التصنيفات
عام

لو كان هناك إهانة للمرأة فهي هذه الصورة!

لمَن لا يعرف، فهذه الصورة نشرت في الفترة الماضية كتقليد للصورة القديمة التي تحوي مجموعة من العلماء الذكور في ظل وجود عالمة واحدة فقط وهي ماري كوري. أما الآن فالعالم تغير والأحوال الاجتماعية تطورت، فرجحت كفة الميزان للجانب الآخر، وكانت الصورة الجديدة المؤلفة بشكل كامل من نساء ماعدا رجل واحد! في إشارة لدور المرأة الكبير في الوسط العلمي.. فكان حينها لا بد من طرح سؤال لا بد منه فعلاً: هل هذه الصورة انتصار أم إهانة للمرأة؟

لو كان الجواب هو الأوّل فأعتقد أنها للأسف فعلت العكس تماماً..

لا بد من الإشارة أولاً لأن مثل هكذا مواقف فرصة سهلة جداً للذكور المصابين بعقدة نابليون؛ وهي عقدة تصيب الرجل قصير القامة الذي يولد ويدرك أنه ضعيف مقارنةً مع الذكور الآخرين فيحاول فرض هيمنة على النساء لكونه «ذكراً»، لذلك لو كنت تعتقد أنه في الكلام التالي هناك مناصرة لأفكار الذكورية النابليونية المريضة فسيخيب ظنك، فعلى الرغم من عدم استساغتي لمصطلح «النسوية» لكن الدفاع عن المرأة وقضيتها أمر منتهي لأي إنسان يحمل في عقله دماغاً بدل سطل الدهان.

«أعتقد أن سبب وجود حركات ذكورية من أنصار الحبة الحمراء Red Pill وأشباهها، ناجم بشكل ما عن وجود نمط من النسوية فاشل في التعبير عن وجهة نظره، وهو غالباً ما يُشار إليه بالفتيات أصحاب الشعر الملون والقِرط داخل الأنف، والكثير من الـ Shares والمشاركة في الهاشتاغات».

لماذا عدم تقبل مصطلح «النسوية»؟

يجيب على هذا التساؤل في سياق آخر الفيلسوف -هو يرفض أن يسمى كذلك، ويقول أنه مفكر فقط- المغربي الجميل الطيب بوعزة في سياق حديثه عن الليبرالية قائلاً: لا أحد ضد الحرية أو المساواة أو العدالة، وغيرها من القيم التي ترفعها الليبرالية! هذه قيم جميلة وأخلاقية، لا يعارضها عاقل. نحن ضد «احتكار» هذه الأفكار من قبل أيدلوجيات بعينها، بحيث يصبح ليس بإمكانك أن تناصر العدالة إلا إن كنت مناصراً لهم!

لماذا لا يمكنني أن أكون مع العدالة والمساواة لكن من بوابة أخرى؟ لماذا فقط من بوابتهم؟ ويا للمصادفة هي البوابة الاستعمارية ذاتها والخواجة الأبيض نفسه؟

هذه هي فكرتي عن مصطلح النسوية أيضاً، وأفضّل هنا شيء قريب من تركيبات «قضية المرأة أو نضالها»، أكثر من المصطلح السابق.

عودةً إلى فكرة الصورة، وعلى الرغم من أنها رمزية وواضح أنها كذلك.. إلا أنها تشكّل إهانة أكثر من كونها تعزيز لحضور المرأة.. لأنها تشبه تماماً ما يحدث مع الأطفال في المدرسة أو في العائلة عندما يُكرّم أحدهم بشهادة تفوق لسلوكه الجيد. فيحصل على مرحى أو هدية.

حينها يبدأ الطفل والأخ الصغير بالبكاء والعويل لأنه لم يأخذ هدية مثل أخوه الكبير!

هنا من أجل ألا يحزن ذلك الطفل.. يشتري الأهل أو المعلم هدية له من باب مسايرته! دون أن يفعل مثلما فعل!

الصورة فعلت نفس الأمر تماماً! فقط من باب المسايرة!

لماذا؟

لأن هناك الكثير من آلهة العلم الذين على قيد الحياة الآن (روجر بنروز – آلان غوث – ليونارد ساسكيند – ديفيد غروس) وغيرهم غير موجودين في الصورة!

روجر بنروز يحمل جائزة نوبل!

روجر بنروز معه لقب فارس Sir!

آلان غوث الأمر ذاته، اشتغالاته في قضية تضخم الكون وما إلى هنالك..

أتفهم لو كانت الصورة نصف بنصف مثلاً! 50% ذكور 50% إناث أو ثلاثة أرباع بربع، (أي رقم عشوائي يشير فعلاً لصدق ذلك، وأن فعلاً هناك هيمنة للنساء في الوسط العلمي). لكن صراحةً وجود رجل واحد وعلى نفس المقعد الخاص بماري كوري، هو مناكفة طفولية، تهين المرأة أكثر من أن تحترمها!

لذلك وفي ظل سيادة هذا النمط، احترم جداً التأصيل الثقافي لآراء النضال “المرآتي”.. شخصيات على شاكلة جوديث بتلر، بيتي فريدان، وناعومي وولف، وسابقاً دي بفوار، وجون ستيوارت ميل.. إلخ. من الذين لهم ثقل نظري لا مجرد صور وعبر!

لأن مثل هكذا صورة تقلب الطاولة وتهينها أكثر من أن تعزز حضورها.. كما تعطي الكرة على طبق من ذهب لذكور عقد نابليون للكلام!

فمثلاً.. أبرز ما يمكن أن يقولونه تعقيباً على هذه الصورة هو التالي:

“حبيبتي.. أرينا نفسك في قوائم جوائز نوبل لا في الصورة التي بإمكان أي أحد التقاطها”.

هذا مثال سريع خطر على رأسي..

الفكرة الهامة هي التخلص من عقلية حشر النفس في أي «شغلانة» لمجرد أن الذكور فيها..

لأن التفكير العلمي والعلماء أنفسهم أساساً في طور الأفول!

صدقي أو لا تصدقي!

الآن لم يعد الفكر العلمي مهماً! وبالتالي هكذا صور لم تعد ذات شأن حتى لو كانت للذكور أيضاً في القرن الـ21!

خمّني لماذا؟

لأن الآن الفكر السائد هو التقني الغائي!

بمعنى لو أردنا التفكير بعقلية «حشر النفس في أي شيء ذكوري» فقط لإثبات وجود إناث فيه، فإن الحاجة الآن ماسة للدخول في المجال التقني، لأنه هو المسيطر، لأن المجال العلمي ودّع الحلبة منذ زمن!

مارك زوكربيرغ، بيل غيتس، جاك دورسي، ستيف جوبس، لاري بيج، إيلون ماسك.. إلخ من قوائم التقنية التي كلها ذكور.. لو أردنا التفكير بعقلية الصورة في الأعلى فيجب الهرولة لأخذ صورة مع ثلة الـ Big tech لا مع ثلة العلماء!

أخيراً..

أريد أن أشير لأن أبرز من كتب في قضية نضال المرأة -وهو نضال شرعي ومهم وكل من قرأ شذرة تاريخ يعرف أن هناك اضطهاد وظلم قد حصل ويحصل- هو العبقري الكبير جون ستيوارت ميل؛ الذي شارك شخصياً في صياغة الدستور الإنجليزي المعروف للمملكة المتحدة، وذلك من خلال كتابين مهمين جداً هما «مقالات عن الحرية On Liberty» و«استعباد النساء».

قرأتهم منذ أكثر من سنتين وخلال قراءتي لهم كنت أسال نفسي سؤالاً واحداً، ما الجديد؟ لماذا كل هذه الضجة حول هذا الرجل وكتاباته؟

ثم تذكرت أن هذه الكتب نشرت في منتصف القرن التاسع عشر، أي حوالي 1850. حينها ندرك مدى ثقل هذه الكتابات! التي قد تكون ثقيلة لمن يعيش في هذا اليوم فكيف لذلك الزمن!

الصورة رمزية، واضح جداً أنها كذلك.. لكنها تهين المرأة أكثر من أن تناصرها، وتصورها على أنها فقط تريد المنافسة وإثبات الوجود لمجرد إثبات الوجود حتى لو خرجت عن السياق نفسه! فالعالم الآن تقني وحريٌ بها أن تنافس الذكور في البيغ تيك لو أردنا اتباع هذا المنهج في التفكير! وليس العلماء الذين بات نجمهم يأفل شيئاً فشيء!

مَن يثق بنفسه لا يحتاج لأن يثبت للقاصي والداني، هو يؤمن بما لديه ويمشي دون أن يلوي! فامشِ دون أن تلوي!

تعليق واحد على “لو كان هناك إهانة للمرأة فهي هذه الصورة!”

عزيزي جميل الكلمات ان اي منظور اخر للصورة وهو في الصورة الأولى ابان الحرب العالمية على ما اعتقد وان جميع الرجال او اغلبهم كانو في الحرب وان النساء كان لهم دور كبير بتنشاء الاجيال وتدبير المور الاقتصادية وهذا دور ومسؤلية كبير كانت عل عاتقها. … اما في الصورة الثانية المرأة والرجل تقاسمو الأدوار في التربية وادار الشؤن الاخرى.. واصبح للمرأة مكان بين العلماء… لااجد اي اهان ولكن لزمن والاوضاع تغيرت. 🌺

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *