التصنيفات
ذكريات

معنى أن تكون مُشنططاً

أجادت اللغة العربية في لفظة هواء.. وفي كلمة أمل عندما أعادت ترتيب حروف ألم. أما في معنى الشنططة فقد أعطتها تناقضاً يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي.

تُوجد كلمات في اللغة العربية تصف الحالة دون حتى أن تفكر في معناها. فمثلاً كلمة هواء، لو كنت أعجمياً ناطقاً بلسانٍ غير عربي، يمكنك أن تستشف ما ترمي إليه مِن خلال لفظها فقط. هوواااءء. تتالي حرف الهاء الخارج مِن عمق الحنجرة ومن ثم الواو والهمزة يرمز لشيء ما عميق كأنه الزفير.

فمن حق الكلمات أن تُعبر عن معناها ضمن طريقة نطقها. ولعل كلمة مُشنطط تُتبع نفس القاعدة.

يصف فعل الشنططة الحالة عندما تحمل الشُنط؛ ككناية عن الإنسان الذي لا يستقر في مكان ويبقى ضائعاً تائهاً هُنا وهناك. فأن تكون مُشنططاً تعني أن تكون مُحملاً بالحقائب التي لا تدري بها مُستقراً ولا ترمي فيها قصداً مُحدداً. إنما حالة مِن التيه والضياع والحمل المستمر دون هدف.

بالنسبة لي كلمة مُشنطط لا تعني أبداً هذا المعنى، على العكس، أجد فيها نفحة إيجابية لها علاقة بريح الطفولة البريئة أكثر مِن كونها مصطلح يدل على اللاتحديد واللايقين في المسير.

تُرجعني الشنطة لأيام التحضير لاستقبال العام الدراسي. عندما يذهب الطفل الصغير مع أمه إلى السوق كي يشتري بدلة المدرسة «الصدرية» إضافةً للشنطة وغيرها مِن لوازم الدراسة والقرطاسية التي يحتاجها في العام الجديد. لكن الأولوية تبقى للصدرية -أرجوا مِن القراء معرفة أن لفظة الصدرية هي المصطلح الذي يُطلق على ثياب المدرسة للتلاميذ مِن الصف الأول للسادس الابتدائي، ولا علاقة لهذه الكلمة بأي دلالات أخرى قليلة الأدب- الأولوية ومِن ثم تأتي الشنطة وبعدها الدفاتر والأقلام و«المحايات».

لا يمكن أن أتذكر الصدرية دون أن أتذكر أمي وهي تحاول أن تنتقي لي أكبر مقاس موجود. والحجة دائماً نفسها، غداً تأتي الشتوية وتلبس الكثير مِن الملابس تحتها فيكون مقاسهاً مناسباً. فمثلاً لو فرضنا أن المقاس هو صغير «سمول»، نأخذ المقاس وسط «ميديوم» لأن الشتوية قادمة وغالباً ستلبس تحتها ست إلى سبع «كنزات» متتالية، فيصبح المقاس ملائماً حينها.

لا أعرف ما اسم هذه المدرسة في انتقاء الملابس، إلا أنها دائماً كانت تُطبق علي.

ننتهي من الصدرية لنشتري الشنطة حينها. ودائماً تكون رائحتها مميزة بشكل غير قابل للوصف. إذ تشبه رائحة بداية الدوام.. انطلاق العام الدراسي.. الاستيقاظ الصباحي المبكر -الساعة 7 إلا ربع- هي ساعة الاستيقاظ الثابتة خلال رحلتي المدرسي… رائحة الباحة وتحية العلم… رائحة يمكن تشبيهها لأقرب ما يكون بأنها «رائحة المدرسة» ويمكنك أن تشمها دائماً لتقذف بك عشرات السنين إلى الوراء، عندما كنت تلميذاً صغيراً يتدلى المخاط مِن أنفك كرقاص الساعة.

يبدأ العام الدراسي، وتكون أولى مراحله «تسليم الكتب» لتأتي أمينة المكتبة التي تقف كضابط نازي في الصف وتقوم بتوزيع الكتب على التلاميذ. كان من عادتي أن قوم بتصفح الكتاب الذي استلمه لأني كنت قد مُنيت أحد المرات بكتاب مُختلط وناقص الصفحات. فما كان مني إلا أن ذهبت إلى تلك الأمينة لكي تعطيني بدلاً منه كتاباً آخرًا بدون نقصان. وكانت حينها حملة طويلة مِن الأخذ والرد والشد والجذب، منذ تلك الحادثة، تعلمت أن أعد الكتاب فوراً وأتفقد صفحاته حتى لا يتكرر ذلك الحدث مرة أخرى.

تُحزم هذه الكتب جميعها في الشنطة الصغيرة وتأخذ إلى المنزل. وفيما بعد يُضاف إليها الدفاتر المطلوبة لكل مادة، مما يضاعف وزنها أضعافاً أخرى.

في البيت، تُجلد تلك الكتب وتُوضب بشكل جيد، ولعل في تجليدها ثلاثة مدارس ومشارب؛ أولها التجليد الأبيض، ثانيها التجليد الأزرق الفاتح، ثالثها التجليد العاتم الخاص بالـ CIA الذي يُخفي وجه الكتاب.

بعد التجليد يُوضع مُلصق صغير يُسمى «اتكيتة» ويُكتب عليها الاسم والمادة والصف والشعبة. لتبدأ حينها عامك الدراسي بكتب جديدة واتيكيتات ودفاتر وأقلام، وشنطة ظهر ثقيلة تهد المنكبين.. وعيون ناعسة تستيقظ كل يوم في الساعة السابعة…

تمر السنون سريعاً لتدخل الجامعة وتنهيها ومن ثم تبدأ العمل لتغمرك أمواج الحياة وتطحنك رحى صعابها، لكن الشيء الوحيد الذي لم تتخلَ عنه هو تلك الشنطة. ففي جميع المراحل كانت قد رافقتك.. لقد دخلت معك مدرجات الجامعة وأزقتها.. ذهبت للعمل وعادت.. إلى مراكز جباية فواتير الهاتف والكهرباء.. كانت دائماً حاضرة، وفي كل مكان.

لم أستطع إلا أن أحب شنطتي، حقيبة الظهر تلك. وإلى الآن رغم انتهاء مرحلة شنططة التلاميذ والطلاب، لا أزال أصر على وضعها عندما أخرج من المنزل، إذ دائماً ما توفر لي الأمن، أشعر وكأني أرتدي درعاً على ظهري، بدونها سأتعرض لطعنة من أحد في الشارع، لا أعرف لماذا، لكن بالنسبة لي أن أكون مُشنططاً لا يعني أبداً أن أكون ضائعاً أو تائهاً، على العكس، الشنطة على ظهري تجعلني أشعر بالأمان الطفولي الذي مضى..

أن تكون مُشنططاً للبعض يعني أن تطردك المطارات أو تذهب من مكان ما مُرغماً.. أن تتعب من الجلوس في مكان وتصبح الحركة هي الاستقرار.. أن تسعى هنا وهناك دون راحة وبلا كلل.. هذا هو المعنى الشائع لمعنى الشنططة.

بالنسبة لي أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون طفلاً بريئاً يرتدي صدرية كبيرة عليه.. أن تحمل فيها كتبك ودفاترك وكتاب المعلوماتية السميك الذي يُلح دائماً على تعليمك كيفية استخدام الورد..

أن تكون مُشنططاً يعني أن تُثقل بحمل الدراسة.. أن تكون بريئاً.. تُسلّم على حمائم السماء كل يوم في الساعة السابعة صباحاً.. تأخذ معك صندويشة زعتر أو لبنة إلى المدرسة.. تنتظر الأعياد والمناسبات الرسمية التي لا تفهمها كي تعطل عن الدراسة وتلعب مع أولاد الجيران.

أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون تلميذاً أقصى أمنياته أن تخبأ معه الآنسة أو الأستاذ علبة طباشير أمية كي يحتفظ بها حتى اليوم القادم.. ليكون بذلك أمين السر الذي لا أحد يعرف إلى الآن ماهو… أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون بلا هموم..

أجادت اللغة العربية في لفظة هواء.. وفي كلمة أمل عندما أعادت ترتيب حروف ألم. أما في معنى الشنططة فقد أعطتها تناقضاً يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي. فما هو بالنسبة للآخرين مدعاة للعشواء واللايقين كان لي مدعاةً للأمن والحماية.. أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون الأمير الصغير لأنطون دو سانت.. أن تحاول دائماً أن تبحث عن الوردة كي تحميك وتحميها..

تعليق واحد على “معنى أن تكون مُشنططاً”

ياجميل الكلمات… عندما أقرأ كلماتك استشعر بكل حرف وكل ذكرى وكاني اتنزه في حديقة طفولتي.. الحقيبة المدرسية كنت أحملها على احد اكتافي او احملها بيدي فعلا كانت تاخذ هذه الحقيبة دور الحارس الشخصي اذكر احد الايام تركني باص المدرسة فجلسة وحظنت حقيبتي انها الامان … شكرا لانك اعطيت لكلمة مشنطط هذه العمق الجميل ❤️

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *