التصنيفات
عام

الواقعية.. الصفة الأهم لتحقيق المكاسب

عندما تذهب للطبيب بغية تحديد ما يعتمل في داخلك من اضطرابات.. يحاول جاهداً تقصّي الأعراض والعلامات في محاولة لتشخيص المرض، وتعتبر هذه المرحلة الواقعية -مرحلة التشخيص- هي الأهم والتي بناءً عليها تُوضع خطة العلاج لتبدأ فيما بعد سلسلة التعافي.

لكن.. ماذا لو فشلَ الطبيب في تشخيص المرض من أصله؟ ماذا لو لم يكن الطبيب واقعياً ولم يرَ العلامات والأمارات الواضحة الدالة على المشكلة؟ ماذا لو آثرَ أن يكون مثالياً؟ ويوهم نفسهُ ألا شيء يحدث وكل شيء على ما يرام بينما العكس هو الصحيح!

هنا يكون الطبيب فاشلاً، يعيش في عالم المثل.. لأنه لم يرَ العالم بأمراضه وبلاءاته كما هو.. بل رآه كما يريد أن يراه!

هنا كان الطبيب مثالياً.. هنا كان الطبيب لا واقعياً!

مدحاً في الواقعية وأولئك الذين يرون الحقائق المرة حتى لو آلمتهم.. تشخّص الطبيبة النفسية «لورين ألوي Lauren Alloy» صفة مهمة لدى المصابين بمرض الاكتئاب؛ اسمتها «الواقعية الاكتئابية Depressive Realism» وهو مصطلح يشير لأولئك المصابين بالاكتئاب -كأفراد- ويكونون أكثر ميلاً لامتلاك صفة الواقعية، ورؤية العالم كما هو لا كما يشتهون أن يرونه.

لنوضح الفكرة قليلاً نضرب المثال التالي.. لو أتينا بمجموعتين من المتطوعين وقسمناهم لقسمين متساويين، ومن ثم عرضنا قصة ما كي يرونها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أفراد القسم الأول أصحاء في حين أن القسم الثاني مصابين بالاكتئاب.

مَن برأيكم أكثر فرصة لأن يرى القصة كما هي؟ أن يتلقى القصة دون بهارات أو منكهات وملونات؟ لو كان جوابك المجموعة المصابة بالاكتئاب فهو صحيح، وهذا هو مفهوم الـ Depressive Realism. فهؤلاء الأفراد المنعزلون هم الأكثر إمكانيةً لرؤية الواقع كما هو، ولهذا هم نفسهم وبشكل ما لو وُضعوا -في المكان والزمان والسياق المناسب- تزيد فرصة نجاهم بشكل ملحوظ نظراً لوجود قدرة على التقييم الواقعي لديهم، وبالتالي تحقيق نجاح في الوسط العاملين به.

على الرغم من أن الاكتئاب مرض حقيقي مُشخص، إلا أن مثل هكذا مفاهيم قد تشير لفكرة أنه في بعض الجوانب -لا سيما فيما يتعلق برؤية الوقائع- يكون مرضى الاكتئاب هم الأصحاء، في حين بقية العالم هم المرضى؛ إذ يكونوا مصابين بمرض يمكننا تسميته جُزافاً اضطراب الرؤية الجمالية الفصامية الملونة للعالم!

يؤكّد على هذه الفكرة -أن النجاح من نصيب من يدركون الواقع كما هو- المؤلف روبرت غرين صاحب سلسلة السطوة الشهيرة. إذ يقول أن هناك صفتان مهمتان للربح والنجاح في أي مجال تريده.. أول صفة هي الواقعية؛ أن ترى العالم والأشياء من حولك كما هي لا بعدستك الشخصية الموجّهة مسبقاً. أما الصفة الثانية فهي «اعتناق الملل» والقدرة على المواظبة وممارسة نشاطات يوميّة مُملة لفترات طويلة.

يوافق روبرت غرين أيضاً إنسان عاش قبله بحوالي 500 سنة تقريباً، وهو الداهية الشهير نيكولا ميكافيلي صاحب الكتاب ذائع الصيت الأمير..

بماذا نصحَ ميكافيللي ملك فلورنسا لورينزو عندما أهداه كتاب الأمير؟

نصحهُ أن يكون واقعياً في التعامل مع الرعية، وشدد على أهمية عدم التعامل بالمثل والقيم العليا وما «يطمح الناس إليه» بقدر التعامل مع «ما هم كائنيه بالفعل».. التعامل مع الإنسان كما هو لا كما يريد ويسعى لأن يكون!

أي التعامل مع الإنسان ككائن طبيعي بحت.. الأولوية القصوى لديه للغرائز البدائية وقاعدة هرم ماسلو، أما المثل العليا والأخلاق هي «منكّهات» موجود على ألسنة الناس الذي يعيشون في «أمان وجودي للغرائز البدائية».. ولهذا لا ينبغي أن يُلتفت إليها من الأساس.

نصيحة ميكافيللي هذه كانت ثمينة جداً وفعّالة.. ولهذا يعتبر هو أول رجل مؤسس لعلم جديد سُميَ «علم السياسة العملية».

من جانب آخر تماماً.. لدينا مواقع المحتوى بكاملها على الإنترنت، تخيل مثلاً لو أنك تمتلك موقعاً وفجأة تنخفض الزيارات للنصف! هل يمكنك أن تتجاهل ذلك وتقول ليس هناك شيء يحصل؟ هذه جناية وضرب من ضروب الغباء، فالأرقام لا تكذب أبداً!

أن تكون واقعياً يعني أن ترى العالم كما هو.. حالة من النضج الفكري، أن ترى العالم بمشاكله وآفاته وأعبائه. وبالتالي أن تكون أكثر قدرة وتأهباً لأن ترى خطة التعافي وطريقة الحل كونك من الأساس تبصر المشكلة بدقة. فمعظم مشاكل العالم ومشاكلنا الشخصية هي مشاكل «تشخيصية».. مشاكل طبيب أبله يقنع نفسه أنه غير مصاب بمرضٍ عضال بينما هو يعيش مراحله الأخيرة!

ينبغي التفريق ما بين الواقعية والتشاؤم، فهي لا تعني رؤية النصف الفارغ من الكأس إنما رؤية الكأس كما هو؛ بشقيه الفارغ والممتلئ. حينها فقط يمكن تقدير الموقف بحيادية، وجعل التحركات التابعة أكثر دقة وأصالة.

قد تختلف وتتبعثر صفات النجاح والناجحين.. قد تتشعب وتتنوع طرق «الربح» فيما تفعلهُ من عمل، سواءً كنت كاتباً أو طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو ناقداً فنياً.. إلا أن أهم صفة حجزت مكانها في هرم الصفات الرئيسة المؤهبة للربح والنجاح هي الواقعية.. الواقعية الشجاعة الدافعة لرؤية الأحداث كما هي لا كما نريد مُسبقاً أن تكون.

ولنتذكر دائماً أن المثل مكانها الداخل الوجداني، وأن العقل هو مركز التفكير.. فإن قلبت الآية حدث الاختلاط، فكنت مثالياً في فكرك، وقلبك وضميرك مرتعاً لأفكار لا يستطيع إدراكها أبداً..

اقرأ أيضاً: لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *