التصنيفات
عام

العدو الذي يستحم بشامبو سنان

في كتاب لماذا تتحارب الأمم «Why Nations Fight» وجد مؤلفهُ -المنظّر السياسي الأمريكي ريتشارد ليبو- نقلاً عن الاستقصاءات والاطلاعات التي جرت بُعيد فترة الحرب العالمية الثانية، أنا غالبية الجنود لم يكونوا يفضلون توجيه إطلاق النار بشكل مباشر على الجنود الآخرين الأعداء، كانت أيديهم ترتجف من ذلك الفعل.. وكانوا يفضلون إطلاق رشقات غير مباشرة أو غير قاتلة بشكل صريح.

وهذه فكرة لو أردت تعميمها قد تكون صادمة وغير مفهومة.

جندي في مجابهة.. يقاتل ضمن معركة.. في سياق حرب بكاملها.

لماذا لا يطلق النار بشكل مباشر على الآخر؟ أو لماذا يتردد في فعل ذلك؟

كان الجواب على يد علماء الاجتماع، حيث وجدوا أن الجنود يفعلون ذلك في حالة اعتقادهم أن مَن أمامهم مساويين لهم تماماً، إنسان لا يختلف عنهم في شيء. أما الجنود الذين كانوا يقاتلون ويقتلون بشكل مباشر وصريح، هم الذين يعتقدون أن مَن أمامهم كائنات أدنى منهم وأحط درجة على سلم الإنسان كجنس بشري.

بمعنى..

لا يمكن للجندي أن يقتل جندياً آخراً مصوّباً عليه بشكل مباشر، إلا عندما يؤمن بمبدأ وأيدولوجيا أن هذا الجندي الذي أمامه أحط قدراً منه وأدنى درجة كإنسان.

وهذا قد يختلف تبعاً للعقائد والأيديولوجيا.

وغالباً كلمات على نمط.. مؤمن / مهرطق / خائن.. كافية لأن تهبط بك درجات على سلم الإنسانية، وبالتالي تعطي تبريراً لمحترفي القتل أن يوجهوا البندقية نحوك.

لهذا..

أحد أبرز العقائد الشرسة خلال الحرب العالمية الثانية وهي النازية ابتكرت مفهوماً أيدولوجياً سمته الـ Positive Christianity حيث حصرت الإيمان في العرق الآري فقط. أي البيض الطوال أصحاب الوجوه الشمالية والنتوءات الوجنية البارزة. عدا ذلك لن يقبل منك.

ولهذا كان الجنود الألمان يمارسون نوعاً من الاستعلاء العرقي الكامل.. حيث الغجري يُقتل، والأعراق الدنيا تذهب لأفران الحرق، ومَن يمارسون نفس عقيدتهم لكن ليسوا آريين أيضاً هم أقل درجة!

قد يسأل سائل.. كيف كان جنود الحرب العالمية يطلقون النار بشكل غير مباشر وسقط قرابة 50 مليون ضحية في الحرب العالمية؟

معظم من سقطوا كانوا نتيجة القصف العشوائي.. خصوصاً أن الحرب العالمية كانت بيئة خصبة لاستخدام كافة الأسلحة الغبية وغير الموجهة، والتي غالباً كانت أسراب من الطائرات التي تقصف من الأعلى، فيموت البشر والحجر.. الأخضر واليابس.

ما أريد قوله أن الإنسان حالياً، يفتقر لمفهوم العداوة الشريفة، يفتقر لمفهوم أن يملك عدواً مخالفاً لكنه عدو يملك أقل مقومات النزاهة.

نبرة تَسقيط العدو أخلاقياً لمجرد أنهُ «عدو» أمر غير صائب.

يمكن للعدو أن يبقى عدواً، لكنه بالفعل يُحب أطفالهُ ويواظب على الاستحمام، ولا يخون زوجته أو يسرق جاره.

التخنّدق في جبهة ومحاربة الآخرين حق أيدولوجي للجميع، لكن جعل العدو المُخالف أدنى قيمة فقط لأنه عدوّك، هو حالة غير صحيحة.

يذكرني هذا بأيام المدرسة عندما كنا أطفالاً نتشاجر، فأول ما كان يقال حينها عندما تشتبك مع أحدهم: يا مقمّل.. متهماً الطفل الصغير الآخر المعادي بأنه مصاب بالقمل، وبحاجة لشامبو سنان المخصص في القضاء عليهم!

لماذا؟

ألا يمكن أن يكون عدوي وضدي ولا أطيقه، لكنه نظيف ويستحم؟ لماذا يجب أن يكون عدوي سيء في الوقت نفسه وبشكل إجباري؟ -لاحظوا هنا كيف يخلق الدماغ التبريرات، تقرين العدو دائماً مع السوء فكرة مُحببة للدماغ، لأنها تقنع صاحبها أنه هو الطرف الأخلاقي وأن الآخر يستحق المعاداة.

قد تكون كلمة مقمّل وشامبو سنان محض نكتة بالنسبة للأطفال.. لكن عندما تكبر وتجد أن حروب العالم وأيدلوجياته المتنوعة باتت ترى من نفس العدسة والمنظار، فحينها تدرك مدى الانحطاط الذي وصل إليه الجنس البشري.

الإنسان في طبيعته كائن محايد إلى درجة كبيرة تعجنه البيئة الإجتماعية كما تشاء، وهي النظرية المعروفة بالورقة أو الصفحة البيضاء Blank Slate. لكنه كي يجهز على الإنسان الآخر المُخالف بحاجة لمُبرر.

مبرر كان يقول أنه مصاب بالقمّل أيام الصبا..

أما عندما كبر، اختلق حجج أخرى ليداري طفولته ومراهقته المتأخرة..

حجج تجعل الإنسان الآخر أقل قدراً وأحط قيمة..

وهو ما يعطي انتفاخاً ذاتياً وهمياً بالأخلاقية وتنظيف العالم من الشر..

ليكون هو ضحية عقائد فاسدة، ومَن أمامه ضحية مَن آمن بعقائد فاسدة أيضاً.. حينها لا يدري القاتل فيما قتلَ، ولا المقتول فيما قُتل!

اقرأ أيضاً: بدأ العالم يتقيّأ

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *