التصنيفات
عام

أن تكون النحّات والصخرة معاً!

«أكثر الناس شجاعةً يُعانون مِن أشدّ المآسي ألماً.. وهذا بالذات هو سبب إعطائهم الحياة قيمة كبيرة. لأنهم يواجهون الحياة وهي مُدججة بأكثر أسلحتها رعباً!» – نيتشه

الجامعة بشعة.. ولا أحد يُحب الجلوس لساعات مُطوّلة مُقلّباً الصفحات، دارساً السطور..

القراءة عملية مُرهقة وتحتاج لوقت فراغ.. لا سيما عندما تتمرس بها، فتتطلب منك الكثير من الإجهاد والتفكير والحملقة في جدران المنزل..

الذهاب للنادي والتمرّن بشكل يومي أمر مُتعب.. هو تحطيم للألياف العضلية بشكل فيزيائي حقيقي.. كيف يكون شيئاً جميلاً؟

أن تكون لطيفاً مع الجميع.. إرهاقٌ نفسيٌ بحق. وقد يضر بك على المدى البعيد..

وهلم جراً على هكذا أمثلة، مِن مفاهيم الألم والبؤس.. إلا أن لجوردن بيترسون -طبيب النفس الكندي الشهير- رؤيا أخرى يُلخصها بالقول:

«لا يطلب غالبية البشر السعادة، إنما يرغبون بحياة فيها مِن المعاني ما يُبرر الآلام فقط!».

بمعنى.. لا أحد يرفض الألم، على العكس ربما يحبونه حتى.. كونه هو الحالة الأساسية الافتراضية الـ Default للإنسان، كما أنشد أبو نواس شعرهُ قائلاً: تعجبينَ مِن سقمي! صحتي هي العَجبُ!

إنما يرفضون الألم غير المُبرر؛ ذلك الذي يكون بلا داعٍ.. دون سبب أو نتيجة!

فالجامعة يزول همها وألمها لتبقى الشهادة! فتُعينك -ولو قليلاً- على الانخراط في سوق العمل!

وعندما تمنحك القراءة فكراً مُستنيراً، تتلاشى ساعات الإجهاد الطويلة من الحملقة في سطور الكتب!

وفي اللحظة التي تحصل بها على جسم صحي يَشدُّ أزرك مواجهاً إرهاصات الحياة، لا يبقى لإرهاق النادي والتمرين معنى!

وعندما يحبك الجميع وتكون خفيفاً كأنك ورقة صفاف على جدول من الماء العذب، تنساب بهدوء.. يصبح عدم الخوض في جدالات الناس ومهاتراتهم أمراً مهماً!

حينها تتبخر كل الآلام السابقة، وتذوب كأنها بالون من الهيليوم، طار وارتفع بين الغيوم، ثم انزوى وغاب في الأفق..

فالإنسان بحاجة لهذا المفهوم ويَنشدُه ضمنياً، إلا أنه يستحي مِن المُجاهرة بهِ، كحُب المراهقين الخجول..

فالألم هو وجه العملة الآخر للمعنى، أن تكون بلا آلام يعني أنك كتحصيل حاصل بلا معاني، بلا أية مساعي..

وكأنك سفينة بالمرفأ.. مُرتاحة؟ نعم. لكن ليس لكي ترسو خُلقت السفنُ!

حينها لا معنى لوجودها أساساً!

الألم موجود.. نشعر به ويشعر بنا.. يطلبنا بعنف، ونطلبهُ على استحياء.. يعود كل ذلك إلى إنسانية الإنسان، حينها تتضاعف المعايير، ليكون هو الصخرة والنحات معاً! أنتَ الناحت والمنحوت به.. هو جزءٌ مِن تركيبنا. واستشعاره مجرد دليل على تحركاته التي تحصل، كحركة الجنين في بطن أمّه، حركته دليل المعاني؛ تلك التي تستعد كي تطفو على السطح! وتظهر..

من ناحية أخرى.. لا بد من القول أنّ إنسان العصر الحديث أصبح ناعماً جداً ومرهف الأحاسيس، لدرجة أنه يقضم حبة العنب على ست دفعات من شدة لطافته ورهافة كيانه. وهذا خاطئ..

أو ليس خاطئاً، بقدر ما هو غير طبيعي، لا يتناسب مع طبيعة الإنسان نفسها..

جميعنا درسنا منذ الصف الأول أن هناك نوعين فقط من الخلايا.. خلايا نباتية / خلايا حيوانية.

الإنسان ينتمي للصنف الثاني، ففي النهاية هو كائن طبيعي. يتحرك بقوانينها وينضبط بإيقاع عقاربها.

حينها لا يمكن للكائن العاقل أن يتصرف بنعومة مفرطة.. عندما يدخل الأرنب الغابة لا بد أن يتصرف كأسد.. سلوك الأرانب وسط الثيران والفهود والنمور لا يسوى قشرة بصلة..

فعلى الإنسان أحياناً أن يكون خشناً، ليس لا أخلاقياً أو سيئاً، لكن أن يملك أدنى مقومات الفهم التي تؤهلهُ لإدراك صعوبة الحياة، وأن النعم لا تدوم، ولا بد من أن تخشوشن قليلاً!

فسلوك قضم حبة العنب على ست دفعات لا ينفع في غابة الحياة هذه..

«الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها، فإذا أفلح المرء في ذلك، صار لا يفاجئه شيء، ليغدو سامياً فوق كل ما يحصل، ويصير تلك الضحية التي لا تقهر!» -رسول العدم، اِميل سيوران.

رحم الله الجواهري حينما قال، لم يبقَ عندي ما يبتزهُ الألمُ! لكن الآن الوضع تغيّر، ولم يعد استجداء الحزن أمراً جيداً، فهي طبيعة الحياة أن تكون هكذا؛ مخلوقاً في كَبَد! فوقوع الألم أمر محتوم، المهم أن تعي مُسبقاً أهمية حدوثه وأنه هو الافتراض أساساً.

حينها سيبقى عندك الكثير لكي يبتزهُ الألم! والمواجهة لن تنتهي مِن الشوط الأوّل أبداً..

وكما قال أحد الصالحين، لا تدعو الله أن يهبك ألماً أقل، إنما أن يعطيك ظهراً قوياً، حينها لن يضرك ثقل هذا العالم وكثرة أعبائه! على العكس، ربما تغدو قوياً لدرجة أنك تصبح حمّالاً للآلام..

تحمل آلام الناس الآخرين، وتخففها عنهم.. مَن يدري؟ ماذا لو كنا أقوى مما نعتقد بكثير؟

كعروة بن الزبير مثلاً..

الذي فقد ابنه في طريق السفر، ومن ثم أصيبت قدمهُ فاضطر إلى قطعها، ليرفع يديه إلى السماء ويقول..

اللهم لك الحمد.. كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فاللهم لك الحمد! فلئن أخذت فلقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما آخذت وعلى ما عافيت، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوءٍ قط..

أترون؟

هذا ليس ألم.. إنما آلام!

لك عندما يكون هناك ظهراً كبيراً تستند عليه، أليس ذلك بكافٍ حينها؟..

الحياة منذ بدايتها هكذا.. منذ اللحظة الأولى، ألم الولادة والانسلاخ من الكيس الأمنيوسي الجميل داخل بطن الأم.. وحتى ألم الموت والنزول في بطن الأرض. فنحن بين البطون نتدرّج ونلهو..

كان بالإمكان أن تبقى.. دافئاً شارباً نائماً، في أقصى درجات الإشباع..

لكن ليس لهذا خُلقت السفنُ..

الإنسان كالعنقاء، يُولد في اللهيب..

في اللحظة التي يموت بها، يُبعث مُجدداً..

مِن الصعب أن يموت الإنسان.. يمكن أن يقتلوا فيهِ كل شيء إلا روحهُ! وصدق مَن قال.. هاك إنسانٌ مُترفٌ في قصر ينتحر، وهاك إنسانٌ آخر في كوخ بسيط يعيش أجمل أيام حياته! الفارق بينهما كان أن الأول روحهُ مُمزقة، في حين أن الثاني يسند ظهره على قوّة كبرى!

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب ظهراً أقوى..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب معاني أكثر..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب كوب قهوة واستعد لجولة جديدة قادمة..

الدراسة عمرها لم تكن عملية جميلة.. والقراءة شيء مُمل يحتاج هدراً كبيراً للوقت.. والعمل مزعج ومرهق.. لكن هذه الأمور تقع في كفة الميزان المقابلة للمعاني. تسديد حساب لا بُد منه، كما تشتري البقالة وتُحاسب، شراءك المعاني، لا بُد أن يُدفع بعملة الألم!

وما حركتها إلا دليل على أن هذا الإنسان حي.. فكل شيء يتحرك. بدءًا من عقارب الساعة وحتى خلايا الإنسان نفسه..

فلو جرحت يدك، لانطلقت فيالق من الخلايا المناعية لمنطقة الجرح لتخوض اشتباكات عنيفة مع الميكروبات والالتهاب الحاصل..

ماذا لو تلك الخلايا لم تتحرك؟ ماذا لو شعرت بالكسل؟ ماذا لو كان لديها اتصال هاتفي مُهم ولم تأتِ؟

حينها “لا تنتظرها” فلن تأتِ!

كل شيء يتحرك..

وحركته دليل حيويته ونبض الروح فيه..

لذلك الإغريق القدماء أطلقوا على الرب لقب المحرك الأول.. لأن كل شيء حركة، فلا بد من مطلق أول لشرارة الحركة تلك.. فهو الثابت الأول! الثابت الذي لا يتحرك! لكنه يُحرك كل شيء!

ولهذا طقوس الحج..

والصلوات..

والذكر..

وحتى الرقص..

وكل شيء روحاني آخر..

كانت حركة..

كانت انسجاماً مع إيقاع هذه الموجة الكونيّة!

لا تطلب السعادة.. اطلب حياتاً فيها من المعاني ما يُبرر الآلام!.. لا تطلب ألماً أقل، اطلب ظهراً أقوى!.. وقل دائماً أنه بقي الكثير كي يبتزهُ الألمُ! ورحمة الله عليك يا جواهري!

هناك صعوبة.. نعم..

إذ أنت النحّات والصخرة معاً، ومن الصعب للإنسان أن يتحرك بهذه السهولة!

لكنه يستحق..

ولهذا كان الجنس السائد على ظهر هذا الكوكب الصغير..

الكائن الذي استطاع أن يفهم كل شيء..

ليس فقط هكذا..

استطاع أن يُغيّر كل شيء..

بدءًا من جريان الأنهار وحرارة الشمس، وحتى أصغر ما فيه..

ولا يوجد فشل، أكبر من أن يُغيّر ما حوله، وينسى أن يُغيّر نفسه!

فماذا ستجني؟ وماذا ستكسب؟

لو ربحت العالم وخسرت نفسك؟..

تعليق واحد على “أن تكون النحّات والصخرة معاً!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *