التصنيفات
كتب

لماذا فشلت الليبرالية؟ مفهوم عدم قيمة القيمة

«أن تكون حراً يعني أن تتحرر مِن رغباتك الخاصة الأكثر دناءةً». يُمكن اعتبار هذه الجملة كملخص لما يُريد إيصاله المنظّر الأمريكي «باتريك دينين» في كتابه «لماذا فشلت الليبرالية Why Liberalism Failed» إلا أنه رغم ذلك لم يكتفِ بالمقاربة الذاتية الشخصية فحسب، بل توسع طولاً وعرضاً ليفنّد المناقب المزعومة للفلسفة الليبرالية على جميع الأصعدة.

وعلى هذا يقول:

«فشلت الليبرالية لأنها نجحت.. لأنها صارت نفسها على نحو مُكتمل. إذ تنتج الليبرالية أمراضاً بنحو أسرع بكثير مِن قدرتها على المعالجة، تفشل الليبرالية لأنها تعجز عن إنتاج لصقات الجروح وحُجب لتغطية الآلام»

نقاط رئيسيّة:

  • لا يعني نقد الليبرالية النكوص لما هو دونها، إنما تجاوزها وعدم تثبيت نموذج نهاية التاريخ الاقتصادي.
  • تبيّن في عصر الليبرالية أن أدوات تحرر الإنسان ما هي إلا أدوات لاستعباده أيضاً.
  • لا يوجد مفهوم حرية بالمعنى المطلق، فالإنسان دائماً يخضع لحتميات بيولوجية وإجتماعية.
  • الفكرة الكبيرة في الليبرالية هي استبدال الإنسان العالمي بالمستهلك العالمي، والنظر للإنسان على أنه حيوان اقتصادي لا أكثر.

فيبدو أن أجر التحرر هو الوقوع تحت ربقة حتميات إقتصادية، فالإنسان المُتدين الذي يحتفل بعيد الأضحى والفطر، والكريسماس، أصبح الآن يهرول للاحتفال بيوم الجمعة السوداء Black Friday!

لهذا يمكن القول أن مرحباً بكم في عالم «عدم قيمة القيمة» كما سماها المسيري، حيث يغدو الكائن العاقل مجرد حيوان اقتصادي مستهلك، مؤمناً بالحرية على أنها رفع للغطاء عن ما بين فخذيه وفكيه لا أكثر، وهو اختزال إجرامي لقيمة عليا سامية.

ولهذا نبدأ مِن النقطة الأكثر أهميّةً في نقاش الفلسفة الليبرالية.

مِن سياج الأرض.. إلى سياج المصنع!

لا يوجد فلسفة لم تدعو إلى تحرير الإنسان، لذلك فإن الدعوة الليبرالية باحتكار قيمة ضخمة كالحرية وصنّدقتها -وضعها في صندوق- أمر خاطئ ومبالغة كبيرة. خصوصاً أن نشوء الحرية في السياق الخاص بها لم يكن نتيجة انبثاق فلسفي قيمي جدلي قائم على تغييرات في نمط الحياة الاجتماعية وترقّيها، بقدر ما هو تغييرات جوهرية لنمط استعباد العبيد والأقنان في أوروبا لا أكثر.

فمع نشوء المجتمعات الصناعية، كانت الحاجة مُلحة للأيادي العاملة، إلا أن هناك عقبة تواجدت أمام حركة هذه الأيادي، وهي سهولة حركة العبيد وتنقلهم، إذ كان صعباً في ظل النظام الإقطاعي السائد حدوث ذلك، ولهذا وجب تغيير النمط والانتقال إلى شكل جديد، فكانت حينها قضية تحرر الإنسان؛ التي ما هي إلا تحرير للعبيد وتسهيلاً لحركاتهم.

فالإنسان نُقل حينها من سياج الأرض، إلى سياج المصنع! مجرد تبديل أماكن لا أكثر.

فادعاء تحرير روح الإنسان تحت مظلة الليبرالية في القرن الـ 21 أمر مبالغ به، خصوصاً عندما تكون من الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي نهاية الأسبوع تشرب كأساً من الـ Cheap wine. ومع كل شهر لديك 80% من دخلك هو ضرائب.

هذا ليس تحرر، هذا فقط تبديل للسيد الذي تعبده لا أكثر..

هكذا تحدث أرسطو..

ولهذا كانت الفلسفة الأرسطية.. فعلى النقيض من النظرية القديمة التي رأت في الحرية بأنها ضبط للغرائز البدائية عند الإنسان وتحقيق «فضيلة الانضباط الذاتي» فإن النظرية الحديثة تحث الإنسان لتحقيق أكبر سعي ممكن نحو الشهوات وإشباعها.

إذ يقول غاردنر موصّفًا حال العالم الحديث:

«في عصرنا الحديث، يجب أن ترفع الغريزة الجنسية الإيروسية Eros إلى مستوى العبادة الدينية. ينبغي أن يعتقد الفرد في العصر الحديث أن رغباته الجسدية هي التي تؤكد فردانيته. يجب أن يكون الجسد هو الموضوع الحقيقي للرغبة. لأن الفرد ينبغي أن يكون هو الخالق لرغباته الخاصة»

ستيفن غاردنر، قاضي وضابط أمريكي في جيش الاتحاد أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

ويرى أرسطو في كتاب السياسة، أن الطعام والجنس هما الغريزتين الأساسيتين الأكثر حاجة للرعاية والاهتمام. فبالنسبة للغذاء فإن تطوير سلوكيات تشجع على شهية معتدلة واستهلاك متحضر، وبالنسبة للجنس تهذيب عادات التودد والتفاعل المهذب بين الجنسين، وأخيراً الزواج باعتباره الملاذ الآمن. فبخلاف اتباع ذلك، سيكون المجال مشحوناً وقابلاً للاشتعال. إذ لاحظ أرسطو أن الأشخاص غير المهذبين في استهلاك الطعام والجنس هم الأكثر فساداً، ويستهلكون أكثر من بقية البشر في سبيل إخماد شهواتهم الوضيعة وغير المروّضة.

ولهذا غالباً ما تمسخ المذاهب التي تدعي احتكار القيم -كالليبرالية- القيمة وتعرضها بطريقة سطحية، فلا يوجد أحد يعارض ثلاثية القيم النبيلة التي ترفعها الليبرالية «الحرية، المساواة، العدالة» إلا أن صنّدقة هذه القيم في سياج الليبرالية التي ما هي إلا غطاء مصنعي لتحويل الإنسان إلى مستهلك عالمي، يبدو أمراً مربكاً نوعاً ما. خصوصاً أنه بالإمكان مقاربة القيم ذاتها من خلال أيدلوجيات أخرى خارج نطاق الليبرالية، فلا يمكن أن تكون حراً وأنت في الوقت نفسه عبداً لحتميات اقتصادية!

كما أن هذا المسخ القيمي يأتي مصاحباً لمفهوم السوق الحرة، وتقتضي هذه «الحزمة» أن يكون الإنسان مُعرّفاً ككائن اقتصادي لا أكثر.

وهنا قد يسأل البعض: ما المشكلة في «تقصيد الإنسان».. أليس الإنسان كائن اقتصادي بالفعل؟

نعم، لا مشكلة طبعاً.

المشكلة أن الليبرالية تضع «الإنسان كحيوان اقتصادي» كمُحدد تعريفي تنطلق منهُ للنظر للوجود بأكمله! لا مشكلة مع الاعتراف بأن الإنسان كائن اقتصادي يسعى للتملك في جزء منه، لكن أن تضع مُحدد تعريفي مُسبق لهُ وتنطلق من هذا المحدد للنظر للوجود بكامله أمر خطير، ويحوّل الماهية الإنسانية العاقلة التي لطالما افتخرت بذلك، إلى مجرد ماهية مستهلكة تعمل كالبطارية لا قيمة «قيميّة» لها!

حينها سترى المسلم يلغي أعياده الدينية كالفطر والأضحى، وترى المسيحي يلغي الكريسماس الخاص به، وسترى الجميع يتحولون لماهيات مستهلكة، ويحتفلون بالأعياد المقدسة الخاصة للبلاك فرايدي وآخر مؤتمرات آبل وسامسونج!

لكن لا تنسى! الليبرالية تحرر الإنسان ها! تحرره من مقدساته! لكنها تخلق له مقدسات أخرى أكثر انحطاطاً!

وعلى هذا يقول فرانسيس فوكوياما الذي أصّل لنظرية الليبرالية الأخيرة كنظام نهائي للمجتمعات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، مرتكزاً على رؤية هيجلية واعتماداً على مبدأ «وداعاً أيها الفكر البشري لقد إنتهيت» ولم يعد بالإمكان أبدع مما كان، بالقول:

«إذ كان الإنسان هو بالأساس حيوان اقتصادي محكوم برغبته وعقله، فإن الصيرورة الجدلية للتطور التاريخي يجب أن تكون في المتوسط مماثلة بالنسبة لمختلف المجتمعات والثقافات».

أي لم يعد بالإمكان أبدع مما كان، الليبرالية بنهايتها للتاريخ تقوم بوضع نهاية للفكر الإنساني نفسه! لأنها تجهضه عن ابتكار أدوات أخرى جديدة، خصوصاً أنها تدعي تحريره من المقدسات «التقليدية المتخلفة» لكنها تسلمه لمقدسات أخرى جديدة يتبناها العالم الرأسمالي القائم على ثنائية الرغبة والحاجة.

فحاجات الإنسان شيء أصيل فيه، وهذا ما أدركته الرأسمالية مبكراً وعملت على تكريسه، ومما يمكن القول هنا، أن الاستهلاك لن يصل في عمره للإشباع! لأن الإنسان لن يشبع، تأمّل في الأثاث الذي اشتريته، والهواتف، والأجهزة، وكل شيء آخر.

كم مرة قلت أنها المرة الأخيرة وبعدها ستكتمل! 

لن تكتمل.

الشخصية التي تكتمل بالماديات ليست شخصية ثرية.

أنت فقط مستهلك تحاول ترميم نفسك بالجمادات. ابحث عن معاني أكبر وأرقى من ذلك.

أين فضيلة الضبط الذاتي التي تحدث عنها أرسطو؟ عندما دعى لعدم الجشع في الطعام! وها أنت الآن جشع في الاستهلاك!

أين.. أوكلما اشتهيت اشتريت التي قالها ابن الخطاب؟

لم تعد هذه المفاهيم موجودة. إلا أنك في النهاية يجب أن تؤمن بالليبرالية وبنظريتهم، فتذكر أنت حر! أنت حر جداً! فقط حول رقبتك بضعة مئات من السلاسل التي تكبلك وتعجز عن رؤيتها.

لكن لا تنسى.. أنت حر جداً!

لذلك أنهِ قراءة هذا المقال وتابع عملك لمدة 9 ساعات..

اختزال القيم أمر معيب.. إلا أنه يبدو حتى القيمة المشوهة المختزلة لم تعد موجودة. كل شيء غدا مقدساً، ولا ننسى أن صاحب التمرد اللإقليدي في علم الهندسة قد طُرد من جامعته عندما عرض نظريته الجديدة، لأن اقليدس وقتها كان يعتبر مقدساً وتابو!

ويبدو أن الليبرالية غدت كذلك، فهي ليست تحريراً للوعي من المقدسات بقدر ما هي استبدال المقدسات بأخرى أكثر انحطاطاً.

وآخر دعوانا.. أنه لا يعني تحرير الفكر من الليبرالية رفضها والارتداد لما هو أسوأ منها، بل مجرد تحرير للفكر البشري من دوغمائية نهاية التاريخ الاستهلاكية هذه، والسعي لمتابعة الفكر البشري في إبداعاته وخلق أدوات أخرى بقيم جديدة تحترم فعلاً كينونة الإنسان، لا تدعي احترامها كشعار فقط!

اقرأ أيضاً: الأمل عملٌ شاق

تعليقين على “لماذا فشلت الليبرالية؟ مفهوم عدم قيمة القيمة”

” إنها حياتنا تتبدد .. حينما نشتري شيئاً، لا ندفع مقابله مالاً .. نحن ندفع عمراً من حياتنا.
يجب أن ننفق الوقت لنكسب المال.. الفرق هو ” أنك لا تستطيع أن تشتري العمر”… العمر فقط يمر وهذا مزر .. أن تضيع حياتك و تفقد حريتك.” خوسيه موخيكا

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *