التصنيفات
عام

عن التحرش الجنسي والذكوريّة ومسبار الأمل وآيا صوفيا

لست بحاجة لإعادة اكتشاف الذرة حتى تقوم بصناعة الدواء في عصرنا الحالي، بإمكانك الاستفادة مِن خبرات الآخرين لتحقيق أهدافك الشخصية. فالمقارنة هنا خاطئة. لا حاجة لإعادة اكتشاف البنسلين حتى نستخدمه، يكفي أن نحترم مَن صنعوه ونقر بفضلهم.

بمعدل فتاة واحدة كل أسبوع، لا بد أن نسمع قصة إحداهن قد تعرّضت للأذى في نشرات الأخبار. وبذلك تكون هي مِن اللواتي واتتهم فرصة الشهرة لقاءَ ذلك الحادث المؤسف بينما هناك المئات والآلاف مِن الأخريات اللواتي لا تتاح لهنّ فرصة عرض قصتهن ولا الإخبار بها، إنما يموتون ببطء خانق، ويحترقون شيئاً فشيء.

موضوع التحرش الجنسي شائك جداً، وكإنسان يحب أن يصف نفسه بأنه «ليبرالي كلاسيكي» وليس ليبرالي مُحدث بالمعنى السيء السائد حالياً. لا بد أن نجد في هذا الحدث فعلاً قبيحاً. ليس لكونه يتعرّض لإنسان مِن جنس ولون وميل آخر، إنما لكونه يشكل انتهاكاً واضحاً للدائرة الشخصيّة للآخر بغض النظر عن ماهيّة ذلك الآخر. تخيّل أن تتعرف على شخص ما، ومن أوّل يوم يضع يده على رأسك ويضربك مازحاً معتقداً أنه في دائرة المقربين، هذا بشكل ما هو تحرش وتعدي على دائرة الخصوصية للآخر. إلا أنه يجب أن نغوص في التعريف ليتضح الأمر أكثر.

يقول الدكتور الباحث في علم الأديان خزعل الماجدي: إنّ المجتمعات القديمة هي مجتمعات أموميّة، إذ كانت تقدّس الأنثى وتجد فيها سر الحياة، ذلك لأن السائد حينها لم يكن معرفة أن كلا الجنسين يساهمان في الحمل والإنجاب، بل أنّه حكر على المرأة لأنها هي مَن تبدي أعراض انتفاخ البطن والولادة، فانحاز المعتقد القديم لقدسية الأم والأنثى وتفوقها على الذكر، ولهذا السبب كانت الآلهة فيما مضى أنثوية كعشتار وغيرها، وكانت الطبيعة توصف بالأم.

لم يحدث الانقلاب الذكوري إلا عندما اكتشفت المجتمعات المتأخرة أن السبب في الحمل هو الذكر وليس الأنثى. هنا انتقلت القدسية مِن الأنثى الأم نحو الذكر. محدثةً ما عُرف بـ «الانقلاب الذكوري». الذي كان مِن أبرز نتائجه نشوء الحضارة البشرية بكاملها. وهنا يجب للجميع أن يكون منصفاً بقول ما له وما عليه، بالرغم من أنه في الوقت المعاصر تتصاعد الدعوات لإجهاض التفوق الذكوري الهرمي، الذي كان سبباً في تشغيل عجلة الحضارة من قبل، والتي خرجَ من نتائجها المتأخرة التخلي عن سيادة الذكر نفسه وتحقيق المساواة الكاملة. وهنا لا بد من توضيح جانب مهم.

الآن قد تغير كل شيء. لم تعد البشرية في طور صراع وقتال وبناء حضاري كما كان في السابق. لنضرب المثال التالي لتتضح الفكرة، تخيل أن تستأجر عمال بناء لتشييد منزلك الخاص، ثم يدخل العمال ليقوموا بتحضير المنزل وبناء أعمدته وأساساته وانهاءه ليخرج تحفة فنية بارعة الجمال. نعم هذا رائع، لكن دورهم قد أنتهى! مِن غير المعقول أن أجعل منزلي ملك لهؤلاء العمال فقط لأنهم هم مَن بنوه! مِن غير الممكن أن أظل أحتفي بهم طيلة حياتي. نعم، لقد بنوا وشكرناهم على فعلتهم. لكن الأمر انتهى. تغيرت الظروف. تغير الحي والشارع وساكني المنزل أنفسهم. لم تعد الأمور كما السابق.

نفس الأمر تماماً في وقتنا الحالي، الذكورية وتفوّق الذكر هو أمر -على الأقل تاريخياً- حقيقي ولا أحد ينكر هذا أساساً. الخلل يكمن في استحضار الماضي داخل الحاضر المعاصر. لا يمكن أن تطالب بتفوق الذكر حالياً كونه كان بانياً للحضارة لأنه حينها سيُطالب أيضاً بالصيد وجمع الخشب لإيقاد النار ومواجهة الفهود والنمور كل يوم! ليس فقط أن يكتفي بمزايا الرجل الحضاري السابق ويتجاهل الضرائب التي كان يدفعها ذلك الحضاري مفتول العضلات! الظروف تغيرت. الآن الكل يدرس ويتعلم ويخرج ويسافر، لذلك المساواة صارت أمراً واقعاً، وهو ما لا يتعارض مع نكران التاريخ، إنما فقط إقرار بأن ما نعيشه لم يعد كما في مرحلة بناء أهرامات الجيزة وعصور الحضارة الغابرة. لذلك لا أفضلية لذكر على أنثى الآن ولا لأنثى على الذكر. كلاهما قد جرّبا حظهما عبر التاريخ وأخذا فرصتهما في السيادة، لذلك لنجرب الآن المساواة ونرى ما هي نتائجها، مِن باب إعطاء الفرص للجميع لا أكثر.

هذا بالنسبة للتأصيل التاريخي للموضوع، أما بالنسبة لموضوع التحرش وقتل البنات الصغريات والكبريات فهو باختصار شديد موضوع قانون أكثر مِن كونه موضوع دين ومجتمع وثقافة.

مثلاً عندما يكون لديك قانون أو عقوبة أنّ القاتل يُعدم والمتحرش بأحد يدفع غرامة قدرها 5000$ لقاء تحرشه، فتأكّد تماماً أنه لن يتجرأ على التحرش طيلة حياته القادمة. على العكس تماماً، لو تحرّش مُجدداً فأنا أضمن أن يقوم والدهُ -على افتراض أن غالبية المتحرشين شباب صغار ليس لديهم أموال وهذه هي الحقيقة فعلاً- باغتصابه والتحرش به نفسه إن فعل فعلته مُجدداً. فالعقاب القانوني المادي دائماً هو أنجح عقاب، لا تقل لي دين ولا مجتمع ولا أخلاق، هذه أمور تعطيك خطاً عاماً لا أكثر. فمثلاً، في أكثر المجتمعات تطورًا ورفاهية، لا يزال يوجد جرائم قتل على الرغم من أن منع القتل بدء مِن شرائع حمورابي قبل 8 آلاف سنة وإلى الآن، إلا أن كل هذه العقائد لم تمنع حدوث الضرر بل فقط ساهمت في خلق بيئة عامة تحاول تحييده. أما الإجراءات العملية الفعالة تكون في التعامل المباشر، فقط أضغط على جيوب الناس وأموالهم وستجدهم يقلبون كالفئران، هذا هو مبدأ التعامل مع الإنسان رديء الجودة. أما النقاش الأخلاقي المتحضر ندعه لمَن هو في مرتبة أعلى مِن طور الإنسان الغريزي.

تعريجاً على هذا الموضوع، هناك عدة أسئلة ينبغي الإجابة عنها في موضوع التحرش، وسأفعل هذا باقتضاب شديد.

قرأت على الفيسبوك نصاً لصديقة نسوية تقول: «أن الفكر الديني هو سبب التحرش». لذلك أريد أن أجيب عن هذا السؤال هنا، هل الفكر الديني سبب في التحرش حقاً؟

في الحقيقة لا. العلاقة بين السبب والمسبب هي علاقة طردية. بمعنى لو أردت القول أنّ السبب في سرطان الرئة هو التدخين يجب أن أبين العلاقة الطردية مِن خلال اثبات أنه مع رفع مستوى التدخين تزداد مستويات الإصابة بسرطان الرئة. أي أن شدة السبب تؤدي لزيادة شدة المسبب. نعيد طرح السؤال الآن. هل إذا زاد التدين يزداد التحرش؟

على العكس. أعتقد أن المتدينين لا سيما الشباب تُرافقهم حالة مِن الزهد أو محاولة تجنب المرأة بشكل كامل والتعويل على فكرة المرأة في الحياة الآخرة، لدرجة أنه لو رأى إحداهن تمشي في الشارع لغيّر الشارع الذي يمشي فيه كلهُ.

أما السؤال الآخر فهو، هل المجتمع الشعبي له علاقة ويشكّل سبباً في التحرش؟

هذا السؤال غير مهمة إجابته. لماذا؟ لأن المجتمع هنا يا أعزائي 90% مِن أفراده لم يتعلموا بناء ثقافة رمي القمامة في الحاوية والأماكن المخصصة لها. تريدون إقناع نفس هؤلاء ثقافة احترام الآخر والمساواة؟ هؤلاء لم يتعلموا سوى ثقافة واحدة وهي الثقافة القبلية العربية، ثقافة احترام الأكبر منك فقط. أما احترام الشوارع والنظافة وحقوق الناس فهو أمر بعيد جداً عنهم.

لذلك الإجابة كما قلت غير مهمة، والأهم هو العقوبة المادية الرادعة لا أكثر.

بالنسبة لموضوع آخر تماماً، وهو مسبار الأمل الذي انطلق نحو المريخ. لدي تعقيب بسيط أريد أن أقوله على الحدث بشكل عام. وهو أن غالبية مَن رأيتهم يكتبون في الموضوع يتحدثون بسخرية عن المسبار واطلاقه الإماراتي. وأنه لا يتعدى كونهُ حدثاً إعلامياً لا أكثر، مهمته تلميع الصورة على النطاق العربي والعالمي. وأن الفخر الحقيقي يكون في حال دعم الفكر المؤدي لإنتاج رحلة للمريخ، وليس الرحلة للمريخ ذاتها.

هذا الكلام قد يكون مُحقاً، إلا أنه محدود جداً. محدود لأن هذه الحركات دائماً كان هدفها «الشو» الإعلامي لا المعرفة. هل لك أن تجيبني ما فائدة صورة الثقب الأسود التي التقطت منذ وقت قريب؟ صناعة الحدث الإعلامي. هل لي أن أعرف ما فائدة سباق الولايات المتحدة والسوفييت تجاه القمر وغزو الفضاء؟ الحدث الإعلامي والحرب النفسية. هل لي أن أعرف لماذا توقفت الولايات المتحدة عن صعود القمر ولم ترسل رحلة أخرى بعدما سقط الاتحاد السوفيتي واكتفت بمجموعة صور بلهاء كإثبات وجود، على العكس تماماً تم تفكيك مشروع غزو القمر الذي كان بميزانية مليارات لا تحصى؟

لا يوجد فوائد. نعم هناك مشاريع لها علاقة بالتجهيزات العسكرية والتقنية المصاحبة لهذه العروض. إلا أن الجانب الأكبر دائماً هو الهزيمة النفسية والإعلامية وصناعة حدث بصري لتلميع الصور والشخصيات. ومِن حسن الحظ أن إرسال المسبار تم في معاصرة مع إعادة فتح آيا صوفيا كمسجد.

هل ينقص اسطنبول مسجد للصلاة؟ لا طبعاً. هل ينقص المريخ مسبار إضافي ليدور حوله؟ لا قطعاً.

إن كنت تعتقد أن الإمارات في إرسالها المسبار تريد اكتشاف المريخ، وأن تركيا في تحويل آيا صوفيا تريد تحفيز المؤمنين على صلاة العصر. فأنا أهنئك على مدى بساطة تفكيرك في قراءة المشهد.

هذه الأمور دائماً كانت استعراضات إعلامية. ولو كنتَ محل أصحابها لفعلت نفس الأمر. مسبار الأمل صحيح هو ياباني بشكل شبه كامل ولا علاقة للإمارات به سوى كعلاقتي أنا بنابليون بونابرت، وأنها اشترته بأموالها. لكن هذا هو الهدف منه أساساً، صناعة الحدث الإعلامي. كما أعاد آيا صوفيا صناعة الحدث بالعثمانية الجديدة في المنطقة. ومَن يقول أنّ الأهمية في الفكر المؤدي للمسبار وليس المسبار نفسه مُحق في تفكيره فعلاً، لكنك لست بحاجة لإعادة اكتشاف الذرة حتى تقوم بصناعة الدواء في عصرنا الحالي، بإمكانك الاستفادة مِن خبرات الآخرين لتحقيق أهدافك الشخصية. فالمقارنة هنا خاطئة. لسنا بحاجة لإعادة اكتشاف البنسلين حتى نستخدمه، يكفي أن نحترم مَن صنعوه ونقر بفضلهم.

ولا أعتقد أن مَن يقرأ هذا المقال يحمل هاتفاً وحاسوباً مِن صناعته الشخصية العصامية. أنت فقط «دفعت» ثمنه فأصبحت تعتقد أنه ملكك. وربما المسبار نفس الأمر، تدفع حقه فيصبح ملكك. لا حاجة لإعادة اختراع البارود إن أردت صناعة بندقية. ربما الشيء الوحيد الذي لم أحبه في المسبار هو أسمه، الأمل! وكأن على الأرض فائضاً حتى يصدّروا منه إلى المريخ!

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *