التصنيفات
عام

دراما الفئران

إن كان الإنسان -بكل ما فيه مِن سوء وتعصّب وقيء عنصري- هو محور هذا الكون، كيف إذًا هي بالوعة الكون؟ كيف يكون الجانب السيء منه؟

إن كنت مُتديناً فإن هذه الحياة هي «الدُنيا» أي الواطئة، بالتالي متاعٌ غرور لا راحة لك فيها بل مُجرّد اختبار وجسر تعبره كي تصل إلى الآخرة. وإن لم تكن مؤمناً فإن الحياة لا تتعدى كونها صراعاً مِن أجل البقاء، عليكَ أن تتطاحن بها يومياً مع الوسط المحيط كي تنجو. ما يمكننا استنتاجه مِن كل هذه العقائد أن الوعد بالسعادة والراحة لم يقطعه أحد تجاهنا. لذلك مِن غير المُمكن أخذ هذا العالم بعد الآن بجديّة، لا يمكن أن ترى الأخبار يومياً بما فيها مِن قتل وتدمير واغتصاب حقوق وسحل لأناس وعنصرية تجاه الآخر وحقد وتطرّف وأنت تأخذ هذا العالم على محمل الجد مؤمناً أن الإنسان العاقل هو محور الوجود والكائن السماوي. إن كان الإنسان -بكل ما فيه من سوء وتعصب وقيء عنصري- هو محور هذا الكون، كيف إذًا هي بالوعة الكون؟ كيف يكون الجانب السيء منه؟

«لا تطلب مني أن ألعب باحترافية عندما تكون أوراق اللعب في يدي سيئة، أحياناً لا نستطيع سوى أن نستمتع باللعبة نفسها. نستمتع ونحن ندرك الخسارة قادمة. نستمتع بغض النظر عن كل ما سيأتي».

لستَ بحاجة لقراءة الكثير مِن الكتب حتى تدرك مدى تعاسة هذا العالم. وهنا لا أتحدث عن موقفنا الشخصي تجاه ما يجري، لأنه على العكس ربما سأدافع بشدة لإعلاء النظرة الإيجابية في كل شيء. إلا أن العالم في صلبه كحالة موضوعية بعيدة عن إدراكنا، إما أن يتأرجح بين الحيادية أو السلبية ونادراً صراحةً ما ستراه يبدي إيجابية تجاهك، ولعل أكثر إيجابية بإمكانه الوصول إليها هو أن يكون محايداً معك بدون أية أذيات أو فوائد.

تفتح الأخبار يومياً، والصفحات الرئيسية في أي موقع اجتماعي لتُقذف في وجهك مئات المنشورات عن حالات انتحار واكتئاب وقتل واغتصاب، وفلان يرد على فلان، وعلان يرد على علان. بالرغم مِن أننا نملك كل التكنولوجيا والتقنيات التي لم تكن تخطر على خيال أي إنسان مُسبقاً إلا أنها الآن بحوزتنا، بتنا واقفين على هرم معرفي نرى من خلاله كل شيء ونتابع الأحداث بشكل آني لم يكن يخطر على بال مخلوق من قبل. إلا أن كل هذه التقنيات والمعارف والحداثة فشلت في أن تُعطينا شيئاً واحداً وهو «السعادة». هل سألتم أنفسكم لماذا؟ لماذا الإنسان المعاصر كئيب وتعيس رغم كل ما يمتلكه مِن تقنيات؟

الجواب بكلمة واحدة «الاغتراب».

لقد سلبوك من بيئتك المعتادة ووضعوك في مكان بارد اسمنتي ليس فيه روح أبداً. سلبوك مِن حضن الأم الدافئ ليضعوك في عالم ميكانيكي يجري بلا هوادة لا فائدة لك فيه سوى كبطارية تركض في سباق فئران لتلهث كل يوم. وحينما تنضب وتفرغ يتم دفنك واستبدالك بواحدة أخرى جديدة لا أكثر.

