التصنيفات
كتب

قطار الليل إلى لشبونة: ماذا لو كانت حياتك أكبر مما تظن؟

رواية قطار الليل إلى لشبونة مناسبة جداً في مثل هكذا أجواء.. فهي شتوية بامتياز تثير الكثير من التساؤلات والشجون والوقفات مع الذات..

«من بين آلاف التجارب التي نخوض غمارها، هناك تجربة واحدة لا غير يمكن أن تسعفنا في نقلها الكلمات. ومن بين كل التجارب الخرساء المستعصية على القول، تكمن تلك التي تهب لحياتنا خلسةً، شكلها ولونها ولحنها معاً»

بدء تعرّفي على هذه الرواية من خلال سماع موسيقاها التصويرية -يمكنك سماعها من هنا– حينها علمت أن هناك فيلم ورواية خلف هذه الموسيقى الجميلة، فكانت القراءة وكانت المشاهدة.. ومن ثم كانت هذه المراجعة السريعة التي لا بد من سردها.

تتحدث الرواية عن عالم لغويات محترف في العبرية واليونانية، إنسان عتيق جداً بنظارات سميكة، يدعى رايموند غريغوريوس.. عمرهُ 57 سنة؛ قضى 30 منها يروح ويذهب إلى الجامعة ويدرس..

فكان صاحب نمط حياة روتيني جداً.. مكرر جداً.. عتيق جداً..

نظاراته سميكة جداً.. قلبهُ بارد وممل جداً..

فجأةً وفي إحدى الأيام الممطرة لذهابه نحو جامعته المعهودة يحدث اختناق مروري فيقرر أن يغير الطريق ويعبر فوق جسر كرشنفلد.. (مدينة بيرن – سويسرا).

ليرى هناك إمرأة ذات معطف أحمر توشك على الانتحار..

يركض نحوها مسرعاً فيسحبها ليسقطا معاً على الأرض..

لكن لا لا..

القصة ليست قصة حب..

القصة أن عالم اللغويات هذا.. كان طيلة الـ30 سنة من حياته الماضية يشعر بالاغتراب عن كل شيء.. الروتين المتكرر، الإيقاع المعتاد، نفس الوجوه في الجامعة.. فكان يرى نفسه يعيش دون أن يعيش!

تأتي الفتاة أمامهُ.. ليرى أحداً أمامهُ يحاول التخلص من حياته..

فيدفعها ويسقطا معاً ويمعنها..

هنا تماماً يكون قد دفع نفسه من حياته القديمة أيضاً..

فبعد أن وقفت تلك الفتاة واعتدلت مستويةً، تكلمت معه باللغة البرتغالية.. فأعجب حينها بلكنة الكلام ووقعَ في غرام هذه اللغة.. ليدخل بعدها المكتبة ويعثر على كتاب صغير تحت عنوان «صائغ الكلمات» مكتوب بالبرتغالية، ليجد فيه قصة توازي قصته تماماً!

إنسان بعيد عن نفسه كما هو! فيقرر أن يعرف أكثر عن الكاتب!

حينها ومن دون سابق إنذار يقول كفى ويقرر أن لا مزيد من كل هذا!

يترك ملاحظة لمدير الجامعة.. ثم يذهب إلى المحطة، ويستقل قطار الليل إلى لشبونة، ليدور هناك كل شيء!

تتحدث الرواية عن قصة تمشي في خطين متوازيين معاً.. الخط الأوّل هو رايموند غريغوريوس وهو يبحث عن نفسه بعدما قرأ ذلك الكتاب بالبرتغالية.. الخط الآخر هو صاحب الكتاب وحياته، وهو رجل يدعى أماديو كان يعمل كطبيب خلال فترة الحكم العسكري في البرتغال في القرن الماضي.

من خلال قصة أماديو.. يعثر غريغوريوس على نفسه، فتمشي الرواية في القصتين معاً.

الرواية فلسفية بامتياز، وهادئة جداً.. وتعتبر من الروايات التي ليس لها حبكة. بمعنى أنهُ لو كنت من الذين يحبون الروايات التي يحدث فيها اضطراب كبير وأن البطل يكتشف شيئاً خطيراً وتتغير الأحداث، فالرواية لن تعجبك.. بل هي رواية ذات رتم بطيء إلى حد ما ولا يمكن قراءتها على عجل، خصوصاً أنها تقع في 570 صفحة، وهو رقم ضخم إلى حد كبير.

تكثّف الرواية المعنى في أن الإنسان لديه احتمالات كبيرة للعيش، إلا أنه تحت دوافع الأمان والاعتياد يعيش في سيناريوهات مكررة مبتذلة. وهو ما تجسد في شخصية عالم اللغويات غريغوريوس الذي درّس في الجامعة لمدة 30 سنين ومن ثم وعى على نفسه عندما رأى امرأة على وشك الانتحار، فقال كفى!

ويبقى الاقتباس الأجمل الذي تدور في فلكه الرواية بكاملها:

«إذاً كان صحيحاً أننا لا نعيش إلا بجزء صغير مما يعتمل في داخلنا، فما مصير بقية الأجزاء إذن؟»

فما مصير بقية الأجزاء إذن؟..

3 تعليقات على “قطار الليل إلى لشبونة: ماذا لو كانت حياتك أكبر مما تظن؟”

مرحباً أستاذ عبدالرحمن
تدوينة رائعة ومتحمسة جداً لمشاهدة الفيلم، أظنه سيكون ملهم لي مع بداية عام 2022، كل عام وأنت بخير

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *