التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!

4 تعليقات على “الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *