التصنيفات
فكر

تأثير راشمون.. لماذا يكذب صديقك عندما يروي قصة؟

منذ مدة عندما سقطَ الطفل المغربي ريان في البئر لمدة خمسة أيام وانشغلَ العالم في قضيته، ظهرت فكرة لا بد من الإشارة إليها وتفسيرها وفقاً لمبدأ وتأثير راشمون Rashomon Effect. وهي مدى أهمية عنصر «الذاتية» على قراءة أي حدث مهما كبرَ أو صغر.

بعدما انتهت قضية الطفل الذي علقَ في البئر لخمسة أيام، ليخرجَ حياً ثم ميتاً. انهالت التفسيرات من كل حدبٍ وصوب، ولعلها تباينت كالتالي:

  • الحالة الأولى: الذي وضع الحق على إهمال الأهل.
  • الحالة الثانية: الذي وضع الحق على إهمال الطفل نفسه.
  • الحالة الثالثة: الذي وضع الحق على إهمال أصحاب القرار فيما يتعلق بفتحة البئر الذي كان ينبغي حفره في القرية وسقط فيها.
  • الحالة الرابعة: الذي وضع الحق على الإله وقال أين مفهوم العدالة الإلهية.
  • الحالة الخامسة: الذي رأى في الحالة فرصة عظيمة للوحدة العالمية فتبنى شعار: أتى ليوحدنا ثم رحل.

وآراء كثيرة لا تعد ولا تحصى. وهذا كله يُفسر ويصب في إطار مفهوم واحد يدعى تأثير راشمون. ولشرحه لا بد من طرح المثال التالي:

عندما يكون هناك حشد من الناس يتجمعون في نقطة معينة. كيف يمكن لأشخاص مختلفي الخلفيات الثقافية والمهنية والعلمية أن ينظروا إليهم؟

مثلاً:

عندما يمر «الكوافير» على هذه الحشد فإن ما يلاحظه غالباً هو تسريحات شعرهم وهل هي منضبطة أو لا. عندما يراهم مصور فوتغرافي فإنه سيهتم بأخذ لقطة مناسبة لهم. عندما يرصدهم صاحب محل أحذية فإنهم سيهتم برؤية ما ينتعلون في أقدامهم، عندما يمر بهم تاجر، فإنه سيحاول فهم احتياجاتهم كي يحاول بيعها لهم.. هل هم في مكان حار؟ هل يحتاجون لزجاجات مياه حتى نبيعها لهم؟ وهكذا دواليك.

يتحدث تأثير راشمون عن أن أي فعل أو رصد لحالة، لا يكون بشكل موضوعي بقدر ما هو إسقاط «للذاتية الشخصية» على كل حدث. فالوقائع -بشكل ما- تتأثر وفقاً للخلفية التي يأتي منها «راصد» تلك الوقائع أيضاً.
ولعل الحيادية في تلك الوقائع تقتصر على أيدلوجيات محدودة جداً؛ أبرزها المنهج العلمي، الذي يتبنى فكرة تكرارية التجربة وقابلية القياس كمبدأ أصيل وثابت.

عدا ذلك، تكون الذاتية حاضرة بشكل كبير. والأخطر من هذا، أن تلك الذاتية تضمحل بشكل تدريجي دون أن يعي صاحبها ذلك. وتتحول لناظم فكري غير مباشر وعدسة فكرية لكل ما يُنظر إليه.

سأضرب مثالاً جديداً حتى تتضح الفكرة: عندما تقرأ الجملة التالية ماذا سيخطر على بالك؟

الجملة: طالبة ذبحت بواسطة صديقها..

سيخطر على بالك فوراً اسمين لا ثالث لهما، وهما “نيرة أشرف” وسلمى بهجت”.

هناك شيء غريب!

أنا لم أذكر أسماء أبداً.. فقط قلت طالبة ذبحت. هناك آلاف الناس يذبحون. لماذا قفز هذان الاسمان فقط إلى وعيك؟

لأن الذاتية الآن مشحونة ومعبأة وLoaded حتى درجة الغصة بما يطرح في وسائل الإعلام، ولعلَ أبرز السلبيات الحاصلة في عصرنا هي فقدان هذا العنصر النفيس دون أن ندري. عنصر الذاتية النقية. الذاتية غير المشوهة.

فكل حالات التضامن سواءً مع الطفل المغربي أو الطالبات أو أي إنسان يقع ضحية هي حالات تضامن زائفة.
لماذا؟

لأن الإنسان يريد فقط أن يبرر موقفه الذاتي المسبق لا أكثر، وكل تلك ردات الفعل و«الريأكشنات» على فيسبوك وتويتر لا تسمن ولا تغني من جوع.

نعود لحالة الطفل المغربي ريان ونحاول فهم عنصر الذاتية وتأثير راشمون.

  • الذي يقول أن الحق على الأهل غالباً هم شباب غير متزوجين، يريدون تبرير الموقف من وجهة نظرهم كأشخاص عزاب. (حضور الذاتية).
  • الذين يقولون أن الحق على الطفل هم غالباً متزوجين ويملكون أولاد طائشين يلعبون كالقرود، ويرون في ذلك تبريراً لما يفعل الأطفال من حماقات. (حضور الذاتية).
  • الذي يرى في رحيل ريان فرصة “ليوحدنا” غالباً يريدون مواساة أنفسهم بانتماءات كبرى صعبة التحقق، مثل هكذا أحداث تكون فرصة مواتية. (حضور الذاتية).
  • الذي يرى في رحيل ريان عبثاً وعلامة على ” اللا إلهية” يرون الحدث من ذاتيتهم التي أساساً لا تؤمن بمفهوم قابلية حدوث الشر في وجود الإله. فغالباً ما يكونون مثاليي التوقعات. (حضور الذاتية).

القصة باختصار أن أي حدث، لا وجود لهُ إطلاقاً -عدا ضمن المنهج العلمي- خارج إطار الذاتية. وكل حدث ما هو إلا تفسير مسبق لكمية مخزنة من القناعات الموجودة لدى الأفراد، ولهذا قال العظيم نيتشه قبل قرن من الآن، لا يوجد حقائق! يوجد فقط وجهات نظر!

وحتى على نطاق أكبر من ذلك، نطاق الحياة خارج الأرض وفي الكون كلهُ. هناك ضرب من المركزية البشرية المثير للشفقة.

غالباً نسمع عبارة.. البحث عن حياة خارج الأرض وهل يوجد حياة؟

الفكرة الحاسمة أن الإنسان -بعنجهية شديدة- عندما يريد البحث عن حياة خارج الأرض، يتخذ من «نفسه» معياراً للحياة وينطلق ليرى هل يوجد نفسه في كل الكون! بمعنى أن الحياة وفقاً للفهم البشري (القدرة على الاستقلاب والتكاثر ..الخ). هي ناموس كوني ودستور عابر للمجرات. وبالتالي عندما يبحث عنها خارجاً لا يفكر للحظة أنه يمكن أن تكون بشكل آخر خارج توليفته الأساسية بشكل كامل! (هناك وثائقي جميل تحت عنوان «حياة الصخور» يتحدث عن كيف أن الصخور تملك حياة من شكل آخر تماماً).

قالَ الساخر الجميل جورج كارلين كلمة جميلة منذ زمن.. قال: مبدأ قدسية الحياة تافه، لماذا؟ لأن البشر يقدسون الحالة التي يعيشونها لا أكثر! اذهب للمقبرة واسال الموتى.. هل الحياة مقدسة؟ لن يقولوا شيئاً، لماذا؟ لأنهم Fu*kin Dead.

أي أن الإنسان «يُمعير / يتخذ كمعيار» الحالة التي وجد نفسهُ عليها ويضعها ناموساً. حالة شبيهة جداً بمبدأ الاستشراق الغربي، عندما يرى الغرب في نفسه مركزاً وينظر للعالم بأسره من عدسات أفكاره. لكن البشرية بكاملها فعلت ذلك أيضاً مع فكرة الحياة نفسها والبحث عنها في الخارج، حيث اتبعت مبدأ «الاستئراض / معيارية الأرض» أو «الاستئناس / معيارية الإنسان» حيث وضعوا من الحياة على كوكبنا الأزرق كمعيار للحياة بكاملها، وهذا كما قلنا نوع من أنواع الذاتية المسبقة التي تحدث عنها راشمون.

ربما آخر مثال هو الحدث والقصة التي تحضرها أنت وصديق ما، فتندهش عندما تراه يرويها بتفاصيل جديدة ومنظور مخالف تماماً، فتقول في سرك، تباً لهُ ما أشد كذبه! كنت معه في نفس الحدث ولم يحصل كل هذا، لماذا يختلق الأكاذيب؟
ليست أكاذيب.. إنهُ تأثير راشمون وحضور عنصر الذاتية. فالحلاق يرى في العالم مجرد شعر، والمصور يراهم كوضعية تصوير، والتاجر يراهم كفرصة لبيع منتجاته.

ولعلَ أهم ما يمكن قوله في الختام، أهمية الحفاظ على «الذاتية» النقية في ظل عالم مشحون بشكل مخيف بكمية مرعبة من الأخبار والمعلومات -غير المفيدة- التي تشوه الذاتية، خصوصاً أن ذلك يشحنها ويجعلها حكماً -غير مباشر- في مواقف تالية ستعيشها في حياتك، فيتأثر معيار حكمك على كل شيء تقريباً.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.