التصنيفات
عام

فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة.. تمر عبرها فتغلق للأبد… تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً! فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

مشكلة فرعون في كل زمان ومكان على اختلاف تمثيلاته أنه أحمق.

نعم، لديه قوة جبارة..

يمتلك أحدث التقنيات..

يسكن في قصر منيف..

يتحالف مع فراعنة آخرين..

نعم، لديه ترسانة إعلامية هائلة.. وتفوق جوي بارز.. وطائرات F35..

لكنه أحمق!

إذ يترك «نقطة عمياء».. تتسرب منها فراشة صغيرة اسمها فلسطين.. لتهز بجناحها الصغير في مكان.. ثم ما إن يتداعى هذا الأثر، ليغدو زلزالاً بعد أن فاض واستفاض!

عندما تأتي النبوءة لفرعون بأن هناك طفل صغير ذكر سيُولد قريباً، فيحطمه ويأخذ عرش مصر.

يجن جنونه..

يأمر بوأد كل ذكر يولد حينها..

خوفاً من ذلك الصغير الذي سيأتي وينهيه..

لكنه يترك ثغرة صغيرة.

نقطة عمياء بسيطة..

تتسلل منها فراشة صغيرة تهز بجناحها..

في تلك اللحظة تحديداً.. وفي قصر فرعون نفسه.. يُولد موسى!

دائماً كانت هكذا..

وستكون هكذا..

بذرة الانهيار تولد في أوج التجبّر والانتصار..

فما بعد القمة العالية هو المنحدر القاسي المحتوم..

في عز الطغيان والتجبر..

لا يترك فرعون طفلاً إلا وقتله خوفاً من تلك النبوءة..

لا يترك فرعون عدواً “خارجياً” إلا ومزقه..

لا يترك فرعون تهديداً محتملاً إلا واشتبك معه..

لا يترك فرعون عالماً قد يشكل تهديداً عليه إلا واغتاله!

لا يترك فرعون خائناً إلا وتحالف معه!

لكن تلك الفراشة الصغيرة تمر..

دائماً كانت كذلك..

في اللحظة التي يبلغ فيه الوغد أوج الطغيان، تُولد بذرة انحطاطه في المكان الذي لم يتوقع منه ذلك!

تُولد في “الداخل”..

في قصره تحديداً!

ليأتي موسى.. يتيماً.. محمولاً في نهر..

بعد قدوم المواساة الإلهية لأمه عندما وضعته في اليم بأن: «لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ»..

فيذهب موسى يتيماً صغيراً متقوقعاً داخل صندوق خشبي في نهر بارد..

يدخل قصر فرعون في عام قتل الذكور.. لتكون بذرة نهاية فرعون قد وُلدت!..

«هناك رجلٌ بمفرده، بدون أسرة، بدون أطفال، بدون اللّه… هو يبني جحافل لكنَّه لا يبني أمَّة. يتم إنشاء الأمَّة من قبل الأسر، والدين، والتقاليد: تتكوَّن الأمَّم من قلوب الأمهات، وحكمة الآباء، وفرحة الأطفال وحماسهم. إنَّ الحداثة التي تبتلع الجميع، والتي تحترم الكرامة الإنسانيَّة والهيكل القديم لعرقنا، تضع نفسها في مكان كلِّ شيء آخر.

والإنسان الذي بمفرده، يدمج نفسه فيها بأكملها، ليس لديه إلهُ يُكرِّمه ولا أسرة يحفظها ولا ماضٍ يتشاور معه.»

فيلهلم الثاني، قيصر ألمانيا.

هي إذاً نقطةٌ عمياء..

بوابة صغيرة جداً يعتريها الأمل..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتكسر القوانين المتعارف عليها وموازين القوى..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتسرب أدعية الأمهات.. وصرخات الأرامل..

رباط المجاهدين.. وثبات المخلصين..

من هذه النقطة العمياء التي ينساها فرعون، يدخل موسى ليطأ عرشه..

فتهز فراشة فلسطين جناحها..

وتبدأ الحركة الجدلية الهيغلية..

ويتغير التاريخ..

ويمشي للأمام..

فإذا بالأسطورة الفرعونية بأرض الميعاد تتهاوى..

وإذا بمَن يمتلك أفضل تفوق جوي..

وأفضل وسائل دفاع..

وسلاح ردع..

ومفاعل نووي..

ومواقع إباحية..

ومَن يدعي أن الحمص والشاورما هي لهُ وليست عربية!

وأفضل تحالف مع سفاسف قريش..

يغدو أضحوكة!

ربما فرعون لن يموت..

ربما سيطول ذلك كثيراً كان أم قليلاً..

أهم ما في الموضوع.. هو تبيان أن فرعون قد أصبح “مسخرة”..

وأنه مجرد فقاعة تبنيها وسائل التواصل وشركات الإعلام “ومعابد آمون” وغيرهم من المنتفعين..

ففي النهاية، لن يقتل فرعون سوى موسى الذي وُلد في “الداخل”..

في قصره..

لتكون بذرة الأفول قد زرعت في النقطة العمياء التي غفل عنها ولم يرها..

تلك النقطة التي تحتضن أدعية الكثيرين..

ويمر منها التاريخ بحركته الجدلية الشهيرة..

فيتغير كل شيء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة..

تمر عبرها فتغلق للأبد…

تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً!

فراشة صغيرة متعبة ومحاصرة ومجوّعة..

فراشة صغيرة عنيدة رغم كل شيء..

فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

تعليق واحد على “فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *