التصنيفات
عام

رحلَ اللؤلؤ المنضود.. الآن لم يبقَ أحد..

شغّل هذه الموسيقى (من هنا) واقرأ..

إن سارَ الطيبُ في أرضٍ، تُعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء، لا تعطيهِ.. إلا دخان مداخنها..

مَن يذكر هذه الكلمات؟

شارة بحر الحكايات؟

لم أفعل شيئاً في هالعمر يضر الغير.. لم أفعل شيئاً إلا الخير.. فلماذا أحبس في الحبسِ، ولماذا أبعد عن نفسي.. وأنا لا أطلب إلا أن أحيا، كحياة الطير..

بحر الحكايات.. كان يا مكان.. أحلام كبيرة..

الشمس تشرق من جديد؛ عندما كانت مرام تكتب.. وكان باب الحزن مفتوح على باب الفرح.. الحزن متل الفرح.. بيبكي وبيقوي!

أغاني صباح فخري..

قلعة حلب الحقيقية..

العملاق في زمن العمالقة..

من الصعب أن يكون هناك أحدٌ مكانهُ..

فلو أتينا بإنسان من جمهورية الكونغو وأريناه صورته، لن يحتاج للكثير حتى يعرفه..

سيقول فوراً..

هذا صباح فخري..

شكلهُ..

اسمهُ..

كنيته..

طول قامته..

الرجل يجسّد كل صفاتهِ ببراعة ليكون هو نفسه!..

تلك الأيام كانت أيامهُ..

تلك الأيام كانت دافئة.. أيام لها رائحة يمكنك أن تشمها.. أيام مُختلفة بشكل يجعل إمكانية مقارنتها مع أي فترة ثانية محاولة باهتة..

باهتة كضوء مصباح يتدلى من سقف محطة قطار مهجورة..

تلك الفترة غير القابلة للمقارنة..

سوريا 2004..

تذكرني بكلمات الشاعر جون ملتون، صاحب الملحمة الشهيرة.. عندما قال:

«مهما كبرت.. سيبقى ذهنك حبيس فترة زمنية معينة، لن تستطيع أن تغادرها ولا أن تغادرك.»

أعتقد أنها سوريا 2004.

مهما كبرت..

ومشى عداد السنين متبختراً..

2010..

و2020..

و30..

و50..

وحتى 70.. إن كُتبت لنا أعماراً كثيرة..

لا أعتقد أن هناك فترة ستكون مثلها..

شبيهة أو تقترب؟ ربما..

لكنها ليست مثلها..

غريب كيف أن الإنسان يُسجن في حدود تواريخ معينة، ما هي إلا “مقولات زمنية” بلغة كانط. فالشمس لا تشرق، والأيام لا تأتي ولا تذهب، وليس هناك مفهوم ساعة ولا دقيقة أو ثانية.

كل هذه مقولات زمنية اخترعها الإنسان لكي يُقنن العالم من حوله..

كي يضبطه ضمن كلمات..

كلمات توصّف التكرار الرتيب اليومي لمجرياته..

غريب جداً كيف امتلكته هذه التوصيفات.. فأحبها.. وباتت تثير شجونه..

أحياناً..

وعندما تنتقل بين منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر، وهنا وهناك.. ستجد نبرة من العنصرية الجديدة التي تصفنا نحن بأننا لسنا عرباً.

وأن العرب هم أهل شبه الجزيرة فقط..

الباقي ليسوا كذلك..

هكذا هم..

بلا هوية..

وهنا لا بد من القول أن هذا الكلام خاطئ..

العربي أيها العزيز..

كانت له سمة ملاصقة لهُ تماماً أينما حل..

وهي أنهُ يرتحل..

يقف على الأطلال..

ليس لديه مكان ثابت..

تأتيه قافلة من الصعاليك فتحرق قبيلته وتمشي..

ليبقى وحيداً يرثي نفسه..

ويرثي المكان..

فيُنشد شعراً.. ويبكي دهراً..

لو طبقت هذا الكلام على عالمنا اليوم، لوجدت أننا عرباً مع شهادة الجودة والامتياز..

عرب مع مواصفات الآيزو..

ربما معهم حق.. صحيح، نحن لسنا عرب..

نحن عرب+، كوننا نقف على الأطلال أكثر من غيرنا..

دعني من حمضك النووي منقوص الاوكسجين..

ومن تتابع سلاسل النيكلوتيد لديك..

دعني قليلاً مما يوضع على الرأس من شماغ أو عمامة أو عقال..

نحن نقف على الأطلال..

دائماً نقف..

أما الآن..

فلم يعد هناك أحد..

ذهب حاتم علي.. ذهبت الأحلام الكبيرة معهُ.. وحتى تلك الصغيرة رحلت..

ذهب صباح فخري.. أخذ لؤلؤه المنضود ورحل.. كأنه بالون من الهيليوم، طار وارتفع بعيداً.. وغاب بين الغيوم..

باتت القاعة فارغة، كصالة أوبرا دخلها عامل النظافة بعد انتهاء سيمفونية عملاقة..

سيمفونية لا يدري شيئاً عن كنهها..

ليكون المكان خاوياً..

ثمّ..

ثم لم يبقَ أحد..

بات كل شيء موحشاً..

خالياً من الطيبين..

الآن تشعر بأنك عربي كأكثر من أي عربيٍ آخر..

*** إن سار الطيب في أرض تعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء..

لا تعطيه..

إلا دخان مداخنها.. ***

الكثير من الأطلال هنا وهناك، لتحتار على أية منها تقف..

هل تجازف؟

وتنضم إلى بيئة جديدة.. وقبيلة جديدة.. وعالم جديد لا صعاليك فيه؟

ربما..

الإنسان كائن صغير وهش..

ضعوه في سياقه..

وقارنوه مع مملكة الكائنات الحية بكاملها..

وستدركون مدى هشاشته..

للسلحفاة صندوق عظمي يحميها..

وللأسود بنية عضلية قوية لا تُضاهى أو تقارع..

وللطيور قدرة على التحليق تجعلها في مأمن حتى حين..

أما الإنسان..

فمنذ البداية كان الكائن العاري الضعيف..

ولذلك كان قد أدمن البناء..

وجد نفسه عارياً ضعيفاً، فأراد بناء العالم من حوله حتى يأمن..

ولعل من أسوء ما قد يمر عليه..

أن يعاصر تهدّم ذلك العالم من حوله..

أن يتهدم بفنهِ..

وبانتمائه..

وبرموزه الكبرى..

أن تتزاحم عليه هجمات البكاء، وتكثر طلبات الوقوف على الطلل ضمن صندوق الوارد عنده..

تغير العالم..

وتغير الإنسان..

وتغير كل شيء..

أما الثابت الوحيد الذي نعرفهُ..

هو أننا عرباً..

تريد الدليل؟

نحنُ نقف على الأطلال كثيراً..

أكثر من غيرنا حتى..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *