التصنيفات
عام

جميعنا في البداية رائع!

قراءة كتاب جديد أشبه ما تكون بتذخير بندقية وتلقيم مدفع، نكون حينها مندفعين جداً للتعبير عن الفكرة الجديدة والمبدأ غير مطروق الباب الذي قد وجدناه بين ثنايا الكتاب، ولعلَ النفوس الرزينة هي تلك التي تتمهل ولا تحكم أو تتبنى فوراً، فكل شيء في البداية رائع، ونحن جميعنا في البداية رائعين أيضاً، إلا أن الخطوة للخلف قليلاً لا بد منها!

فعلى الطريقة اليابانية، لولا إنحناء قوس السهم وتراجعه للخلف قليلاً لعجز عن الانطلاق نحو الأمام بقوة! ولعلَ الإنسان وأفكاره وما يتبناه كذلك السهم أيضاً..

خصوصاً، أن الضوء الساطع والمُبهر في البداية ما هو إلا عمى مؤقت، يجعلك تعجز عن إبصار الأشياء الصحيحة في موضعها، وتتخبط هنا وهناك لترى بقعةً سوداء أينما وليت وجهك.

وتقريباً يحدث هذا بشكل شبه يومي في زمن السوشيال ميديا والضوضاء المرافق لها، فلن ينقضي يوم أو أسبوع وشهر حتى تشهد خبراً عن الجريمة الفلانية، والحادث المروع الذي فرّ سائقه، والسرقة التي حدثت دون أن يدري بها أحدا.. ولا بد حينها مِن التهافت السريع للتبني أو الشجب والاستنكار.

ولو أننا تعلمنا درساً في السنين الماضية، فهو أن لا أهمية لردات أفعالنا تجاه أي شيء. المواساة عمرها لم تفيد بناء منزل مُتهدم أو إحياء مَن مات ودفن تحت التراب.

المواساة لا تفعل شيء..

إلا أن ضوضاء السوشيال مثيرة للحنق، لدرجة أنها تجبرك على الحديث تحت تهديد ووعيد مِن مقصلة «الفرز الأخلاقي» والختم بالسوء..

لهذا.. فإن أفضل ما يُقال في هذا الزمن:

في الضوضاء والصخب، لا يُسمع الصوت العاقل أبداً، فهو أشبه بإنسان رزين يتكلم بهدوء بين فريقين مِن المتخاصمين الذين يخورون كالأبقار، لذلك لا داعٍ للانخراط في هذا الجو الرديء، ودع مَن يخورون على بعضهم يمارسون أفعالهم بهناء، ريثما يتعبوا وتخور قواهم..

و”سيبك” ممَن يتغنى على الدوام بعبارة: «أدنى درجات الجحيم لأولئك الذين يقفون على الحياد في المواقف الأخلاقية». لأن المواقف الأخلاقية باتت في عصر السيولة خاصتنا تختلف وفقاً لأسمك وعنوانك وليس لكينونتها الذاتيّة!

أي.. عرّف لي «المواقف الأخلاقية» قبل أن تطلب مني الالتزام بها! لأنه يبدو أن ليس هناك موقفاً موحداً تجاه ما هو أخلاقي وما هو لا!

ثم لا تجبر أحداً على تبني «موقف أخلاقي فرعي» دون أن يكون «الموقف الأخلاقي الجذري» غير مطبق عليه.. لأن هذا سيكون ضرباً من الجنون! وأشبه بمحاولة لقتل بعوضة بينما المستنقع يرتع ويمرح بالقاذورات!

أخلاقي في الأوراق.. لكنه ليس أخلاقي الجذع! في التفاصيل لا في الأسس!

في زمن السوشيال ميديا..

ولو كان عمرك فرضاً الآن 20 سنة..

ولو فرضنا أنه مع كل أسبوع هناك جريمة أو حادث مروع أو شيء ما، فأنت شهرياً لديك 4 حالات تضامن وتبني، وسنوياً لديك 48 حالة. ولو فرضنا أنك عشت لحدود الثمانين، فإن لديك 2880 حالة تبني وصراع إسبرطي في السوشيال ميديا من أجلها، وهذا برأيي المتواضع تلف غير مُهم للأعصاب، فلو سلّمنا بنظرية الكاتب الذي قيلَ أنه انتحر متناولاً السم، ديل كارنيجي، في قوله دع القلق وابدأ الحياة، فلا بد مِن القول أن هناك أهمية ليس تجاهل القلق وحسب، بل القضايا الأخلاقية وأن تبدأ الحياة!

أي.. دع القضايا الأخلاقية وابدأ الحياة!

لأن الأخلاق الآن أشبه ما تكون بشماعات لأيدلوجيات بعينها، حيث يصبح التضامن واجباً لتأكيد الانتماء وليس قصداً وطلباً للأخلاق في ذاتها!

دع القلق وابدأ الحياة…

دع الأخلاق المزيفة والتضامن الدون كيشوتي وابدأ الحياة..

وردد دائماً مقولة نيكولاس غوميز دافيلاً: «في زمن باتت وسائل الإعلام تعرض حماقات يومية لا حصر لها، بات الرجل المثقف يعرف بما يتجاهله لا بما يعرفه!».

ولعلنا نفعل كما قال دافيلا..

خصوصاً أن مثل هكذا استهلاكات يوميّة باتت تعبث في بِنية الدماغ الخاصة بنا. فمن المعروف في فلسفة اللغة أنها تساهم في إعادة تشكيل الدماغ ولربما صناعة فكره بكامله، ولهذا قال هايدغر كلمة هزّت المجتمع في القرن الماضي مُلخصاً القضية: «يبدو في النهاية، أن اللغة هي مَن يتكلمنا، لا نحن مَن يتكلم اللغة!».

بمعنى..

عندما تعوّد نفسك على لغة مُعينة فإن عقلك تلقائياً يفكر من خلالها ويتخذها كنسق وبراديغم فكري، ولهذا يعتبر مَن يتكلمون عدّة لغات بشكل ما أوسع أفقاً وأطلق فكراً، إلا أن اللغة «الترينديّة» اليومية Trending القائمة على شذرات مُتفرقة وخليط غير متجانس من المواضيع المتعلقة بالعلوم والفنانين والمشاهير والجرائم وقضايا السيئين، ستؤدي في النهاية لتحويل دماغ المُتلقي لمستودع نفايات غير متجانسة لا يملك انتباه تجاه أي شيء.

في زمن السوشيال ميديا، أصبح التدفق الفكري Flow أمر بعيد المنال إلا أعن أصحاب الإرادات القوية جداً والنابهين، حيث تجمع لك وسائل التواصل خلائط غير متجانسة من صور أصدقائك الشخصية، وفيديوهات عن الفن والغناء، ومن ثم مواضيع علمية واكتشافات جديدة. وهذا بالضبط يحطم جوهر التفكير لدى الإنسان، لأنه يمنعه من التدفق في سياق ومجال مُحدد، ويجعله مُشتتاً بين عدة أشياء غير مترابطة -ما علاقة صورة صديقك الشخصية مع خبر عن إحدى الفنانات؟- هذا بالضبط ما تفعله خوارزميات الميديا، الاعتياد على أشياء غير متجانسة وغير مرتبطة ببعض.. وحدهم أصحاب العقول العليا مَن يقفزون فوق هكذا خلائط هجينة.

اللغة تساهم في تغيير العقل..

واللغة الترينديّة اليومية التي تبنتها السوشيال ميديا، تساهم في تغيير العقل.

لم تقتنع؟

دعنا نطرح السؤال التالي..

مَن منكم في هذا الزمن لديه استعداد للجلوس وقراءة كتاب من 400 صفحة؟

لا أحد، وإن وُجد فالعدد قليل جداً..

ولعلك تجد نتائج مثل هكذا توجهات قد بدأت تظهر في عالمنا.. فلم يعد هناك أسماء كبيرة تجترح مجالات علمية وفلسفية وفكرية ضخمة كما كان في السابق..

أين الذين يبتكرون مدارس نفسيّة جديدة كفرويد؟ مَن لديهم ثقل فيزيائي ضخم كهايزنبرغ أو مدام كوري؟ أين العتاة في مجالات الكيمياء كما القرن الماضي؟

انتهى..

العالم الآن يعيش على أكتاف الذين عاشوا في المرحلة الجوهرية السابقة في القرن العشرين، حيث كان هناك صناعة لكنها لم تتغول إلى حد تسطيح ومَكننة الإنسان، وحيث كان هناك تقدم تقني، لكنه ليس بشراسة ذلك الذي نعيشه اليوم.

الآن هناك إنتخاب وانتقاء جديد، فمَن يستخدم التقنية لا ذلك الذي يجعلها تستخدمه ليصبح عقله مستودعاً تريندياً يعجز فيه ربما عن قراءة 100 صفحة وليس كتاباً، هو مَن سينجو.

لذلك..

لا تصدقوا مَن يقولون لا تقفوا على الحياد في الأزمات الأخلاقية..

أخلاق السوشيال ميديا ليست أخلاق..

لن أتبنى شيء..

أنتم تريدون تبني أرائكم المسبقة..

وبمجرد مضي الأيام وتحرّك رحاها، تُنسى كأي شيء آخر.. وتعودون لحياتكم اليومية..

كل شيء في البداية لديه وهج رائع يحفزك لأن تكتب وتناقش وتضخ قيمك هنا وهناك..

خصوصاً أن الأمر سهل، ولا يتطلب سوى أن تفتح صفحة الفيسبوك الخاصة بك أو تويتر وتنشر..

ليصفق الناس..

ويشدوا الجمهور طرباً..

وتغدو رائعاً..

في النهاية ما هو إلا وهج مؤقت..

يضر عقلنا قبل أن يضر أي شيء آخر..

لتجد بعد فترة ليست بالطويلة. أن معظم أفكار رأسك باتت تريندات لا تسمن ولا تغني مِن جوع، وأن معظم أفكارك لم تصل لمرحلة النضج الذي يؤهلها لأن تكون أي شيء.

أفكار مُبتسرة غير ناضجة قائمة على تصفيق السوشيال ميديا، تنتهي بمجرد تغيير خوارزميات الفيسبوك ومعدلات انتشارها..

في زمن بات يعرض فيها الجميع حماقات لا حصر لها، بات المثقف يعرف بما يتجاهل لا بما يقرأ أو يتبنى!

الجميع في البداية رائع ومُتحفز.

جميعنا في البداية رائع ويريد «نفي التهمة عن نفسه» وتبني الموقف الأخلاقي..

جميعنا يريد أن يقلق..

ومما علمتنا أياه الأمم المتحدة وبان كي مون مسبقاً، أن القلق لا أهمية له في أي شيء.

أقلق حتى تشبع، لن يتغير العالم..

بل يكرر نفسه في حلقة مِن العود الأبدي في تناوب مستمر ما بين الصعود والهبوط..

ولعلَ التمرد الوحيد في هذه الحلقة هو أن يفكر الإنسان..

ببطء..

وهدوء..

ورزانة وعدم استعجال أصبح من الصعب على إنسان التريند الدارج حالياً الالتزام بها!

يرغب الجميع في البدايات الرائعة..

بدءًا من الطفل عندما يضغط على زر Restart ليُعيد اللعبة من جديد يعتريه أملاً آخراً في الفوز!

جميعنا في البداية رائعين.

المحك ومربط الفرس الأخلاقي الحقيقي، أن تبقى رائعاً حتى النهاية!

لا أن تكون مجرد دمية ماريونيت تحركها خيوط التريند وخوارزميات انتشار السوشيال الميديا.

أن تكون رائعاً بحق ينبع مِن الداخل، لا أن تكون رائعاً كتحصيل حاصل لتفاعلات السوشيال ميديا!

أن تكون رائعاً غرضاً لا عَرضاً!

5 تعليقات على “جميعنا في البداية رائع!”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *