التصنيفات
عام

روايات مناسبة تحت الفلافل

تقول القاعدة السائدة أن نسبة الروايات في الحصيلة العامة للقراءة لا ينبغي أن تتجاوز الـ 10%. بمعنى أنه من بين كل مئة كتاب تكون 10 منهم روايات. ومن بين كل 10 كتب تُقرأ هناك رواية واحدة فقط.

هذه كانت القاعدة القديمة، هناك أخرى جديدة سأحاول فيما سيكتب تالياً الجدل دفاعاً عنها، بأنهُ لا داعٍ لقراءة الروايات من أساسها، باستثناء قلة قليلة يمكن حصرها في قائمة الأدب العالمي الرصين. عدا ذلك -خصوصاً أننا نعيش في زمن روايات أدب الرعب- فيمكن القول أن الروايات أصبحت فائدتها الوحيدة هي الوضع تحت الفلافل والطعمية وغيرها مما يُقلى من طعام، حتى تمتص الزيت كالإسفنجة ويكون لها نفع ملموس.

من الفروقات الجوهرية بين الإنسان العاقل -الذي يدّعي زوراً أنهُ كذلك- وبين الحاسوب، أن الحاسوب لا يقضي عمره في تفاهة وهراء الجنس البشري فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، والمقدمات، واللف والدوران الساذج دون الانخراط في الموضوع.

الحاسوب يتبادل معلومات -وفقط معلومات- بدقة وسرعة كبيرة، زوّدني بمعلومة لأعالجها فوراً، الحاسوب لا يقول للحاسوب للآخر «صباح الخير» أو «كيف الحال». لا، بل يدخل في صلب الموضوع مباشرةً. متبادلاً فقط معلومات ومعالجاً لها، ولهذا خلال سنوات بسيطة من عصر هذا الحاسوب تمكن من اكتساح الإنسان في عديد من المجالات والقائمة على الطريق فلا تزال في أولها.

من المهم التفريق بين البيانات Data وبين المعلومات Information. ولفهم ذلك نطرح مثال درجات حرارة الطقس. عندما تُسجل حرارة الطقس ضمن أرشيف ما دون إطلاع عليها تكون حينها بيانات Data. لكن بمجرد أن ألقى الإنسان نظرة عليها تصبح معلومة Info. ويمكن القول أيضاً أن مصطلح المعرفة Knowledge هو الخبرة المطولة الحكيمة في التعامل مع المعلومات.

يحتاج الإنسان للمعلومات أكثر من حاجته لأي شيء آخر. المشكلة الروائية تكمن في مخاطبة العواطف وبناء حس إنساني داخل كل فرد وهذا جميل بالطبع، لكنهُ في حدود دنيا وكثرته قد تؤدي بصاحبهِ -أو بصاحبتها بنسبة أكبر- لحالة فيضان عاطفي سيّال تنجم عنه شخصية لا واقعية، وإنسانية بشكل زائد عن اللزوم.

لو أردنا تقسيم آلية تفكير الإنسان فيمكننا وضعها في سياقين اثنين، الأول هو قسم «المعالجة الفكرية العُليا» متمثلاً بالدماغ واستطاعته من تحليل ومحاكاة، ثانياً وهو الأهم جداً قسم «التخزين والأرشفة».

متى يُلعن الكائن العاقل وتُقلب حياته جحيماً؟

عندما يكون قسم المعالجة المركزي (الذكاء الوراثي) لديه قوي وضخم ومتطور إلا أن قسم التخزين (القراءة وإدخال المعلومات والبيانات) لديه يكون فارغاً تماماً! الأمر شبيه جداً بحاسوب متطور يملك معالج من أحدث طرازات شركة إنتل، لكنه لا يوجد لديه قرص صلب «هارد ديسك» حتى يعالج هذا المعالج بياناته ويحاول استخدامها.

لكن على عكس الحاسوب الذي يمكن أن يُطفئ إن لم يكن هناك معلومات للمعالجة، فإن الإنسان غالباً ما يميل لشيء آخر يجعلهُ شخصية بشعة وصعبة التعامل، وهو استخدام هذا الذكاء في معالجة الحياة الاجتماعية، ومشاكل فلان وعلان وما تقوله فلانة وعلانة، مما يقلبهُ لشخصية غريبة غالباً ما تكون منفّرة.

الإنسان بحاجة لمعلومات وبيانات أكثر من حاجته للحس الإنساني العميق لأن هذا الحس سيُكتسب بطريقة أو بأخرى، وأعتقد أن منظومة الأسرة، والمدرسة، وحتى التربية الدينية بفرعها القيمي.. بوصفهم أماكن «للغرس» كفيلة بأن تزرع هذا الحس وفي وقت مبكر حتى، لذلك لا داعٍ لمحاولة اكتسابه في مواطن الروايات التي يغلب عليها لطابع الرديء كما نرى.

استغرق فيكتور هوغو 15 سنة لإنهاء روايته العالمية البؤساء، لكنها في النهاية خرجت نصاً عملاقاً مازال يعيش إلى الآن. أما الآن فالأدب الروائي لا يصلح لشيء، خصوصاً أدب الرعب وأدب العناوين الرنانة كما في عنوان هذه التدوينة.

روايات تُكتب في سنة واحدة. تذهب لترى كاتبتها / كاتبها ضمن الـ Goodreads فتجد أنهُ في عام 2017 لديه رواية، و2018 هناك رواية، و2019 هناك رواية، و2020 هناك رواية. وهكذا بشكل انشطاري.

ما هذا العمق الروائي ها هنا؟ مَن هذا الراوي الخارق الذي ينتج كل سنة رواية؟

ناهيك طبعاً عن عدم وجود مرجعيات يمكن التقييم من خلالها، لربما باستثناء البوكر هي التي تحاول سد هذه الثغرة.

كما ينبغي التذكير أن قراءة الأدب تكون محصورةً بلغتهِ الأصلية، بمعنى لا يمكنني قراءة الأدب الروسي ودوستويفسكي إلا بالروسية، ما نقرؤه هو «الأدب العالمي المترجم». صحيح أن النبرة تصل بشكل ما، لكن تبقى كذائقة أدبية موطّنة فقط في اللغة الأم. وقد وصفَ أحد الأدباء الإسبان حالة قراءة الأدب المترجم بالقول: كأن يدخل الإنسان للاستحمام وهو يرتدي معطفاً! هذا هو الأمر الشبيه بقراءة الأدب بغير لغته الأم، الاستحمام مرتدياً معطفاً!

وعلى رأي الشاعر الإنجليزي الشهير الكسندر بوب، فإن العواطف هي أشد العواصف. وكما قال شيرلوك المحقق الفظ، فإن العاطفة هي خلل يُتواجد عند أصحاب الموقف الخاسر، ومثلما صرّح فيلسوف المطرقة نيتشه فإن العواطف وما يختلجها من مثل وقيم ما هي إلا صناعة العبيد حتى يمنعون السادة من تحطيمهم والخلاص منهم.

في جميع الأحوال يبدو أن هناك ذم تجاه الموضوع، ولعل قدح الرواية أو حصرها في سياقات محدودة يقوم في جزء كبير منه بسبب ارتكانها على هذا الجزء الهش من الإنسان، وهذا طبعاً إن أجادت الرواية في نقل ذلك وكانت رصينة كالبؤساء أو الكونت دي مونت كريستو، فكيف يكون الحال أساساً عندما تفشل في ذلك؟ فتخرج لنا النتيجة النهائية كخلطة شعورية سيّالة مُخرجة بشكل سيء على جميع الأصعدة.

في النهاية، قد يسأل سائل لماذا الاهتمام المقابل بالمعلومات لهذه الدرجة؟

في الحقيقة، لأن كل شيء في هذه الدنيا هو معلومات! (حتى لو أن أحداً لم يصرّح بذلك).

عندما يُطلب منك في سوق العمل ورقة الخبرات، ما المقصود بكلمة «خبرة». الخبرة هي تتالي مرور ضخم جداً لمعلومات على الموظف المطلوب، بالتالي عندما يمر هذا الكم الكبير من المعلومات أمامك، وتقوم بمعالجتها وحل مشاكلها فإن الخبرة تتكون لديك.

أليست هذه معلومات؟

في المدرسة والجامعة، بناءً على ماذا كانت التقييمات؟ أليس حفظ المعلومات وتذكر المعلومات!

أفهم أن الرغبة في «عيش الحياة بكل ألوانها» هي حالة أصيلة في الجنس البشري، لكن ينبغي التذكر أن نقطة الافتراق ما بين الكائن العاقل وما بين بقية كائنات مملكة الحياة كانت عندما بدأ باستخدام نظام المنطق والسببية والوعي الذاتي. غير ذلك من التعاطف وحتى التعاون والعلاقات الاجتماعية موجودة عند الشمبانزي وقطعان الذئاب حتى.

لذلك ليست شيئاً يُعول عليه كثيراً، بل عامل رديف.

ثم إن القول بأولوية المعلومات مهم لأن الإنسان حتى لو أراد عازماً فعل ذلك، فإنه لن يستطيع. بمعنى التشديد على أهميتها مفيد لأن غالباً ما سيُطبق 80% منها أساساً، بالتالي وكتحصيل حاصل سيبقى هناك هامش يضع فيه الإنسان العاقل ما يريد من مشاعر وأحاسيس وروايات رديئة.

أختم بمثال ذو طابع مخل بالأدب لكنه مهم لإيصال الفكرة النهائية.

العملية الجنسيّة عند الإنسان.. ما هي؟

يسميها البعض «ممارسة الحب». وآخرين «عقد زواج» وأشياء كثيرة. لكن لو أزلت كل هذه الطقوس والتأويلات ستجد شيئاً مهماً يربض في داخلها، وهو «محاولة تبادل معلومات».

إذ يتواجد في رأس كل نطفة ذكرية نواة صغيرة تحوي بداخلها الـ DNA الذي يشكل البذرة المعلوماتية لشيفرة الإنسان القادمة، وهذا الحمض النووي يكون على هيئة جذور كيميائية شهيرة تُعرف بالـ ACGT. وعند المرأة وبويضتها الأمر ذاته.

العملية الجنسية في جذرها هي «تبادل معلوماتي». أشبه ما تكون بوضع USB ضمن الحاسوب كي ينقل بعض الملفات الهامة. ولأن هذه العملية مهمة جداً في سياق البقاء واستمرار النوع، يحصل الإنسان على مكافئة ضخمة مع كل مرة يحاول تنفيذها، سواءً نجح أم فشل بذلك.

لكن الدماغ البشري -تحديداً القشرة المخية Cortex- أداة «اصطلاحية» بشكل مخيف. لذلك لا بد من اصطلاح وتأويل كل عملية حتى ينظم الإنسان وجوده من خلالها. بدءاً من مصطلحات «شروق وغروب الشمس» التي لا معنى لها لأن الشمس لا تتحرك بل الأرض والكواكب هي مَن تدور. وليس انتهاءً بحياته الشخصية وكل ما يعتريها.

لماذا المعلومات؟

كل حياتنا معلومات، بدءًا من أصغر مرحلة وهي مرحلة النطفة والبويضة، مروراً بالمدرسة والجامعة ومن ثم العمل والخبرات، وحتى الموت والتحلل.

الفرق الوحيد هو اختلاف الاصطلاحات التي يطلقها الدماغ لإعطاء تلك المعلومات معنى يفهمهُ.

تعليق واحد على “روايات مناسبة تحت الفلافل”

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.