التصنيفات
كتب

دفاعاً عن الجنون: عن بساطة وقوّة ممدوح عدوان!

أحبُ كتابات ممدوح عدوان -دفاعاً عن الجنون مِن أبرزها- لنفس السبب الذي أحب فيه كتابات الماغوط، وأحب كتابات الماغوط لنفس السبب الذي أحب لأجله كتابات جورج طرابيشي، وهي أنها كتابات بسيطة بمعاني كبيرة.

كتبَ جورج طرابيشي مقالاً قديماً تحت عنوان «أخطاء ارتكبتها في حياتي» وصرحّ بأنّه..

بعد أن سافرَ لفرنسا..

وترجمَ جُل أعمال فرويد..

ونقدَ طروحات الجابري في العقل العربي..

قالَ..

فشلت في أن أكون غنياً!

وفشلت في أن أتكلم الفرنسية بطلاقة.. فلا زلت أرطن بها..

فشلت في تعلّم ركوب الدراجة..

كم هي جميلة البساطة في الكتابة.. كم كنتَ جميلاً يا سيد طرابيشي..

عندما سُأل ممدوح عدوان في أحد اللقاءات الصحفية عن عن ظاهرة كانت دارجة في عصرهم وهي «الشعراء المتكلفين جداً» الدخلاء على الساحة الأدبية، كان يقول أنه يمكن رصدهم بسهولة..

فهم لا يملكون حس..

وبعدها فوراً التفت بكلامه ناحية الماغوط وقال..

لم يكتب الماغوط يوماً ما بيتاً موزوناً..

لكنك تقرأ كلامه وتقول: مستحيل. هذا الرجل شاعر!

يملك الماغوط قلباً شعرياً..

حتى لو لم يكن موزوناً..

حتى وإن كسرَ المنصوب أو رقّ قلبه تجاه المضاف المجرور فأراد أن يرفعه!

الحس..

البساطة..

أن تخرج هذه الكلمات من داخلك، هو ما يمعني المعاني ويحدد الحدود!

البساطة في الكتابة أمر لطيف جداً، ولعل الجميل في ممدوح عدوان أنه كان بارعاً في ذلك.

يظهر هذا بوضوح في كتابه الصغير.. دفاعاً عن الجنون، الذي هو تجميعة لسلسلة من المقالات، وهو يتحدث بمنتهى العقلانية المبسطة عن مواضيع تشمل الفن والنضال والمرأة والإنسان..

يستهلها بقصة لؤي كيالي.. الرسام السوري الكئيب الذي انتحر.. ويسرد باحترافية كيف ضربت نقاط التحوّل حياة لؤي..

فغدا من استديوهات العالم البرجوازي إلى معارض الإنسان البسيط..

كيف فعل ذلك لؤي؟

لماذا فعل ذلك لؤي..

احرقت لفافة تبغ منزل لؤي، ومات..

دافع ممدوح عدوان عن لؤي..

عن العقلانية..

دافع ممدوح عدوان عن الجنون..

«جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري، أمرَ الملك العاري أن يروهُ مرتدياً ثيابه، فرأوه! وأمرَ أن يبدوا آراءهم في ثيابه فامتدحوه وأطنبوا.. وحين خرج إلى جماهيره فاجأه بالصراخ طفل لم يُدجن بعد: ولكنهُ عارٍ!… عارٍ تماما.
لو كان هذا الطفل أكبر قليلاً لأتهم بالجنون. ولكن لأن فيه تلك البراءة الواضحة العفوية الصارخة كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.
صرخة الطفل، مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون ومراؤون وخائفون إلى درجة تجاهل حقيقة يوميّة بسيطة يستطيع الطفل أن يشير بأصبعه
ِ إليها ويعلن عنها..»

يتحدث عدوان عن الحب والشعر والكفاح..

يهاجم الرأسمالية من أجل الإنسان..

كان ممدوح عدوان ماركسياً..

كان ماركسياً في زمن الماركسيين..

وإن كنت من الذين يعتقدون أن الماركسيين هم أولئك الذين يحلقون رؤوسهم ويصبغون شعرهم باللون الأخضر.. فينبغي أن تقرأ لعدوان حتى تعرف أكثر..

عندما تسمع كلمة ماركسي، فأنت ستعلم أنك أمام إنسان يمتلك قلباً كبيراً، قلباً جعله ينظر إلى الإنسان العامل البسيط ويرثي حالهُ لا إلى إنسان الأبراج العالية..

الرأسمالية هي عمل العقل في الإنسان، ولعلَ من براعة أدم سميث الأب الشرعي لها، أنه كان على غرام مع أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم ورسالته عن الطبيعة البشرية التي أصّل فيها لأنانية الإنسان وأنه كائن يرغب بالتملك والاستئثار بالثروة..

لم يخطئ سميث..

ولم يخطئ ديفيد هيوم..

ولم تخطئ الرأسمالية..

ربما أخطأ الماركسيون أنفسهم في أنهم فكّروا بقلوبهم وأرادوا الوقوف مع الإنسان البسيط..

يتابع عدوان حديثه عن المرأة..

ويدافع عنها..

ليتحدث عن كتاب “المرأة المخصية الذي تُرجمَ بالمرأة المدجّنة”.

كيف تأصلت الهجومية الذكورية لهذه الدرجة؟

ألا يمكن للإنسان أن يكون ذكراً دون عدوان!

لماذا العدوان؟

يقف عدوان ضد العدوان!

وما أجمل وقوف العَدوان ضد العدوان..

«نحن أمة خالية مِن المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكررة ومملة.
نحن في حاجة إلى الجرأة على الجنون والجرأة على الاعتراف بالجنون.»

مقالات بسيطة مليئة بالمعاني..

تنساب بلطف..

دافع فيها عدوان عن الإنسان، عن الحب، عن الشعر، عن المرأة، عن العامل، عن كل الطيبين.

عن الإنسان أينما كان..

دافع عدوان عن العقلانية..

دافع عن الطروحات الجميلة..

لكن مِن مآسينا..

ومنذ سنة نشر الكتاب..

أن الدفاع عن العقلانية استحال ضرباً من الجنون..

أن تدافع عن الإنسان..

يعني أنك بشكل ما بتَّ تدافع عن الجنون..

اقرأ أيضاً: فن الخسارة

3 تعليقات على “دفاعاً عن الجنون: عن بساطة وقوّة ممدوح عدوان!”

سلامي لك ياجميل الكلمات هل تعلم اني اقراء كلمات في كل مرة مرتين استمتع بها وشتاق كثيرا لمقالتك االعبقرية وبتعادي لفترة عن قراتها ليس ملل فكلماتك مثل الصدف احب جمعها وبين الحين والحين اقراها… ابتعادي عنك في راسي كانت افكار كثيرة وعند قرائة احرفك احب ان يكون راسي خالي لاستضيف احرفك. وساقرا كتاب دفاعا عن الجنون الهمتني

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *