنتها، تموت عندما لا تجد دفئ المكان الذي اعتادت أن تهبط فيه، تموت الطيور عندما يبتعد عنها صاحبها. عندما تجد الجبل لم يعد راغباً في أن تجلس عليه لتستريح. هنا تموت الطيور. لا تموت الطيور من الجوع، بل من التغيير، مِن عدم الألفة، تموت الطيور عندما لا يرغب أحد بها.

ماتت طيورنا يا عُمر. نعم هذا صحيح، إلا أن ما لا يقال أيضاً أننا نحن مَن قتلناها بأيدنا. ولا أعرف ما الذي يتبقى عندما تخلو سماءنا مِن طيورها؟ ما الذي سننظر إليه عندما نرفع رؤوسنا نحو الأعلى؟

لننعم حينها بأبراج التغطية والكهرباء، وبمصافي النفط وأبخرتها. لننعم بأجهزتنا الذكية وعقول مستخدميها الغبية. لننعم بكل هذا. لم نعد نحتاج طيوراً. أصبحت الحياة أكثر جديةً، أصبح العاقل مشغول في زنزانة حياته الإسمنتيّة التي يُعيد تكرار روتينها يومياً. لم نعد بحاجة لطيور بعد اليوم.

ماتت طيورنا يا عُمر. إلا أننا نحن مَن فعلنا كل هذا. الطيور لا تموت جوعاً، تموت قهراً.

ولا أعرف ما الفائدة من سماء لا طيور فيها. سماء طيورها بلا جوزات سفر. ليس بإمكانها التحليق ولا العبور. سماء طيورها أصبحت مكبلة. سماء قد ماتت طيورها يا عُمر.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *