التصنيفات
كتب

التفكير السريع والتفكير البطيء

يملأ دانيال كانمان -أحد آلهة طب النفس والاقتصاد السلوكي في عصرنا- كتابهُ «التفكير السريع والبطيء» بالنماذج التي تتحدث عن كيفية تفكير الإنسان والمُحددات الواسمة لهذه النُظم، إلا أن الفكرة العامة تتمحور حول قضية لطالما داعبت أذهاننا وصعب علينا توصيفها ومن ثم توظيفها، إلا أنهُ يشرحها بسهولة عارضاً إياها ضمن النموذج التالي..

يحكم التفكير البشري نظامان لا ثالث لهما.. النظام الأول (نظام غريزي، عاطفي، وسريع). والنظام الثاني (نظام عقلاني، بطيء، يتمتع بمهارات تحليلية عالية). يميل الدماغ البشري لاستخدام النظام الأول على نطاق واسع جداً لدرجة أنهُ هو المهيمن في كل شيء تقريباً، في حين يكون النظام الثاني “على الطلب” في الوقت الذي يتم استدعائه فيه، فيلبي النداء فوراً.

مما طُرح في الكتاب من أفكار جميلة أيضاً، أن النظام الثاني -التحليلي المنطقي- غالباً ما يستخدم أفكار ومبادئ مستمدة من النظام الأول نفسهُ!

«بشكل ما، يبدو أن الإنسان يستخدم ذكائه، لتبرير جزء من غبائه أحياناً».

بمعنى أن الدماغ يستخدم “طرق ومبادئ ذكية” لمعالجة معلومات وبيانات “غبية” أو غير منطقية. وهذا الفخ غالباً ما يسمى باللغة العامية بالأدلجة أو تلغيم المقدمات Loaded Premises المنطقية بمسلمات لا استدلالات منطقية عليها.

التفكير السريع والتفكير البطيء

يطوف الكتاب حول العديد من الأمثلة والدراسات والاحصائيات، خصوصاً أنهُ يعتبر عصارة 40 سنة من الأبحاث لصاحبه الذي يحمل جائزة نوبل بالمناسبة، وهو دانيال كانمان. فيما هناك بعض الفصول التخصصية، يمكن تجاوزها وتركها.

ومن حسن حظنا أننا نعيش في زمن السوشال ميديا ووسائل التواصل حتى نستدل -بشكل ما ولو جزئياً- على صدق هذه الدراسات، فمثلاً.. عندما نرى منشوراً ما هنا أو هناك كيف نتفاعل معهُ؟

غالباً تضع قلب (أحببتهُ). أو أغضبني (كرهته). أو حتى مجرد لايك أو اعجاب.

ماذا نستفيد من هذا؟

نستفيد من الإنسان يتعامل مع كل شيء بعواطفه (أحببت، أعجبني، أغضبني). لأن التعامل الحقيقي مع أي شيء -لو كان المفعّل هو النظام الدماغي الثاني- سيكون بمثابة التالي:

ممم، هذا يبدو منطقياً!

أو هكذا يستقيم المعنى It makes sense. أو شيء ما من هذا القبيل.

يجادل كانمان كثيراً في أن النظامان مهمان لدى الإنسان، فمن غير المعقول عند الطعام أن تفكر في النظام الثاني!

وتجلس تحلل الطعام وتفنده وتفصفصهُ! أنت جائع، تلتهمه فوراً بدون مقدمات! لكن استخدام “تدخلات” محدودة من النظام الثاني يساعد في بناء العضلات وخلق أنظمة صحية ومعالجة مشاكل السمنة وترسب الدهون في الشرايين وغيرها!

فيبدو أن الحل المثالي والحياة الرغيدة تتمثل في إعطاء كل نظام حقهُ، ولعل من ترجح لديه الكفة الثانية يتجه لأن يكون عبقرياً أو عالماً أو نجماً في مجال ما، في حين أن من ترجح لديه كفة الأوّل يكون عفوياً بسيطاً أقرب لطفل مدلل في مسلاخ إنسان كبير.

يشير النظام الأول لحضور الجزء الحيواني من الإنسان؛ من خلال تاريخ طويل قد خاض غماره عبر الأزمنة، في حين يمثل النظام الثاني المنطقي قشرة رقيقة كان قد اكتسبها بعد حصول الثورة الزراعية وتعلم الطبخ واكتشاف النار وبالتالي زيادة حجم الدماغ وتعزيز مادته الرمادية. حينها انبثق هذا النظام وسيطر على جماح النظام الأول.. فكانت الحضارة وكان كل شيء بعدها!

اقرأ أيضاً: أن تكون النحات والصخرة معاً!

تعليق واحد على “التفكير السريع والتفكير البطيء”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.