التصنيفات
فكر

الإنسان البرو ماكس: دليل غير موجز لإتقان مبادئ الإنسان الأعلى!

لقد استيقظت يا زارا فماذا عساك تفعل قرب النائمين!

«مبادئ الإنسان الأعلى»

في ديسمبر تنتهي كل الأحلام.. في ديسمبر تخبو الآمال.. تغلق الأبواب.. تنقطع الأسباب..

في ديسمبر تغور النجوم، وتنام الجفون..

وهذا أمر جيد، لأن ما إن ينتهي الإنسان ويفرغ من أحلامه ويشبع منها.. حتى يعود لعالم الواقع مستيقظاً!

حينها بإمكانه أن يفعل ما يريد أن يفعل!

ولهذا سمي الحلم حلماً.. لأنهُ ببساطة وصراحة دانية من الوقاحة.. مجرّد حُلم!

تُسدل ستور هذا العام وتسحب الذكرى عليه ذيول النسيان كسابقيه.. ليبدأ عامٌ جديد قد يحتوي ميلاداً جديداً أيضاً.. وأملاً جديداً.

إلا أن الأمل المبتذل في الكلام وغيره من مصطلحات العاطفة والدراما الإنسانية، لا يعمل كثيراً مع الإنسان القوي الذي نريد أن نتحدث عنه.. الإنسان الذي بات يُعرف مؤخراً باسم الإنسان الأعلى!

بعيداً عن سائر أجواء البرد، والاكتئاب، والتهاب الجيوب الأنفية، وتدلّي حِزم المخاط السائدة في أيام الشَتوية، وخصوصاً في هذا الشهر من السنة؛ الشهر الأخير الذي يحمل معه الكثير من الترسبات، وكأنه آنية تريد غسلها بعد وجبة دسمة، لتجد شتى أنواع الدهون والزيوت قد تجمدت وترسّبت وعلقت في أسفلها.

في هذا التوقيت بالذات.. لا بد من الإشارة لأن العالم يتغير!

يتغير بعنف شديد لم يكن يخطر على بال أي أحد من قبل أن يتخيله فضلاً عن تصديقه!

قبل مئة سنة فقط من الآن.. أي في نهاية عام 1921 لم يكن هناك شيء!

معظم  الجمهوريات والممالك لم تكن موجودة!

السيارات لم تكن موجودة!

الكهرباء ما زالت في معامل جنرال إلكتريك!

وأديسون يصارع تيسلا على معركة التيارات!

أما الآن وبعد 100 سنة فقط؛ والتي هي لا شيء في عمر كوننا اللامتناهي، نجد أنفسنا واقفين على قمة هرم لإنجازات عنيفة جداً..

الاتحاد السوفييتي كان وسقط..

قنبلتان نوويتان قصفتهم الطائرات الأمريكية على اليابان..

حرب عالمية أكلت الأخضر واليابس..

كل هذا أتى وأنتهى..

لقد مررنا بتغييرات عنيفة جداً. تغييرات فلسفية تستهدف جوهر الإنسان نفسه!

«لقد استيقظت يا زارا فماذا عساك تفعل قرب النائمين!» هكذا صرخ نيتشه محاولاً أن يبث الروح في إنسانهِ الأعلى!

محاولاً أن يهز أركان الإنسان العادي كي يدفعه للارتقاء!

العالم يتغير..

الإنسان يتغير..

الطقس يتغير..

حفاضات الطفل الصغير كل يوم على الأقل لمرة واحدة.. تتغير!

صديقتك وصديقك الذي ظننته ثابتاً كالصخرة، حتى هؤلاء.. يتغير!

هذا هو ناموس الكون الأعلى.. التغيير والتكيف المستمر..

الهدم وإعادة البناء للحصول على نتائج أفضل..

لا تريد التغيير؟ إذاً تقبل النتيجة الحتمية في هدمك وإعادة بناء نموذج أفضل منك وأكثر تكيفاً!

هذا هو المبدأ الذي اعتمدته الطبيعة، وتبناه التاريخ، ووافقت عليه العلوم الصلبة كالفيزياء والكيمياء، ومن ثمّ وقّع عليهِ الإنسان العاقل مُجبراً!

«الطبيعية ليست كمديرك في العمل، تخطأ مرة فيعطيك تنبيه واثنين وثلاثة.. الطبيعة تتركك ترتع وتمرح في أخطاءك وأنظمتك الصحية وسلوكك الرديء، تم توئدك وتقتلك بأمراضها وطرقها الخاصة دون أن تدري إلا متأخراً!»

فلا بد من التكيف مع الجديد القادم.. أحببته أم لم تحبه هذا الأمر لا يعنينا في شيء، المهم هو التناغم مع الظروف الجديدة.. ولعل التغيير الأبرز القادم هو قدوم الكائن الذي لطالما تحدثوا عنه في كتب الفلسفة ومجلدات أماني الإنسان..

التغيير القادم سيحمل معه وصول الإنسان الأعلى!

«إن الإنسان ينبغي أن يتم تجاوزهُ إلى الإنسان الأعلى».. هكذا صرخ نيتشه مستطرداً!

فإن أردت أن ترحب بهذا الكائن، ولعلك تكون ممن يحمل بضعاً من صفاته أو جزءاً منها أو كلها حتى -لا أعتقد بذلك إلا لندرة فقط- فهذا المقال موجهاً لك. وإن كنت تستصعب مثل هكذا نظريات وتراها محض خيال وهراء، فيمكنك ترك المقال من هنا دون أية احراجات.

لاسيما أن الكلمات القادمة تحمل معها كماً كبيراً من الشحن العاطفي، لذلك يرجى الحذر والتنبيه..

هل تسمعون صوت ذلك الكائن وهو يأتي؟

هل تصغون لصوت خطواته وهي تقترب أكثر وأكثر؟

لقد استيقظت يا زارا.. فماذا عساك تفعل قرب النائمين!

فهل تستيقظ أنت بدورك الآن؟ وترى بعضاً من المبادئ والخطوات المركّزة للوصول لرتبة الإنسان الأعلى!

أولاً: حتمية حدوث الانتخاب التقني

بدءاً من الفرز في المدرسة وحتى الجامعة والعمل ومحاولة الترقّي في السلم الوظيفي والوصول لأعلى المراتب والمناصب. لا بد من القول أن حياتنا بأكملها هي خوض فحوصات واختبارات في سبيل حدوث الانتخاب وانتقاء الأفضل منا كي يرتقوا!

لماذا يدخل طلاب المدارس أصحاب الدرجات الأعلى المجالات الدراسية الأفضل؟

لأنه هذا انتخاب دراسي.

لماذا يحصل العاملون المجتهدون على ترقيات وظيفية ويصعدون نحو الأعلى؟

لأن هذا انتخاب في العمل.

لماذا تزداد قيمة الإنسان المتعاطف صاحب القلب الكبير الذي يعمل الخير كثيراً؟

لأن هذا أيضاً انتخاب عاطفي.

الحياة كلها انتخاب.. لا بد من إدراك ذلك مبكراً، فمن العبث تكليفها عكس طباعها، ومن الحمق قضاء عمرك في العبث!

إلا أن الانتخاب القادم الأعنف حالياً والذي سيحمل معه الإنسان الأعلى ليظهر على الساحة.. هو الإنتخاب التقني.

أي إنسان، أية مجتمعات، أية دول، أية أقاليم لا تواكب الموجة التقنية وتقوم بتوطينها وترسيخها في شتى المجالات، ستواجه خطر الإنقراض.

ظروف العالم تتغير، موارد العالم تتغير، درجات حرارة العالم تغير، مستوى فتك الفيروسات فيه يتغير. هناك تغييرات كبيرة، ولعل التقنية هي الخيار الأكثر نجاعةً للتملص فيها.

«نحن الآن على مشارف نهاية الفكر العلمي، فقد دخل غرفة الإنعاش، والسيادة القادمة للفكر التقني الغائي».

إضافةً لأن التفكير التقني قد استطاع تحطيم نماذج التفكير الأخرى السابقة تقريباً. فمن المعروف أن أوّل نوع للفكر عرفته البشرية هو الفكر الخرافي، ثم جاء الفكر الأسطوري ليقضي على الخرافة، ثم جاء الفكر الديني والفلسفي ليحطم الفكر الأسطوري، ومن بعدها أتى الفكر العلمي ليعلن موت الفلسفة والدين معاً.

إلا أن الآن حتى الفكر العلمي نفسه دخل غرفة العناية المشددة وفي آواخر حياته، لأن الفكر التقني استطاع تقريبا أن يجهز عليه بالضربة القاضية.

الفكر التقني هو الفكر العلمي العملي الذي يستخدم الوسائل في سبيل تحقيق غايات بعينها. بمعنى أن التقنية؛ هي التقنية والوسائل لتحقيق الأشياء. لذلك فإن الفكر التقني هو منبثق من العلمي؛ كما انبثق من قبله العلمي من الفلسفة! إلا أنه فكر محدد وواضح ويسعى نحو تحقيق غايات بعينها.

ما قيمة دراسة الفكر العلمي للصحة النفسية للنمل والنحل الآن؟ بالمقارنة مع الفكر التقني الذي ينتج تكنولوجيا الجيل الخامس؟ أو اللقاحات؟

هذا هو بالضبط عنوان المرحلة القادمة.. إن لم تكن تقنياً وعلى وعي به وإدراك للتغييرات الحاصلة، فغالباً العجلة ستمشي عليك، وسيفوتك الإنسان الأعلى بشوط طويل جداً.

ينبغي عليكَ أن تكون تقنياً، ينبغي عليك أن تحقق المعايير المطلوبة القادمة!

ثانياً: سيكولوجية المارشميلو.. في أهمية الكبت!

لا بد للإنسان الأعلى أن يودع بائع الحلوى خاصته! غير ذلك سيبقى في بحر تتلاطمه أمواج الرغبة والهوى والنزعات الطفولية للإنسان الأدنى الرابض في داخلهِ.

دائماً ما يضرب مثال الطفل الصغير لتوضيح هذه الفكرة.. فلو كان لدينا طفل صغير يرغب بتناول الحلوة والمارشميلو وأتينا بطبيب يحمل في يده أوراقاً علمية بأضرار مثل هكذا أطعمة وأخطارها على الصحة، في حين هناك رجل آخر يحمل لهُ الحلوى والمارشميلو، لاختار الطفل فوراً بائع الحلوى! إذ لا يفهم الطفل الكبت ولا يعرف سايكولوجية المارشميلو هذه.

الطفل مثال بارز على الإنسان الأدنى الصغير الذي لا يفهم منطق اللذة اللحظية أبداً.

وفي معرض الدفاع عن الكبت صرّح فرويد بأن الحضارة بأكملها نتجت بفعل الكبت!

فخلال 300 ألف سنة من عمر الجنس البشري، بقي الكائن البشري أورغانيك Organic يتكاثر ويأكل وينام مثل سائر الكائنات الحية، لم يستطع خلال 280 ألف سنة أن يبني حضارة أو ينتج شيئاً قيماً أبداً.

أتت الفكرة الحضارية عندما لجم هذا الكائن غرائزه الأولية وكبتها في سبيل تحقيق لذات طويلة المدى وأبعد من حدود النشوة اللحظية، فكانت حينها الحضارة التي نعرفها!

«من نماذج الكبت الشهيرة التي فعلها غاندي، أنه كان يستقلي عارياً وينام بين مجموعة من النساء العراة أيضاً. إذ كان يعتبر ذلك طقساً للتعفف، يروح فيه إلى أقصى مواجهة مع رغبات الإنسان البدائية دون أن يجعلها تعبر عن نفسها!»

الفكرة القاتلة الآن أن إنسان العصر الحالي هو طفل مارشميلو تحركه خيوط الرغبة كدمية ماريونيت بلهاء، أي هو إنسان أدنى يعيش في منظومة حضارية في طور الأفول الأخير ربما. لذلك لا بد من أن نقول الآن؛ إن كنت تنشد الارتقاء فوق اللذات اللحظية، أن وداعاً يا بائع الحلوى!

اختر الطبيب صاحب الأبحاث لا الشعبوي الذي يريد أن يتخمك بقنابل الدوبامين التي يحبها الدماغ!

لو قارنا الإنسان مع بقية الكائنات الحية لوجدناه ضعيف جداً، وكل كائن يهزمه في باب ما.. السلحفاة تعيش أطول منهُ بأشواط طويلة.. والفهد يهزمه في أبسط حلبة للسرعة دون أن يعبأ بوجوده أساساً.. الإنسان لا يستطيع الطيران فلا يمكنه مجاراة كائنات السماء أبداً.. وفيما يتعلق بحمايته، فهو كائن عاري لا يملك شيئاً، ويمكن لشتى الكائنات أصحاب الأصداف والطبقات الخارجية القاسية أن تغلبه من الشوط الأول.. فلا بد أن نحزن على أنفسنا كجنس بشري لمدى ضعفنا وهشاشتنا..

«الإنسان هو الكائن العاري الوحيد الذي وجد نفسهُ ضعيفاً فأدمن البناء من حوله، كل محاولات بناء المدن وناطحات السحاب والأسوار حول المدن القديمة، وتعزيزها بطبقات الجيوش والثغور لم تكن إلا محاولة من هذا الكائن الهش لحماية نفسهِ.. إذ كان دائماً الكائن العاري الذي امتلك الوعي الكافي لإدراك عريه وهشاشته، فحاول بناء طبقة حماية خارجية.. كل حضارات الإنسان ما هي إلا تعويض عن صدفة سلحفاة لم يملكها يوماً!»

فكل الحيوانات تهزم الإنسان في بابها الخاص، الشيء الوحيد الذي ميّز الكائن العاقل ووضعه في قمة السيادة على كوكب الأرض ولربما النظام الشمسي بأكمله هو العقل!

لك أن تتخيل أنه بعد كل التميز الصعب الذي حاز عليه.. وبعد كل أشواط الانتخاب الطبيعي التي قفزَ فوقها.. قررَ أن يتجاهل عقله، ويختار بائع الحلوى، ويبيع نفسه وروحه لتلك الغرائز البدائية التي يشترك بها مع بقية الكائنات الحية!

ما هذا العبط الذي ليس من بعده عبط أيها الكائن العاقل غير العاقل!

بدأت الحضارة عندما منع الإنسان نفسه من لذة لحظية في سبيل الحصول على لحظات قادمة.. لا تكن كالقرد الذي يصر على أخذ موزة ويتجاهل فرصة الحصول على طرد موز كامل في الغد لأنه لا يستطيع كبت نفسه!

اكبح نفسك قدر الإمكان، واختر الطبيب على الدوام.. وردد دوماً أن وداعاً يا بائع الحلوى!

لكن هذا يحتاج لإثبات وأن يكون أكثر من مجرد كلام نظري فقط.. هناك قربان يجب أن يُقدّم في سبيل التأكّد من الإجهاز النهائي على طفل المارشميلو الرابض في داخلك.. ولعل الفقرة القادمة هي خير إثبات على ذلك!

ثالثاً: الزواج.. انتصار مَن لا انتصار لهم!

يعزّ عليّ ذكر هذه الفقرة جداً، فهي أشبه ما يكون بأن يسب الإنسان صديقاً قديماً عزيزاً في حضرة أعدائهِ، فكل إنسان منا، محاط بكم كبير من المتزوجين الذين يملكون أطفالاً وأخوةً وعوائل يحبونهم ويعيشون معهم، إلا إني مضطر ها هنا لهدم هذه الفكرة والمشاغبة حولها، أو على الأقل هدم جذرها أكثر من تفتيتها هي بعينها.

أولاً ينبغي التصريح بشكل واضح أن الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهُ! أي كلما كان الإنسان فارغ الأشغال وليس لديه شيء ما يصل إليه، وعجز في البحث عن طرقات الحياة ولم يعد لديه انتصارات يحققها، كان الزواج حينها، فهو الانتصار الأخير الزائف الذي ينوي تحقيقه.

ربما أن تتزوج أمر جميل وعادي ويشير لأنك إنسان Average إلا أن للإنسان الأعلى سلوك آخر غير هذا قطعاً.

«لا يوجد إختراعات فعلها أشخاص متزوجين»

– نيكولا تيسلا.

أليس من الجميل أن تستيقظ صباحاً وبجانبك من تحبه؟ أليس من الجميل أن تكون مع الإنسان الآخر لتتقاسم خير هذه الأيام ومرها؟ أليس من الجميل أن يكون للإنسان دعماً في شتى مراحل حياته، بعلوها وهبوطها، بقربها وبعدها؟

نعم جميل، لكن كما قلت في البداية.. هذا مفيد للإنسان العادي، ويكون بمثابة نشوة وانتصار مَن لا انتصارات أخرى له! الكائن الأعلى سلوكه يختلف تماماً!

«يرى الزوج زوجته أجمل تحفة في الوجود، وترى الزوجة في زوجها الأمير النبيل. وكلاهما بعد مرور 30 سنة إما يبقون مع بعضهم تحت سلطة “الواجب” أو لأن لا خيارات أخرى متاحة. ما هو واضح في هذه المنظومة أنها نسبية. زوجك رائع بالنسبة لكِ ولأمه ولأخوته فقط -في الحقيقة، قد يكون حتى لهؤلاء الناس سيئاً!- وزوجتك خارقة الروعة فقط لوسطها الضيق. فبالنسبة لإنسان الآن في بنغلاديش أو كينيا، لا أحد يعرف أي منكم، فالصورة النسبية، وما هي إلا تعبير عن مدى ضعف الإنسان وهشاشته وحاجته لترميم نفسه بالآخرين.. فالزواج يتغذى على ضعف الإنسان العاقل العادي!»

أول شيء مهم هنا هو أن ضرب الزواج -لا أتحدث عن الموضوع كمنظومة مجتمعية بقدر ما أتحدث عن الأمر بوصفهِ اختياراً شخصياً- يشير إلى تحطيم واحدة من أكبر الغرائز الرابضة في صلب الإنسان. الغريزة الأولى هي الغريزة البيولوجية المارشميلوية -نسبةً إلى المارشميلو في الفقرة السابقة- والغريزة الثانية هي الغريزة الاجتماعية التي تدفع الإنسان لئلا يكون وحيداً، وأن يحاول مشاركة حياته مع الآخرين، وربما أحياناً إثبات أنه جيد وسليم ولا يعاني من مشكلة مرضيّة ما.

ضرب الزواج عند الإنسان الأعلى هو بمثابة حجر الزاوية الأضخم في مشروعه، لأنه بذلك يكون قد حطم صنماً ضخماً ترتكز عليه غرائز الإنسان البيولوجية البدائية، وغرائز الإنسان الاجتماعية الحديثة المتمثلة بالدعم والسند العاطفي والاستيقاظ الصباحي بجانب من تحب وغيرها من الهراء والكلام الفارغ.

استثناء لا بد منهُ: في بعض الأحيان يحدث العكس، ويكون الزواج بالفعل طريق نحو العلو.. إلا أنه حالة بالغة الندرة، كـ ندرة أن تجد غراباً لونه أبيض. إذ يسود نهج الخمول عند الغالبية العظمى، أو كما عبّر عنها الموسوعي الأمريكي بنجامبين فرانكلين بالقول: «يموت غالبية الناس في عمر الـ 25، في حين أن أنهم لا يُدفنون إلا لعمر السبعين!»

الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهم. هو النقصان الذي يحاول الإنسان «العادي» ترميم ذاتهِ من خلال الآخر.. الإنسان الأعلى لا شأن لهُ بهذه الأمور، خصوصاً أنها مجرد مُلهيات بالتكاثر ريثما تزور المقابر! تنم عن أن صاحبها مازال في طور «الحاجة والإشباع» الذي يشترك بهِ مع جميع الكائنات الحيّة ضمن الكوكب؛ بدءًا من الشعب المرجانية وحتى السناجب!

وهذا ما قد يترجمه البعض بشكل خاطئ أحياناً، لينغرس فيما هو أسوأ! وهو ما سنحاول توضيحه وتجنبه في الخطوة الخامسة.

رابعاً: المشكلة مع العدمية.. فلسفة اللعب الرديء!

من الظلم أن نقول الآن أن العالم أصبح قرية كونية صغيرة، لأنه لم يكن كذلك ولم يعد أبداً، العالم الآن أشبه ما يكون بتواليت صغير وليس مجرد قرية صغيرة! كل شيء قريب من كل شيء! التواصل لحظي وفي الوقت ذاته على الرغم من كونك في اسطنبول أو لندن أو أي مدينة، العالم سائل والاتصالات سائلة وسريعة، إلا أن السيولة قد تسربت لروح الإنسان وتسببت في ضرب خصلة المعنى لديه، فسقط في فخ العدمية وشراكها.

«لا شيء يمكنه أن يعذب النفس البشرية أكثر من الفراغ»

-ستيفان زفايغ

فقدَ الإنسان الحالي المعنى وغرق في بحر الظلمات والعزلة والانغراس في الذات، ولعل هذه النقطة من أبرز سلبيات العدمية. لأنه لا مشكلة لأحد مع أن يفقد الإنسان الآخر المعاني!

المشكلة في العواقب المترتبة على ذلك الفقدان، ولعل أبرز هذه العواقب الواضحة السمات والمتجلية في عصرنا الحالي هي الانغراس في الذات؛ بما تشمله من إباحية على شتى الجبهات؛ في الطعام، وفي الجنس، والعلاقات، وكل شيء آخر.

إلا أننا هنا لطرح حلول وتبيان مبادئ الإنسان الأعلى لا الإشارة للمشاكل وتعزيز حضورها!

العدمية في صلبها فكرة متهافتة.. إذ تعبّر عن ماهيتها بأن العالم بلا معنى، وكل مبادئه محض اتفاق بشري مسبق كيلا ينهار هذا العالم الذي بلا معنى!

إذاً، أنا بوصفي إنساناً فرضت عليه الحياة، ماذا ينبغي أن أفعل؟

العدمية.. وهنا يسقط في الإباحية الكاملة!

لو أردت نقد العدمية ببساطة فهو أنها ردة فعل على طبيعة عالم لم يصرح أحداً بها أساساً!

يقول تولستوي في جملة بالغة الذكاء والدهاء:

إن أردت أن تكون سعيداً، فكن سعيداً!

بمعنى.. الموضوع مثل تطبيق واتساب وغيره من تلك التي تتيح إمكانية استخدام الحالات لمدة 24 ساعة. الطبيعة غالباً ما تكون محايدة. تريد أن تكون سعيداً؟ إذاً كن سعيداً (أي ضع حالة السعادة في تطبيقك الخاص). لا تريد السعادة، لا يمكنك أن تلوم الوضعية الافتراضية وتقول أنها بلا معنى!

لماذا؟

لأن وجود معنى في الحياة هو أسوء من فقدانه أساساً!

تخيل أن تولد في هذه الحياة ويقال لك الحياة فيها معنى جاهز هو أن تجمع جميع أصداف البحر؟ ما رأيك بهذا المعنى قليل الذوق؟

العدمية فكرة نفسية أكثر من كونها شيء يمكنك لمسه وضبطه، ولو كنت عدمياً وفرحاً بذلك فأريد أن أذكرك بأن «عدم اللعب» هو نوع من أنواع اللعب الرديء! أنت في لعبة مجبر أساساً على الوجود بداخلها، قولك بالعدمية، ليس إلغاءً للعبة! لأنك لا تملك الصلاحيات لذلك أساساً! قولك بالعدمية يعني أنك تلعب ضمن اللعبة لكن بشكل رديء! لأن اللعبة جارية شئت أم أبيت!

الإنسان الاعلى يدرك ذلك مبكراً جداً، ويضع معناه الخاص، ويعيش على أقصى درجات الحافة. فتعليب الحياة بمعاني مسبقة أتفه من فكرة العدمية نفسها. لأن حينها سيصبح السؤال ماذا لو لم يعجبك المعنى الذي في الحياة؟

ضع معناك الخاص وتوقف عن اللعب الرديء لأنك مجبر!

غير ذلك، سنرى الإنسان ينحط لرتبة طفل المارشميلو السابق، حياتي بلا معنى.. ماذا أفعل؟ أغرق في الاباحيات والطعام الرديء.. وغيرها من الملذات.

وهذا ما يجعله شبيهاً بأي كائن آخر على سطح الأرض، مجرد تلبية لغرائز بدائية، وانحطاط نحو قاع هرم ماسلو وسلوك الأسلاف الأوائل.

خامساً: التطهّر من الدوبامين

عند الحديث عن الابتعاد عن الزواج لا يعني الزواج بكونه اجتماعاً مع الإنسان الآخر بقدر ما هو معالجةً لنقطة الضعف في الإنسان وهي الحاجة إلى «الإنسان الآخر» بغية تحقيق وتلبية بعض الحاجات البيولوجية والاجتماعية. لذلك هناك حالة تتمثل بالزواج بشكل سيء؛ وهي أن لا يتزوج الإنسان بل يبحث عن بدائل أخرى تكون أكثر انحطاطاً من الزواج نفسه!

وهي ما يمكن تمثيله بتزويد سيارتك بكميات كبيرة من الوقود الرديء، وفي مثالنا هنا، هي الدوبامين الرديء!

ينتج الدوبامين الرديء وفق فيليب زيمباردو عالم النفس والأعصاب الشهير صاحب تجربة ميلغرام، عند الشباب من عدة أسباب أبرزها الإباحية ومشاهدة الأفلام الخليعة، ثانيها إدمان الألعاب، وبدوري أنا ها هنا يمكنني أن أضيف مشاهدة الإنمي أيضاً.

الفكرة في كل ما سبق هو تعريض العقل لوابل عنيف من الدوبامين الرديء، حينها ستصبح بالمعنى الحرفي للكلمة «عبداً لهرمونات جسمك».

وهذا ما يتناقض ليس مع الكائن الأعلى، إنما مع الإنسان العادي، هذا سلوك الإنسان المنحط البدائي، ليس الأعلى ولا العادي حتى!

الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.
الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.

فمثلاً، من المعروف جداً أن الوصول في عصرنا الحالي للأفلام الإباحية أسهل من شربة الماء، وكي لا أكون مثالياً وربما ينتقد البعض هذه الفكرة، لكني سأقولها على كل حال. إن مشاهدة الأفلام الخليعة خصوصاً في فترة بداية البلوغ والفضول العالي والرغبة في استكشاف النفس، أمر يعتبر صحي إلى حد ما. المشكلة تظهر عند إدمان ذلك، وإدمان الملذات التي تأتي من ذلك.

حينها لا بد من القول أن هذه الشابة والشاب مدمنون على الدوبامين الرخيص في دماغهم!

ربما يسأل البعض: ما المشكلة في ذلك؟ أنا أشاهد الإباحيات وأمتع نفسي، وآكل كل ما يخطر في بال «معدتي». وأشاهد الإنمي والألعاب.. ما المشكلة في ذلك؟ 

المشكلة أن الإنسان الأعلى لن يأتي حاملاً في يده صندويشة شاورماً أيها العزيز! هل تعلمون أن الإنسان يعيش حرفياً على ربع ما يأكله كل يوم؟ في حين يعيش الأطباء الذين يعالجونه على الثلاثة أرباع الأخرى!

أما بالنسبة لفيض الدوبامين الرديء الذي تطلقه الإباحيات والألعاب وغيرها، فلعل التجربة الشهيرة التي جرت على الفأر خير مثال على ذلك.

«قام العلماء بوصل أقطاب كهربائية لدماغ إحدى الفئران، وجعلوا لديها مقبس بحيث بإمكان الفأر أن يضغط عليه، وكلما ضغط يحصل على الدوبامين في دماغه، أي أن التحكم بيد الفأر. كانت النتيجة أن الفأر ظل يضغط على مقبس الدوبامين الذي يصعق دماغه بفيض من هرمونات السعادة، حتى عندما حرم منه لم يعد يتحرك أو يفعل أي شيء. اي اعتاد عليه. ومن ثم احذر ماذا.. لقد مات الفأر! ضغط على مقابس الدوبامين لدرجة الموت!»

باختصار شديد أيها العزيز، لا تكن ذلك الفأر.

وهذا الكلام ليس في سياق النصح والمدارسة والتوبيخ.. لا لا. هذا مجرد تحذير لا أكثر.

لأن الطبيعة نفسها نظام ذكي تقوم بالانتخاب كما قلنا. فالأكل الزائد وما ينجم عنه من دوبامين رديء يفتك بصاحبه بدءًا من عمر الـ40 عبر ترسانة كبيرة من الأمراض التي تصيبه، فإمكانية الانتقاء التي بإمكانه أن يحظى بها في سنوات الشباب تتلاشى فيما بعد. لأن القطار حينها يكون قد فات! ولهذا لا تجد بديناً كبير السن. لأن الطبيعية نفسها تقتله بأمراض القلب والسكري قبل أن يكبر!

الطبيعية نظام ذكي جداً تعرف كيف تنقح نفسها من الإنسان صاحب السلوك التعيس وتصطفي الأفضل، لذلك كن ذكياً، طهّر نفسك من الدوبامين الرديء، فأنت تعيش على ربع ما تأكله.. طهر نفسك، وكن إنساناً أعلى من ذلك!

سادساً: خرافة الاكتئاب والانعزال

العزلة مريحة لفكر الإنسان أحياناً حتى يتنقّى من الشوائب التي تختلط فيه نتيجة التواصل المستمر مع الناس واللحاق وراء العمل، والاشتباك اليومي مع كثير من المهام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا أنها خطأ جسيم بالنسبة للإنسان الأعلى، أو كما قالها الشهير روبرت غرين في كتابه قواعد السطوة، احذر أن تبني الحصون والقلاع من حولك.. احذر أن تنعزل!

تحرمك العزلة من الكثير من فرص العمل، تحرمك العزلة من الاطلاع على الأشياء الجديدة، تبعدك العزلة عن احتمالية وجود أفكار يمكن أن تتلاقى معها!

لا ينبغي اختراع العجلة في كل مرة من جديد! وأنت بدورك الأمر ذاته، لا ينبغي أن يكون كل فكرك هو محض تفكير خاص أتيت بهِ أنت فقط! لا مانع من أخذ الأفكار من الناس الآخرين والبناء عليها، لا عيب، بالعكس الأمر ينم عن ذكاء وتوفير للوقت حتى! حينها بإمكانك أن تعتزل لإنتاج أشياء جديدة وليس إعادة اختراع عجلة مخترعة مسبقأً!

في سياق متصل، لا بد من الحديث عن خرافة الاكتئاب -ليس بوصفهِ مرضاً، بل طريقة التعامل معه وعلاجه- التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي والعصر الحديث بكامله.

ولعل أبرز من نقد هذه الخرافة هو عالم هارفرد الفذ «ايرفينغ كيرش» من خلال أبحاثه العلمية التي نشرت ووصلت لنتيجة مفادها أن دواء الاكتئاب ومضاداته عبارة عن هراء ومجرد بلاسيبو.

ففي دراسته المنشورة لعام 2008. وجد كيرش وزملائه أن التأثير الدوائي لمضادات الاكتئاب على مستويات التوازن الكيميائي في الدماغ وخصوصاً فيما يتعلق بمادة السيروتونين هو تأثير زائف ولا علاقة لهُ برفع المزاج أو نزوله، بل لا يتعدى عن كونه مجرد تأثير بلاسيبو، إذ وجدت الدراسة الاحصائية أن أولئك الذين تناولوا مضادات الاكتئاب كانت مستوياتهم للسيروتونين في كيمياء أدمغتهم متباينة، بين من ارتفع، ومن انخفض، ومن بقي على حاله ولم يتغير فيه شيء! على الرغم من أن حالتهم النفسية تحسنت دون تحسن حالتهم الكيميائية في الداخل أساسا!ً

دراسة ايرفينغ كيرش.

يرجع الدكتور كيرش هذا لأن شركات الأدوية تخضع منتجاتها لاختبارات محدودة فقط بنية الحصول على الموافقة، فهي ملزمة فقط بتقديم اختبارين من أصل حوالي 25 اختبار لكشف فعالية الدواء!

كما وجد أن زيادة الوزن وغيرها من تبعات الاكتئاب وعوارضه قد تسبب انتكاساً أكبر من الاكتئاب نفسه بسبب تناوله أدويته! حينها يدخل الإنسان في حلقة عويصة من الصعب أن يتخلص منها! لا سيما إن كان المكتئب يقنع نفسه بجمل من نمط، أنا أذكى من الآخرين وأفضل لذلك أنا مكتئب، وطبعاً هذا يصب في خانة الهراء الذي لسنا بحاجة لأن نوصفه حتى.

«بشكل ما.. تكون أدوية الإكتئاب مصممة كي تبقيك مكتئباً، كونها تعالج العرض أكثر من جذر المشكلة».

الإنسان الأعلى أعلى من الاكتئاب نفسه! الإنسان الأعلى أعلى من الدراما البشرية بسائر تمثيلاتها! الإنسان الأعلى يملك نظاماً يعطيه المعنى في حياته، قد تكون الفلسفة الرواقية، قد يكون الدين، قد يكون أي شيء. المهم أن لديه معنى. الاكتئاب واقع، لكن علاجه والهالة حوله خرافة كبيرة يستثمر فيها كثيراً.

احذر من فخ الاكتئاب، احذر من فخ الانعزال.. داوي نفسك بالمعنى قبل أن تمشي فوقك عجلة الانتخاب وتطحنك لصالح من أهم أفضل وأرقى ومن يملك معنى أكبر منك!

سابعاً: جميعنا يحتاج للحليب

عندما تُعطي الطفل الصغير الذي لا يتعدى عمره بضعة أيام طعاماً صلباً أو عادياً غير الحليب، تتلخبط معدته وتنزعج ولربما يموت حتى!

الطفل بحاجة لمرحلة قدرها سنتين من الحليب فقط، فقط يشرب حليب أمه الغني بالأجسام المناعية والمغذيات التي يحتاجها. فيما بعد بإمكانه أن يأكل ما يشاء بالتدريج، ليشتد عوده، ويبني منهجه الغذائي والعام بنفسه.

الإنسان هو طفل.

كلنا أطفال..

كلنا بحاجة لمرحلة الحليب في البداية، ولا بد أن نصبر ولا نستعجل، ولا ألا نحاول أكل الطعام القاسي فورأً!

ينبغي علينا أن نمر بمرحلة روتينية مكررة نمطية تحضيراً للمرحلة المهمة القادمة.

وتبقى العبرة في الصبر والاستمرارية والمواظبة على ما يُفعل.

جميعنا أطفال، جميعنا يحتاج الحليب.. ولعل الإنسان الأعلى ليس استثناءً، فالقفر فوق المراحل بشكل أهوج وغير محسوب سيؤدي لكسر الرقبة ولربما الموت!

«الأمر يشبه قيادة السيارة.. فعندما تكون في بداية الإقلاع على السرعة 50 مثلاً، يكون تحريك المقود أمر بسيط وسلس نوعاً ما. لكن ما إن تسرع وتصل إلى أرقام عالية كالـ 180 و 200 يصبح تدوير المقود أمر صعب وكل حركة خاطئة فيه قد تهددك بالخروج من الطريق ولربما انقلاب السيارة بكاملها!
الإنسان الأعلى بوصفهِ وقوفاً وترفعاً عن الجوهر البيولوجي للإنسان هو محاولة للقيادة بسرعات عالية جداً، فحاول المواظبة على رؤية الطريق السليم دون تدوير المقود بزوايا قاسية وبشكل خاطئ! لأن ذلك قد يؤدي للخروج عن الطريق تماماً!»

حافظ على تسلسل المراحل.. حافظ على الاستمرارية والنفس الطويل.

لا تتجنب مرحلة الحليب..

عشها بكل تفاصيلها.. وبعدها لتبدأ مرحلتك الخاصة!

ثامناً: اقرأ حتى تموت

لا أفهم الإنسان الذي يمسك رواية ويشرب قدحاً من القهوة مع بعض! كيف يمكن أن يكون الإنسان سعيداً أو مرتاحاً عندما يقرأ؟ صدقاً لا أفهم هذه النقطة أبداً، على العكس أعتقد أن القراءة عملية صعبة وبشعة وتتطلب صبراً طويلاً، إلا أنها مهمة وغير ذلك دائماً ما كنت أعتقد أني سأبقى مغفلاً أحمقاً إن لم اقرأ، لهذا أجبر نفسي.

ولذلك أرى أحياناً أنه ينبغي «التعذيب بالقراءة» لا فقط أن تتلذذ بالقراءة وتسعد بكوب قهوتها!

فالمثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي هو مثقف منخرط في الجو العام، أن تكون روائياً تشرب قهوة فهذا دليل على أنك مثقف غير عضوي بعيد عن الواقع ولربما منفصل عنه.

اقرأوا حتى تموتوا.. من المحبرة حتى المقبرة!

هناك الكثير من الأشياء في هذا العالم غير مكتشفة. هناك الكثير من الأشياء موجودة فقط في الكتب. ابتسار العلم في بضعة مقالات توفرها بعض مواقع ومزابل المحتوى العربي أمر سيء. غالبيتها مواقع ربحية لا هدف لها للقارئ ولا هم يحزنون، هم يريدون «زيارة القارئ» فقط لا دين أم القارئ ومعرفته!

العلم في الكتب.. المعرفة في الكتب.. الدراسة في الكتب.. التركيز في الكتب.. القداسة في الكتب.. ألم ترون لماذا الأديان جميعها تستند على كتاب مقدس في صلبها وليس مثلاً تابلت آي باد سماوي؟

لأن الكتاب مقدس!

للكتاب معنى عميق!

فاقرأ بارك الله بك!

اقرأ حتى تتعلم..

اقرأ حتى تتحرر..

اقرأ حتى لا تموت صغيراً وإن رحلت في العشرين!

اقرأ لعلك تكون الإنسان الأعلى الذي يخرج هذا العالم من تعاسته..

اقرأ فقد تكون أنت المنتظر الذي يحمل الأمل..

اقرأ..

أرجوك اقرأ..

فقد تكون أنت الذي يُحررنا..

تاسعاً: خرافة المساواة.. صعود الإنسان البرو ماكس!

يُلقى في روعنا منذ الصغر أن جميع الناس «خير وبركة» وهذا بالفعل صحيح إلى حد كبير. غالبية الناس طيبون. غالبية الناس يريدون الخير فعلاً. غالبية الناس يشبهون بعضهم في الكثير، لكنهم أيضاً يختلفون في الكثير.. وأهم من هذا كله، غالبية الناس غير متساوين!

البعض يولد طويلاً.. البعض الآخر يولد قصيراً!

البعض عيونه ملونة.. الآخر عيونه داكنة!

الناس في السويد الحد الأدنى للأجور لديهم أعلى من الذين في الهند مثلاً!

المساواة في الفرص أمر مهم ومطبق في غالب مناطق العالم، إلا أن المساواة بالحالة الافتراضية للناس غالباً غير موجودة، نظراً للتنوع الجيني الضخم عند الجنس البشري. وأهم من هذا كله أن عدم المساواة في الظروف الأولية البيولوجية والاجتماعية أمر جميل وليس سيء، إلا أنه فيما يتعلق بسمات الكائن الأعلى والانتخاب التقني القادم، فالأمر يختلف قليلاً!

الانتخاب الذي نتعرض له في وقتنا الحالي يفرض نجاة -حتى أكون أدق النجاة هنا ليس عدم الموت، النجاة هنا بمعنى التميز واللمعان- نسبة قليلة من البشر فقط، كون التعداد البشري يعيش أوج انفجاراته ولأرقام فلكية لم تكن تخطر على بال أحد.

عدد سكان العالم في عام 1812 كان 500 مليون.

عدد سكان العالم في عام 1912 كان حوالي مليار ونصف.

عدد سكان العالم في عام 2012 هو 7.7 مليار إنسان!

لا يحدث الانتخاب إلا عندما يكون هناك أعداد كبيرة وفائض لا بد من التخلص منه -التخلص الطبيعي من البشر يكمن في عدة آليات، الأمراض تقتل أصحاب الأنظمة الصحية السيئة، الزلازل والبراكين والفيضانات تدمر مَن يعيشون في المناطق السيئة- والآن وفي زمننا الحديث، مَن لا يمتلك صفات تقنية حديثة، فإن الطبيعة باختصار ستتخلص منه ولن يتأهل للمرحلة القادمة. وأنا آسف لو كان هذا الكلام قاسياً، لكن حقيقة الطبيعة التي نعيش بها هي كذلك.. من العبث أن نكلفها عكس طباعها! ومن الحمق قضاء العمر في العبث!

نحن لسنا متساويين ولم نكن كذلك منذ البداية، البعض منا هو بمثابة آيفون برو ماكس يتمتع بصفات وعتاد قوي جداً، البعض بمثابة آيفون عادي. آخرين بمثابة آيفون ميني. البعض سامسونج فئة متوسطة عليا أو فلاج شيب. والبعض في هذا العالم قد يكون بمثابة نوكيا 3310!

ولا يوجد أتعس من الإنسان الذي يحمل هاتفاً ذكياً، إلا أنه هو نفسه ليس ذكياً!

هل تريد معرفة ما هو عتادك؟ هل أنت إنسان برو ماكس أعلى أم مجرد نوكيا بمعالج رديء ستنقرض قريباً؟

ما هو نظامك الصحي؟ إن كان سيئاً فإن الطبيعة ستكون كفيلة بتحطيمك مع الزمن. (مقال الحياة كفلتر مهم في هذا الجانب).

ما هو سلوكك التقني؟ إن تخلفت عن ركب مسايرة الموجة التقنية فلا محل لك في الزمن القادم. أنت كساعي بريد في زمن الإيميلات والواتساب!

ما هو سلوكك الدوباميني؟ كيف تحصل على السعادة؟ تُرمم نفسك بالآخرين وتداري هشاشتك أم ماذا؟

ما هو سلوكك المعرفي؟ أنت من ضحايا اقتصاد الانتباه ومقالات سقوط فستان هيفاء وهبي وغيره مما ينشر في مزابل المحتوى العربي أم ماذا؟

إجابات هذه الأسئلة تجعلك تدرك من أنت، فاحرص على أن تكون بعتاد قوي ذو معالج عالٍ يتمتع بمواصفات مرنة وقلب نابض من الصعب تحطيمه!

وأكررها مرةً أخرى، نحن لم نكن متساوين منذ البداية، وهذا سر جمال الجنس البشري، إنه متعدد ومختلف، ما يهمنا الآن في هذا الزمن ألا تجعل العجلة تمشي علينا.

وهي للأسف ستمشي على الكثير، وسيبقى وحده صاحب التكيف الأعلى.. الإنسان البرو ماكس؛ الإنسان الأعلى!

عاشراً وأخيراً: لا أعلى إلا وهناك مَن هو أعلى منه!

تصارعت عبرَ التاريخ عدة شخصيات للإنسان لتكون في قمة الهرم، فكان الإنسان دائماً في حالة تناوب ما بين: (إنسان السلطة والقوة، وإنسان الاقتصاد، وإنسان الدين والفلسفة، وأخيراً الإنسان البدائي الغريزي). وعبر التاريخ كان السجال دائماً ما بين إنسان القوة وإنسان الدين والفكر، وكانت الكرة تارةً لهذا، وتارةً لذلك، أما الآن فالإنسان ارتدَ إلى أسفل الهرم، أرتدَ إلى عصر البربرية الأولى!

«يا مُعلم.. أتظن أنك حُر؟ يا مُعلم.. فقط الحبل الذي حول رقبتك أطول من الذي حول رقبتي!»

زوربا اليوناني

يقول ديفيد فوستر والاس الكاتب الأمريكي الجميل جداً الذي انتحرَ في ريعان الشباب بعد أن حققت رواياته نجاحاً باهراً: لا يمكن للإنسان أن يكون ملحداً، لا يمكن للإنسان إلا أن يعبد، والخيار المتاح لنا في أن نختار ما نعبد فقط!

اعبد القوة وسترى نفسك تخبو بعد أن تكبر..

اعبد السلطة وستجد نفسك ضعيفاً بعد فقدانها..

اعبد جمالك وستجده قد ذهب أدراج الرياح مع التقدم بالسن..

نحن كائنات عابدة راكعة منذ صغرها، الاختيار لنا في انتقاء ما نريد عبادته وليس أن نعبد أو لا من الأساس!

هل تريد إثباتاً على ذلك؟

مثال الإنسان السابق.. عبر التاريخ كان دائماً إنسان السلطة أو الفكر هو الذي يربح، الإنسان الآن تخلى عن القوة، وتخلى عن الفكر.. التحالف الآن ما بين إنسان الاقتصاد وإنسان الغرائز البدائية!

لذلك من المضحك جداً أن ترى صنفاً من الناس يدعي التحرر وعدم الإيمان، وهو من أولئك الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي آخر الأسبوع يشرب كأساً من النبيذ الرخيص كي ينسى!

هذه حرية؟

يا عزيزي الجميل.. أنت حررت نفسك من ربقة الإيمان، لكنك سلمت رقبتك لربقة الاقتصاد والسوق!

دعني أقولها بطريقة أعنف قليلاً وسامحني لو جرحت مشاعرك: قد تعتقد أنك خرجت من حظيرة الإيمان، لكنك دخلت في حظيرة أسوأ منها دون أن تدري!

لأن الإنسان سيعبد شيئاً ما دائماً، المهم أن تكون حركتك استباقية وتعبد ما لا يمكن ضبطه وتحديده بالصفات والكلام والقدرة على التغيير والزوال البشري.

الإنسان سيركع.. الفكرة فقط أن يختار ما يركع لهُ لأن عدم الركوع خيار غير متاح!

أنت ستركع في كل الأحوال..

يمكنك فقط أن تختار..

إما أن تركع للجمال الذي يزول مع الزمن..

أو أن تركع للقوة التي تتراخى بفعل زوال الهرمونات بعد سن الستين..

أو أن تعبد الذكاء والفطنة التي يأتي الزهايمر ليجعلك تنسى اسمك فضلاً عن حل المعادلات من الدرجة الثانية..

أو أن تعبد القيمة العليا في السماء التي لا تزول بفعل الزمن..

الإنسان كائن ضعيف، ولا يمكن أن يصل لرتبة الإنسان الأعلى إلا أن تمسك بفكرة عالية جداً.. فكرة متسامية جداً.. فكرة لا يمكن ضبطها بالكلمات والتعبير عنها..

فكرة كل ما في بالك عنها هو من وهمك وخيالك..

فكرة أكبر من أن تهزم..

فكرة لا يمكن أن يراها إلا الإنسان الأعلى القادم وحده!

غير ذلك.. دعوا أصحاب الحرية الزائفة ينعمون في سجال الإنسان الاقتصادي مع الإنسان الغرائزي.. في مظلة كبيرة من وهم التحرر!

أنت فقط بدلت الحبل المربوط حول رقبتك يا عزيزي، خرجت من حظيرة الإيمان إلى حظيرة أخرى تغفل عن رؤيتها.. حاول أن تقطع الحبل.. وحاول أن تلاحق الأفكار العليا!

***

يعز علي كثيراً أن أكتب كل هذا الكلام السابق، فكما قلت منذ قليل، أعتقد بكتابتي هذه وكأني أسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائهِ.. إدراك هذا يحز في نفسي كثيراً، لكن من الواجب قوله، ومن الواجب التصريح به، ومن الواجب إدراك عملية الانتقاء والاصطفاء الانتخابي التي دخلنا بها دون أن ندري!

قانون الطبيعة الأبرز لا يرحم.. فهي تقتل أولئك الذي لا يتبعون نهجها الصحي أو الـ Organic. لذلك كان ينبغي لك أن تتكيف وتنظّم روتينك وألا تفرط فيما تفعل كثيراً، وألا تكن صلباً كثيراً فتكسر! أو أن تكون ليناً كثيراً فتُعصر!

الدوبامين الرديء يعرض نفسه عليك كل يوم، على الشاشة.. في السوشال ميديا.. في اليوتيوب.. وكل مكان، وحدهم من يملكون عقلاً يميزهم عن بقية الكائنات المتدنية يستطيعون التحكم، ولعل التحكم بهذه الرغبات الأولية بما تشمله من زواج وحاجة اجتماعية للدعم والمساندة النفسية وهرمونات السعادة وخرافة الاكتئاب.. يؤدي لنضج هيكل الإنسان الأعلى ويحرضه على الظهور أكثر وأكثر!

صرخَ نيتشه منذ حوالي قرن أن القيمة العليا في السماء قد ماتت وأن الله قد نزل على الأرض وكل شيء أصبحَ قابلاً للتفاوض! إلا أني أعتقد أن الإنسان الأعلى منفصل عن ذلك ولا ينبغي له أن يأخذ بمنحى ميتافيزيقي مثالي.

الإنسان الأعلى حقيقي وبدأت ملامحه تظهر يوماً بعد يوم.

في عالم الفوضى والسيولة وسيطرة مشاعر الإنسان الرديئة المنحطة، يرتع ويمرح الكائن الدنيوي العادي الذي تتمثل أقصى طموحاته بأن يتكاثر بانشطارية عالية كالأرانب.

آن الآوان لكي يبزغ الكائن الأعلى..

المقاعد محدودة..

الشروط الصعبة..

إلا أن قواعد الانتخاب والاصطفاء كانت دائماً كذلك.. (لا يمكن للانتقاء أن ينجح لو استطاع الجميع أن ينجح!)

فالقمة لا تتسع إلا لموطئ قدم صغير، ولا يمكن أن تأخذ عائلتك وبرادك ودوبامينك الرديء كحمل إلى القمة!

ينبغي أن تتسع لك فقط.. وفي الطريق إلى ذلك، ستلقي بتلك الحمولة من زورقك الصغير حتى لا يغرق بك! فتغدو كذلك الفأر الذي ظل يضغط على أقطاب الدوبامين حتى مات!

استيقظ زارا منذ قرن، فماذا عساك تفعل أنت الآن!

الكائن الأعلى لا بد له أن يظهر..

الإنسان عندما يحطم مبادئ البيولوجية في جسمه..

ويستغني عن الدوبامين..

والنهم في الطعام..

والعزلة المرضية..

وينمي عقله بالتعذيب بالقراءة..

حينها لا بد من أنه يتجاوز نفسه!

ولا يوجد أخطر من الإنسان الذي يملك سيطرة على نفسه!

ذلك هو التجاوز للإنسان العادي..

ذلك هو الإنسان الأخير الذي سيصب في مجرى التاريخ النهائي..

ذلك هو الإنسان الذي قضت مسيرة 300 ألف سنة من التراكم البشري لكي توجده.

ذلك هو الإنسان الذي تريده ولعلك تحمل جزءًا منه..

ذلك هو الإنسان الذي ينتهي ديسمبر من أجله..

ذلك هو الإنسان الذي يرفض أن يبقى في الحلم..

ذلك هو.. الإنسان الأعلى!

أما الآن..

فلقد استيقظَ زارا منذ زمن طويل..

فماذا عساك مازلت تفعل قرب النائمين؟

تعليقين على “الإنسان البرو ماكس: دليل غير موجز لإتقان مبادئ الإنسان الأعلى!”

رح يضل هاد المقال هو المقال يلي برجعلو كل فترة وبقرأ فيه.. على ماحاطت فيه جهد ووقت وفلسفة يلي كنت عم حاول وصلو للعالم لاكتر من 8 سنين وانت اجيت شرحتو بمقال واحد…
هو الماستر اوف بيس تبعك لحد اني حاطو بالعلامات تبع المتصفح..
استمر استمر بالابداع والتالق

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *