التصنيفات
عام

كوكتيل سريع البلع من العنصرية

يحكي لي صديقي إحدى المواقف التي حصلت مع قريبهِ في برلين عن العنصرية، عندما كان يمشي في أحد الشوارع ليلاً ليجد متسكعاً كبيراً في السن وهو مخمور، ليتمتم عنهُ بضع عبارات عنصرية تهينه بأنه عبارة عن: «يهودي شرق أوسطي».

إلا أنهُ في مَعرض رد الصديق على هذا الموقف لم يكن مُنزعج سوى من كلمة «يهودي» بمعنى أنه لم يتأثر كثيراً مما قاله ذلك السكير من تمييز عنصري وقح، كان حزنه فقط من مناداته لهُ باليهودي. وهذا ما يمكننا أن نسميه هنا بدورنا «عنصرية العنصرية» حينما يغدو ضحية العنصرية نفسهُ عنصرياً.

لا يخفى على أحد ما يجري حالياً في العالم، موضوع أوكرانيا واللجوء نحو أوروبا مرةً أخرى.

إلا أن مشهد المراسلين وهم يفرزون الناس إلى أصحاب عيون زرق وشقر وآخرين ليسوا كذلك، هو أمر لا بد من الحديث عنه.

ولعلَ من تأثر كثيراً بهذا الفرز بوصفهِ عنصرية وقحة وتعرّي للغرب «وخرافة الإنسانية» هو مبالغة لا داعٍ لها.

هناك فرق بين مفهوم العنصرية ومفهوم عدم الألفة..

أريد أن أطرح سؤالاً بريئاً جداً، هل يقبل عالمنا -واعذرني عن تعريف وشرح كلمة عالمنا وماذا تعني- قبول مليون لاجئ يهودي من أصحاب البشرة السمراء؟ مليون لاجئ يهودي من أثيوبيا؟ أي مجموعة من اللاجئين الذين هم من دين آخر ولون آخر؟

لا أعتقد ذلك..

لماذا هذه المقارنة؟

المقارنة هنا لتوضيح نقطة هامة وهي «عدم الألفة». 

الإنسان عندما يميل لمَن يشبهه يكون بدافع الألفة لا العنصرية. العنصرية هي اتخاذ إجراءات إقصائية بناءً على هذه الاختلافات البيولوجية والثقافية الموجودة، ولعل ما جرى في الولايات المتحدة في القرن الماضي أبرز مثال على العنصرية، عندما كانت الحمامات مُنقسمة لسود وبيض.

أما أن الإنسان يفضل مَن يشبهونه فهذه ليست عنصرية، هذه ألفة.

أنت نفسك تتزوج مَن يشبهك.

وتصاحب مَن يشبهك.

وتوظف في العمل مَن يشبهونك.

ودعنا نمشي في الموضوع إلى خطوات أبعد، عندما تدرس في الجامعة ضمن مدينة أخرى غير مدينتك، غالباً أصدقائك في تلك المدينة هم الطلاب الذين مَن مدينتك نفسها!

لماذا؟ هل أنت عنصري أيها الطالب؟ 

لا لست كذلك.. لكنها طبيعة بشرية أن يألف الإنسان مَن يشبهونه.

عودةً إلى الحدود الأوكرانية، هناك مشاهد مختلطة من العنصرية وعدم الألفة والتحيز والنازية ربما، لكن توضيحنا كان لا بد منهُ لمَن يشتكي وينوح كثيراً على مفاهيم الإنسانية التي هُدرت وفق تعبيره على زيف انكشاف الغرب اللآنساني. فالإنسان دائماً هكذا بغض النظر إن كان غربياً أو شرقياً أو باذنجانةً حتى.

مِن ناحية أخرى، لا بد من القول أيضاً أن مفهوم الهجرة والنزوح هو مفهوم طبيعي -بمعنى موجود في الطبيعة وليس بمعنى عادي- لدى جميع الكائنات الحية على الرغم مِن قسوته، فالطيور والنوارس وأسراب الفيلة تهاجر في كل موسم بحثاً عن الدفء والمكان الأفضل والطعام الأوفر. فهو سلوك طبيعي على الأقل لدى الكائنات الحية الدُنيا.

المشكلة أن الإنسان يعيش حالياً فيما يسمى «مجتمعات وفرة» فهو ليس بحاجة للهجرة لكي يحصل على الطعام، بل يمكنه شراؤه متى أراد. وليس محتاجاً للنزوح كي يستدفئ في المناطق القريبة من خط الاستواء في أوقات الشتاء الباردة بل يمكنه تشغيل المدفأة حتى لو كان في القطب الشمالي.

أي أن الإنسان هيّأ بيئتهُ بشكل كامل لتحمّل مُختلف الظروف كي لا يهاجر، وهذه سمة ظاهرة جداً في مجتمعات الوفرة الحديثة التي نعيشها.

النقطة الحرجة حالياً، أن مفهوم الهجرة السائد هو مفهوم استثنائي، إما بدافع الحرب أو بدافع النجاة من مخاطر محدودة عالمياً.

بالتالي، مشهد الهجرة نفسه خاطئ وغير طبيعي، فالمطالبة بوجود عدالة على بوابات مشهد أساساً استثنائي، مُطالبة غير مُتسقة. على الرغم من الانحياز السلبي الواضح Negativity Bias -مفهوم انحياز وسائل الإعلام لنقل الخبر السلبي لا الإيجابي- وهنا نطرح تساؤلاً هاماً:

عندما يسمح حرس الحدود للاجئين ملونين بالدخول، هل تنقل وسائل الإعلام ذلك؟ وتقول انظروا سمحوا لهم بالدخول!

هم فقط ينقلون الخبر السلبي، خبر أنهم «يتعنصرون» عليهم ويفرزونهم.

لذلك أعتقد أن هناك موجة انفعال لا أهمية لها، وهذا ليس مدحاً لإنسانيتهم المزعومة، لأني أميل لتبني نظرية المسيري في أهمية نزع المركزية عن الغرب الذي يعتقد نفسه محتكر حصري للقيم المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة وغيرها.

وهنا دعني أخبرك شيئاً مهماً، هم ليسوا مِن مناصري القيم ولا محتكري مركزيتها، الفكرة فقط أن لديهم سيولة في كل شيء، ولا يوجد إنتماء لأي شيء، فقاموا بتعريف هذا «اللا إنتماء» على أنه قيمة للتسامح والحرية.

فهدئ مِن روعك قليلاً، واعلم أن ديدن الإنسان هو نفسه منذ البداية، الاختلاف فقط في أن الإنسان نسي أو انشغل في السعي ضمن حياته، ومع كل حرب أو موجة هجرة جديد تطوف مثل هكذا مواقف على السطح.

العنصرية دائماً موجودة، النقطة الحاسمة هي ألا يُتخذ إجراءات بناءً عليها.

غير ذلك يمكن تسميته كعدم ألفة أو ميل، وهو أمر طبيعي إلى حد كبير، تطبقهُ أنت في حياتك الشخصية قبل أن تطبقه الثقافات والأمم الأخرى.

اقرأ أيضاً: الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية

5 تعليقات على “كوكتيل سريع البلع من العنصرية”

العادات يا سيد عبدالله غالباً ما تشتغل على «أرضية بيولوجية مُتجذرة ضمن الإنسان».
التفريق بين العادة الإجتماعية والطبيعة البيولوجية أمر خاطئ. لأن العادة أساساً لا تنشىء إلا إن كان هناك أرضية بيولوجية طبيعية تستند عليها. فالعلاقة هنا تكامل بين النمطين.

رد

روعة الآن وجدت جوابا على سؤال طال في عقلي . شكرا يا عبدو على المقال المتميز 🤩. مازلنا في انتظار مقال استعادة ضبط المصنع الجزء الثاني 😣.

>>“طبيعة بشرية أن يألف الإنسان مَن يشبهونه.“
هل تقصد يشبهوه في العادات والتقاليد أم الشكل واللون
هل فطرنا الله أن نألف بعضنا بالشكل، أم بالدين!

مقال مميز كعادتك وانتقاء مميز للكلمات..
تعقيباً على انهم جعلوا من “لا إنتماء” انسانية … انا اعيش بينهم هم فقط “لا يهتمون” من كثرة الموارد وثقتهم “بالنظام العام بادارة الموارد” وليس لا منتميون ولكن عندما تصبح المسألة حياة او موت ف بالتأكيد سيختار ايا انسان من يألف.
وتعقيباً على لماذا انت عنصري ذكرتني بموقف حدث معي بعد مشاكل مع اشخاص من بيئتي … قال لي احدهم من الرجال البيض “اوك تجاهلهم انت ولا تتكلم معهم ببساطة” قلت له انا عربي اسمر لن اسطيع الهروب من DNA ولن استطيع ان اكون ابيض ف انا بحاجة الى التواصل مع الاشخاص من بيئتي رغم انهم ينبذوني.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *