التصنيفات
ساخر

العلاقة ما بين فيروس كورونا والكبة المشويّة

في كثير مِن الأحيان، لا يكون معنى العقل هو تبني شخصيّة الإنسان المنطقي المعتمد على التجريب كمنهج، بقدر أن يكون معناه كبح الإنسان البربري الهمجي دون ضرورة تبني شخصيّة الأول.

لدى كل كائن حي ميزة حيوية تساعده على التماهي ضمن بيئته والنجاح، ليحقق نموذجاً عالياً من التكيف.

فالأخطبوط لديه حبر يؤذي بهِ عيون المفترسات..

والفهود تملك سرعات عالية..

وللأسد قوة عضلية وفكيّة تساعده في الإطباق على القصبة الهوائية للطريدة..

والحرباء تتلون حسب خلفيّة جلوسها..

وهلم جراً..

بينما الإنسان.. وكونهُ المتربع الأوحد على عرش السيادة في شجرة الحياة.. فإنه يملك ميزة عتيدة مثيرة للجدل، ساعدته في بلوغ منصبه هذا.. وهي ما يعرف بالعقل.

إن أردنا تهديد نظام العقل عند الإنسان، فلا بد من الانطلاق من تسميته نفسها!

كلمة العقل فضفاضة جداً وتحوي على مضمون أوسع من ماهيتها الحقيقية.

توضيح هام: الكلام هنا عن السائد اجتماعياً عند استخدام لفظة العقل، وليس المعنى الفلسفي الحقيقي للكلمة.

بمعنى..

عواطف الإنسان.. مشاعره.. حاجاته.. لذته الطعامية.. نشوته الجنسية.. الخ. هي أمور مُدركة بمجسات الدماغ نفسه، ويتبناها شخصياً!

لذلك، تنحية العواطف والغرائز، ووضعها في مقابلة ومعاكسة للدماغ والعقل أمر غير حقيقي. لأن جميع هذه السوابق تُدرك فيه أساساً!

منذ متى يشبع الإنسان في قلبه!

ويحب في معدته!

منذ متى يطرب الدماغ بأغنية عن طريق أذنه!

منذ متى يمارس الإنسان الـ */##$#$ عن طريق $%#$$%؟

هذه أمور تدركها الحواس نعم، فيعتقد صاحبها أن الحواس هي مَن يفسرها. وهذا خاطئ. الحواس مُجرد ناقل.. في النهاية كله ينتهي بالدماغ ويفسره العقل.

إذ هو مصدر الأشياء العقلانية وغير العقلانية كالعواطف والمشاعر والحاجات وغيرها..

فهو أشبه ما يكون بالصندوق الأسود في الطائرة..

توجد فيه الحصيلة الجامعة لكل العمليات الحيوية التي تجري على اختلاف تفسيراتها النهائية..

المشكلة التي يعانيها الإنسان الحديث..

أن تاريخ إنتاج هذا الصندوق وتصنيعه بات يعتبر غير متوافق مع تاريخ وطبيعة حياتنا الجارية شديدة التعقيد والتداخل في وقتنا الحالي..

فمثلاً..

ما هو سبب الخوف غير المُبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب؟ رغم أن طبيعة الإنسان المدني الذي يعيش في مدن حديثة جعلت من هذه المخاوف صعبة الحدوث والتحقق!

وعلى العكس، الخوف من الارتطام بسيارة والموت بحادث سير أكثر احتمالاً من مواجهة عقرب فضلاً عن دلغته!

لماذا ما يزال دماغ الإنسان يخاف؟

السبب هو اختلاف تواريخ إنتاج كل منها..

لا يزال يعتمد الدماغ المحمول بين أكتافنا الأساليب القديمة التي عانى منها إنسان العصور الماضية..

وارتماء الإنسان الحديث في أحضان المدنية والتطور الحضري خلال آخر 3 آلاف سنة لا يعد أبداً فترة كافية لإحداث تغييرات جذرية في الدماغ.

ولهذا نجد مثلاً أن أكثر المناطق راحةً نفسيةً للإنسان هي الطبيعة.

لماذا؟

لأن عقولنا تحن لتلك البيئة القديمة التي اعتادت وألفت عليها.. أما جدران الاسمنت وزفت الأراضين والزجاج وغيرها من الأبنية الرتيبة، تمثل بيئة جديدة غير مريحة خانقة للعقل.. وإن أردت التأكد يكفي أن تسأل عن مدى الإحباط والملل والاكتئاب لمَن يقضي طول يومه في المنزل دون أن يخرج..

الحصار ضمن جدران منازل العالم الحديث بشع جداً..

فالدماغ ما يزال قديماً، ولم يعتد على إدراك سرعة القفزة الـ «بربرية-حضارية» التي نفذها الإنسان مؤخراً.

من الأمثلة الحصرية الجديدة أيضاً هي فيروس كورونا..

لا يعتقد عقل الإنسان أن بإمكانه أن يُضر من قبل شيء غير مرئي! شيء لا تدركه الأبصار بل المجاهر الإلكترونية فقط.

أما مثلاً لو واجه دب أو حيوان ما مفترس في الطريق سيجري دون أن يلوي..

والسبب نفسه..

لم يعتد دماغ الإنسان بعد على التهديد الطبيعي الفيروسي الجديد الذي ظهر في الفترة الأخيرة من عمر البشرية.. رغم أن فكرة الوباء قديمة وحصلت مرات عديدة، لكن التفسيرات المنصرمة لها كانت لا تتعدى حدود الفلسفات والخوارقيات الدينية والعذابات الإلهية..

الآن الزمن تغيير..

لكن عقل الإنسان لم يفعل..!

فادعاء الإنسان العقلانية والإيمان بـ “العقلانية” يكون في غالب الأحيان ادعاء مبالغ به كثيراً..

لأن نظام العقل نفسه يحتوي كماً كبيراً من الأشياء غير العقلانية.. فالحب والجوع والعطش والشبق، كلها تتراكب في الدماغ وتصب فيه ويفسرها هو.

ربما الصفة الأكثر دقة لمن يريد أن يكون عقلاني ليس صفة عقلاني بل منطقي.. أي أنه يعمل وفق نظام المنطق في العقل، وليس العقل كله.

أخيراً..

للعقل علاقة أيضاً مع الكبة المشوية، كونهُ لا يرى فيها خطراً مُحدقاً مثل فيروس كورونا.

تهالك الأوعية الدموية عند الإنسان مع مرور الزمن والتدخين والنظام الصحي السيء سيؤدي في النهاية إلى الموت بأمراض القلب وتوابعها.

وفي قائمة الأنظمة الصحية المسببة لهذا هي الدهنيات، والكبة المشوية تعد إحدى آلهة الدهنيات في هذا السياق.

لماذا لا يخاف دماغ الإنسان من قرص الكبة المشوية ويعتبره خطراً مثل العقرب الذي لم يعد موجوداً في طور المدنية الحديث؟

نفس سبب عدم خوفه من السيارة أو الفيروسات غير المرئية.

لم يستوعب التكيف البشري بعد القفزة الحضرية التي حصلت خلال الـ 3 آلاف سنة الماضية.

فما تزال مخاوفنا هي مخاوف الإنسان القديم لا الحديث، وما تزال محفزاتنا هي تلك القديمة ذاتها.

فالعقلاني كوصف على الإنسان الرياضي الذي لا يحيد عن المنهج التجريبي المنطقي هو وصف خاطئ.. لأنه العقل يفيض بكل شيء وليس فقط معادلات الدرجة الثانية وحواصل الجمع والطرح..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *