التصنيفات
كتب

بارتلبي النسّاخ.. حكاية إنسان قرب الجدار

ما الذي يدفع بشخص ما إلى سكون رهيب كأنه قبر؟ آمن بارتلبي أن كل شيء في النهاية سيصطدم بـ «الجدار».. الجدار الذي يهدم اللذات؛ الذي لا مفرَ منه أبداً..

تتعدد الروايات والقصص التي تُروى على المسامع، فهناك روائع عالمية قد لا يختلف عليها أحد، كالجريمة والعقاب لديستوفسكي أو قصة مدينتين لتشارلز ديكنز، إلا أن هناك رائعة جديدة تعرفت عليها مؤخراً وأود مشاركتها، وهي حكاية «بارتلبي النساخ الأمريكي» وهي قصة قصيرة من كتابة الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل، الذي عاش في القرن التاسع العاشر، وحضر ذروة الحرب الأهلية الأمريكية.

على الرغم من قلة صفحاتها، تكثف قصة «بارتلبي النساخ» المعنى بشكل صعب البلع، لتشعر بالغصة وأنت تقرأها وتحديداً عندما تصل إلى النهاية وينكشف من الحقائق ما ينكشف.

تحكي القصة حكاية إنسان (لا يحدد هيرمان ميلفيل اسمه لكنه يشير لأنه كان يعمل في في المحكمة الأمريكية). لكن وبعد نهاية وظيفته، يفتتح مكتباً يحمل الرقم 28 في شارع وول ستريت، ويقوم بتوظيف عدد من الأشخاص وإيكال مهمة نسخ الرسائل وإعادة كتابتها إليهم.

تختلف شخصيات الموظفين وفقاً لاختلاف اسمائهم التي ابتكرها هيرمان، فهناك الناسخ تيركي Turkey وهو يشبه تماماً الديك الرومي ذو طبع نزق وبدين نوعاً ما، في حين أن هناك نييبر Nipper الذي يخالفه في الطباع. أما الشاب الأخير فهو البندق Ginger Nut وهو شاب صغير أشبه ما يكون بـ “حويص” المكتب الذي يعملون بهِ.

تنقلب حياة المكتب رأساً على عقب عندما يأتي موظف جديد بعد نشر صاحب العمل لوظيفة شاغرة عنده، وذلك الموظف هو “بارتلبي”.

بارتلبي باختصار يمثل الإنسان الذي يمر بمفهوم انحلال الشخصية أو ما يعرف بالـ Depersonalization. أو كما عبر عنها هيرمان نفسه، كان بارتلبي كحطام سفينة مهجور في ظلام قاع المحيط الأطلسي.. إنسان يمارس عمله بشكل ساكن دون أن يتكلم في ظل أقران ينشطون بالصخب، إنسان يهتم بشؤونه الخاصة، إنسان لا يغادر المكتب، ولا يأكل سوى بضع لقيمات يقمن صلبه.

يتعجب صاحب العمل من سلوك بارتلبي، فمن عادته دائماً بعد نسخ الرسائل أن يُمسك النسخة الأصلية ويقوم بقرائتها بصوتٍ عالٍ حتى يتتبع الناسخ نسخته الجديدة ويرى مدى دقتها. حاول صاحب العمل هذا أن يتعاون مع بارتلبي كي ينقح نسخته لكنه لم يستجيب.

فكان يقول: بارتلبي.. تعالَ كي ندقق النسخة الجديدة.

ليرد بارتلبي: أفضل ألا..

يتعجب صاحب العمل من ردة فعله، فعلى الرغم من مدى دقة ما يفعله وصومه عن الكلام، عدا جملته الشهيرة أفضل ألا I Would Prefer Not To.. إلا أن سلوكه الغريب جعلَه في مرمى النقد.

يحاول صاحب العمل بشتى الطرق استدراجه، لكن النتيجة نفسها.. ليرد بارتلبي دائماً: أفضل ألا..

وفي نهاية القصة؛ تحديداً عند آخر أربع صفحات، ينكشف سر بارتلبي، ولماذا فعلَ ما فعل..

من الواضح في القصة حضور رمزية “الجدار” بشكل كبير، فالمكتب يقع في شارع وول Wall ستريت، وهناك ضمن المكتب جدار يفصل بين غرفة صاحب العمل وغرفة بارتلبي، إضافةً لأن لبارتلبي نافذة تطل على جدار قرميدي كئيب يتألق الضوء الخافت عليه بصعوبة.

كما في نهاية القصة رمزية للجدار أيضاً..

كل هذا يدفع لسؤال لا بد منه.. ما الذي يدفع بشخص ما إلى سكون رهيب كأنه قبر؟ ولعل الحماسة لكشف سر بارتلبي تكمن في أنه إنسان بلا تاريخ، لكنه مجد وهادئ ولا يمكن أن تؤذيه، وهذا حاضر بشدة ضمن عواطف مكتب الناسخ الذي وصف مشاعرهُ بدقة هيرمان ملفيل.

قبل أن أنهي لا بد من القول أنه في داخل كل إنسان بارتلبي صغير، بارتلبي ساكن يقبع وحيداً كآخر عمود لمعبد قديم مهجور.. أحياناً يكون الوصول لحالة بارتلبي تلك قمة الطموح البشري، وأحياناً يكون الهروب منها هو طموحٌ أيضاً. لم يكن بارتلبي لا مبالياً بقدر ما كان يمثل دوامة من الوجود والسكون. كان عاجزاً عن النطق لإدراكه عدم نجاعة الفعل نفسه.

آمن بارتلبي أن كل شيء في النهاية سيصطدم بـ “الجدار”، الجدار الذي يهدم اللذات، الجدار الذي لا مفرَ منه أبداً..

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.