التصنيفات
فكر

لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

يؤرخ عالم هارفرد الشهير «ستيفن بينكر» في كتابه الضخم «الملائكية طبيعتنا» لمسيرة تقدّم المجتمع الإنساني عبر محطات عدّة.

متمحوراً حول عدّة مفاهيم وسياقات.. في سبيل تكثيف فكرة عامة للكتاب ولفلسفته بشكل عام؛ هي أنّ الإنسان أصبح كائناً رقيقاً، وعاد إلى طبيعته الملائكيّة –التوجهات الفلسفية هنا ثلاث، الإنسان كائن شرير بطبعه وهي فلسفة توماس هوبز. الإنسان كائن مُحايد بطبعه أو نظرية الـ «Blank Slate» «Tabula Rasa». والإنسان كائن خير بطبعه-.

«الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان» – توماس هوبز.

ينتصر بينكر للفكرة الأخيرة، خيريّة الإنسان وأننا نعيش في عصر رفاه جداً بالنسبة لجنسه.

وعندما يُسأل عن لماذا كل هذه الكوارث والآلام تحصل في زمننا الحالي؟

يجيب بأنه الانحياز نحو السلبية «Negativity Bias».

وسائل الإعلام في علاقة غرامية مع الأخبار السلبية والسيئة والمقيتة. لأنها هي ما يصنع حدثها وبالتالي يسمح لها بالعمل والاستمرار ولربما النمو!

لو لم يكن هناك أخبار سيئة ما الذي سيقولونه؟ ماذا سيغطون في نشراتهم؟

سيقف أمامك المذيع، أو المذيعة التي غالباً ما تكون حسناء ذات أصول لبنانية لتقول..

اليوم لا يوجد أخبار.. العالم مكان جيد وفي أحسن أحواله. شرقنا الأوسط بخير.

لذلك سنعرض لكم باقة من أغاني فيروز. ولا شيء آخر!

لا يمكن لهذا أن يحدث..

لأن الإعلام ليس هدفه فقط الإعلام.. إنما أن يجعلك تكره حياتك وحياة مَن حولك!

هذا من ناحية العمل في الأوساط الإعلامية، وعلاقتها الغرامية مع السلبية.. أما من زاوية عمل الطبيعة وقوانينها الثابتة، فهناك قصة أخرى..

للألم أهمية كبيرة من الناحية الطبيعية كونه ينبه الإنسان من عاقبة اقتراف الخطأ السابق مرة أخرى.

لنتخيل معاً إنساناً لدغه عقرب في غابة ما.. وفيما بعد نجا من اللدغة.

ومن ثم وبعد مرور سنة، تعرّض للدغة أخرى.. لكنه مات في هذه المرة!

مفهوم الألم في لدغة العقرب الأولى.. ما هو إلا تنبيه وزجر للإنسان من أجل تجنب هكذا حوادث في المستقبل.

لأنه لو لم يكن هناك ألم.. لكانت النتائج حينها كارثية!

أن تكون هكذا خبرات غير مؤلمة، يعني أن العقل لن يحفظها كونها لن تترك فيه ندوباً لأنها لم تكن مؤلمة.. وبالتالي سيكون الناتج كائن مهمل لا يعرف ما هو الصائب وغير الصائب له.

لكن مع وجود الألم، يختلف الأمر كثيراً.. فالاستجابة الألميّة، مهمة جداً على المدى البعيد لعدم تكرار الحماقات.

وحتى الأمور الجيدة المتعلقة بصميم استمرارية الجنس البشري، يُكافئ الإنسان عليها طبيعياً أيضاً بفيض من الدوبامين المتناطح داخل دماغه، ولعل النشوات اللحظية (المادية – الطعامية – الجنسية) تقبع في رأس الهرم لهذا الجانب.

أما السعادة، فهي مفهوم آخر..

السعادة مفهوم نقي.. خفيف.. صامت، وغالباً ما يكون تحصيل حاصل وبدون جلبة، إنما يظهر كخاتمة لمسيرة طويلة كانت قد حدثت، ولذلك عرّف الإغريق القدماء بأن السعادة أو اليودايمونية، هي الحياة وفقاً لنسق الفضيلة والقيم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اللبس الذي يحدث عند الاشتباك بين مفهومي السعادة والمتعة.

المتعة Pleasure هي كيمياء الدماغ.. نشواته اللحظية العابرة. عندما يُتخم بوجبة دسمة مليئة باللحوم.. عندما يمارس الجنس بشراهة.. حينما يشرب الماء بنهم.. عندما يملك المال كما يملك كيم جونغ كوريا الشمالية.. هذه متعة.. أي بهجة الدماغ الكيميائية فقط.

بينما مفهوم السعادة اليودايمونية الفلسفية هو الأكبر والأرقى..

تلك السعادة هي سعادة الرحلة الطويلة.. والتي غالباً ما تكون مرات إحساسها محدودة على طول الحياة المُعاشة.

مثلاً.. عندما تُربي طفلاً وتكبره ليكون إنساناً جيداً وينجح في ذلك وتفخر به، هنا أنت تحصل على السعادة.. سعادة القيمة والرحلة الطويلة الناجعة لا سعادة وجبة الدجاج التي تأكلها!

الاعتقاد بالمتعة Pleasure على أنها نفسها سعادة القيم، اختلاط خطير يُشير إلى تضارب المفاهيم وتوهان الطريق عند صاحبه.

ولربما هذا الاختلاط يكون مقصوداً.

لأن صاحبه يكون مرابطاً سابقاً على ثغور السعادة القيّمة تلك، لكنهُ غدا مرهقاً.. وأعجزه السعي المطوّل وراء ذلك السراب الضائع صعب الوصول، فقرر أن يضرب بها عرض الحائط وينغرس في المتعة..

ليأكل كثيراً…

ويشرب كثيراً..

ويمارس الجنس كثيراً..

ولا ينجب طفلاً كثيراً..

ولا يراه يكبر ليكون إنساناً جيداً كثيراً..

أصحاب المتعة هم نفسهم أصحاب السعادة بعد أن يأسوا وتحطموا..

لا يمكن للسعادة أن تترك ندوباً..

لأنها مفهوم نقي بسيط.. ولأن قوانين الطبيعة تتكاتف ضدها لتنصر تجربة الألم، كونها تحذر الإنسان من تكرار الفعل، فتصب في مصلحته طويلة الأمد، بينما لا تؤثر البهجة كثيراً في ميزان التكيّف، فيهملها العقل البشري..

ولا ننسى أيضاً، الانحياز الإعلامي نحو البؤس.. كونه يصنع الحدث دائماً..

سؤال بسيط..

هل سمعتم يوماً قناة إخباريّة غطت خبراً عن أب يُهدي ابنته هدية في عيد ميلادها؟

في يوم تخرجها؟

في حفل زفافها؟

لا..

لا يغطون سوى خبر الأب المُختل الذي يقتل ابنته..

والأخ الذي «يصون عرضه» بالطريقة الحمقاء التي نعرفها..

وهكذا عناوين رنانة بائسة..

لماذا؟

لأن السعادة لا تترك ندوباً.. ولا تصنع خبراً ولا عنواناً في نشرة أخبار.. ولا تُطعم خبزاً.. ولا تجلب مشاهداً..

السعادة مفهوم بسيط بريء، مُغفّلة جداً في عالم المنفعة هذا.. لدرجة أن الانتباه لا يلتفت إليها ويعرض عنها مُخاصماً.

السعادة شيء جميل..

خير محض.

فكما النُبل الحقيقي يكمن في فعل الأشياء الحميدة دون أن يدري الناس بها كما يقول تولستوي..

فإن السعادة الحقيقية تكمن في القيم الخفيّة بدون جلبة..

هي ليست كالألم.. مفهوم طبيعي مِن الواجب وجوده لتحذير الإنسان من تكرار الحماقة مرة أخرى في المستقبل.

السعادة مفهوم نبيل..

مفهوم بسيط حد السذاجة..

تستحي من أن تؤذي صاحبها..

لهذا هي لا تترك ندوباً..

التصنيفات
ساخر

دودة الربيع أتت!

يختلف الكثيرون في كونهم “شتويون” أم “صيفيون”.. إلا أن كلاهما يتفقان على محبة فصل الربيع.. المحطة المفصلية ما بين برود الشتاء الكئيبة وسطوة شمس الصيف الحارقة بما تحمله من لزوجة وتعرّق، والكثير من استخدام الريكسونا..

وكما قالت القصيدة المدرسية..

يا ثلج قد هيجت أشجاني..

ذكرتني أهلي وأوطاني..

بالله قل عني لجيراني!

يُبدع البحتري في التهليل للفصل الجديد قائلاً..

أتاك الربيع الطلق يختال ضاحكاً.. مِن الحسن حتى كاد أن يتكلما!

ففصل الربيع فصل مُفعم بالطاقة..

ولو أردنا تشبيهه لرجل ما، فهو أقرب ما يكون لشاب وسيم فارع الطول مُقبل على الحياة.. يُمكن أن يكون قريباً من «جوني برافو» صاحب العضلات المفتولة المغرور.

أما الشتاء، فهو بدون جدال عجوز كئيب لكنه يملك الكثير من الحكمة والهدوء.

مناسبة هذا الترحيب..

دودة الربيع اللطيفة التي استوقفتني أثناء مروري من أحد الحدائق..

كان شكلها مُبهراً كما في الصورة التي أخذتها.

هذه الفراشة التي ما تزال في مرحلة سابقة لمرحلة الإزهار النهائي.

كائن رقيق في منتهى الجمال..

عكساً ربما من الكائنات الأخرى التي يتفق الجميع على بغضها، كالصراصير والجراد وتلك التي تُسمى “أم علي”.. لا أعرف ما اسمها صراحةً. يُقال لها فقط أم علي 🙂 .

وهذا ما يذكرنا بالمدرسة العجيبة المتبعة في التسميات ها هنا. فمحارم الكلينكس -مناديل ورقية- تحورت لتصبح محارم تينكس.. وهي في الحقيقة محارم ورقية فقط. لا كلينكس ولا تينكس.. كلينكس هو فقط اسم الشركة الأولى التي انتجت هذا المنتج!

نفس الأمر مع ظرف الـ Baking Powder الذي تحوّر بطريقة ميلودراميّة ليصبح تراتيب لغوية جديدة.

فالأمر لا يقتصر على تسمية الحشرات كما هو واضح، إنما مدرسة لغوية قائمة بحد ذاتها..

عودةً للربيع.. يُقال أنّ الفراشة هي الكائن الأجمل الذي اتفق عليه الجميع.. وذلك لسبب بسيط.. لأنها جميلة وهذا أولاً، ولأنها هادئة وصامتة وهذا هو الثاني الأهم!

الفراشة هادئة جداً.. بلا صوت.. بلا شوشرة.. بلا ضجة.. بلا أي شيء.

فقط جمال.. جمال يتحرك بخفة وبدون جلبة.

وبما أن الانقلاب الربيعي حدث قبل عدة أيام، أي 21 من آذار.. فلا بد لهذه الدودة أن تظهر لتبدأ دورة حياتها السنوية بالعمل..

هناك عديد من الحشرات الأخرى اللطيفة التي تظهر الآن.. منها صندوق النبي الذي لا أعرف ما هو اسمه الحقيقي أيضاً.

تلك الدعسوقة ذات الصندوق الأحمر ذو النقط السوداء.

أيضاً تظهر في هذا الفصل وتبدأ دورة نضالها وتشمّر عن ساعدها لتعمل.

فها قد أتانا الربيع يختال ضاحكاً مع كتائب من الفراشات الجميلة والحُسن.. لعلنا نستشعر شيئاً من جماله وحسنه في عالم باتت الحالة المعاكسة فيه هي سيدة المشهد..

التصنيفات
ساخر

العلاقة ما بين فيروس كورونا والكبة المشويّة

لدى كل كائن حي ميزة حيوية تساعده على التماهي ضمن بيئته والنجاح، ليحقق نموذجاً عالياً من التكيف.

فالأخطبوط لديه حبر يؤذي بهِ عيون المفترسات..

والفهود تملك سرعات عالية..

وللأسد قوة عضلية وفكيّة تساعده في الإطباق على القصبة الهوائية للطريدة..

والحرباء تتلون حسب خلفيّة جلوسها..

وهلم جراً..

بينما الإنسان.. وكونهُ المتربع الأوحد على عرش السيادة في شجرة الحياة.. فإنه يملك ميزة عتيدة مثيرة للجدل، ساعدته في بلوغ منصبه هذا.. وهي ما يعرف بالعقل.

إن أردنا تهديد نظام العقل عند الإنسان، فلا بد من الانطلاق من تسميته نفسها!

كلمة العقل فضفاضة جداً وتحوي على مضمون أوسع من ماهيتها الحقيقية.

توضيح هام: الكلام هنا عن السائد اجتماعياً عند استخدام لفظة العقل، وليس المعنى الفلسفي الحقيقي للكلمة.

بمعنى..

عواطف الإنسان.. مشاعره.. حاجاته.. لذته الطعامية.. نشوته الجنسية.. الخ. هي أمور مُدركة بمجسات الدماغ نفسه، ويتبناها شخصياً!

لذلك، تنحية العواطف والغرائز، ووضعها في مقابلة ومعاكسة للدماغ والعقل أمر غير حقيقي. لأن جميع هذه السوابق تُدرك فيه أساساً!

منذ متى يشبع الإنسان في قلبه!

ويحب في معدته!

منذ متى يطرب الدماغ بأغنية عن طريق أذنه!

منذ متى يمارس الإنسان الـ */##$#$ عن طريق $%#$$%؟

هذه أمور تدركها الحواس نعم، فيعتقد صاحبها أن الحواس هي مَن يفسرها. وهذا خاطئ. الحواس مُجرد ناقل.. في النهاية كله ينتهي بالدماغ ويفسره العقل.

إذ هو مصدر الأشياء العقلانية وغير العقلانية كالعواطف والمشاعر والحاجات وغيرها..

فهو أشبه ما يكون بالصندوق الأسود في الطائرة..

توجد فيه الحصيلة الجامعة لكل العمليات الحيوية التي تجري على اختلاف تفسيراتها النهائية..

المشكلة التي يعانيها الإنسان الحديث..

أن تاريخ إنتاج هذا الصندوق وتصنيعه بات يعتبر غير متوافق مع تاريخ وطبيعة حياتنا الجارية شديدة التعقيد والتداخل في وقتنا الحالي..

فمثلاً..

ما هو سبب الخوف غير المُبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب؟ رغم أن طبيعة الإنسان المدني الذي يعيش في مدن حديثة جعلت من هذه المخاوف صعبة الحدوث والتحقق!

وعلى العكس، الخوف من الارتطام بسيارة والموت بحادث سير أكثر احتمالاً من مواجهة عقرب فضلاً عن دلغته!

لماذا ما يزال دماغ الإنسان يخاف؟

السبب هو اختلاف تواريخ إنتاج كل منها..

لا يزال يعتمد الدماغ المحمول بين أكتافنا الأساليب القديمة التي عانى منها إنسان العصور الماضية..

وارتماء الإنسان الحديث في أحضان المدنية والتطور الحضري خلال آخر 3 آلاف سنة لا يعد أبداً فترة كافية لإحداث تغييرات جذرية في الدماغ.

ولهذا نجد مثلاً أن أكثر المناطق راحةً نفسيةً للإنسان هي الطبيعة.

لماذا؟

لأن عقولنا تحن لتلك البيئة القديمة التي اعتادت وألفت عليها.. أما جدران الاسمنت وزفت الأراضين والزجاج وغيرها من الأبنية الرتيبة، تمثل بيئة جديدة غير مريحة خانقة للعقل.. وإن أردت التأكد يكفي أن تسأل عن مدى الإحباط والملل والاكتئاب لمَن يقضي طول يومه في المنزل دون أن يخرج..

الحصار ضمن جدران منازل العالم الحديث بشع جداً..

فالدماغ ما يزال قديماً، ولم يعتد على إدراك سرعة القفزة الـ «بربرية-حضارية» التي نفذها الإنسان مؤخراً.

من الأمثلة الحصرية الجديدة أيضاً هي فيروس كورونا..

لا يعتقد عقل الإنسان أن بإمكانه أن يُضر من قبل شيء غير مرئي! شيء لا تدركه الأبصار بل المجاهر الإلكترونية فقط.

أما مثلاً لو واجه دب أو حيوان ما مفترس في الطريق سيجري دون أن يلوي..

والسبب نفسه..

لم يعتد دماغ الإنسان بعد على التهديد الطبيعي الفيروسي الجديد الذي ظهر في الفترة الأخيرة من عمر البشرية.. رغم أن فكرة الوباء قديمة وحصلت مرات عديدة، لكن التفسيرات المنصرمة لها كانت لا تتعدى حدود الفلسفات والخوارقيات الدينية والعذابات الإلهية..

الآن الزمن تغيير..

لكن عقل الإنسان لم يفعل..!

فادعاء الإنسان العقلانية والإيمان بـ “العقلانية” يكون في غالب الأحيان ادعاء مبالغ به كثيراً..

لأن نظام العقل نفسه يحتوي كماً كبيراً من الأشياء غير العقلانية.. فالحب والجوع والعطش والشبق، كلها تتراكب في الدماغ وتصب فيه ويفسرها هو.

ربما الصفة الأكثر دقة لمن يريد أن يكون عقلاني ليس صفة عقلاني بل منطقي.. أي أنه يعمل وفق نظام المنطق في العقل، وليس العقل كله.

أخيراً..

للعقل علاقة أيضاً مع الكبة المشوية، كونهُ لا يرى فيها خطراً مُحدقاً مثل فيروس كورونا.

تهالك الأوعية الدموية عند الإنسان مع مرور الزمن والتدخين والنظام الصحي السيء سيؤدي في النهاية إلى الموت بأمراض القلب وتوابعها.

وفي قائمة الأنظمة الصحية المسببة لهذا هي الدهنيات، والكبة المشوية تعد إحدى آلهة الدهنيات في هذا السياق.

لماذا لا يخاف دماغ الإنسان من قرص الكبة المشوية ويعتبره خطراً مثل العقرب الذي لم يعد موجوداً في طور المدنية الحديث؟

نفس سبب عدم خوفه من السيارة أو الفيروسات غير المرئية.

لم يستوعب التكيف البشري بعد القفزة الحضرية التي حصلت خلال الـ 3 آلاف سنة الماضية.

فما تزال مخاوفنا هي مخاوف الإنسان القديم لا الحديث، وما تزال محفزاتنا هي تلك القديمة ذاتها.

فالعقلاني كوصف على الإنسان الرياضي الذي لا يحيد عن المنهج التجريبي المنطقي هو وصف خاطئ.. لأنه العقل يفيض بكل شيء وليس فقط معادلات الدرجة الثانية وحواصل الجمع والطرح..

التصنيفات
عام

عندما يموت أحدهم في هذا الزمن

هناك خياران..

إما أن يكون من «جماعتنا».. إنساناً طيباً خيراً نرى فيه الصدق والإخلاص.. فنحزن عليه ليكون الألم هو سيد الموقف.

أو.. أن يكون مَن يموت مُخالفٌ لنا وليس من طرازنا وعلى نفس أهواءنا..

ولأبالغ في التوجّه أكثر.. سأقول أنّه عدونا أيضاً!

ما المتوقع حدوثه؟

لا شيء..

لأن موت الأشرار -وفقاً لمَن يعتقد أنهم أشرار- سيكون دليلاً على هيبة تحقق العدّل في هذه الدنيا.. في هذه الحياة الأرضية البائسة.

ليس هناك سوى هذان الخياران..

عندما نخسر الطيبين نحزن عليهم.. وعندما نخسر الأشرار نستشعر هيبة الموت عندما يحقق عدلهُ فيهم!

هذا الكلام لا يعيه مَن يؤمن بمفاهيم من نمط “فطس / هلك / نفق”.. إلخ. من هذه المصطلحات التي تدل على هبوط في سلم الضمير بضع درجات نحو الأسفل..

الأمر مُتعلّق بمدى أخلاقية كل فرد وكيف ينظر للإنسان الآخر بوصفهِ إنساناً قبل أن يختلف مع ذلك الإنسان من أصله!

لو هناك أمنية ينبغي أن ننشدها جميعاً ونرجو تحقيقها، فهي أن تمنحنا الأيام خصماً شريفاً.

خصماً يمتلك أدنى مقومات النزاهة في المقارعة والمجادلة..

يكاد يكون الخصم الشريف رفاهية وترف في زمن وسائل التواصل هذا..

قبل أن أختم هذه التدوينة السريعة المستعجلة أريد أن أقول وأوضح أن الشر و”الناس السيئين” مفهوم نسبي يعتمد على نقطة تمركز صاحبه الفكرية..

بمعنى..

الأشرار الذين تعتقد أنهم أشرار.. لا يعتقدون هم أنفسهم أنهم أشرار، بل يمارسون الخير ويسعون لتحقيقه مثلما تفعل أنت تماماً. نادراً ما يكون هناك إنسان يعي الشر ويعرف أنه شر ويقوم بفعله!

حتى النازية نفسها كانت فكرة لتحسين الجنس البشري.. فهي بعيون روّادها فكرة جيدة تهدف لتطوير البشرية لا إبادتها.

فالسوء وجهة نظر.. تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية واللسان المحكي والقالب الفكري المتبع.

فهدئ من روعك يا صديق.. وكفى كسراً في عظام الموتى..

التصنيفات
عام

كلمة الشيطان الأخيرة!

ولو كانت الدنيا جزاءً لمحسنٍ.. ما سقى الله فيها شربة ماءٍ لظالمِ..

فلقد جاع فيها الأنبياء كرامةً.. وقد شبعت بها بطون البهائمِ!

أحياناً.. وبدافع فقدان الأمل والعجز عن العمل.. يتخلى الإنسان عن أبطال عالمه المُعاصر -إن وجدوا- وينسحب إلى رموزه القدامى..

لكثرةٍ في المسوخ المُشاهدة أو لحنينٍ إلى ماضٍ قديمٍ سحيق..

ينسحب الإنسان ويعود إلى الوراء..

وعندما نعود للماضي وأهرامه الكبرى.. لا بد أن نذكر أنبياءنا؛ أشقاء إبراهيم وإخوته وأولاده..

تميّز الابراهيميون عن غيرهم بالبعد الإنساني الكبير في شخصية النبي..

عكس الإغريق المتفلسفين والفراعنة القدماء والبابليون تحت أشعة الشمس.. الذين يمنحون أنبيائهم وآلهتهم صفات خارقة للطبيعة.. يركز الإبراهيميون على البعد الإنساني.. على الجانب البشري في شخصية النبي..

فذلك كان تاجراً، وهذا كان راعياً.. والآخر خياطاً..

ولا ننسى صاحب الحوت.. الذي خرج مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات!

مزّقت المُصاب فؤاد أيوب..

أعمى الحنين عيون يعقوب..

أكلت جدران البئر الباردة جلد النبي يوسف..

أما زكريا فقد قُسِم وهو مختبأ داخل الشجرة..

لم يهنئ أحداً منهم..

جميعهم حُوربوا.. فحاربوا!

وقفوا ضد أهليهم وزوجاتهم وأولادهم.. ولعل في قصة نبينا محمد وعمه أبو طالب الذي رباه خير دليل على ذلك..

كان محمد يبكي كثيراً على عمه.. لكنه لم يؤمن!

لماذا يا عمي لماذا؟ لماذا لا تقولها وتُريحني؟ لماذا لا تؤمن يا عمي لماذا؟

لم يستطع أبو طالب أن يؤمن.. ولم يستطع محمد أن ينقذ عمه..

كل هذا في سبيل ماذا؟

في سبيل عالم قادم! في سبيل أشياء يتكفل الزمن بتحقيقها ولا يمكن إفهام الناس حينها بها.

لا يمكن ذلك..

آمن يا عمي.. آمن.. ليتك آمنت يا عمي.. ليتك قلتها..

ننسحب إلى الماضي لنرى ما فعله هؤلاء الأبطال في “دنياهم” لنجدهم بشكل شبه جماعي إما مهاجرون أو مطاردون، أو وسطهم الاجتماعي حاقد عليهم..

لم يكن نبياً ما مُرتاحاً..

أبدع الإغريق في صناعة الآلهة والأنبياء الخارقين.. بينما الإبراهيميون -وهذا سر انتشارهم العالمي- أن أنبيائهم كانوا أناساً عاديين..

وربما العكس، كانت متاعبهم أكبر بكثير من الناس العاديين حتى..

لا يوجد نبي جاءه الوحي في فندق خمس نجوم، وبلغه لقومه، فاستشعروا السعادة وآمنوا وانتهت الحكاية بشكل جميل!

لا يمكن.. ولو أنه جميل كسيناريو خيالي تمليه مخيّلة الإنسان الحالم رغبةً في عالم مثالي جميل بلا صدام.. لكن الإنسان ليس هكذا..

الإنسان يصطدم.. الإنسان بحاجة للقرقعة كي يصنع طحيناً..

بحاجة لأن يؤلم كسر البيض في حال أراد صناعة العجة..

في مقابل كل إنجاز هناك تضحية.. وفي مقابل كل تضحية عديدٌ من الآلام تحصل!

لكنها تبقى في إطار عام لما يمكن تسميته بتركيب “الحياة الدنيا”.

هناك حياتان.. تلتهمنا كحيتان!

ربما لم يعد الكثير يؤمنون بهم.. لكنهما موجودتان سواءً كموضوع قائم بذاته أو في عقول المؤمنين بهم فقط.. موجودتان كـ “حديث” تاريخي، بغض النظر عن وجودهم كـ “حدث” تاريخي أم لا..

هناك حياتان.

الأولى..

تلك التي تبدأ ليلة خميس عندما تلتقي نطفة عمياء مع بويضة ثقيلة الظل فتتمسك بها كأنها أسطوانة أوكسجين أخيرة في مستشفى يطفح بمرضى الربو وكورونا، في قرية نائية لا يعبأ بها أحد..

هذه الحياة..

التي تبدأ بعويل وتنتهي بعويل..

أصر جميع كبار العقول في فلك التاريخ على تسميتها بالدنيا أو شيء ما قريب من هذا اللفظ. نظراً لدنوها وانحطاطها ومدى قربها من تراب الأرض.

ثم أتت النظرية الطبيعية لتؤكد ذلك أيضاً..

وها هو تشارلز داروين يُقر بالأصل الحيواني للإنسان.. ليتلقى الكائن المغرور جرحاً في صميم نرجسيته المضخمة.

حيوان؟

هناك نسب مع القرد؟

لا فرق سوى بعض الوظائف الدماغية المتطورة؟

دائماً ما كنت أعتقد أن المشكلة مع التطور لم تكن يوماً مع الأصل الحيواني بقدر ما هي النرجسية البشرية نفسها!

بمعنى..

لو كان التطور يقول أنّ للإنسان نسب مشترك مع الفهود والنمور والأسود لما اعترض الكائن العاقل كثيراً بل العكس ربما فرح!

فهو لو أراد أن يمتدح شجاعة أحد لقال أنهُ كالأسد!

المشكلة هي مع القرد..

المشكلة أن الإنسان النرجسي المغرور لا يعجبه القرد.. وكأنه يقول لتشارلز داروين: يا رجل أما وجدت كائناً آخر أفضل من القرد تنسبني إليه!

عدا ذلك.. فإن الدين نفسه يقر بالأصل الحيواني للإنسان أو لنسميه الأصل الأرضي للإنسان!

إذ غالباً ما يصف الإنسان بصفات سلبية.. وأنه كائن بحاجة لأن يتبع طريقاً معيناً حتى ينجو..

وهذا جوهر فكرة “الاستخلاف” الإلهي في الأرض.

غير ذلك.. سيكون مجرد فرد في سلسلة طبيعية تتصارع من أجل البقاء على هذه الأرض..

فرد يلهيه التكاثر حتى يزور المقابر!

فرد إذا أنعم الله عليه نأى بجانبهِ! وإذا مسه الشر فهو ذو دعاءٍ عريض!

هذه الحياة هي “الدنيا”.. هي السفلى.. هي الواطئة..

اسمها واضح.. وعنوانها واضح.. وطبيعتها واضحة.. ومَن يربح فيها واضح.. نفسهم في كل عصر وزمان ومكان..

دائماً كانوا نفسهم..

التغييرات فقط في أسمائهم.. وأشكالهم.. والشعارات التي يرفعونها.. بينما هم نفسهم.. يركبون دوائر التاريخ نفسها.. ينتظمون في صفوف الشر ذاتها..

إننا نعرفهم.. ونعرف أشكالهم وألوانهم وأسماء سياراتهم ولوحاتها..

يملؤون الدنيا ظلماً وجورا.. كما يملأها من يقف قبالتهم قسطاً وعدلا..

ليربحوا مرة.. ويخسروا مرات..

هذه هي الدنيا.. متخمةً بهم، وهم متخمون بها!

أما شقيقتها الأخرى المجهولة.. البعيدة القريبة..

فهي الحياة الآخرة..

دار النهاية..

دار الخلود..

مكان تصحيح ورقة الامتحان..

غرفة المدير..

الدار التي لم يؤمن بها الكثير.. ويعولون في ذلك على خوف مَن يؤمن بها..

تؤمن بالآخرة؟ ألا تعلم أن الآخرة هي اختراع بشري لمداراة خوف الإنسان من العدم.. ألا تعلمون هذا يا أيها البسطاء!

هكذا يقولون.. وهكذا يرفضون الحياة الآخرة.. فإن كانت الدنيا هي المنطلق.. فإن الآخرة هي المستقر..

إن أردنا نقد الكلام السابق فيما يتعلق بخوف الإنسان فهو بسيط..

وهو موافقته!

نعم أنا خائف.. ماذا يعني؟

خوف الإنسان لا يعني أن ما يتبناه غير صحيح.. على العكس، خوف الإنسان هو مصداق صحتهِ.

فخوف الأم عند مرض طفلها لم يكن يوماً ما مصداقاً لعدم وجود حبها له!

خوف الإنسان من أن تكون هذه الحياة الواطئة هي كل شيء مصداق وجود الآخرة..

الإيمان بنقص الإنسان وخوفه وعدم كماله هو عين قوته.. لأن ادعاء العكس يتعارض مع قوانين الطبيعة نفسها قبل معارضة قوانين السماء!

لا سيما أن التاريخ يخبرنا أن قوائم الأمم الكبرى والحضارات ودفع عجلة التاريخ نحو الأمام كانت مليئة بأسماء هؤلاء “الخائفين”!

غريب جداً..

كيف هؤلاء الخائفون يحركون الدنيا ويموتون أكثر من غيرهم؟

بينما أولئك الأقوياء غير الخائفين نجدهم أحرص الناس على حياة!

كان أحد العجائز من أصحاب اللحى البيضاء؛ أولئك الرجال الصالحين الأتقياء.. يرد بجوابٍ على سؤال..

لماذا الناس تكره الآخرة؟ حتى أولئك الذين يؤمنون بها؟ لم يرفضون العبور ويستصعبونه..

كانت الإجابة..

لأنهم يذهبون من دار العمران إلى دار الخراب خاصتهم..

لأنهم يعلمون أن تلك الدار “غير عامرة”.. كونهم لم يفعلوا شيئاً في حياتهم من أجلها..

لهذا يرفضون..

لأنهم يعرفون أنهم سيتركون المكان العامر، لذلك المكان الخرب الذين تناسوا بنائه..

أما بالنسبة لمن لم يؤمن بها أصلاً وليس من استصعب عبورها..

فلربما الدماغ وآلية عمله هو من يقف حائلاً أمام ذلك..

هناك آلية دماغية دفاعية تسمى التحجير أو التغريف “Compartmentalization”.

هذه الآلية يمكن تشبيهها لبناء غرف داخل الدماغ من أجل حفظ المعلومات المهمة المرتبطة ببعضها البعض..

مثال..

والدك أسمه أحمد.. شكله كذا طوله كذا..

رباك لمدة 40 سنة..

عشت معه غالبية لحظات حياتك..

هذه كلها معلومات عصبية مخزنة في الدماغ ومرتبطة مع بعضها البعض..

لنفترض أن أحمد لم يكن والدك..

وبعد مرور سنين سحيقة أتى أحدهم وقال لك وأثبت ذلك بالدليل القاطع.

الجواب ورد الفعل منك سيكون الرفض..

ليس لأنك ترفض ذلك.. بل لأن دماغك يرفض!

تلك المعلومات المرتبطة ببعضها بشدة عن الوالد أحمد وكيف عاش معه مختلف لحظات حياته تكون متواجدة داخل الدماغ بما يشبه الغرف والحجر.. مُحاطة بسور عتيد. كونها ذات ارتباط وثيق مع بعضها.

في حال تعرض هذه النظام العصبي لخطر، الدماغ نفسه يحارب المسبب لكي يحمي الدماغ نفسه من الانهيار!

لأن تلك الحقيقة -أن أحمد ليس والده- قد تتسبب بتغييرات عنيفة داخل الدماغ على النطاق العصبي، هذه التغييرات لا تتطلب فقط “خروج من منطقة الراحة” إنما أشبه ما يمكن وصفه بضرب قنبلة نووية داخل منطقة الراحة!

لذلك يختصر الطريق من أوله ويكون الحل الأفضل هو الإنكار والغضب والرفض..

أعتقد أن الحياة الآخرة كذلك.. ومن لا يؤمن بها ذات الأمر..

لأن مجرد وجودها تهديد لغرف دماغية بنيت على نظام مخالف..

بنيت على أنه لا يوجد شيء.. وأن العدم سيبتلعنا، ومن نجى من الدنيا الواطئة نجى ومن ربح ربح ومن مات ومات..

وفي النهاية نموت ونحيا ولا يهلكنا سوى الدهر!

كل هذا يهدد تلك الغرف..

ليطفو سؤالاً على السطح..

ماذا لو كنت أنا المخطئ؟

لا أحد يعلم الجواب إلا صاحبه..

وما بين الدنيا والآخرة.. أمم وحضارات وأديان وتقاليد وقوميات.. وتاريخ مليء بالأفراح والأتراح..

قصص عظيمة رويت.. وأخرى تنتظر دورها في سيناريوهات المؤلف..

لكن إلى ذلك الحين..

حين تأتي بعض آيات ربك.. لا ينفع نفس إيمانها كانت قد آمنت من قبل..

تنزل تلك الآية ذاتها..

الآية التي خاطبت محمد في مشهد احتضار عمه الذي أحبه ورعاه بعد وفاة أبيه.. لكنه لم يقولها.. لم يؤمن..

لتقول لهُ: “إنك لا تهدي من أحببت”..

أما لنا فقد قالت شيئاً آخراً إضافياً..

قالت..

هذه حياتكم الدنيا.. حياتكم الواطئة.. رديئة الجودة.. منتهية الصلاحية..

لا تتوقعوا الكثير منها.. عيشوها نعم.. كونوا جيدين فيها نعم.. تعلموا وساهموا في إفادة البشرية من حولكم، نعم..  لكن لا تتوقعوا فيها الكثير.. فلو كانت هي المركز لما سقى الله فيها شربة ماءً لظالم!

لتقول لنا تلك الآية..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لا نهدي من أحببنا..

أننا في هذا الدنيا الواطئة لن نمنع أصدقائنا من السفر ولن ننجح في إقناع المطارات بعدم أخذهم..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لن نحمي المقربين من أن يموتوا.. ولن نمنع من كرهنا من ألا يموتوا.. أن يعمروا طويلاً طويلا..

لتقول لنا أن العدل الذي سعينا قد لا يحدث..

وأن الحب الذي نشدنا قد لا يكون..

وأن للقدر مشيئة أخرى.. وتلك هي ركيزة الإيمان.. أن تؤمن بالقدر.. خيره وشره..

هذه دنياكم..

الدنيا التي رفضت الأديان محبتها كثيراً كونها “لعب ولهو وزينة مفرقعة.. وتكاثر بالبنين وتفاخر بالأموال”..

الدنيا التي رفضت الطبيعة منحها سمة سوى أنها “حيوانية” يعتريها التطاحن العنيف لأجل البقاء..

الدنيا التي وصف حضارتها التي هي ذروة سنامها، عقل ويل ديورانت الفذ بأنها مجرد “قشرة رقيقة من المدنية” على بركان هائل من البربرية الحيوانية..

الدنيا التي تفتح التلفاز ووسائل الاخبار لترى شيئاً من أخبارها فتطرح على نفسك سؤالاً: لم كل هذا السوء؟ لم كل هذا يحدث؟

إن كانت الدنيا هي الوحيدة الموجودة في تصورك للوجود، فيا ويل الإجابة التي ستخطر على بالك حينها..

أما إن كنت من أصحاب الإيمان.. فستعلم أنها مجرد بوابة، اختبار سريع انتقائي يهدف لفرز بعض الناس لا أكثر..

والجميل في هذا الاختبار..

أن حتى اللادينيون يؤمنون به..

لكن مع رفض عنصر “الدسم الإلهي” ووجود صاحب اختبار -راجع فكرة التغريف في الأعلى- بل يؤمنون أن الحياة محاكاة وأنها أشبه ما تكون بمسلسل “WestWorld” أو نيو في ثلاثية الماتريكس..

في مرحلة ما سيُسحب القابس من رأسه ويستيقظ من الحلم!

حينها سيرى الحقيقة..

ليكون بصره اليوم حديد!

إنهم يقفزون للإيمان كما نقفز نحن تماماً..

الفرق أنهم لا يحبذون وجود العنصر الإلهي، كونه يترتب عليه تغييرات دماغية كبرى.. وما ادعاء العقلانية في هكذا محاكاة ميتافيزيقة إلا الآلية الدماغية التحجيرية السابقة ذاتها! كونها تتطلب منهم إعادة هيكلة مرعبة.. فيعكفون..

لماذا هذا؟

ما الهدف من الاختبار؟ لماذا كل هذا يجري؟

لا يمكن الإجابة..

لو تمكّن الإنسان من الإجابات لحصل على العلم الكامل.. وأغلقت الفجوة بينه وبين الإله.. فأصبح إلهاً ونُزعت منه رخصة الإنسانية..

إنها الدنيا..

ساحة اللعب ورقعة الشطرنج التي حلف فيها الشيطان وتوعد بعزة الله أن يغوينا أجمعين..

وها هو يأتينا كما قال..

من بين أيدينا..

ومن خلفنا..

وعن شمائلنا..

وعن أيماننا..

ذلك إلى يوم يبعثون..

إلى النهاية..

فإما أن نسقط فيها وندنو منها.. فننحط.. ويربح الشيطان..

أو نرتفع.. ليخسر صاحب القرنين..

يمكن أن تعيش فيها بقوة.. وأن تكون جيداً.. وأن تحترم القوانين.. وتساعد العجائز في عبور الطرقات..

لكن تذكر دائماً غرابتها.. ولا يُلهيك الأمل..

وهذا ليس سلوك نبوياً دينياً فحسب.. بل سلوك أصحاب المعارف العليا كلهم..

بدءاً من الامبراطور العظيم أوريليوس.. وحتى العبد الحالم ابيكتيتوس..

جمعتهم فلسفة واحدة.. هي الرواقية..

وفرقتهم حالات اجتماعية لم يؤمنوا بها بل تعالوا عليها!

فحفظ التاريخ كلاهما..

فذاك عبد وهذا إمبراطور.. لكنهما في ميزان التاريخ سيان!

وليس انتهاءً بفيتغنشتاين الذي خطّ كتابه عن اليقين في خندق الحرب العالمية.. مروراً بتولستوي صاحب الأراضي التي باعها ليساعد الفقراء ويموت في النهاية على سكة القطار بعد أن أصبح “على الحديدة” قولاً وفعلاً!

إنها الدنيا..

لن يحدث فيها ما أحببت ولا مع من أحببت..

أعوام الحزن ستكون كثيرة..

أبو طالب سيموت أكثر من مرة ولن يستطيع محمداً في داخلك أن ينقذه!

فاحرص على تذكر أنك لا تهدي مَن تشاء!

دار الخراب..

لو كانت جزاءً لمحسنٍ لما سقى الله منها شربة ماء لظالم.

لكن الأنبياء..

والعباقرة..

وأولو العزم..

وأصحاب الفكر..

جاعوا.. وحزنوا.. ولم يسعدوا..

كل هذا تكرماً..

لأن مَن سيشبع -ليس من سيأكل- هو ذلك الذي وقع في فخ الشيطان.. فدنا وتدنى.

وخسر رهاناً كبيراً في مواجهة خصم قديم..

خصم رفض السجود للإنسان بدافع الكبر..

خصم لم يحبنا ولم نحبه..

خصم في النهاية لن يقول سوى جملة واحدة عندما تكون الحسرة قد وقعت، معلنةً انتهاء اللعبة لتبدأ شارة النهاية بالظهور..

سيقول:

ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!

التصنيفات
ساخر

نظرية نشوء الخلية الأولى من حلاوة الجبن

لا تُعد ولا تحصى تلك الثنائيات التي تتصارع.. ابتداءً بالموجب والسالب.. الأعلى والأدنى.. ما هو فوق وما هو تحت.. مَن مع ومَن ضد.. مشجعو برشلونة ومشجعو ريال مدريد..

وليس انتهاءً بيمين أو يسار.. ملحد أو مؤمن.. وهلم جراً..

لا تسلم المدن والبلدان مِن هذه الثنائيات أيضاً، لا سيما تلك التي تظهر وكأنها نقيض جارتها أو على خلاف وسوء فهم معها..

وكوننا وضعنا حلاوة الجبن في العنوان.. فلا بد مِن الحديث عن جمهور الكرامة والطليعة الذين لطالما أحبوا بعضهم كثيراً في مدرجات الملاعب.. ليكون الاختلاف بين مدينتين جميلتين، حمص وحماة..

لنتتبع حينها لمن تعود ملكية حلاوة الجبن، وكيف نشأت الخلية الحية والقطعة الأولى منها؟

مع وقفة محايدة، وتجرّد مِن خلفيتي الحموية ووضعها على الجانب.. يمكن القول بحزم أنّ حلاوة الجبن حموية حتى الصميم والنخاع.. وهذا لسببين اثنين، أولهم..

أن القول بالنقيض «أن حلاوة الجبن حمصية» كالقول أنّ جزر القمر دولة نووية!

كيف؟

عندما نُريد أن نثبت أن دولة ما نووية يجب أن يكون هناك مفاعلات نووية.. يجب أن يكون هناك تخصيب يورانيوم.. يجب أن يكون هناك بلوتونيوم… الخ.

عندما ننظر إلى حمص الجميلة، لا نجد فيها البنية الخصبة لتأسيس مفاعلات حلاوة الجبن ونشوء الخلية الأولى منها لو أردنا استعارة مُفردات البيولوجيا..

بمعنى أبسط.. لا يوجد فيها الكثير مِن «حيتان الحلويات» كما هو موجود في مدينة حماة.. فحماة أساساً هي مدينة الحلويات، لا سيما تلك البسيطة منها. إضافةً لكون حماة نفسها مدينة شعبية.. ومَن يعرف المدينتين حقاً، يرى بوضوح الفرق بين شعبية حماة وبين هدوء و«كلاسيّة Classy» مدينة حمص.

فالنقطة الأولى لصالح حماة كونها مدينة حلويات أولاً، ومدينة شعبية ثانياً.

وكما قلت منذ قليل.. القول بحمصية حلاوة الجبن، كادعاء امتلاك سلاح نووي دون وجود مفاعلات وبنية مهيئة لذلك..

أين الحلويات في حمص؟

يوجد طبعاً، لكن ليس بمقدار تلك الحموية التي تعدك بإصابتك بمرض السكري من القطعة الأولى، وتساهم بشكل غير مُباشر في تدمير شريانك الرئوي.

أما السبب الثاني، وهو الحاسم في حموية حلاوة الجبن.. فهو الشق الثاني مِن اسمها.. أي “الجبن”!

حماة مدينة أجبان وألبان.. ولو لديك صديق حموي، فلا بد أنه سيهديك في مرحلة ما من مراحل دورة حياته العظيمة “ربعية” أو “نصية” لبن، ولربما يُحبك كثيراً فيهديك “تنكة” جبن أيضاً.

فكما هو متعارف عليه أن هناك جبن عكاوي، وفرنسي.. هناك أيضاً جبن حموي.

فهي شهيرة به. وأعرف الكثير من الأشخاص الذي يعملون في هذا الجانب كعمل رديف لهم في موسمه لتحصيل دخل إضافي في كل سنة.. عندما تأتي فترة “المونة” ويزداد الطلب على مشتقات الأجبان هذه.

فحماة ليست مدينة حلويات فقط، وإنما مدينة أجبان ومشتقاتها. وبالتالي يصبح لدينا هنا نقطتان لصالح حماة في دعم النظرية القائلة بنشوء الخلية الأولى من حلاوة الجبن فيها.

إذاً، ماذا تبقى لحمص؟

ما بقي موجود في موقع ويكيبيديا في سياق حديثهم عن حلاوة الجبن.. فما هو مكتوب عنها أنها نشأت في مدينة حماة لكنها عُرفت واشتهرت في حمص. وهو كلام دقيق بشكل كبير، بسبب اختلاف العقليات بين المدينتين.. وكأن التشبيه التالي يصف الحادثة الأولى للنشأة تماماً..

كان هناك رجل حموي يقوم بـ “التعفيس” فيخلط الجبن مع الحلو.. لتظهر فجأة قطعة ذات مذاق لذيذ.. حلاوة الجبن الأولى بين يديه!

وكان بجانبه صديقه الوقور الحمصي الذي لعب الدور الأهم.. وهو شهرة حلاوة الجبن وانتشارها.

إذ قام الحمصي بتقديم هذا الاكتشاف الجديد ونشره وتأنيقه.. فأُضيف الفستق الحلبي عليه، بعد أن قام الحموي بوظيفة الدمج والخلط المباشر.

فالعقلية التي تقوم بمزج حلو مع جبن، يمكن أن أبصم بأصابعي المئة على أنها عقلية حموية بامتياز.. لا يمكن لأحد أن يقوم بهكذا مزيج عجيب سوى عقلية حموية.

والعقلية التي هندست ونسقت وساهمت بانتشار هذه الوجبة الجديدة هي حمصية.. فالأناقة فعل حمصي -مقارنة مع حماة- طبعاً..

فكانت هذه هي القصة باختصار..

تضافر العمل ما بين مفاعلات الجبن وأجهزة الطرد المركزي للحلو الحموية، مع «الأتاكيت» والتنسيق والتعليب الحمصي.

وهذه من الصور الجميلة لمدينة حماة..

بالمناسبة.. لمَن تعود ملكية نهر العاصي؟

حسناً، هذه قصة أخرى يطول شرحها..

التصنيفات
فكر

صواريخ عابرة للإنسان

صغيرٌ أنت!

مبتدئٌ يقفُ على شاطئ الحياة..

تُريد أن تفهم أكثر… أن تكبر أكثر… لتغدو مطرقة كُل ما أمامها مسامير! ها قد قبضت على مفاتيح الحياة ولم يبقَ هناك الكثير..

لكن قبل كل هذا..

يُلقى في روعكَ مِن قبل الكبار: أي بني.. لا يجب عليكم أن تكذبوا.. ولا أن تسرقوا.. ولا أن تؤذوا أحداً..

لا ترموا شيئاً في الطريق، بل العكس.. لملموا زجاجات البلور ولمبات النيون المكسورة في الشارع كيلا يُضر بها مَن يمشي..

أميطوا الأذى، واحموا العابرين..

لا تؤذوا أحداً أيها الأطفال، لا تكونوا سيئين! ناموا باكرًا.. استيقظوا باكراً.. لملموا جراحات الناس.. واسعوا في تطبيبها..

لكنك تكبر..

ويتحوّل ذلك الطفل الصغير الذي أراد دائماً أن يسهر ساعة إضافية.. إلى ذئب وبومة ليل لا تُسدل أجفانها ولو وضعتَ طناً من الحديد عليها..

مُضحك كيف تتغير الأحوال مع مرور الزمن… فمن أحلام الصغير دائماً أن تسمح لهُ أمهُ بالسهر قليلاً.. لكن مع التقدم بالعمر، واهتراء سنيّه طحناً تحت رحى الأيام.. تُصبح أقصى أمنيات ذلك الشاب أن يملك ما يكفي من السعادة والطمأنينة حتى ينام باكرًا ليهوي رأسه على الوسادة دون أن يلوي..

لكنك تكبر.. وتكبر!

وتُدرك أن تلك الفضائل التي نُقشت على إسمنت الطفولة الذي لم يجف، أنها وُضعت في خانة لم ينبغي أن توضع فيها؛ وهي خانة «المضمونات»! فمع كثرة تكرارها على السمع. وتبنيها من قبل مدرس مادة الديانة.. وشيخ الجامع.. وقس الكنيسة.. وموجّه المدرسة.. والعم الأكبر.. والخال الأغبر…

بتَّ تتساءل بينك وبين نفسك: مَن هذا الذي يسرق بعد كل هذا؟ مَن هذا الذي يكذب؟ مَن هذا الذي يقتل؟

تعتقد أنها أمور -بحسك البريء- لا يمكن لأحد أن يفعلها، فتنقلها إلى قائمة «المضمونات».

إلا أن العالم بدوره لم ينقلها أبداً…

عندما أراد الطبيب النفسي جوردون بيترسون، الذكي كمعالج والأحمق كسياسي، أن يصف مرحلة النضوج ويمايزها عن مرحلة الصغر، قال أنّ النضج هو خط صغير تتكسر فيه الأحلام.. خط يُدرك مَن عبره أن العالم بارد ولا مكان واسع فيه لتلك البالونات الحالمة التي تعتريها براءة الطفولة.

فمثلاً، لو أخذت أطفالك إلى السينما لمشاهدة فيلم أو راقبت أحدهم يفعل ذلك، ستجد أن ردة فعلهم عندما يموت البطل ومَن يلعب شخصية الإنسان الطيب، عنيفة جداً.

لا يصدق الأطفال أنه مات، وإن صدقوا فإنهم يعتقدون بالفعل أنه مات لا مجرد تمثيل ودور عابر!

ما السبب في ذلك؟

السبب أن الطفل -خلافاً للكبير- يعتقد أنه من المستحيل لقيم الخير والحق والعدالة التي يمثلها البطل أن تموت.. لا بد لها أن تربح، هذا مستحيل!

بينما الوالد الذي يجلس بجوارهم يرى العكس، إذ لا يلبث أن يهدئ أطفاله وهو يقول: لا تحزنوا يا أولاد كل هذا مجرد تمثيل!

الوالد إنسان كبير.. الوالد ناضح.. الوالد يؤمن تمام الإيمان أن البطل يموت.. ولربما البطل دائماً هو الذي يموت أساساً.. وقيم الخير والعدالة ليست مَن يربح..

هذا هو النضج…

لم يخطئ هيمنغواي عندما ارتمى في أحضانها ليقول: «أنا مُتعب يا عزيزتي، أنا مكسور.. هذا العالم نشيده فينهار.. ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن!»..

لكن هيمنغواي مات والعالم تغير.. تغير كثيراً..

وباتت فرصة نجاته في تسريع انهياره لا في تسريع بناءه!

هذا العالم الذي أصبحت فيه قيمة الإنسان تختلف وفقاً لشكل جواز سفره والمنطقة التي يعيش فيها يجب أن يُسرع انهياره!

عندما يموت 100 طفل في الشرق ولا يتحرك أحد وعندما يموت 1 في الغرب وتتحرك الدنيا. يجب حينها تسريع انهيار هذا العالم!

عندما يموت 100 ملوني البشرة من مجاهل العالم الثالث ولا تهتز شعرة.. ويموت فرد أبيض من العالم الأول، فتموج الدنيا بأجمعها، لا بد حينها من تدمير هذا العالم!

عالم العنصرية ليس عالماً!

عالم القطب الواحد ليس عالماً!

عالم تختلف فيه ردود الفعل والشجب والإدانات تبعاً للمنطقة الجغرافية لمن يموت فيها.. ليس عالماً!

العالم الذي فيه 20 شخص يملكون نصف ثروة الكوكب وفي كل سنة -وعلى نفس الكوكب!- يموت 3 مليون طفل بسبب الجوع، ليس عالماً ولم يكن من أساسه عالماً!

إن لم تهزك هذه الكلمات والمقارنات، فأنصحك بشكل أخوي أن تُراجع النظام الأخلاقي الذي تعتمده في حياتك! إن كانت هذه المقارنة لديك عادية، فتبصر موضعك الأخلاقي وانتبه لنفسك ولأين تسوقها!

مُضحك جداً الاعتزاز بمحاربة الإنسان الحديث للعنصرية وفخره بالقضاء على العبودية رغم أن شيئاً ما لم يكن! فكل شيء مازال موجوداً، الفرق فقط هو تقييد القدرة على التعبير، أما المكنون والمضمون فهو كما كان ولربما أشد!

بالمناسبة.. العنصرية والطبقية مرحلة «عادية» -لا تحمل مدلولاً أخلاقياً موضوعياً، بقدر ما تحمل نمطاً يتعلق بطبيعة النظام السياسي والعقد الاجتماعي المُتفق عليه في كل ثقافة- من البشرية.. بمعنى؛ مُسبقاً كان العبد مسؤول عن تنفيذ مهام السيد كحراثة الأرض وأعمال المنزل وغيرها..

بالمقابل كان السيد البرجوازي يقوم بدفع تكاليفه وتأمين حياته..

هل فكّرتم يوماً، لماذا لم يكن ذاك العبد يهرب؟ مهامه كانت مرتبطة بأعمال خارجية وبإمكانه فعلاً الهرب. لكن لماذا لم يفعل؟

لأن الفكرة كانت أن “حياة” ذلك القن مرتبطة بسيده. فإن هرب سيموت. لأن “النظام” الحاكم بأكمله هو الذي كان سائداً.. وما النظرة للعبودية وغيرها بأنها مجرد سادة يضربون عبيدهم بالسياط كل يوم ما هي إلا رؤيا “هوليودية” من تقديم الحلفاء الذي انتصروا إبان الحرب العالمية الثانية..

العبودية كانت مرحلة (سيئة / جيدة) هذا الأمر يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي وخصوصاً التاريخي، إلا أنها مضت… لكنها لم تنتهي بل تطورت!

وأصبحت رأس المال، ولم يعد ذلك العبد الذي يعمل لسيده سوى “موظف” يلبس بدلة ويداوم كل يوم في عمله ويحضر اجتماعات زوم.. نفس الفكرة بقيت موجودة، حياة ذلك “القن” مرتبطة بهِ لذلك لا يستطيع الهرب!

جميعنا عبيد، الفرق أن الأسلوب تطور أكثر ولم يعد هناك أراضي لتُحرث وأعمال في الحقل لتُنفذ..

فطوبى لمن كان عبداً لمَن حُق لهُ أن يُعبد في ظل عبودية المادة السائدة..

قد يقول قائل: هذا نزوع نحو التفسيرات الماركسية.. الآن كشفناك. أنت من جماعة الاتحاد السوفيتي البائد!

من بساطة هذه الحجة أن مَن يقولها غالباً لا يعلم أن المنظرين الماركسيين ومَن والاهم اعتبروا أن قيام الاتحاد السوفيتي أكبر كارثة على الأفكار الماركسية بشكل عام والشيوعية على نحو خاص.

فتوقع كارل لثورته كان لأن تحدث في إنكلترا بسبب هيمنة الصناعة فيها، إلا أن الذي حصل أن فقراء روسيا هم مَن هب. لينشأ بعدها كيان عالمي مركزي مُستبد.

ولعلَ سبب تعاسة جوردان بيترسون في مناظراته مع جيجك الشهيرة، أنه وقع في هذا الخطأ الطفولي، والذي بيّن أنه لا يعرف في السياسة وفلسفتها شيئاً.

البديل غير واضح! لا يختصم اثنان ولا تتناطح عنزتان بهذا..

لكن الاستكانة والقول أنّ هذا العالم مثالي وكل ما هنالك أنه يجب على الولايات المتحدة أن تلقي قنابل نووية –كناية عمّن يستشهد بالنموذج الياباني- على البلدان التي تملك ثقافات أخرى مخالفة ومن ثم تستبدلها بثقافتها البلاستيكية التي أنتجت لنا موقع بورن هاب، أمر لا أخلاقي..

صوّت للعنصري ترامب في آخر انتخابات 74 مليون أمريكي! وهي نسبة لا يستهان بها من شعب أمريكا.. الاعتقاد أن هؤلاء وأفكارهم تصلح لأن تكون نظاماً عالمياً للجميع تُستبدل به ثقافات بكاملها، مغامرة كبرى قد تصل لدرجة الخطيئة والجرم!

يُكمل هذه التعاسة فوكوياما عندما يصوغ نظريته في النهاية، ليقول أنّ التاريخ انتهى وأن النموذج الأمريكي الليبرالي الاقتصادي هو الذي سيحكم!

وهذا ما يعطيك فكرة سريعة عن قرب أفول هذا النموذج واندثاره.. لأن النهاية الثالثة للتاريخ –الثورة البلشفية وسيادة الشيوعية- ظُن أنها كذلك وسرعان ما انهارت.

والآن الأمريكية نفس الأمر..

بمجرد ما تُصلَّب فكرة ومبدأ اعتقاداً أنها مَصب تاريخ الكون والحياة وأنه لن يُنجب ما هو أفضل منها.. يعني هذا دق مسمار النعش الأخير فيها.. كونها تحولت نمطاً جامداً لا تجديد فيه..

فغدت “ثباتاً” بعد “التحول” بلغة أدونيس.

يحتاج هذا العالم لحركة إصلاح كبيرة.. وإصلاحه يكون في تسريع انهياره!

ليت الأطباء يعالجون همومه كما هبوا وعالجوا فيروس كورونا كوفيد 19..

وأن يعالجوا أنفسهم من أمراضها قبل معالجة الفيروسات الأخرى.. لا سيما مع فضيحة فيروس أيبولا الذي ضرب أفريقيا، وتحدث عنها أطباء بلا حدود.. عندما لم تستجب شركات الأدوية لعمل لقاح.. ذلك لأنه كان محدود وفي دول إفريقية بسيطة وفقيرة، فمَن هذا الذي سيدفع لهم تكلفة الإنتاج!

صدق مَن قال: نجح الأطباء في زراعة كل شيء داخل الإنسان إلا الضمير!

ومن بعد كل هذا تُكرر الأسطوانة نفسها، أن هذا العالم جيد ومثالي وفقط بحاجة لتأقلم و”اندماج” مجتمعي!

حريٌ بالعالم أن يندمج مع حِزم كبيرة من الأخلاق والفضائل التي يملكها أي طفل بريء لم يُفطم عن الخير قبل أن يُعلموا بقية الشعوب الاندماج..

بعد كل هذه التعاسات تأتيك خرافة السلام لتُوضع كتاج على جسد مريض مُتهالك يُزيّن للناس.. خرافة تكررت كثيراً في الفترة الأخيرة.. وهي أننا رواد سلام ولا نريد الأذى وكل شيء ينتهي في أرضه.. مستحيل أن تعُارض ذلك! لماذا أنتم أشرار ولا تحبون السلام!

أي سلام هذا يا حبيبي.. أي سلام؟

ما تشاهد في هذا العالم ما هو إلا “نقاط تثبيت ومراقبة” لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعد أن نجح الأوغاد الذي خرجوا منها منتصرين –الذين هم ويا للسخرية والمصادفة البحتة، الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن ومعهم حق الفيتو الذي بإمكانه الاعتراض على مشاريع قرارات رفع رواتب الملائكة من شدة قوته!- زرعوا نقاط تثبيت للحفاظ على مكتسباتهم لا أكثر…

لكي “يشربوا الماء صفواً، ويشرب غيرهم كدراً وطيناً!”…

يسخر مِن هذا العالم الراحل الجميل كارل سيغان بالقول في كتابه نقطة زرقاء باهتة: «لقد كان من أكثر التذكارات سخرية تلك الوثيقة التي وقعها الرئيس ريتشارد نيكسون في الرحلة أبولو -11 نحو القمر. لقد كتب بخط واضح: «لقد أتينا في سلام من أجل البشرية» بينما في اللحظة ذاتها كانت الولايات المتحدة تُسقط 7.5 ميغا طن من المتفجرات على أمم صغيرة في جنوب آسيا!»

وما عليك للتأكد من هذا سوى أن تنظر لأحد ما حاول أو يحاول أن يفرض نمطاً دولياً جديداً. لترى حاملة طائرات تتحرك.. وغواصة تعبر.. وهليكبوترات تطوف..

اكتب على أي محرك بحث عدد القواعد الأمريكية العسكرية في العالم، وشاهد مدى سخرية المشهد..

القواعد المسؤولة عن توطيد نقاط التثبيت تلك!

بعدها تقول سلام؟

لن تجد للمكسيك صوت في ذلك المجلس.. ولا الجزائر.. ولا جنوب أفريقيا.. ولا ميانمار.. ولا الإيغور.. ولا أي فئة مضطهدة.. هم وحدهم مَن يحكمون.. هم وحدهم..

أي سلام حينها! أي سلام..

صدق ابن خلدون حين قال: “إن المغلوب مولع أبداً في تقليد الغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.

إنها المازوخية التي تفرض نمطها على الإنسان الهجين الذي تُباع لهُ يومياً مفاهيم الإنسانية وهو جالسٌ يحتسي قهوة ستاربكس في مقهى فاخر ليخرج بعدها ويقود سيارته..

دون أن يدري أن ثمن كوب قهوة فاخر في نيويورك.. قد يساوي طعام ثلاثة أسابيع لعائلة في ميانمار أو بنغلاديش!

هذا العالم بحاجة لأن يُدفع نحو الانهيار… صدقني!

أصبحنا ضحية عالم لا أخلاقي يحاول أن يخفف وطأة قذارته من خلال بيع وتجارة مفاهيم الإنسانية والإنسان.. يذكرنا هذا باللص الذي يقوم بسرقة شيء ما ثم يخرج ليعلن عن السرقة أوّل واحد فلا يُشَك فيه!

نفس الأمر.. ادعاء القرب من الإنسان والإنسانية، هو أكبر دليل أن هذا العالم بعيد أميالاً ضوئية عنه.. خصوصاً أنه نفسه يُحارب ويدمر ذلك الإنسان كل يوم! الذي يموت 3.4 مليون من أطفاله سنوياً بسبب الجوع!

لا يوجد مجتمع دولي يا رفاق.. يوجد مجتمع غربي تحكمه نخب اقتصادية تتحكم بكل شيء..

يكفي لتدركوا ذلك أن تعرفوا أن صحيفة واشنطن بوست الشهيرة مملوكة من قبل جيف بيزوس!

قرأت لأحد الأمريكيين مؤخراً عبارة لطيفة يُلخص فيها كل شيء بالقول: مشكلة الشرق أن السياسة عندهم تعطل الاقتصاد، ومشكلتنا نحن في الغرب أن الاقتصاد عندنا يتحكم بالسياسة!

إنه نظام اقتصادي يحرك كل شيء.. قائم على المصلحة والمنفعة لا مكان فيه لأخلاق ولا سلام ولا أي شيء.. فقط منفعة، ومصلحة، واستهلاك..

دمروا حلقة الفأر هذه.. ادفعوها نحو الانهيار.. “ما نراه ليس عالماً ولم يكن.. إنها مناطق توحش مُحكمة التنظيم والترتيب”.

ذلك الطفل الذي تلقى كل تلك الأخلاق والقيم والفضائل… كبر ليدرك أنها ليست صعبة التطبيق وإنما مستحيلة.. وأحياناً قد يُحاربك العالم من أجلها!

لم تكن يوماً ما مضمونة، دائماً كانت حرجة.. ومُحرجة.. حاولوا مراراً فطمك عنها.. في عالم تدور عقاربه نحو منتصف ليل المنفعة ولا غيرها!

آن الأوان لإنزال أسلحة الأوغاد جميعهم.. بكل أساطيل طائراتهم وحاملاتها.. بكل سروب الأف 16 و35 و58 و89 و105. والميغ واللاأعرف ماذا أيضاً فالحبل على الجرار طويل!

بكل الغواصات النووية والرؤوس الحربية..

آن الأوان لـ “عالم جديد شجاع”.

آن الأوان لأن تُطلق صواريخنا عابرةً الإنسان مهما كان وأينما كان..

هذا العالم خالٍ من القيم… حُكم من قبل المنفعة كثيراً، آن أوان هزيمته.. ليس من أجلي ولا من أجلهم.. إنما من أجل ذلك الطفل الصغير الذي آمن دائماً أن تلك القيم ستنتصر كلما جلس وشاهد البطل يموت فبكى من أجله.

لا تجعلوا ذلك البطل يموت.. فالإنسان ما هو إلا ترس في آلة كبيرة عملاقة..

نحن مسننات تتضافر معاً لتعمل.. والهدف هو عمل الآلة، لا أن نكون أنا وأنت بشكل شخصي المفتاح، ونتصور سيلفي مع نجاح الآلة ونظهر على التلفاز ويتابعنا الملايين كتافهي العصر الحديث!

الهدف نجاح “الماكينة” وتدحرجها للأمام، سواءً كنا من أهل القصور أم من أهل القبور.. فنحن مجرد نقطة للعبور.. فراغ لكي تعبره الكلمة وتُشكل جملة جديدة جميلة..

لعبوا طويلاً… آن أوان أن نلعب نحن بهم!

هذا العالم لا قيم فيه، وخير ما قد يُفعل هو دفعه نحو الانهيار..

ذلك الطفل أصبح كبيراً.. وحافظ على حُلمهِ! حُلم ألا يموت البطل ويدافع عنه حتى اللحظة الأخيرة.

ذلك الطفل كبر.. وامتلك خطة يُمشى عليها!

ذلك الطفل كبر.. وبطله كبر معه أيضاً!

وكون تجارة الكلام ما عادت تنفع في زمن حاملات الطائرات! ذلك الطفل كبر.. وترك رسالة صغيرة مخطوطة بخطٍ ناعمٍ بريء:

تحيةً طيبة وبعد..

«الجواب ما يُفعل لا ما تسمع وتقرأ!».

وخير ما يُفعل هو دفع هذا العالم نحو الانهيار، على ظهر صواريخ عابرة للإنسان.. الإنسان وحده، ولا أحد غيره!

التصنيفات
عام

حاتم علي.. نهاية زمن الأحلام الكبيرة

لا يمثل حاتم علي فكرة مجرد مخرج وكاتب وممثل عابر.. لا يعني لمَن شاهد إنتاجه أنه «صانع أعمال فنية» وحسب. إنما مرحلة بكاملها.. مرحلة الأحلام الكبيرة.. مرحلة كل شيء ضاق.. ذهبت أمانينا.. أحلامنا.. عصارة روحنا…

التغريبة الفلسطينية… الزير سالم… صلاح الدين… كان حاتم علي انعكاساً للرغبة العربية الحقيقية في أحلام الناس البسيطة.. فالنمط السائد ضمن غالبية المسلسلات أن نجد ريحاً من التصنع، تتمثل بإتيان البطل دائماً في اللحظة الأخيرة، ولحيته مرسومة كزاوية منفرجة… أما مشط مسدسه فلا ينفذ ولا يموت…

أما حاتم فكان مختلفاً، كان دائماً يأخذ “أحلامنا الكبيرة” ويجعلها مسلسلات حية أمام أعيننا..

فلا تشعر بأنك أمام تمثيل وخيال، إنما انعكاس حقيقي للهوية الدافئة في صدرك..

لن يفهم “إنسان الآن” حاتم علي لأن حاتم كان دائماً إنسان “ما قبل وكيف كنا”! لا إنسان ما نحن الآن وكيف أصبحنا… إنسان حاتم علي هو الإنسان العربي بأنقى شكل لهُ.. إنسان رمزه صلاح الدين، يملك أحلاماً كبيرة تمنحه إيماناً راسخاً، دون أن ينسى التعاطف مع الضعفاء في تشريدهم وتغريبهم ونكبتهم الحزينة..

تخيلوا الآن أن يُنتج حاتم علي التغريبة الفلسطينية، ما قيمة ذلك؟ لا شيء. لقد انصرف معظم الناس عن عرض المسرحية وتركوا القاعة خاوية..

ومن دقّة القدر أن حاتم قد رحل في هذه اللحظة المفصلية من عمر كل هذه “الأحلام الكبيرة” التي كان قد رسمها وكنا قد آمنا بها أجيالاً بعد أجيال.

المرحلة القادمة هي مرحلة الأحلام الصغيرة القذرة. مرحلة أن يتم إنتاج مُسلسلات التغريبة الصهيونية. وكيف أن العرب هم الأوغاد الذين احتلوا الأرض وأن عليهم الانسحاب والاعتذار..

تخيلوا أن يُنتج مسلسل التغريبة الفلسطينية الآن، مَن سيتبنى إنتاجه؟ أي قناة ستعرضه؟ هل سيبقى جمهوره بنفس الزخم في تلك الفترة التي كانت؟

يموت المخرج عندما تموت أحلامه.. عندما يرى رواياته ونصوصه قد تُركت.. يموت المخرج عندما تموت الشخصيات التي رسمها.. عندما يُجهز على تلك الأحلام الكبيرة ويصبح الخائن شريفاً والشريف خائناً.

لا يمثل حاتم علي مجرد شخصية فنية عابرة… إنما يمثل “لمّة العائلة” حول المدفئة وهم يشاهدون مسلسلاً يمجد تاريخاً يصف بطلاً كان قد مر في زمن ما… يمثل علي حالة الإيمان بآلام الغير حتى لو تكن تعنيك بشكل مُباشر.. كيف تشردوا وتغربوا وعبروا كل “دروب الآلام” تلك..

كيف نعرف كل ذلك لولا حاتم علي؟

هذا كله انتهى الآن.. أصبحنا تعساء لدرجة أننا ننتظر رؤية القصة الكاذبة تُعرض دون أية دفاعات مُسبقة..

بانتظار الوغد الذي سيأتي ليستبدل التغريبة الفلسطينية بالتغريبة الصهيونية لتُعرض على منصة شاهد دوت نت. بانتظار من سيأتي ليقول أن صلاح الدين كان إرهابياً مستبداً فاغسلوا أيديكم منه.. بانتظار الأوغاد الذين سيأتون ليستبدلوا فتح الاندلس باحتلالها..

بانتظار الذين سيأتون في نهاية الزمان ليستبدلوا أحلامنا الصغيرة بأحلامنا الكبيرة..

لكن..

“أمن قلةٍ نحن يومئذٍ؟”.

“بل أنتم يومئذٍ كثير، لكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

طوُيت صفحة جميلة من الدفء والتصالح مع الماضي التي كان يمثلها.. صفحة فيها رائحة الأندلس وصلابة سيف صلاح الدين مع قلوب ممزقة لأناس مهجرين من بيوت أجدادهم..

طُويت صفحة لها رائحة لا يمكن أن ننساها.

أما الآن لنفسح المجال لمَن هم بلا ذاكرة، لمن سقف مشاهداتهم هو مسلسل إسباني يتحدث عن أوغاد يسرقون بنك أو إنتاج ما من نتفليكس هدفه إثبات أن الجميع بلا هوية مُدجنين كالأغنام في حظيرة واحدة تعتريها المساواة والإنسانية الزائفة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة مع وفاة حاتم علي… الآن كل شيء ضاق.. وصلَ زمن الكوابيس الكبيرة والأحلام الصغيرة. زمن لا مكان لصلاح به. زمن نحن السيؤون فيه. زمن يُجرَّف فيه جيل كامل بأفلام ومسلسلات تائهة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة يا حاتم.. أما الآن فهو زمن الأوغاد.

التصنيفات
ذكريات

معنى أن تكون مُشنططاً

تُوجد كلمات في اللغة العربية تصف الحالة دون حتى أن تفكر في معناها. فمثلاً كلمة هواء، لو كنت أعجمياً ناطقاً بلسانٍ غير عربي، يمكنك أن تستشف ما ترمي إليه مِن خلال لفظها فقط. هوواااءء. تتالي حرف الهاء الخارج مِن عمق الحنجرة ومن ثم الواو والهمزة يرمز لشيء ما عميق كأنه الزفير.

فمن حق الكلمات أن تُعبر عن معناها ضمن طريقة نطقها. ولعل كلمة مُشنطط تُتبع نفس القاعدة.

يصف فعل الشنططة الحالة عندما تحمل الشُنط؛ ككناية عن الإنسان الذي لا يستقر في مكان ويبقى ضائعاً تائهاً هُنا وهناك. فأن تكون مُشنططاً تعني أن تكون مُحملاً بالحقائب التي لا تدري بها مُستقراً ولا ترمي فيها قصداً مُحدداً. إنما حالة مِن التيه والضياع والحمل المستمر دون هدف.

بالنسبة لي كلمة مُشنطط لا تعني أبداً هذا المعنى، على العكس، أجد فيها نفحة إيجابية لها علاقة بريح الطفولة البريئة أكثر مِن كونها مصطلح يدل على اللاتحديد واللايقين في المسير.

تُرجعني الشنطة لأيام التحضير لاستقبال العام الدراسي. عندما يذهب الطفل الصغير مع أمه إلى السوق كي يشتري بدلة المدرسة «الصدرية» إضافةً للشنطة وغيرها مِن لوازم الدراسة والقرطاسية التي يحتاجها في العام الجديد. لكن الأولوية تبقى للصدرية -أرجوا مِن القراء معرفة أن لفظة الصدرية هي المصطلح الذي يُطلق على ثياب المدرسة للتلاميذ مِن الصف الأول للسادس الابتدائي، ولا علاقة لهذه الكلمة بأي دلالات أخرى قليلة الأدب- الأولوية ومِن ثم تأتي الشنطة وبعدها الدفاتر والأقلام و«المحايات».

لا يمكن أن أتذكر الصدرية دون أن أتذكر أمي وهي تحاول أن تنتقي لي أكبر مقاس موجود. والحجة دائماً نفسها، غداً تأتي الشتوية وتلبس الكثير مِن الملابس تحتها فيكون مقاسهاً مناسباً. فمثلاً لو فرضنا أن المقاس هو صغير «سمول»، نأخذ المقاس وسط «ميديوم» لأن الشتوية قادمة وغالباً ستلبس تحتها ست إلى سبع «كنزات» متتالية، فيصبح المقاس ملائماً حينها.

لا أعرف ما اسم هذه المدرسة في انتقاء الملابس، إلا أنها دائماً كانت تُطبق علي.

ننتهي من الصدرية لنشتري الشنطة حينها. ودائماً تكون رائحتها مميزة بشكل غير قابل للوصف. إذ تشبه رائحة بداية الدوام.. انطلاق العام الدراسي.. الاستيقاظ الصباحي المبكر -الساعة 7 إلا ربع- هي ساعة الاستيقاظ الثابتة خلال رحلتي المدرسي… رائحة الباحة وتحية العلم… رائحة يمكن تشبيهها لأقرب ما يكون بأنها «رائحة المدرسة» ويمكنك أن تشمها دائماً لتقذف بك عشرات السنين إلى الوراء، عندما كنت تلميذاً صغيراً يتدلى المخاط مِن أنفك كرقاص الساعة.

يبدأ العام الدراسي، وتكون أولى مراحله «تسليم الكتب» لتأتي أمينة المكتبة التي تقف كضابط نازي في الصف وتقوم بتوزيع الكتب على التلاميذ. كان من عادتي أن قوم بتصفح الكتاب الذي استلمه لأني كنت قد مُنيت أحد المرات بكتاب مُختلط وناقص الصفحات. فما كان مني إلا أن ذهبت إلى تلك الأمينة لكي تعطيني بدلاً منه كتاباً آخرًا بدون نقصان. وكانت حينها حملة طويلة مِن الأخذ والرد والشد والجذب، منذ تلك الحادثة، تعلمت أن أعد الكتاب فوراً وأتفقد صفحاته حتى لا يتكرر ذلك الحدث مرة أخرى.

تُحزم هذه الكتب جميعها في الشنطة الصغيرة وتأخذ إلى المنزل. وفيما بعد يُضاف إليها الدفاتر المطلوبة لكل مادة، مما يضاعف وزنها أضعافاً أخرى.

في البيت، تُجلد تلك الكتب وتُوضب بشكل جيد، ولعل في تجليدها ثلاثة مدارس ومشارب؛ أولها التجليد الأبيض، ثانيها التجليد الأزرق الفاتح، ثالثها التجليد العاتم الخاص بالـ CIA الذي يُخفي وجه الكتاب.

بعد التجليد يُوضع مُلصق صغير يُسمى «اتكيتة» ويُكتب عليها الاسم والمادة والصف والشعبة. لتبدأ حينها عامك الدراسي بكتب جديدة واتيكيتات ودفاتر وأقلام، وشنطة ظهر ثقيلة تهد المنكبين.. وعيون ناعسة تستيقظ كل يوم في الساعة السابعة…

تمر السنون سريعاً لتدخل الجامعة وتنهيها ومن ثم تبدأ العمل لتغمرك أمواج الحياة وتطحنك رحى صعابها، لكن الشيء الوحيد الذي لم تتخلَ عنه هو تلك الشنطة. ففي جميع المراحل كانت قد رافقتك.. لقد دخلت معك مدرجات الجامعة وأزقتها.. ذهبت للعمل وعادت.. إلى مراكز جباية فواتير الهاتف والكهرباء.. كانت دائماً حاضرة، وفي كل مكان.

لم أستطع إلا أن أحب شنطتي، حقيبة الظهر تلك. وإلى الآن رغم انتهاء مرحلة شنططة التلاميذ والطلاب، لا أزال أصر على وضعها عندما أخرج من المنزل، إذ دائماً ما توفر لي الأمن، أشعر وكأني أرتدي درعاً على ظهري، بدونها سأتعرض لطعنة من أحد في الشارع، لا أعرف لماذا، لكن بالنسبة لي أن أكون مُشنططاً لا يعني أبداً أن أكون ضائعاً أو تائهاً، على العكس، الشنطة على ظهري تجعلني أشعر بالأمان الطفولي الذي مضى..

أن تكون مُشنططاً للبعض يعني أن تطردك المطارات أو تذهب من مكان ما مُرغماً.. أن تتعب من الجلوس في مكان وتصبح الحركة هي الاستقرار.. أن تسعى هنا وهناك دون راحة وبلا كلل.. هذا هو المعنى الشائع لمعنى الشنططة.

بالنسبة لي أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون طفلاً بريئاً يرتدي صدرية كبيرة عليه.. أن تحمل فيها كتبك ودفاترك وكتاب المعلوماتية السميك الذي يُلح دائماً على تعليمك كيفية استخدام الورد..

أن تكون مُشنططاً يعني أن تُثقل بحمل الدراسة.. أن تكون بريئاً.. تُسلّم على حمائم السماء كل يوم في الساعة السابعة صباحاً.. تأخذ معك صندويشة زعتر أو لبنة إلى المدرسة.. تنتظر الأعياد والمناسبات الرسمية التي لا تفهمها كي تعطل عن الدراسة وتلعب مع أولاد الجيران.

أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون تلميذاً أقصى أمنياته أن تخبأ معه الآنسة أو الأستاذ علبة طباشير أمية كي يحتفظ بها حتى اليوم القادم.. ليكون بذلك أمين السر الذي لا أحد يعرف إلى الآن ماهو… أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون بلا هموم..

أجادت اللغة العربية في لفظة هواء.. وفي كلمة أمل عندما أعادت ترتيب حروف ألم. أما في معنى الشنططة فقد أعطتها تناقضاً يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي. فما هو بالنسبة للآخرين مدعاة للعشواء واللايقين كان لي مدعاةً للأمن والحماية.. أن تكون مُشنططاً يعني أن تكون الأمير الصغير لأنطون دو سانت.. أن تحاول دائماً أن تبحث عن الوردة كي تحميك وتحميها..

التصنيفات
ذكريات

مسجون في صحن برغل

يعود فصل الشتاء بكآبته المعهودة نهاية عامٍ لا يحتاج كآبةً إضافيةً تُزادُ لرصيدهِ. فلو قسَّمَ الناس أنفسهم لـ «شتويون» و«صيفيون». فأنا شتويٌ يحب السكينة والألوان الباهتة المرافقة لهذا الفصل، لا شمس الصيف الساطعة مع حزمتها الداعمة بما تشمله مِن تعرّق ولزوجة. دون أن ننسى إضاءة الشمس المجانية الفجّة التي تسيطر على المكان.

يُذكرنا الشتاء بالبرد والمدفئة والانفلونزا الموسمية وأعمدة المخاط التي تتأرجح مِن أنوف العابرين. يُخبرنا الشتاء بضعف الإنسان وذبولهِ. رغم تلك الشاعرية التي تسيطر على أجوائه، إلا أنه يبقى حاملاً في باحتهِ الخلفية، وهناً وضعفاً يسود المشهد.

يتجسّد هذا الضعف عندما تشتد العاصفة وتبدأ الأمطار الصغيرة بالهدير، وتكون أنت بدورك في وسط المدينة تقضي حاجةً هنا أو هناك. لترى الناس بدأوا يتدافعون، يتراكضون متوجهين نحو موقف الباص للصعود والعودة كلٌ إلى ملاجئهم الآمنة. إلى تلك المنازل التي بنوها لتكون مأمناً وحصناً لهم.

يُذكرنا الشتاء بالإنسان عندما خرج من غابتهِ وحقوله نحو الكهوف. فرغم مرور آلاف وربما ملايين السنين يبقى الإنسان كائناً ضعيفاً، لا يزال في قبضة الطبيعة واهناً، وما دعاوي تسخيره لها ووضعها تحت سيطرته إلا كدعاوي ضفدع في نهر يحاول إقناع بقية الكائنات أنه هو ملك هذا النهر والآمر الناهي فيه!

يذكرنا الشتاء بالفتور، بالحالة الباردة لكينونة الإنسان..

أحد جوانب الشتاء المهمة هي الذاكرة. عندما تقرر التقاعد في غالبية فصول السنة لكن ما إن تمطر للمرة الأولى حتى تُرسل لك «إشعاراً» لتقول لك: هل نسيت؟ فتجيب: ماذا؟ لترد بدورها: ذلك الشيء!

لا لا، ليس الآن رجاءً! لا تفعليها!

لكنها تتابع، وتذكرك… ولا يوجد أتعس مِن الذكريات الدافئة في الشتاء، حتى لو كانت سعيدة تجدها كئيبة، تتضافر مع حرارة الجو وأضواء الإنارة الباهتة لتشكل لك لوحة مهيبة من الألوان الداكنة لا يمكنك تجاهلها أبداً.

فتصفن وتجلس وتعيد الشريط إلى الوراء…

عندما تحدث طبيب الأعصاب «أوليفر ساكس» في أحد كتبهِ عن مريض فاقد أو متوقف الذاكرة، وصلَ لاستنتاج مفادهُ أن الإنسان عبارة عن ذاكرة، إن قضيت عليها فقد قضيت عليه تماماً!

طرحَ ذلك في سياق قصة رواها عن أحد المرضى الذين زاروه في عيادته وكانوا يعانون من حالة متقدمة من الفصام وفقدان الذاكرة، فما كان من أوليفر إلا أن أجلسه وبدأ يسأله ويحادثه حتى وصل لسؤال: نحن في أي يومٍ الآن؟ ومَن أنت؟

صفنَ ذلك المريض قليلاً ثم أجاب: نحن في العام 1976. وأنا حالياً أتحضر لزيارة مكتب المدير. ثم سأله أوليفر: هل تعرف ما هو عمرك؟ ليجيب المريض عمري هو 35 سنة!

حينها مسكَ أوليفر ساكس -في حركة قال أنه ندم على فعلها لاحقاً- مسك المرآة وأعطاها لهُ وقال: هل هذا وجه رجل عمرهُ 35 سنة؟

نظر المريض في المرآة ثم بدأ بالهياج والصياح، إذ تعرض الرجل المريض فاقد الذاكرة الذي كان عمره بحدود الـ 70 عام لصدمة معرفية بين ما هو موجود في خزانة ذكرياته وما نقلته إليه حواسهُ، لينتج من هذا التناقض حالة من التشنج والتنافر، لم يعبر عنها سوى بالصياح والهيجان…

حينها قال الطبيب أوليفر: الإنسان ذاكرة. الإنسان هو ما يملك من ذكريات، جميلة وسيئة. بعيدة وقريبة. الإنسان ذاكرة. إن أخذت منه ذاكرته فأنت لم تبقي منه شيئاً.

«هل فهمت الآن الحكمة مِن كون عمر الإنسان لا يتجاوز الثمانين على الأغلب؟ لأنه لو عاش الإنسان مئتي عام لجن مِن فرط الحنين لأشياء لم يعد لها مكان» – أحمد خالد توفيق.

يمكننا مِن هنا أن نستنتج لم تدور رحى كثير من الصراعات في هذه الحياة. إذ ما هي إلا معارك لاحتلال قطع داخل ذاكرة أحدهم، الجميع يتنافس لامتلاك عقارات وأراضي في ذاكرة الآخرين. سواءً كان ذلك سلباً أو إيجاباً… غير مهم. مجرّد تذكرك وحدهُ يعني أنك قد حييت، أما تقييم تلك الحياة، وفرز أخلاقية أدولف هتلر عن سلمية غاندي، فهي مهمة الاتباع ومن يسلك نهج المدرسة والفلسفة، إلا أن البقاء في الذاكرة كان لجميعهم، بحلوهم ومرهم، بسيئهم وجيدهم. الجميع يبقى. الجميع في الذاكرة. الجميع يأبى أن ينسى ويريد أن يُذكر..

الشتاء يُحيي الذاكرة. يرجع شريط الأيام ليقذف في وجهك حدثاً مثل Youtube Recommendation لا علاقة لهُ بشيء سوى أنه يظهر أمامك هكذا. هل تتذكر اسم معلمتك في الصف الأول؟ مديرة المدرسة؟ ماذا بشأن الجيران الذين كانوا يسكنون في أول بيت قد عشت فيه، ما الذي جرى بهم؟ أصدقاء الجامعة، أحمد ومازن. أين هم الآن؟ ألعابك التي اشتريتها في عيد الفطر عندما كنت في الأول الابتدائي. والكثير…

شخصياً، تقذف الذاكرة في وعيي السطحي مشهداً لأحد الدكاكين الصغيرة مقابل مدرستي في صف الثامن قبل سنوات بعيدة. كان هناك دكان صغيرة اعتدت الشراء منها، كان البائع عجوز يضع تلك الطاقية الصغيرة التي يضعها كبار السن. في أحد المرات دخلت لأشتري، كان يضع صينية صغيرة فيها صحن برغل مع صحن لبن. ويأكل.

لا أعرف لماذا أتذكر هذا الموقف الآن وما السبب. لكن تلك المنطقة والدكان ومدرستي القديمة تعوم في سطح الوعي لتزيد من حنان المشهد. لتقول أن ذلك الماضي ذهب، وأنت الآن في الحاضر، وسيذهب قريباً شاء أم أبى، تعس كان أم جيداً، سيذهب ليغدو مثله. مثل ذلك العجوز تماماً، صحن لبن وبرغل وطفل صغير يشتري…

صراحةً، أحسد مرضى الخرف وألزهايمر الذين يكبرون وينسون، ويريحون أنفسهم من عناء تلك الأيام وتراكماتها، لا تتذكر الأقرباء الذين رحلوا والأصدقاء الذين لم يعودوا يتصلوا، ورفاق الطريق الذين فشلت إشارات المرور ومطارات العالم في إيقافهم، فتاهت عنهم الطرق وضاقت بهم الدروب…

أتذكر أيضاً عندما كنا في نفس تلك المدرسة، عندما يكون هناك وقت فراغ أو ننتهي من الدوام سريعاً، يوجد باحة وشارع واسع أمامها، كنا نضع «عارضة» صغيرة من الأحجار لنشكل بها حدود الهدف ونلعب كرة القدم.

كنا بحدود الـ 10 تلاميذ تملأهم أحلامهم وتحركهم حواسهم، وبعد أن يبدأ كل فريق باقتسام اللاعبين، كان يقع علي الحظ دائماً لأكون الحارس، رغم أني أجيد اللعبة بشكل جيد إلا أن الرغبة السائدة للجميع في نيل شرف تسجيل الأهداف، تجعلهم يعكفون عن الحراسة، فكانت مهمتها تذهب إلي، فأقف لأتصدى وأمزق البنطال والثياب وأعود متسخاً إلى المنزل بسبب الاحتكاك المطوّل مع زفت الأرض.

ذلك المكان، وتلك الشوارع الخلفية للمدرسة، لا يزال موجوداً ولا أزال للآن كل فترة وأخرى أحاول أن أتقصد المشي فيه، وأتذكر كيف كنا نضع الأحجار لنصنع بها عوارض الهدف. وفلان يركض ويسجل.. وآخر يصيح.. والثالث يضرب باب الجيران ليجلب الكرة لأنها سقطت في شرفتهم بحكم ركلة أحد اللاعبين «الفشلة» وأشياء أخرى…

لا أزال صدقاً أتذكر الجو في ذلك الطريق.. كان هنالك معمل بوظة في القبو. لكنه أغلق منذ زمن. كان هناك حديقة صغيرة مليئة بأشجار الزيتون، كنا نجلس فيها أحياناً بعد نهاية الدوام. لا يزال كل شيء موجوداً سوى أصدقائي… لا أحد منهم. “ثم لم يبقَ أحد..”.

كلما مررت هناك، مِن ذلك الشارع الواهن.. أتّخذ وضعية الحراسة.. تضعني ذاكرتي في صلب الحدث مجدداً.. أحاول التصدي وإبعاد الكرة عن هدف لم يعد موجوداً وصديق يركلها كان قد رحل أو سافر وهاجر ولربما مات…

الإنسان ذاكرة.. وما أنا إلا أنسان.. فأنا ذكرياتي.

لنحافظ على ذلك الشريط السينمائي الثمين الذي نملكه لنحكيه عندما نكبر، لنقول لأولادنا وأحفادنا ومَن سيسمعنا ذلك الحين، أننا قد عشنا، وأننا قد لعبنا، وقد كان لنا أصدقاء كثر.. كنا نصنع لعبة من أبسط الأشياء، فأي حجرة في الطريق تصلح لأن تكون هدفاً. وما عليك سوى أن تحميه..

لكنهم رحلوا ولم يبقَ سوى ظلالهم في الذاكرة. ظلال نتخيلها كلما سرنا في نفس المسار، لنشم رائحة البوظة ذاتها وصوت الأذان في المسجد القريب نفسه. لكن أحدًا ما لم يبقَ. ضاع الجميع… غابوا.. هناك فقط خيالات في الذاكرة، تنشطها أول بارقة شتاء، وازدحام على موقف ينهمر عليه المطر بشدة، ومحاولة للملمة المشهد الفوضوي.

لكن الذاكرة تأبى إلا أن تبعث بهذه اللقطات إلى السطح، ولا يكون لديك حيلة سوى أن تتذكرها وتعيد تدويرها، لتقتات على بقايا مشاهد سعيدة كما يقتات الكبد على بقايا الدهون عندما يغيب الطعام عنه.

الإنسان ذاكرة، مسجونٌ بداخلها.. هي الحصن الوحيد الذي قد يكون نيل الحرية منه ليس هدفاً يُنشدُ طلبه… فلو أطلقنا سراحهُ آخذيهُ منها وآخذيها منه. لم يبقَ شيء. فلو كان غيابها مريح أحياناً، إلا أن بقاءها يجعل الإنسان إنساناً وهنا مكمن التعلق وغاية القصد.