يُعاني هذا العالم مِن الاغتراب، مِن اللانتماء. لم يعد يؤمن بشيء. لم يعد يرى أبعد مِن حدود نفسه. لقد قتلوا أي قيمة روحيّة عليا لينصّبوا الإنسان كصنم جديد وجبت عبادته. وهذه هي لب فلسفة فريديريك نيتشه عندما قال في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»: لقد مات الإله، ونحن مَن قتلناه! والجملة الأهم في هذا التصريح هي الثانية وليست الأولى.

لأنه نيتشه لم يتحدث عن الوجود الموضوعي للكيان الإلهي، إنما عن نظرة الإنسان تجاهه، لذلك قال «نحن» مَن قتلناه. فلربما هو موجود وفقاً لوجهة نظره إلا أن الإنسان نفسه مَن تخلى عنه وتركه لينصّب نفسه كصنم جديد يُعبد بدلاً منه وهذا ما نراه في وقتنا الحالي. الإنسان أصبح كل شيء. الإنسان هو الإله الجديد. والأكثر سخريةً مِن هذا كله، أن هذا الإله المُحدث كئيب وتعيس وبدون أمل.

من ناحية أخرى، يمكننا القول أن كآبة الإنسان تعود لسبب بسيط هو نظامه العقلي أشبه ما يكون بأندرويد 4.4 بينما مُعطيات عصرنا الحديث والواقع التكنولوجي الجديد هي أندرويد 10! لذلك شعرَ بالتناقض، بدأ يحس بعقله يغلي وينفجر. فهو لم يكن مهيء لاستيعاب كل هذا الكم المرعب مِن المعارف والأفكار والنظريات. لكن مع انطلاق شرارة الثورة التقنية والمعرفية سهّلت كل شيء ووفرت الكثير، رأى الإنسان فوق استطاعة نظامه العقلي القديم، فكانت النتيجة الحتمية هي الاحتراق!

هل علمت الآن لماذا كل الأديان حاولت تحديد أدمغة مُعتنقيها؟ هل علمت الآن لماذا العقائد السياسية تمنع في النظر خارج ما تمليه؟ هل علمت الآن لماذا إجابة سؤال ما معنى الحياة لا يمكن الوصول إليها؟ لأنه لو وصلَ الإنسان إليها لصعق مِن فوره واندثر. هل علمت الآن لماذا في الأساطير اليونانية عندما أراد إيكاروس أن يطير نحو الشمس التي تمثل الحقيقة الكاملة، صنع أجنحة من شمع ليحلق بها، لكن ما إن حلق ورأى الشمس -الحقيقة- حتى ذابت أجنحته وانصهر؟ لأن الإنسان كان دائماً لا يحتمل أن يعرف كل شيء. الإنسان لم يهيء أبداً للمعرفة الكاملة.

لذلك الفيلسوف العبقري سقراط منذ 3 آلاف سنة ماضية، عندما قالوا له في أثينا أنه هو حكيم قال لا! لست حكيماً! الحكمة الكاملة للآلهة، أنا فقط مُحب للحكمة. لذلك أنا فيلسوف! صدقوني اقشعر جسمي وأنا أكتب هذه الجملة. ما طينة أولئك الرجال كانت؟ كيف وصلوا لتلك المرتبة من الفهم قبل توفر كل الوسائل التقنية المسهلة التي نملكها نحن الآن؟ لماذا كائننا اليوم ضحل جداً رغم كل ما يملكه من تسهيلات؟!

الإنسان لم يهيء للمعرفة الكاملة. سيموت إن رأى كل شيء. لذلك قال نيتشه:

«لا تحرموا الإنسان مِن الكذب، لا تدمروا خيالاته وأوهامه. لاتدمروا خرافاته ولا تخبروه الحقيقة، لأنه ببساطة لن يتمكن مِن العيش مِن خلال الحقيقة!»

هذا العالم مسخرة كبرى يا صديقي. دراما رديئة أبطالها حشرات تتصارع مع بعضها، رابحهم لا يتعدى كونه الصرصور والفأر الأكبر. إلا أنه في الوقت نفسه، ومِن خلال قوانين التراكم الحيوي التي ندركها بفضل حصيلتنا العملية. بتنا نعرف أيضاً أن القانون الأوّل في البقاء هو المرونة والتكيف مع الوسط الجديد. أي أنه بالإمكان النجاة طالما خفّضت مِن صلابتك الوجودية وبت مفتوحاً على كل المجالات والاحتمالات.

أعد صناعة نفسك أو Re-Create Yourself. كانت هذه قاعدة روبرت غرين في قواعده للسطوة. لذلك دائماً استمتع بإعادة تخليق نفسك وفقاً للظروف الجديدة. دائماً تغيّر حسبما يستجد من معطيات. دائماً كانت النخبة القليلة هي التي تُصطفى وتبقى في حين أن الغالبية العظمى يكون مصيرها الحتمي الاندثار.

لذلك عزيزي. واصل متابعتك للمباريات غير المهمة. تابع مشاهدتك للإباحيات. استمر بتضيّع وقتك فيما لا يهم. استمر بأكل ما تشاء مِن مأكولات دون حسيب ولا رقيب. تابع ما تريد فعله. لكن سأذكرك أن الذي يبقى دائماً هي القلة المُميزة. وطالما أنك تفعل ما تفعله الغالبية فأنت مُجرد كائن عادي استوطن هذا الكوكب الصغير وانقرض دون أن يفعل شيئاً مهماً.

أما النخبة المتبقية فهي التي سترى الحقيقة، هي أشبه ما تكون بإيكاروس لكن عندما يأتي مرة ثانية أكثر خبرة. يعرف مِن أين ستحرقه الشمس فيحاورها ويناورها. يجابه الحرارة العالية بصلابة بطوليّة وكأنه إله يوناني يحمل السماء على كتفيه. يواجه كل شيء ويصر على الثبات حتى النهاية لرؤية كل شيء.

أما البقية المُذعنة للشروط البدائية، المُمَثلة بالناطق الرسمي لها وهو الإنسان رديء الجودة. فإنها لا تعيش أكثر مِن دراما فئران ليس لها أي أهمية على نطاق الكون وحتى على نطاق الأرض نفسها نظراً لعمرها الحيوي الطويل. عمر الحياة 3.5 مليار سنة. عمر جنس الإنسان حوالي 300 ألف سنة. لا تعتقد أن كل هذه السنون ستهتم برسوبك في الجامعة وموادك الدراسية وحميتك الغذائية. لا لا، هذه فقط مهمة لك شخصياً لذلك يجب أن تفعلها.

لماذا يجب أن أفعلها؟

لأنه باختصار شديد هذا هو الأمر الوحيد الذي يجعل لحياة الإنسان معنى. غير ذلك لا نتعدى أي كائن عاش في الطبيعة ومات دون أن يُعير له أحد أي اهتمام. أنت الكائن الوحيد الذي استطاع أن يفهم. والأهم مِن هذا كله، أن تدرك مدى سخرية وقساوة الوسط إلا أنك تقرر المضي في الطريق حتى آخره.

حينها تكون قد تجاوزت مرحلة الإنسان لتصل لمرتبة أخرى أرقى، مرتبة «الإنسان الأعلى Übermensch». إيكاروس الذي احترق لكنه كان كالعنقاء الاسطورية، في اللحظة التي مات فيها بُعث فيها مجدداً!

دراما حشرات كبرى؟ نعم، لكني سأترفع عنها لأخلق مسرحيتي الشخصية وأقدم عرضي الخاص. فلنصعد الآن ونُري الجميع ما لدينا.

تعليقين على “دراما الفئران”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *