التصنيفات
فكر

عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعل الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!»

ما إن تفتح حديثاً مع أحدهم وتأتي سيرة كلب ما، أو حمار وبغل في السياق.. حتى يعاجلك بعبارة: “محشوم”.. “الله يعزك”.. “أنت أكبر قدر”. وغيرها من مصطلحات التنزيه والحشمة.

لكن لماذا؟

لماذا كلب.. الله يعزك؟ لماذا حمار.. محشوم؟ لماذا بغل.. أنت أكبر قدر؟

هذه الحيوانات مِن أكثر الكائنات التي خدمت الإنسان عبر الزمن.. بدءًا من تدجينهُ لها وامتهانه الزراعة قبل 12 ألف سنة وإلى الآن..

ملاحظة جانبية: البغال من الحيوانات القليلة التي تقوم بفعل الانتحار.. فعندما تُحمَّل بكميات هائلة من الأوزان خصوصاً في الجبال، تقوم برمي نفسها من الأعلى وتنهي حياتها..

فهو يحمل النقائل الشديدة على البغال في الجبال.. والكلاب هي مَن يحرس أغنامه. والحمار هو مَن يركب عليه في الطرق الطويلة التي تحتاج لكائن لا يتكلم ولا يشتكي؛ وهو ما يُرضي الميول السادية لدى الكائن العقل!

بعدها.. تقول أنت أكبر قدر؟
لماذا؟

لماذا يحتقر الإنسان ما هو أدنى منه ويحب مَن يدوس عليه؟

هذه الحيوانات جميلة..

وليست هي “أنت أكبر قدر”!

هناك كائن آخر يجب أن نقول بجانبه أنت أكبر قدر ومحشوم والله يعزكم جميعاً.

الكائن الذي يدعي امتلاك العقل..

لكنه في كل مكان ينزل فيه يكون غير عاقل..

يكون قاتلاً..

يحترف السوء..

يشحذ سكينهُ شاهراً إياها في وجوه الناس الضعفاء..

وهي حالة مستغربة جداً لدى جميع الكائنات الحية..

المعروف أن الكائنات تقتل بدافع الغريزة والحماية..

أما الإنسان..

فهو يقتل في سبيل أن يشعر بالرضا والسعادة والتشفي!

وهو لا يقتل كائناً آخراً فحسب -رغم أنه لا يوفره قطعاً!- إنما يقتل بدافع اللذة!

لذلك استغرب آينشتاين مِن غباء هذا الكائن قائلاً:

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعلَ الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!».

فكّر معي لبرهة..

العالم يحتوي آلاف مِن الرؤوس الهيدروجينية وليس النووية حتى..

هذه الرؤوس لمَن موجهة!

لنصدق ادعاءات الردع وتوازن القوى وحق الدفاع عن النفس وغيرها من الكلام الفارغ..

ودعنا نشطّ في خيالنا كثيراً..

لمَن توجّه هذه الأسلحة؟

أليس للإنسان نفسه؟

الفئران اجتمعوا يا صديقي..

الفئران اخترعوا مصيدة الفئران الخاصة بهم..

الفئران في انتظار وصول البرابرة فقط!

وهم سيصلون.. هذه خلاصة نظريات جُل المفكرين ومستشرفي المستقبل.

طال الزمن أو قصر..

سيصلون..

وبعدها..

ارتقب يوم تأتيك السماء بدخانٍ نووي مُبين!

وحتى مجيء ذلك العالم.. لا بد من الحديث عن الأفغان.. مقبرة الامبراطوريات المزيفة التي يقودها مجموعة من المهزومون؛ مجموعة من الفرسان بلا جواد!

في حالة غريبة من وهم الانتصارات..

ومن الربح الزائف..

ومن مخادعة النفس..

فكثرة المعارك تشحذ النِصال.. لكنها تقتل الفارس!

فأي انتصارات تلك التي تحدث في مكان يكون فيه الإنسان نفسهُ مهزوماً!

هناك فرق بين البساطة والعفوية.. وبين الإنسان المهزوم.

تأمّل حال وصورة أي إنسان أفغاني وستجد عناوين الهزيمة حاضرة بكل تفاصيلها.

لا يعنينا التقدم على الأرض..

ولا حالة الخرائط..

ولا مَن يفتح ويقود.. ويكر ويفر..

الناس هناك مهزومون..

الناس هناك مُتعبون..

وربما أفضل ما قد يحصل لهم وينعشهم.. هو أحدٌ ما يأتي إليهم بخطط تنمية اقتصادية.

ومشاريع بنية تحتية..

هؤلاء الناس لا يحتاجون لسماء..

لا يحتاجون لجنة..

لا يحتاجون لدبابات..

ولا إلى قوى كبرى داعمة..

هؤلاء يحتاجون طعام..

ويمكنك أن تأخذها قاعدة مِن الآن وحتى تموت، مقولة كارل ماركس الخالدة: «تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام».

الإنسان في سبيل جوعه يحرق كل شيء!

لكنه.. وحتى موعد حصولهِ على وجبته التالية..

تحركه الأوهام الزائفة.. كما التائه وسط الصحراء، يخدعه سراب الوجود.. مُحاولاً تصديق أي شيء على أنه ماء!

ليأتي الاتحاد السوفيتي ويقول -لهؤلاء الجائعون- الحل عندنا!

تعالوا واعتنقوا الشيوعية وستشبعوا!

يخرج السوفييت..

ليأتي بعدها الأمريكان ويقولوا: الحل عندنا.. الحل هو السوق الحرة!

خصخصوا كل شيء وخوضوا المنافسة مع العالم وستربحوا!

ليخرج بعدها الأمريكان..

ليأتي بعدها المتطرفون.. ويقولوا: الحل هو الدين! فقط آمنوا وتوكلوا!

وستجدوا موائد الرحمن قد نزلت لتطعمكم!

كلهم كاذبون.. كلهم فاشلون.. كلهم يدعون أنهم فرسان الحق والله والعلم ومشاريع التنمية الاقتصادية..

كلهم يركبون جواداً وهمياً..

فرسان مزيفون..

لا أحد معهُ الحل..

الحل هو أن يتركوهم وشأنهم!

هؤلاء القوم يقاتلون ويُقاتل في أرضهم منذ حوالي 50 سنة!

هؤلاء قومٌ متعبون..

اجمعوا كل خردتكم المعدنيّة..

اخرجوا كل الأسلحة..

دعوا هؤلاء الناس وحدهم..

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة النظرية السياسية الأدق لهم، والإطار الاجتماعي الأفضل.. وكيف يجب تُدار عجلة الاقتصاد لديهم..

ما أعرفه أنهم قومٌ مُرهَقون..

دولة حبيسة..

تحيطها الامبراطوريات الكاسرة من كل الجوانب.. وتسعى كل واحدة منهم لأخذ حصتها عندهم..

لا يحتقر الكائن العاقل الحديث الذي يسكن المدن، فقط الحيوانات..

بل يحتقر الإنسان الآخر أيضاً..

الإنسان المخالف له..

أولئك البسطاء..

أولئك المزارعون..

ويرى أن مبادئه الفكرية تصلح للجميع ويجب نشرها..

دعوا هؤلاء الناس وشأنهم واخرجوا جميعاً..

لا يمكن للسوفييت تحويل حياة الأفغان لنعيم من خلال الشيوعية الاقتصادية!

لا يمكن للأمريكان وسوقهم الحرة تحويل حياتهم لنعمة من خلال الخصخصة والمنافسة مع الحيتان المحيطة بهم!

لا يمكن لخريجي المدارس الدينية الذهاب للجنة من خلال تحويل حياة هؤلاء البسطاء إلى جحيم!

طريق الله لا يمر عبر رؤوس العباد يا عزيزي!

وإن ظننت العكس، فاحذر وراجع نفسك.. وتساءل: ما هي نوعية الإله الذي تعبده؟

ما أعرفه من كل ما سبق وما يحصل حالياً، أن الإنسان كائن سيء..

منذ البداية كان هكذا..

عندما قال الله، إني أعلم ما لا تعلمون..

هذا الإنسان يحتقر ما دونه؛ رغم خدمتهم له!

ويحب من فوقه؛ رغم أنهم يدوسون عليه!

ليس كلب، الله يعزك! ولا حمار.. ولا بغل.. هؤلاء حيوانات لا شأن لها في وساخة هذا العالم..

دائماً كان إنسان، الله يعزك!

دائماً كان السوء في الإنسان..

الإنسان أنت أكبر قدر!

تعليقين على “عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *