التصنيفات
عام

العرض الأخير: عن القوّة والحب وفسيلة يوم القيامة

يسري العرض الأخير عندما تتذكر قصة البداية بأكملها، القصة التي بدأت لحظة انفجار السائل الأمنيوسي وصراخك بعد أن ربحت يانصيب الحياة وقدمت إلى هذا الوجود قليل الذوق.

«تشرق الشمس كل يوم مرة واحدة، واليوم الذي مضى لن يعود، حياتك فرصة واحدة لن تتكرر، حاول أن تنقذ ما تبقى منها!». -انطون تشيخوف.

لا بد مِن معرفة أن العدميّة والعبثيّة والسرياليّة وغيرها مِن توجهات ما بعد الحداثة، لا تُصنّف كفلسفة حقيقية ذات إطار معرفي نَسقي، إنما حركات فنيّة ثائرة على ماكينة التقدّم التي هدرت جنازيرها في القرن التاسع عشر. فكان لا بد مِن رفض لهذا العالم البارد الميكانيكي الجديد الذي أتت به الحداثة على ظهر المحرك البخاري.

وللتأكيد على هذا نجد أن «البير كامو» العبثي الشهير كان روائياً فذاً، «صامويل بيكيت» نفس الأمر. وأنّ «إميل سيوران» العدمي الشهير كان كاتباً مُعتبراً، وحتى دوستويفسكي وعدميته تنتمي لنفس القائمة، سياق الحركات الفنيّة. لذلك لا يمكن أن نقول بالعدم والعبث سوى إن كنا فنانين ثائرين، أما العدميّة والعبثيّة كحركات مَعرفية فهي لا تطرح جدلًا حقيقياً أو تقدم طرحاً منطقياً يُجاب عليه، بقدر ما تستند على الواقع الاجتماعي ومتغيراته وردة الفعل تجاه ما يحصل فيه.

وبما أننا نتحدث عن المعاني، فلا بد مِن التطرّق لحياة الإنسان وعرضه الأخير الواجب إنجازه.

في حياة كل منا فترة لا بد أن يظهر فيها على الشاشة عبارة You Lose أو Game Over لكنها لا تظهر. أو أن الذي يلعب يراها لكنه لا يصدّق أن ذلك يحصل فعلاً، محاولاً التمسك بأمل وهمي لعله يبقى ضمن الإطار. إلا أن ذلك الأمل يُقلب وبالاً عليه ليفتك به، فيتداعى حينها كل شيء، وتسوء اللعبة أكثر وأكثر.

«أن تنتبه للحب وهو ينفلت منك، كأن تراقب إيمانك وهو يتلاشى… لحظات شجاعة وذكاء وسخرية استثنائية جداً. حتى أنك تستهلك وقتاً طويلاً لتعترف أمام نفسك أن ذلك يحدث فعلاً، أنك ترى العالم دون هيبتهِ، وتنتبه لكل التفاصيل التي أغفلتها، كل ما يجعل مَن تحب شبيهاً بالآخرين، تنتبه للنمط الذي أغفلته لصالح استثنائية كنت مُتيقناً منها. لكنك الآن تُدرك…

هي تتكلم مثل زميلاتها في الجامعة، وتمشي مثل بنات طبقتها، بل وتضحك مثل بنات الأسر المحافظة المتمردات. حتى طريقتها الساحرة في نطق جُمل بعينها تكتشف أنك سمعتها بنفس الطريقة مرات عديدة. الإدراك نفسه يحز في نفسك كأن تسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائه. لكن هذه السخرية العميقة بمجرد حدوثها لا يمكن التراجع عنها. تشعر بالقوة لأنك تحطم شيئاً عزيزاً عليك وبالذنب لتحطيمك إياه. سيكون بوسعك أن تحب مرة أخرى كما بوسعك أن تؤمن ثانيةً. لكن هذه المرة تكون أكثر خبرة، أكثر احترازاً وأقل تورطاً، ومستعداً للانسحاب عند أوّل إشارة لتهدّم العالم الجديد.

ليس الحب الأوّل أكثر وطأة لأنه أكثر إصالة فعادةً ما يكون نتيجةً لقلة الخيارات. هو أكثر وطأة لأنه يخترقك دون دفاعات. ولأنك تصمد طويلاً قبل أن تكتشف أن الانسحاب ليس عاراً يجب تجنبه، وأنّ الدهشة لا يمكن إعادة تخليقها بالقوّة. وأن مقاومتك اليائسة تزيد مِن قسوة الانسحاب لكنها لا تُوقفه. وأن الحبل الذي لا تدعه يفلت منك يلتف حولك وحول مَن تحب وكلما شددته أكثر كلما شعرت بالاختناق، الاختناق الذي تفسره مخطئاً أنه نتيجة للانسحاب لا المقاومة!» – بلال علاء، روائي مصري.

أي أنك باختصار شديد لم تقرأ عبارة أنك خسرت وتجاهلتها. أصررت أنك ما تزال ضمن إطار اللعبة ولم تضغط على زر Restart لتبدأ مِن جديد أكثر خبرةً وذكاءً وتحصيناً. يجب أن تسلّم أنك فشلت وأن للحياة جانبٌ سلبي قد يلف حبل إعدامه حول رقبتك ليشنقك. وعندما تؤمن بذلك وتتقبل الأمر بصدر رحب، يتم إعدام شخصك القديم وتبدأ حينها دورة جديدة، مانحةً إياك عرضاً جديداً، عرضاً في غالب الأحيان يكون أخيراً لتضع كامل ثقلك فيه.

يبدأ العرض الأخير عندما تتذكر قصة البداية بأكملها، القصة التي بدأت لحظة انفجار السائل الأمنيوسي وصراخك بعد أن ربحت يانصيب الحياة وقدمت إلى هذا الوجود قليل الذوق. العرض الذي يذكرك بأوّل خطواتك وأنت صغير، أول مرة تحبو فيها، أوّل محاولة تسلّق لجدار المنزل. يذكرك بتهجئتك الأولى لكلمة بابا وماما، لأول مرة تبكي وأنت تذهب للمدرسة. أول مرة ترجع للمنزل وأنت **** في سروالك. أول مرحى تأخذها أمام التلاميذ في عرض مدرسي مَهيب. أول فتاة تقبلها. أول شهادة دراسية تحوزها لتعتقد أن أشرعتك في الحياة قد شُدّت على آخرها. أول يوم في الجامعة. لحظات التخرج ببهجتها. لحظة الزواج. عندما يأتي طفلك الأول ليقبض بإصبعه الصغير على يدك ويد أمه الناعمة معاً فتشعر أنك قد ملكت الدنيا بأجمعها. كل لحظات الأمل إضافة للحظات الأسى. اللحظات الجميلة بأفراحنا والإنسانية بأخطائنا. هذا العرض الأخير يذكّرك بشكل سريع برحلتك مِن بدايتها إلى لحظتها الحالية خلال ثواني قليلة معدودة تاركاً إياك في حالة صدمة، وكأنك تشاهد فيلم حماسياً، ثمّ في وسطه يُضغط على زر Pause فجأة فيتوقف كل شيء! ليُقال لك في حالة الدهشة تلك أن قصة البداية والاتيان لهذا الوجود لم تكن ربما ضمن يدك وتحت حوزة سيطرتك إلا أن قصة النهاية ستكون حتماً مِن كتابتك، وعرضك الأخير ستنفرد به وحدك للتنفيذ!

«لكَ شيء في هذا العالم فقمُ!» – غسان كنفاني

وسأضيف لمقولة كنفاني أنه حتى لو لم يكن هناك شيء سأقوم وأبقى أستيقظ كل صباح وأنتظر فرصتي الجديدة تحت الشمس التي اعتادت أن تشرق مُبتسمةً في وجوهنا. سأبقى مثل بائع الخضار البسيط الذي يصحو كل يوم ليحمل عربة خضاره الصغيرة مُتأمّلاً أن الرزاق هو الله وأن مَن خلقه لن يتركه ويتكفّل به مهما قست الظروف وساءت. هذا هو جوهر الكائن العاقل. هذه وظيفة الروح الصغيرة القابعة في داخلنا. أنها تمنحنا الأمل على الرغم من إدراك حتمية الزوال والأفول، فهذا الإدراك لم يكن يوماً مبرراً للقعود وعدم الفعل بحجة أن كل شيء مُنتهي، وأن ما من أمر إلا نهايته الذبول.

على العكس، كان الإنسان دائماً كائناً لديه أمل، أمل النظر نحو الأمام، أن القادم أفضل، وأهم من هذا كله، أمل أنه هو مَن سيخلق الأمل بنفسه لا أن ينتظر أحداً ليأتيه ويسكبه له في صحن أمامه واضعاً إياه في فمه.

لكن الأمر صعب! الأمل عمل شاق. ماذا نفعل؟ لا يمكننا أن نتفاءل كثيراً، العالم اليومي أكثر صعوبة ويدفعنا نحو الأسى، ماذا نحن فاعلون؟

صحيح، لكن ذلك الأمر هو نفسه أكبر دافع للأمل. لأننا عندما نرى العالم يتهدم مِن حولنا مُسارعاً كل شيء فيه نحو الاضمحلال، يدفعنا هذا للهروب كي نرتمي في أحضان الأمل. فالفناء من حولنا يساعدنا على تخطي المآسي، إذ يجعلنا أقل تعلقاً وأقل تمسكاً. يجعلنا الفناء لا نصدق كثيراً ولا نتعلق كثيراً ولا نحب كثيراً ولا نأخذ الأمور بمحمل الجدية كثيراً.

هل ترى حينها أقوى مِن هذا الإنسان لإيكال مهمة البناء إليه؟ الإنسان الذي لا يهمه السقوط ولا يتعلق بما يفعله كثيراً؟ بالضبط تماماً. هذا هو الإنسان الأبرز لكي ينشأ صرحاً عظيماً، لأنه زهد في المعاني الجاهزة مِن حوله فقرر أن يجعل مِن نفسه بعينها المعنى.

وإن أردت التفاؤل أكثر فلا بد من التذكير أنه لإنجابك تم إنزال 180 مليون حيوان منوي في ليلة خميس، أي ما يعادل سكان الجزائر والمغرب ومصر وتونس مجتمعين. كلهم ماتوا في حرب طاحنة على بويضة، كلهم ماتوا ونجى واحد منهم وهو أنت! كان بإمكانه أن يأتي كائن آخر غيرك، لكن الاختيار وقع عليك.

كنت مقاتلاً وعشت مقاتلاً وستظل مقاتلاً. عندما يسألونك عن إنجازاتك في الحياة أخبرهم أنك احتللت المركز الأول مِن بين 180 مليون مقاتل آخر في أشرس معركة عرفها التاريخ، معركة «أكون أو لا أكون».

لقد ربحت يا نصيب الحياة أيها الإنسان. كنت دائماً مقاتلاً لذلك آن الأوان لأن تستعيد وضعيتك الأساسية، ألا وهي وضعية القتال.

هناك حديث نبوي أحبه يقول: «إذ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل». هذا الحديث يُشير تماماً إلى فكرة احتلال اللحظة الحالية وعيشها بكاملها. تخيل أن الدنيا تنهار والقيامة تقوم وكل شيء يزول وأنت تجلس في منطقة زمنية خاصة بك. ماذا تفعل؟ تمسك شجرة صغيرة تريد زراعتها! صدقني لو كنت أنا في ذلك التوقيت لفعلت شيئاً واحداً فقط. أني رفعت يدي لأقصى درجة مُمكنة للأعلى ثم سأهوي بها كمذنب على التراب لأشق الأرض شقاً بهذه الشجرة الصغيرة. لأقول إني قد مررت من هنا. كان هنا الكائن العاقل. هذا هو توقيعي. لقد زرعت وبنيت. هذه هي بصمة وجودي. كنت دائماً الكائن الذي يفعل، الكائن الذي يُشيّد. هذه يدي وهذه فسيلتي وهذا دليل أنني قد عبرت في غابر الزمن.

أطلب منك الآن أن تبعد الهاتف مِن أمامك أو تمسكه باليد الأخرى، وضع يدك على قلبك عند الناحية اليسرى مِن صدرك، هل أحسست بنبضات قلبك الخافتة؟ دعني أخبرك أن عمر الجنس البشري يقرب مِن 300 ألف سنة، خلال هذه السنين السحيقة الماضية لم يكن لك شخصياً أي وجود، لا لفكرك ولا لضربات قلبك ولا لعلاماتك الدراسية المتدنيّة ولا لظروف عملك الكئيبة، كنت خارجاً بالكامل مِن إطار الوجود. وخلال القرون السحيقة التي ستأتي سنتلاشى أيضاً. فنحن -أنا وأنت وهم وهو وهن- سنكون محظوظين إن وصلنا لـ 2100 لكننا لن نصل غالباً، أي أن قلبنا سيتوقف ونفنى لقرون سحيقة لا يعلم إلا الله بها.

نحن مُجرد جثث وهياكل عظميّة تتحرك لديها وقت تقضيه ثم ستموت، لذلك آمن بصوت ضربات قلبك التي تشعر بها الآن ولا تخذلها لأنها ستتوقف وتفنى لملايين من السنين القادمة. أما الآن فلديك فرصة ذهبية، ربحت يانصيب الحياة، اجعل مِن حياتك معنى ولا تنتظر المعنى. هذا العالم نشيده فينهار ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن. نعم، لكن حتى لو أنهار عشرة آلاف مرة سنبقى نشيده. لماذا؟ لأننا الكائن العاقل. الكائن الذي يبني. الكائن الذي لا يريد أن يجلس ويندب حظه، الكائن الذي سيترك إرثاً لأولاده وأحفاده للقرون القادمة. الكائن الذي يفنى كجسد لكنه يبقى كفكرة وبناء ومعنى وشيء جيّد يدل على أنه قد مر من هنا. الكائن الذي لديه عرض أخير يريد أن يريه للكون بأكمله.

أوقف الموسيقى الحزينة الآن، أبعد الكاميرا البطيئة التي تظهر في لحظات الانكسار، أرجع الألوان لحياتك وابتعد عن الأسود والأبيض الكئيب. أمامنا عرضٌ أخير ينتظرنا يا صديقي.

لم تعد تهمني قصة البداية، ولم تعد تهمني قصة النهاية. ليذهبوا إلى الجحيم بكل قصصهم وأقوالهم وحكاياتهم. لدي قصة شخصيّة يجب أن أرويها. هناك مشهد يجب أن تنظروا إليه ويتردد صداه في لحن الأبدية عندما يفنى كل شيء لتبقى فسيلة يوم القيامة وحدها شاهدةً على وجودي.

أعطني يدك لأساعدك على النهوض يا صديقي، اخرج إلى خشبة المسرح وأرني عرضك الآن. الحياة كما قالها تشيكوف فرصة واحدة لن تتكرر، حاول مُسرعاً أن تنقذ ما تبقى منها!

اعترف أنك قد خسرت وتعثرت، كله لا يهم. الآن اضغط على زر إعادة التشغيل بعد أن تعدم شخصك القديم. ابدأ مِن جديد بدفاعات أكثر وخبرة أكبر. العب بالطريقة القاسية كمَن يمتلك كلمات سر وغش في اللعبة. ولا تسأل لماذا وكيف وما الفائدة. أنت ربحت يانصيب الحياة، ليس هناك وقت للتساؤل أساساً. انخرط بالجو مباشرة والعب بالطريقة القاسية، صانعاً عرضاً أخيراً.

أرفع يدك للأعلى لأقصى درجة، وهوي بفسيلتك نحو الأرض كأنها شهاب طال انتظره لكنه أتى بعد طول ترقّب. أثبت وجودك الآن. أرنى بصمة العاقل فيك. أرني أنك قد مررت مِن هنا. أري الكون أنك قد عبرت في لحن الأبدية الغابر. أري الزمن والكون وكل شيء عرضك الأخير الآن.

لا شيء لنا في هذا العالم لكننا سنقم! كل ما نشيده ينهار لكننا سنواصل البناء! الدنيا اختبار إلهي يجب أن نعبره لكننا نصر على النجاح! الحياة صراع للبقاء لكننا سنواجه بأقصى درجات المرونة! أي باختصار شديد، سنقف بعناد في مواجهة كل شيء. لم نكن شيئاً سوى إنسان عاقل عنيد يحمل فسيلة صغيرة بيده يريد زراعتها. فلا تستهينوا بالعاقل الذي يريد أن يزرع، العاقل الذي انتصر دائماً، العاقل الذي اخرج الإنسان الحيواني من غابته وجعله متحضراً، العاقل الذي يحمل غصناً لا سيفاً!

3 تعليقات على “العرض الأخير: عن القوّة والحب وفسيلة يوم القيامة”

كلامك هذا بيفكرنى بالاية القرآنية الثانية من س البقرة(( آلم(1)ذلك الكتاب لا ريب فيه هدى للمتقين*الذين يؤمنون بالغيب*….))
(الذين يؤمنون بالغيب)

سأضع تعليقي هذا لعله يذكرني ,بقرار التغيير من الداخل إلى الخارج،دمت وفيا لروح الايقاظ و التحفيز.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *