التصنيفات
ذكريات

مسجون في صحن برغل

«هل فهمت الآن الحكمة مِن كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟ لأنه لو عاش الإنسان مئتي عام لجن مِن فرط الحنين لأشياء لم يعد لها مكان» – أحمد خالد توفيق.

يعود فصل الشتاء بكآبته المعهودة نهاية عامٍ لا يحتاج كآبةً إضافيةً تُزادُ لرصيدهِ. فلو قسَّمَ الناس أنفسهم لـ «شتويون» و«صيفيون». فأنا شتويٌ يحب السكينة والألوان الباهتة المرافقة لهذا الفصل، لا شمس الصيف الساطعة مع حزمتها الداعمة بما تشمله مِن تعرّق ولزوجة. دون أن ننسى إضاءة الشمس المجانية الفجّة التي تسيطر على المكان.

يُذكرنا الشتاء بالبرد والمدفئة والانفلونزا الموسمية وأعمدة المخاط التي تتأرجح مِن أنوف العابرين. يُخبرنا الشتاء بضعف الإنسان وذبولهِ. رغم تلك الشاعرية التي تسيطر على أجوائه، إلا أنه يبقى حاملاً في باحتهِ الخلفية، وهناً وضعفاً يسود المشهد.

يتجسّد هذا الضعف عندما تشتد العاصفة وتبدأ الأمطار الصغيرة بالهدير، وتكون أنت بدورك في وسط المدينة تقضي حاجةً هنا أو هناك. لترى الناس بدأوا يتدافعون، يتراكضون متوجهين نحو موقف الباص للصعود والعودة كلٌ إلى ملاجئهم الآمنة. إلى تلك المنازل التي بنوها لتكون مأمناً وحصناً لهم.

يُذكرنا الشتاء بالإنسان عندما خرج من غابتهِ وحقوله نحو الكهوف. فرغم مرور آلاف وربما ملايين السنين يبقى الإنسان كائناً ضعيفاً، لا يزال في قبضة الطبيعة واهناً، وما دعاوي تسخيره لها ووضعها تحت سيطرته إلا كدعاوي ضفدع في نهر يحاول إقناع بقية الكائنات أنه هو ملك هذا النهر والآمر الناهي فيه!

يذكرنا الشتاء بالفتور، بالحالة الباردة لكينونة الإنسان..

أحد جوانب الشتاء المهمة هي الذاكرة. عندما تقرر التقاعد في غالبية فصول السنة لكن ما إن تمطر للمرة الأولى حتى تُرسل لك «إشعاراً» لتقول لك: هل نسيت؟ فتجيب: ماذا؟ لترد بدورها: ذلك الشيء!

لا لا، ليس الآن رجاءً! لا تفعليها!

لكنها تتابع، وتذكرك… ولا يوجد أتعس مِن الذكريات الدافئة في الشتاء، حتى لو كانت سعيدة تجدها كئيبة، تتضافر مع حرارة الجو وأضواء الإنارة الباهتة لتشكل لك لوحة مهيبة من الألوان الداكنة لا يمكنك تجاهلها أبداً.

فتصفن وتجلس وتعيد الشريط إلى الوراء…

عندما تحدث طبيب الأعصاب «أوليفر ساكس» في أحد كتبهِ عن مريض فاقد أو متوقف الذاكرة، وصلَ لاستنتاج مفادهُ أن الإنسان عبارة عن ذاكرة، إن قضيت عليها فقد قضيت عليه تماماً!

طرحَ ذلك في سياق قصة رواها عن أحد المرضى الذين زاروه في عيادته وكانوا يعانون من حالة متقدمة من الفصام وفقدان الذاكرة، فما كان من أوليفر إلا أن أجلسه وبدأ يسأله ويحادثه حتى وصل لسؤال: نحن في أي يومٍ الآن؟ ومَن أنت؟

صفنَ ذلك المريض قليلاً ثم أجاب: نحن في العام 1976. وأنا حالياً أتحضر لزيارة مكتب المدير. ثم سأله أوليفر: هل تعرف ما هو عمرك؟ ليجيب المريض عمري هو 35 سنة!

حينها مسكَ أوليفر ساكس -في حركة قال أنه ندم على فعلها لاحقاً- مسك المرآة وأعطاها لهُ وقال: هل هذا وجه رجل عمرهُ 35 سنة؟

نظر المريض في المرآة ثم بدأ بالهياج والصياح، إذ تعرض الرجل المريض فاقد الذاكرة الذي كان عمره بحدود الـ 70 عام لصدمة معرفية بين ما هو موجود في خزانة ذكرياته وما نقلته إليه حواسهُ، لينتج من هذا التناقض حالة من التشنج والتنافر، لم يعبر عنها سوى بالصياح والهيجان…

حينها قال الطبيب أوليفر: الإنسان ذاكرة. الإنسان هو ما يملك من ذكريات، جميلة وسيئة. بعيدة وقريبة. الإنسان ذاكرة. إن أخذت منه ذاكرته فأنت لم تبقي منه شيئاً.

«هل فهمت الآن الحكمة مِن كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟ لأنه لو عاش الإنسان مئتي عام لجن مِن فرط الحنين لأشياء لم يعد لها مكان» – أحمد خالد توفيق.

يمكننا مِن هنا أن نستنتج لم تدور رحى كثير من الصراعات في هذه الحياة. إذ ما هي إلا معارك لاحتلال قطع داخل ذاكرة أحدهم، الجميع يتنافس لامتلاك عقارات وأراضي في ذاكرة الآخرين. سواءً كان ذلك سلباً أو إيجاباً… غير مهم. مجرّد تذكرك وحدهُ يعني أنك قد حييت، أما تقييم تلك الحياة، وفرز أخلاقية أدولف هتلر عن سلمية غاندي، فهي مهمة الاتباع ومن يسلك نهج المدرسة والفلسفة، إلا أن البقاء في الذاكرة كان لجميعهم، بحلوهم ومرهم، بسيئهم وجيدهم. الجميع يبقى. الجميع في الذاكرة. الجميع يأبى أن ينسى ويريد أن يُذكر..

الشتاء يُحيي الذاكرة. يرجع شريط الأيام ليقذف في وجهك حدثاً مثل Youtube Recommendation لا علاقة لهُ بشيء سوى أنه يظهر أمامك هكذا. هل تتذكر اسم معلمتك في الصف الأول؟ مديرة المدرسة؟ ماذا بشأن الجيران الذين كانوا يسكنون في أول بيت قد عشت فيه، ما الذي جرى بهم؟ أصدقاء الجامعة، أحمد ومازن. أين هم الآن؟ ألعابك التي اشتريتها في عيد الفطر عندما كنت في الأول الابتدائي. والكثير…

شخصياً، تقذف الذاكرة في وعيي السطحي مشهداً لأحد الدكاكين الصغيرة مقابل مدرستي في صف الثامن قبل سنوات بعيدة. كان هناك دكان صغيرة اعتدت الشراء منها، كان البائع عجوز يضع تلك الطاقية الصغيرة التي يضعها كبار السن. في أحد المرات دخلت لأشتري، كان يضع صينية صغيرة فيها صحن برغل مع صحن لبن. ويأكل.

لا أعرف لماذا أتذكر هذا الموقف الآن وما السبب. لكن تلك المنطقة والدكان ومدرستي القديمة تعوم في سطح الوعي لتزيد من حنان المشهد. لتقول أن ذلك الماضي ذهب، وأنت الآن في الحاضر، وسيذهب قريباً شاء أم أبى، تعس كان أم جيداً، سيذهب ليغدو مثله. مثل ذلك العجوز تماماً، صحن لبن وبرغل وطفل صغير يشتري…

صراحةً، أحسد مرضى الخرف وألزهايمر الذين يكبرون وينسون، ويريحون أنفسهم من عناء تلك الأيام وتراكماتها، لا تتذكر الأقرباء الذين رحلوا والأصدقاء الذين لم يعودوا يتصلوا، ورفاق الطريق الذين فشلت إشارات المرور ومطارات العالم في إيقافهم، فتاهت عنهم الطرق وضاقت بهم الدروب…

أتذكر أيضاً عندما كنا في نفس تلك المدرسة، عندما يكون هناك وقت فراغ أو ننتهي من الدوام سريعاً، يوجد باحة وشارع واسع أمامها، كنا نضع «عارضة» صغيرة من الأحجار لنشكل بها حدود الهدف ونلعب كرة القدم.

كنا بحدود الـ 10 تلاميذ تملأهم أحلامهم وتحركهم حواسهم، وبعد أن يبدأ كل فريق باقتسام اللاعبين، كان يقع علي الحظ دائماً لأكون الحارس، رغم أني أجيد اللعبة بشكل جيد إلا أن الرغبة السائدة للجميع في نيل شرف تسجيل الأهداف، تجعلهم يعكفون عن الحراسة، فكانت مهمتها تذهب إلي، فأقف لأتصدى وأمزق البنطال والثياب وأعود متسخاً إلى المنزل بسبب الاحتكاك المطوّل مع زفت الأرض.

ذلك المكان، وتلك الشوارع الخلفية للمدرسة، لا يزال موجوداً ولا أزال للآن كل فترة وأخرى أحاول أن أتقصد المشي فيه، وأتذكر كيف كنا نضع الأحجار لنصنع بها عوارض الهدف. وفلان يركض ويسجل.. وآخر يصيح.. والثالث يضرب باب الجيران ليجلب الكرة لأنها سقطت في شرفتهم بحكم ركلة أحد اللاعبين «الفشلة» وأشياء أخرى…

لا أزال صدقاً أتذكر الجو في ذلك الطريق.. كان هنالك معمل بوظة في القبو. لكنه أغلق منذ زمن. كان هناك حديقة صغيرة مليئة بأشجار الزيتون، كنا نجلس فيها أحياناً بعد نهاية الدوام. لا يزال كل شيء موجوداً سوى أصدقائي… لا أحد منهم. “ثم لم يبقَ أحد..”.

كلما مررت هناك، مِن ذلك الشارع الواهن.. أتّخذ وضعية الحراسة.. تضعني ذاكرتي في صلب الحدث مجدداً.. أحاول التصدي وإبعاد الكرة عن هدف لم يعد موجوداً وصديق يركلها كان قد رحل أو سافر وهاجر ولربما مات…

الإنسان ذاكرة.. وما أنا إلا أنسان.. فأنا ذكرياتي.

لنحافظ على ذلك الشريط السينمائي الثمين الذي نملكه لنحكيه عندما نكبر، لنقول لأولادنا وأحفادنا ومَن سيسمعنا ذلك الحين، أننا قد عشنا، وأننا قد لعبنا، وقد كان لنا أصدقاء كثر.. كنا نصنع لعبة من أبسط الأشياء، فأي حجرة في الطريق تصلح لأن تكون هدفاً. وما عليك سوى أن تحميه..

لكنهم رحلوا ولم يبقَ سوى ظلالهم في الذاكرة. ظلال نتخيلها كلما سرنا في نفس المسار، لنشم رائحة البوظة ذاتها وصوت الأذان في المسجد القريب نفسه. لكن أحدًا ما لم يبقَ. ضاع الجميع… غابوا.. هناك فقط خيالات في الذاكرة، تنشطها أول بارقة شتاء، وازدحام على موقف ينهمر عليه المطر بشدة، ومحاولة للملمة المشهد الفوضوي.

لكن الذاكرة تأبى إلا أن تبعث بهذه اللقطات إلى السطح، ولا يكون لديك حيلة سوى أن تتذكرها وتعيد تدويرها، لتقتات على بقايا مشاهد سعيدة كما يقتات الكبد على بقايا الدهون عندما يغيب الطعام عنه.

الإنسان ذاكرة، مسجونٌ بداخلها.. هي الحصن الوحيد الذي قد يكون نيل الحرية منه ليس هدفاً يُنشدُ طلبه… فلو أطلقنا سراحهُ آخذيهُ منها وآخذيها منه. لم يبقَ شيء. فلو كان غيابها مريح أحياناً، إلا أن بقاءها يجعل الإنسان إنساناً وهنا مكمن التعلق وغاية القصد.

5 تعليقات على “مسجون في صحن برغل”

ياجميل الكلمات هذه المقال كان حزين الكلمات اخذني لايام ماعدت اذكرها واصدقاء غابة ملامحهم فقط رائحة الذكرى لاانساها.. وابكيتني على الاتي… 🌺 فعلا الشتاء يجلب حنين الماضي ويشعرنا بانسانيتنا… شكرا ولاتطيل الغياب

رائعة كالعادة يا عرفة، لكن لا أوافقك بحسد مرضى الزهايمر والخرف. أشفق عليهم وأحزن. أي نعم هم لا يعرفون ماذا يحصل، ولكن المشاكل المترتبة هائلة. اضطررت منذ يومين لتثبيت مريضٍ ثمانيني مع الشرطة لأنه يعتقد أن مريضةً أخرى هي زوجته ويريد النوم معها! منعته عن ذلك فنالتني علقة ساخنة!
حزنت جدًا وتمنيت ألا أصل يومًا لهذا المرض، هو مخيف للغاية يا صديق.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *