التصنيفات
كتب

دفاعاً عن الجنون: عن بساطة وقوّة ممدوح عدوان!

أحبُ كتابات ممدوح عدوان -دفاعاً عن الجنون مِن أبرزها- لنفس السبب الذي أحب فيه كتابات الماغوط، وأحب كتابات الماغوط لنفس السبب الذي أحب لأجله كتابات جورج طرابيشي، وهي أنها كتابات بسيطة بمعاني كبيرة.

كتبَ جورج طرابيشي مقالاً قديماً تحت عنوان «أخطاء ارتكبتها في حياتي» وصرحّ بأنّه..

بعد أن سافرَ لفرنسا..

وترجمَ جُل أعمال فرويد..

ونقدَ طروحات الجابري في العقل العربي..

قالَ..

فشلت في أن أكون غنياً!

وفشلت في أن أتكلم الفرنسية بطلاقة.. فلا زلت أرطن بها..

فشلت في تعلّم ركوب الدراجة..

كم هي جميلة البساطة في الكتابة.. كم كنتَ جميلاً يا سيد طرابيشي..

عندما سُأل ممدوح عدوان في أحد اللقاءات الصحفية عن عن ظاهرة كانت دارجة في عصرهم وهي «الشعراء المتكلفين جداً» الدخلاء على الساحة الأدبية، كان يقول أنه يمكن رصدهم بسهولة..

فهم لا يملكون حس..

وبعدها فوراً التفت بكلامه ناحية الماغوط وقال..

لم يكتب الماغوط يوماً ما بيتاً موزوناً..

لكنك تقرأ كلامه وتقول: مستحيل. هذا الرجل شاعر!

يملك الماغوط قلباً شعرياً..

حتى لو لم يكن موزوناً..

حتى وإن كسرَ المنصوب أو رقّ قلبه تجاه المضاف المجرور فأراد أن يرفعه!

الحس..

البساطة..

أن تخرج هذه الكلمات من داخلك، هو ما يمعني المعاني ويحدد الحدود!

البساطة في الكتابة أمر لطيف جداً، ولعل الجميل في ممدوح عدوان أنه كان بارعاً في ذلك.

يظهر هذا بوضوح في كتابه الصغير.. دفاعاً عن الجنون، الذي هو تجميعة لسلسلة من المقالات، وهو يتحدث بمنتهى العقلانية المبسطة عن مواضيع تشمل الفن والنضال والمرأة والإنسان..

يستهلها بقصة لؤي كيالي.. الرسام السوري الكئيب الذي انتحر.. ويسرد باحترافية كيف ضربت نقاط التحوّل حياة لؤي..

فغدا من استديوهات العالم البرجوازي إلى معارض الإنسان البسيط..

كيف فعل ذلك لؤي؟

لماذا فعل ذلك لؤي..

احرقت لفافة تبغ منزل لؤي، ومات..

دافع ممدوح عدوان عن لؤي..

عن العقلانية..

دافع ممدوح عدوان عن الجنون..

«جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري، أمرَ الملك العاري أن يروهُ مرتدياً ثيابه، فرأوه! وأمرَ أن يبدوا آراءهم في ثيابه فامتدحوه وأطنبوا.. وحين خرج إلى جماهيره فاجأه بالصراخ طفل لم يُدجن بعد: ولكنهُ عارٍ!… عارٍ تماما.
لو كان هذا الطفل أكبر قليلاً لأتهم بالجنون. ولكن لأن فيه تلك البراءة الواضحة العفوية الصارخة كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.
صرخة الطفل، مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون ومراؤون وخائفون إلى درجة تجاهل حقيقة يوميّة بسيطة يستطيع الطفل أن يشير بأصبعه
ِ إليها ويعلن عنها..»

يتحدث عدوان عن الحب والشعر والكفاح..

يهاجم الرأسمالية من أجل الإنسان..

كان ممدوح عدوان ماركسياً..

كان ماركسياً في زمن الماركسيين..

وإن كنت من الذين يعتقدون أن الماركسيين هم أولئك الذين يحلقون رؤوسهم ويصبغون شعرهم باللون الأخضر.. فينبغي أن تقرأ لعدوان حتى تعرف أكثر..

عندما تسمع كلمة ماركسي، فأنت ستعلم أنك أمام إنسان يمتلك قلباً كبيراً، قلباً جعله ينظر إلى الإنسان العامل البسيط ويرثي حالهُ لا إلى إنسان الأبراج العالية..

الرأسمالية هي عمل العقل في الإنسان، ولعلَ من براعة أدم سميث الأب الشرعي لها، أنه كان على غرام مع أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم ورسالته عن الطبيعة البشرية التي أصّل فيها لأنانية الإنسان وأنه كائن يرغب بالتملك والاستئثار بالثروة..

لم يخطئ سميث..

ولم يخطئ ديفيد هيوم..

ولم تخطئ الرأسمالية..

ربما أخطأ الماركسيون أنفسهم في أنهم فكّروا بقلوبهم وأرادوا الوقوف مع الإنسان البسيط..

يتابع عدوان حديثه عن المرأة..

ويدافع عنها..

ليتحدث عن كتاب “المرأة المخصية الذي تُرجمَ بالمرأة المدجّنة”.

كيف تأصلت الهجومية الذكورية لهذه الدرجة؟

ألا يمكن للإنسان أن يكون ذكراً دون عدوان!

لماذا العدوان؟

يقف عدوان ضد العدوان!

وما أجمل وقوف العَدوان ضد العدوان..

«نحن أمة خالية مِن المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكررة ومملة.
نحن في حاجة إلى الجرأة على الجنون والجرأة على الاعتراف بالجنون.»

مقالات بسيطة مليئة بالمعاني..

تنساب بلطف..

دافع فيها عدوان عن الإنسان، عن الحب، عن الشعر، عن المرأة، عن العامل، عن كل الطيبين.

عن الإنسان أينما كان..

دافع عدوان عن العقلانية..

دافع عن الطروحات الجميلة..

لكن مِن مآسينا..

ومنذ سنة نشر الكتاب..

أن الدفاع عن العقلانية استحال ضرباً من الجنون..

أن تدافع عن الإنسان..

يعني أنك بشكل ما بتَّ تدافع عن الجنون..

اقرأ أيضاً: فن الخسارة

التصنيفات
عام

رحلَ اللؤلؤ المنضود.. الآن لم يبقَ أحد..

شغّل هذه الموسيقى (من هنا) واقرأ..

إن سارَ الطيبُ في أرضٍ، تُعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء، لا تعطيهِ.. إلا دخان مداخنها..

مَن يذكر هذه الكلمات؟

شارة بحر الحكايات؟

لم أفعل شيئاً في هالعمر يضر الغير.. لم أفعل شيئاً إلا الخير.. فلماذا أحبس في الحبسِ، ولماذا أبعد عن نفسي.. وأنا لا أطلب إلا أن أحيا، كحياة الطير..

بحر الحكايات.. كان يا مكان.. أحلام كبيرة..

الشمس تشرق من جديد؛ عندما كانت مرام تكتب.. وكان باب الحزن مفتوح على باب الفرح.. الحزن متل الفرح.. بيبكي وبيقوي!

أغاني صباح فخري..

قلعة حلب الحقيقية..

العملاق في زمن العمالقة..

من الصعب أن يكون هناك أحدٌ مكانهُ..

فلو أتينا بإنسان من جمهورية الكونغو وأريناه صورته، لن يحتاج للكثير حتى يعرفه..

سيقول فوراً..

هذا صباح فخري..

شكلهُ..

اسمهُ..

كنيته..

طول قامته..

الرجل يجسّد كل صفاتهِ ببراعة ليكون هو نفسه!..

تلك الأيام كانت أيامهُ..

تلك الأيام كانت دافئة.. أيام لها رائحة يمكنك أن تشمها.. أيام مُختلفة بشكل يجعل إمكانية مقارنتها مع أي فترة ثانية محاولة باهتة..

باهتة كضوء مصباح يتدلى من سقف محطة قطار مهجورة..

تلك الفترة غير القابلة للمقارنة..

سوريا 2004..

تذكرني بكلمات الشاعر جون ملتون، صاحب الملحمة الشهيرة.. عندما قال:

«مهما كبرت.. سيبقى ذهنك حبيس فترة زمنية معينة، لن تستطيع أن تغادرها ولا أن تغادرك.»

أعتقد أنها سوريا 2004.

مهما كبرت..

ومشى عداد السنين متبختراً..

2010..

و2020..

و30..

و50..

وحتى 70.. إن كُتبت لنا أعماراً كثيرة..

لا أعتقد أن هناك فترة ستكون مثلها..

شبيهة أو تقترب؟ ربما..

لكنها ليست مثلها..

غريب كيف أن الإنسان يُسجن في حدود تواريخ معينة، ما هي إلا “مقولات زمنية” بلغة كانط. فالشمس لا تشرق، والأيام لا تأتي ولا تذهب، وليس هناك مفهوم ساعة ولا دقيقة أو ثانية.

كل هذه مقولات زمنية اخترعها الإنسان لكي يُقنن العالم من حوله..

كي يضبطه ضمن كلمات..

كلمات توصّف التكرار الرتيب اليومي لمجرياته..

غريب جداً كيف امتلكته هذه التوصيفات.. فأحبها.. وباتت تثير شجونه..

أحياناً..

وعندما تنتقل بين منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر، وهنا وهناك.. ستجد نبرة من العنصرية الجديدة التي تصفنا نحن بأننا لسنا عرباً.

وأن العرب هم أهل شبه الجزيرة فقط..

الباقي ليسوا كذلك..

هكذا هم..

بلا هوية..

وهنا لا بد من القول أن هذا الكلام خاطئ..

العربي أيها العزيز..

كانت له سمة ملاصقة لهُ تماماً أينما حل..

وهي أنهُ يرتحل..

يقف على الأطلال..

ليس لديه مكان ثابت..

تأتيه قافلة من الصعاليك فتحرق قبيلته وتمشي..

ليبقى وحيداً يرثي نفسه..

ويرثي المكان..

فيُنشد شعراً.. ويبكي دهراً..

لو طبقت هذا الكلام على عالمنا اليوم، لوجدت أننا عرباً مع شهادة الجودة والامتياز..

عرب مع مواصفات الآيزو..

ربما معهم حق.. صحيح، نحن لسنا عرب..

نحن عرب+، كوننا نقف على الأطلال أكثر من غيرنا..

دعني من حمضك النووي منقوص الاوكسجين..

ومن تتابع سلاسل النيكلوتيد لديك..

دعني قليلاً مما يوضع على الرأس من شماغ أو عمامة أو عقال..

نحن نقف على الأطلال..

دائماً نقف..

أما الآن..

فلم يعد هناك أحد..

ذهب حاتم علي.. ذهبت الأحلام الكبيرة معهُ.. وحتى تلك الصغيرة رحلت..

ذهب صباح فخري.. أخذ لؤلؤه المنضود ورحل.. كأنه بالون من الهيليوم، طار وارتفع بعيداً.. وغاب بين الغيوم..

باتت القاعة فارغة، كصالة أوبرا دخلها عامل النظافة بعد انتهاء سيمفونية عملاقة..

سيمفونية لا يدري شيئاً عن كنهها..

ليكون المكان خاوياً..

ثمّ..

ثم لم يبقَ أحد..

بات كل شيء موحشاً..

خالياً من الطيبين..

الآن تشعر بأنك عربي كأكثر من أي عربيٍ آخر..

*** إن سار الطيب في أرض تعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء..

لا تعطيه..

إلا دخان مداخنها.. ***

الكثير من الأطلال هنا وهناك، لتحتار على أية منها تقف..

هل تجازف؟

وتنضم إلى بيئة جديدة.. وقبيلة جديدة.. وعالم جديد لا صعاليك فيه؟

ربما..

الإنسان كائن صغير وهش..

ضعوه في سياقه..

وقارنوه مع مملكة الكائنات الحية بكاملها..

وستدركون مدى هشاشته..

للسلحفاة صندوق عظمي يحميها..

وللأسود بنية عضلية قوية لا تُضاهى أو تقارع..

وللطيور قدرة على التحليق تجعلها في مأمن حتى حين..

أما الإنسان..

فمنذ البداية كان الكائن العاري الضعيف..

ولذلك كان قد أدمن البناء..

وجد نفسه عارياً ضعيفاً، فأراد بناء العالم من حوله حتى يأمن..

ولعل من أسوء ما قد يمر عليه..

أن يعاصر تهدّم ذلك العالم من حوله..

أن يتهدم بفنهِ..

وبانتمائه..

وبرموزه الكبرى..

أن تتزاحم عليه هجمات البكاء، وتكثر طلبات الوقوف على الطلل ضمن صندوق الوارد عنده..

تغير العالم..

وتغير الإنسان..

وتغير كل شيء..

أما الثابت الوحيد الذي نعرفهُ..

هو أننا عرباً..

تريد الدليل؟

نحنُ نقف على الأطلال كثيراً..

أكثر من غيرنا حتى..

التصنيفات
فكر

عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!

ما إن تفتح حديثاً مع أحدهم وتأتي سيرة كلب ما، أو حمار وبغل في السياق.. حتى يعاجلك بعبارة: “محشوم”.. “الله يعزك”.. “أنت أكبر قدر”. وغيرها من مصطلحات التنزيه والحشمة.

لكن لماذا؟

لماذا كلب.. الله يعزك؟ لماذا حمار.. محشوم؟ لماذا بغل.. أنت أكبر قدر؟

هذه الحيوانات مِن أكثر الكائنات التي خدمت الإنسان عبر الزمن.. بدءًا من تدجينهُ لها وامتهانه الزراعة قبل 12 ألف سنة وإلى الآن..

ملاحظة جانبية: البغال من الحيوانات القليلة التي تقوم بفعل الانتحار.. فعندما تُحمَّل بكميات هائلة من الأوزان خصوصاً في الجبال، تقوم برمي نفسها من الأعلى وتنهي حياتها..

فهو يحمل النقائل الشديدة على البغال في الجبال.. والكلاب هي مَن يحرس أغنامه. والحمار هو مَن يركب عليه في الطرق الطويلة التي تحتاج لكائن لا يتكلم ولا يشتكي؛ وهو ما يُرضي الميول السادية لدى الكائن العقل!

بعدها.. تقول أنت أكبر قدر؟
لماذا؟

لماذا يحتقر الإنسان ما هو أدنى منه ويحب مَن يدوس عليه؟

هذه الحيوانات جميلة..

وليست هي “أنت أكبر قدر”!

هناك كائن آخر يجب أن نقول بجانبه أنت أكبر قدر ومحشوم والله يعزكم جميعاً.

الكائن الذي يدعي امتلاك العقل..

لكنه في كل مكان ينزل فيه يكون غير عاقل..

يكون قاتلاً..

يحترف السوء..

يشحذ سكينهُ شاهراً إياها في وجوه الناس الضعفاء..

وهي حالة مستغربة جداً لدى جميع الكائنات الحية..

المعروف أن الكائنات تقتل بدافع الغريزة والحماية..

أما الإنسان..

فهو يقتل في سبيل أن يشعر بالرضا والسعادة والتشفي!

وهو لا يقتل كائناً آخراً فحسب -رغم أنه لا يوفره قطعاً!- إنما يقتل بدافع اللذة!

لذلك استغرب آينشتاين مِن غباء هذا الكائن قائلاً:

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعلَ الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!».

فكّر معي لبرهة..

العالم يحتوي آلاف مِن الرؤوس الهيدروجينية وليس النووية حتى..

هذه الرؤوس لمَن موجهة!

لنصدق ادعاءات الردع وتوازن القوى وحق الدفاع عن النفس وغيرها من الكلام الفارغ..

ودعنا نشطّ في خيالنا كثيراً..

لمَن توجّه هذه الأسلحة؟

أليس للإنسان نفسه؟

الفئران اجتمعوا يا صديقي..

الفئران اخترعوا مصيدة الفئران الخاصة بهم..

الفئران في انتظار وصول البرابرة فقط!

وهم سيصلون.. هذه خلاصة نظريات جُل المفكرين ومستشرفي المستقبل.

طال الزمن أو قصر..

سيصلون..

وبعدها..

ارتقب يوم تأتيك السماء بدخانٍ نووي مُبين!

وحتى مجيء ذلك العالم.. لا بد من الحديث عن الأفغان.. مقبرة الامبراطوريات المزيفة التي يقودها مجموعة من المهزومون؛ مجموعة من الفرسان بلا جواد!

في حالة غريبة من وهم الانتصارات..

ومن الربح الزائف..

ومن مخادعة النفس..

فكثرة المعارك تشحذ النِصال.. لكنها تقتل الفارس!

فأي انتصارات تلك التي تحدث في مكان يكون فيه الإنسان نفسهُ مهزوماً!

هناك فرق بين البساطة والعفوية.. وبين الإنسان المهزوم.

تأمّل حال وصورة أي إنسان أفغاني وستجد عناوين الهزيمة حاضرة بكل تفاصيلها.

لا يعنينا التقدم على الأرض..

ولا حالة الخرائط..

ولا مَن يفتح ويقود.. ويكر ويفر..

الناس هناك مهزومون..

الناس هناك مُتعبون..

وربما أفضل ما قد يحصل لهم وينعشهم.. هو أحدٌ ما يأتي إليهم بخطط تنمية اقتصادية.

ومشاريع بنية تحتية..

هؤلاء الناس لا يحتاجون لسماء..

لا يحتاجون لجنة..

لا يحتاجون لدبابات..

ولا إلى قوى كبرى داعمة..

هؤلاء يحتاجون طعام..

ويمكنك أن تأخذها قاعدة مِن الآن وحتى تموت، مقولة كارل ماركس الخالدة: «تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام».

الإنسان في سبيل جوعه يحرق كل شيء!

لكنه.. وحتى موعد حصولهِ على وجبته التالية..

تحركه الأوهام الزائفة.. كما التائه وسط الصحراء، يخدعه سراب الوجود.. مُحاولاً تصديق أي شيء على أنه ماء!

ليأتي الاتحاد السوفيتي ويقول -لهؤلاء الجائعون- الحل عندنا!

تعالوا واعتنقوا الشيوعية وستشبعوا!

يخرج السوفييت..

ليأتي بعدها الأمريكان ويقولوا: الحل عندنا.. الحل هو السوق الحرة!

خصخصوا كل شيء وخوضوا المنافسة مع العالم وستربحوا!

ليخرج بعدها الأمريكان..

ليأتي بعدها المتطرفون.. ويقولوا: الحل هو الدين! فقط آمنوا وتوكلوا!

وستجدوا موائد الرحمن قد نزلت لتطعمكم!

كلهم كاذبون.. كلهم فاشلون.. كلهم يدعون أنهم فرسان الحق والله والعلم ومشاريع التنمية الاقتصادية..

كلهم يركبون جواداً وهمياً..

فرسان مزيفون..

لا أحد معهُ الحل..

الحل هو أن يتركوهم وشأنهم!

هؤلاء القوم يقاتلون ويُقاتل في أرضهم منذ حوالي 50 سنة!

هؤلاء قومٌ متعبون..

اجمعوا كل خردتكم المعدنيّة..

اخرجوا كل الأسلحة..

دعوا هؤلاء الناس وحدهم..

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة النظرية السياسية الأدق لهم، والإطار الاجتماعي الأفضل.. وكيف يجب تُدار عجلة الاقتصاد لديهم..

ما أعرفه أنهم قومٌ مُرهَقون..

دولة حبيسة..

تحيطها الامبراطوريات الكاسرة من كل الجوانب.. وتسعى كل واحدة منهم لأخذ حصتها عندهم..

لا يحتقر الكائن العاقل الحديث الذي يسكن المدن، فقط الحيوانات..

بل يحتقر الإنسان الآخر أيضاً..

الإنسان المخالف له..

أولئك البسطاء..

أولئك المزارعون..

ويرى أن مبادئه الفكرية تصلح للجميع ويجب نشرها..

دعوا هؤلاء الناس وشأنهم واخرجوا جميعاً..

لا يمكن للسوفييت تحويل حياة الأفغان لنعيم من خلال الشيوعية الاقتصادية!

لا يمكن للأمريكان وسوقهم الحرة تحويل حياتهم لنعمة من خلال الخصخصة والمنافسة مع الحيتان المحيطة بهم!

لا يمكن لخريجي المدارس الدينية الذهاب للجنة من خلال تحويل حياة هؤلاء البسطاء إلى جحيم!

طريق الله لا يمر عبر رؤوس العباد يا عزيزي!

وإن ظننت العكس، فاحذر وراجع نفسك.. وتساءل: ما هي نوعية الإله الذي تعبده؟

ما أعرفه من كل ما سبق وما يحصل حالياً، أن الإنسان كائن سيء..

منذ البداية كان هكذا..

عندما قال الله، إني أعلم ما لا تعلمون..

هذا الإنسان يحتقر ما دونه؛ رغم خدمتهم له!

ويحب من فوقه؛ رغم أنهم يدوسون عليه!

ليس كلب، الله يعزك! ولا حمار.. ولا بغل.. هؤلاء حيوانات لا شأن لها في وساخة هذا العالم..

دائماً كان إنسان، الله يعزك!

دائماً كان السوء في الإنسان..

الإنسان أنت أكبر قدر!

التصنيفات
عام

جماعات جنس المولود.. كم أتمنى لهم إجهاضاً موفقاً!

أعي أن الكلام على هذا النمط يعتبر عيب.. وغير أخلاقي، وسيء ويصنف تحت مظلة قلة الذوق والأدب.. لكن لا أعرف لماذا!

عندما أشاهد فيديوهات مِن هذا النمط.. أولئك الذي يضعون صور أجنتهم وأجناسهم على الأهرامات والأبراج وناطحات السحاب.. ويتظاهرون بالاندهاش والصدمة في حالة مكشوفة جداً مِن التمثيل.. لا أعرف لمَ آخذ نظرة سلبية عن هؤلاء الناس.

وأصنفهم تحت خانة مُحدثي النعم..

يمكن تشبيه هكذا حالات، لذلك الغني المترف الذي قد تصادفه في زيارة إحدى العائلات أو الاجتماعات. فيكون جالساً مع مجموعة من الفقراء أو بسطاء الناس. فيبدأ بالتشدق حينها.. بأنه يأكل أفضل الطعام، ويكسب من عمله الملايين. وما إلى هنالك من قلة الأدب الاجتماعية هذه..

لا تتحدث عن ملايينك عندما تكون بين البسطاء!

لا تتحدث عن صحتك المتينة، عندما يكون مَن بجانبك مريض!

هذهِ أبسط درجات الذوق العام!

وبيني وبين نفسي..

وفي جزء داخلي عميق جداً..

جزء راسكولينكوفي، ينبثق مِن الجريمة والعقاب..

أجدهُ يقول.. أتمنى أن يُجهض الطفل ولا تكتمل فرحتهم!

وهنا لا أقصد أحداً بعينه.. إنما كل من يحملون هذه الأفكار.. فالناس يتميزون بإنجازاتهم.. كما يفعل أبطال أولمبياد طوكيو.. لكن فيما يكونوا فيه تافهين، فغالباً هم سيّان دائماً. التفاهة لا تميز أحداً.. هي بوتقة ينصهر الجميع بداخلها.. فيذوبوا..

حسناً حسناً..

صدقوني لو حدث ذلك -إجهاض الطفل- لا تستبعدوا أن يقوموا بإضاءة الاهرامات والابراج وساعة بيغ بن في لندن باللون الأسود!

لا مكان للحزن في عالم الانتباه اليوم..

الجميع جوعى انتباه.. يريدون شد النظر ولو بأي ثمن!

يريد لفت الانتباه، ولو على حساب تسليب الصورة وذبحها!

نحن في عالم فارغ..

عالمٌ سائل.. مشاعره سائلة.. ضحكاته مزيفة.. مشاعر الحزن والسعادة كلها مبتذلة..

أبطالهُ فارغون..

مشاهيرهُ فارغون..

عالمٌ أفضل ما يمكنك فعلهُ فيه، أن تغسل يدك منه..

عالمٌ نجومه هم الفنانون والشخصيات التي لا قيمة لها.. وهنا كنت دائماً أستغرب؟

لماذا يطلق على الفنان لقب نجم؟

هو فنان.. نعم..

ممثل.. نعم..

لاعب كرة قدم.. نعم!

لكن أن تقول عنه نجم.. حطّ كثيراً من شأن هذه الكلمة ذات القيمة الكبيرة!

ربما بدلاً من ذلك، يجب أن تستخدم هذه الكلمة للإشارة للأب والأم.. والدائرة القيمة لدى كل إنسان.. فمثلاً يُقال:

توفيت نجمة الطالب الفلاني.. أي توفيت والدته.

وتوفي نجم السيد فلان.. أي توفي أباه.

لكن ليس لتلك الشخصيات المائعة جائعة الانتباه.. هؤلاء ليسوا نجوم. هؤلاء وجوم قد يكون كثيراً عليهم!

العالم فيه من المآسي ما يجعلك تعكف عن الاحتفال بأي شيء صدقني.. عندما ترى أخبار حرائق البلدان ومجاعتهم وسوء أحوالهم.. تستحي من إظهار الفرحة بشؤونك الشخصية.. وإن أردت إظهارها، فلتفعلها على استحياء ضمن وسطك الضيق العائلي الحميم..

عودةً إلى كل أولئك اليوتيوبريون ثقلاء الظل كُثراء المتابعين أودّ القول..

لكم الحق في الإعلان عن لحظات سعادتكم.. لكن لنا الحق أيضاً أن نطالب برؤية لحظات تعاستكم!

ففي هذا العالم هناك قسمان..

قسمٌ مسحوق.. وقسم يعيش في الأعلى..

وكما عودتنا الشُحن الكهربائية.. بأن الموجب يعشق التواجد مع السالب، ويتنافر مع مشابهه الموجب.. فإن مكوثناً معكم سيكون طويلاً..

لأن العالم يحب هذه الحالة الشديدة من التناقض والتنافر..

لذلك نطالب بلحظات ألمكم كما تجعلون نرى لحظات سعادتكم..

مَن يدري ربما يستجيبون؟

ويرفعون لنا فيديو.. أو حالة.. وستوري.. عن دموعهم وهي تنزل وكيف يبكون..

ويضعون لنا فيديو جديد على اليوتيوب، ليقولوا فيه..

لقد ماتت أمي اليوم.. ضعوا لايك واشتركوا في القناة واعملوا سبسكرايب!

مات أبي..

مات ولدي..

اعملوا سبسكرايب، حتى تصلكم آخر أخبار الوفاة.. وتذكروا أني حزين وبائس وأبكي وتنهمر دموعي.. كما وضعت في الستوري على الانستغرام.. لم تروها؟

إذاً اذهبوا وشاهدوها!

في عالم الانتباه لا قيمة لمشاعرك.. ولا لحزنك.

مشاعرك قيمة فقط عندما تأتي بالمشاهدات ويكون لها متابعين..

عدا ذلك كل المشاعر خاوية..

بدءاً من فقد الأولاد، وحتى الجنود الذين يسقطون في الحروب ولا يدري بهم أحدا..

لم يعد لهذهِ الأشياء معنى..

قدرنا أن نعيش في هذه المرحلة..

مرحلة الاغتراب..

نحنُ في عالم السيولة..

عالمٌ قد بات خاوياً..

أو كما قالها غسان كنفاني منذ زمن بعيد.. عالمٌ ليس لنا!

التصنيفات
عام

أن تكون النحّات والصخرة معاً!

الجامعة بشعة.. ولا أحد يُحب الجلوس لساعات مُطوّلة مُقلّباً الصفحات، دارساً السطور..

القراءة عملية مُرهقة وتحتاج لوقت فراغ.. لا سيما عندما تتمرس بها، فتتطلب منك الكثير من الإجهاد والتفكير والحملقة في جدران المنزل..

الذهاب للنادي والتمرّن بشكل يومي أمر مُتعب.. هو تحطيم للألياف العضلية بشكل فيزيائي حقيقي.. كيف يكون شيئاً جميلاً؟

أن تكون لطيفاً مع الجميع.. إرهاقٌ نفسيٌ بحق. وقد يضر بك على المدى البعيد..

وهلم جراً على هكذا أمثلة، مِن مفاهيم الألم والبؤس.. إلا أن لجوردن بيترسون -طبيب النفس الكندي الشهير- رؤيا أخرى يُلخصها بالقول:

«لا يطلب غالبية البشر السعادة، إنما يرغبون بحياة فيها مِن المعاني ما يُبرر الآلام فقط!».

بمعنى.. لا أحد يرفض الألم، على العكس ربما يحبونه حتى.. كونه هو الحالة الأساسية الافتراضية الـ Default للإنسان، كما أنشد أبو نواس شعرهُ قائلاً: تعجبينَ مِن سقمي! صحتي هي العَجبُ!

إنما يرفضون الألم غير المُبرر؛ ذلك الذي يكون بلا داعٍ.. دون سبب أو نتيجة!

فالجامعة يزول همها وألمها لتبقى الشهادة! فتُعينك -ولو قليلاً- على الانخراط في سوق العمل!

وعندما تمنحك القراءة فكراً مُستنيراً، تتلاشى ساعات الإجهاد الطويلة من الحملقة في سطور الكتب!

وفي اللحظة التي تحصل بها على جسم صحي يَشدُّ أزرك مواجهاً إرهاصات الحياة، لا يبقى لإرهاق النادي والتمرين معنى!

وعندما يحبك الجميع وتكون خفيفاً كأنك ورقة صفاف على جدول من الماء العذب، تنساب بهدوء.. يصبح عدم الخوض في جدالات الناس ومهاتراتهم أمراً مهماً!

حينها تتبخر كل الآلام السابقة، وتذوب كأنها بالون من الهيليوم، طار وارتفع بين الغيوم، ثم انزوى وغاب في الأفق..

فالإنسان بحاجة لهذا المفهوم ويَنشدُه ضمنياً، إلا أنه يستحي مِن المُجاهرة بهِ، كحُب المراهقين الخجول..

فالألم هو وجه العملة الآخر للمعنى، أن تكون بلا آلام يعني أنك كتحصيل حاصل بلا معاني، بلا أية مساعي..

وكأنك سفينة بالمرفأ.. مُرتاحة؟ نعم. لكن ليس لكي ترسو خُلقت السفنُ!

حينها لا معنى لوجودها أساساً!

الألم موجود.. نشعر به ويشعر بنا.. يطلبنا بعنف، ونطلبهُ على استحياء.. يعود كل ذلك إلى إنسانية الإنسان، حينها تتضاعف المعايير، ليكون هو الصخرة والنحات معاً! أنتَ الناحت والمنحوت به.. هو جزءٌ مِن تركيبنا. واستشعاره مجرد دليل على تحركاته التي تحصل، كحركة الجنين في بطن أمّه، حركته دليل المعاني؛ تلك التي تستعد كي تطفو على السطح! وتظهر..

من ناحية أخرى.. لا بد من القول أنّ إنسان العصر الحديث أصبح ناعماً جداً ومرهف الأحاسيس، لدرجة أنه يقضم حبة العنب على ست دفعات من شدة لطافته ورهافة كيانه. وهذا خاطئ..

أو ليس خاطئاً، بقدر ما هو غير طبيعي، لا يتناسب مع طبيعة الإنسان نفسها..

جميعنا درسنا منذ الصف الأول أن هناك نوعين فقط من الخلايا.. خلايا نباتية / خلايا حيوانية.

الإنسان ينتمي للصنف الثاني، ففي النهاية هو كائن طبيعي. يتحرك بقوانينها وينضبط بإيقاع عقاربها.

حينها لا يمكن للكائن العاقل أن يتصرف بنعومة مفرطة.. عندما يدخل الأرنب الغابة لا بد أن يتصرف كأسد.. سلوك الأرانب وسط الثيران والفهود والنمور لا يسوى قشرة بصلة..

فعلى الإنسان أحياناً أن يكون خشناً، ليس لا أخلاقياً أو سيئاً، لكن أن يملك أدنى مقومات الفهم التي تؤهلهُ لإدراك صعوبة الحياة، وأن النعم لا تدوم، ولا بد من أن تخشوشن قليلاً!

فسلوك قضم حبة العنب على ست دفعات لا ينفع في غابة الحياة هذه..

«الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها، فإذا أفلح المرء في ذلك، صار لا يفاجئه شيء، ليغدو سامياً فوق كل ما يحصل، ويصير تلك الضحية التي لا تقهر!» -رسول العدم، اِميل سيوران.

رحم الله الجواهري حينما قال، لم يبقَ عندي ما يبتزهُ الألمُ! لكن الآن الوضع تغيّر، ولم يعد استجداء الحزن أمراً جيداً، فهي طبيعة الحياة أن تكون هكذا؛ مخلوقاً في كَبَد! فوقوع الألم أمر محتوم، المهم أن تعي مُسبقاً أهمية حدوثه وأنه هو الافتراض أساساً.

حينها سيبقى عندك الكثير لكي يبتزهُ الألم! والمواجهة لن تنتهي مِن الشوط الأوّل أبداً..

وكما قال أحد الصالحين، لا تدعو الله أن يهبك ألماً أقل، إنما أن يعطيك ظهراً قوياً، حينها لن يضرك ثقل هذا العالم وكثرة أعبائه! على العكس، ربما تغدو قوياً لدرجة أنك تصبح حمّالاً للآلام..

تحمل آلام الناس الآخرين، وتخففها عنهم.. مَن يدري؟ ماذا لو كنا أقوى مما نعتقد بكثير؟

كعروة بن الزبير مثلاً..

الذي فقد ابنه في طريق السفر، ومن ثم أصيبت قدمهُ فاضطر إلى قطعها، ليرفع يديه إلى السماء ويقول..

اللهم لك الحمد.. كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فاللهم لك الحمد! فلئن أخذت فلقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما آخذت وعلى ما عافيت، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوءٍ قط..

أترون؟

هذا ليس ألم.. إنما آلام!

لك عندما يكون هناك ظهراً كبيراً تستند عليه، أليس ذلك بكافٍ حينها؟..

الحياة منذ بدايتها هكذا.. منذ اللحظة الأولى، ألم الولادة والانسلاخ من الكيس الأمنيوسي الجميل داخل بطن الأم.. وحتى ألم الموت والنزول في بطن الأرض. فنحن بين البطون نتدرّج ونلهو..

كان بالإمكان أن تبقى.. دافئاً شارباً نائماً، في أقصى درجات الإشباع..

لكن ليس لهذا خُلقت السفنُ..

الإنسان كالعنقاء، يُولد في اللهيب..

في اللحظة التي يموت بها، يُبعث مُجدداً..

مِن الصعب أن يموت الإنسان.. يمكن أن يقتلوا فيهِ كل شيء إلا روحهُ! وصدق مَن قال.. هاك إنسانٌ مُترفٌ في قصر ينتحر، وهاك إنسانٌ آخر في كوخ بسيط يعيش أجمل أيام حياته! الفارق بينهما كان أن الأول روحهُ مُمزقة، في حين أن الثاني يسند ظهره على قوّة كبرى!

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب ظهراً أقوى..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب معاني أكثر..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب كوب قهوة واستعد لجولة جديدة قادمة..

الدراسة عمرها لم تكن عملية جميلة.. والقراءة شيء مُمل يحتاج هدراً كبيراً للوقت.. والعمل مزعج ومرهق.. لكن هذه الأمور تقع في كفة الميزان المقابلة للمعاني. تسديد حساب لا بُد منه، كما تشتري البقالة وتُحاسب، شراءك المعاني، لا بُد أن يُدفع بعملة الألم!

وما حركتها إلا دليل على أن هذا الإنسان حي.. فكل شيء يتحرك. بدءًا من عقارب الساعة وحتى خلايا الإنسان نفسه..

فلو جرحت يدك، لانطلقت فيالق من الخلايا المناعية لمنطقة الجرح لتخوض اشتباكات عنيفة مع الميكروبات والالتهاب الحاصل..

ماذا لو تلك الخلايا لم تتحرك؟ ماذا لو شعرت بالكسل؟ ماذا لو كان لديها اتصال هاتفي مُهم ولم تأتِ؟

حينها “لا تنتظرها” فلن تأتِ!

كل شيء يتحرك..

وحركته دليل حيويته ونبض الروح فيه..

لذلك الإغريق القدماء أطلقوا على الرب لقب المحرك الأول.. لأن كل شيء حركة، فلا بد من مطلق أول لشرارة الحركة تلك.. فهو الثابت الأول! الثابت الذي لا يتحرك! لكنه يُحرك كل شيء!

ولهذا طقوس الحج..

والصلوات..

والذكر..

وحتى الرقص..

وكل شيء روحاني آخر..

كانت حركة..

كانت انسجاماً مع إيقاع هذه الموجة الكونيّة!

لا تطلب السعادة.. اطلب حياتاً فيها من المعاني ما يُبرر الآلام!.. لا تطلب ألماً أقل، اطلب ظهراً أقوى!.. وقل دائماً أنه بقي الكثير كي يبتزهُ الألمُ! ورحمة الله عليك يا جواهري!

هناك صعوبة.. نعم..

إذ أنت النحّات والصخرة معاً، ومن الصعب للإنسان أن يتحرك بهذه السهولة!

لكنه يستحق..

ولهذا كان الجنس السائد على ظهر هذا الكوكب الصغير..

الكائن الذي استطاع أن يفهم كل شيء..

ليس فقط هكذا..

استطاع أن يُغيّر كل شيء..

بدءًا من جريان الأنهار وحرارة الشمس، وحتى أصغر ما فيه..

ولا يوجد فشل، أكبر من أن يُغيّر ما حوله، وينسى أن يُغيّر نفسه!

فماذا ستجني؟ وماذا ستكسب؟

لو ربحت العالم وخسرت نفسك؟..

التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!

التصنيفات
فكر

شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة!

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك الشخصيّة..

كن مستقياً في سلوكك الجنسي أو خارجاً عن المألوف كما تشاء، العالم بات يتسع للجميع ولن يعتقلك أحد بتهمة حيازة أعضاء تناسلية لديها نزوات غريبة..

كن نحيفاً أو بديناً..

كُل كما تشاء، وأينما تشاء ومع مَن تشاء..

لكن في رحلتك الكبيرة هذه، وعندما تُريد أن تبرر توجهاتك الخاصة، لا تلقي باللوم على إيمان الناس البسطاء يا صديقي.. ولا تغتر بأنهم في مجاهل العالم الثالث لا يدري بهم أحدا..

أريد أن أقول لك التالي يا أيها العزيز..

لا تلوم الدين في كل شيء، وهنا أقصد لا دين الكتب والعقائد، إنما إيمان الناس البسطاء.. إيمان بائع الخضار الذي يبدأ يومه وهو يجر عربة خضاره.. مؤمناً أن الرزاق هو الله.. وأن مَن خلقه لن ينساه!

لا تتحامل كثيراً على هؤلاء الطيبين.. لا تتحامل..

عطفاً على موضوع البارحة…

وهو حادثة جريمة اللاشرف التي حدثت، قرأت بعض التعقيبات لبعض الأشخاص المحترمين عن ذلك الموضوع.. وكانوا يضعون نصب أعينهم في قفص الإتهام، كلمة الدين!

ما سبب جرائم الشرف وقتل الإناث؟

الدين!

لا يوجد أسهل من هكذا إجابة!

لدرجة أنهُ لو دخل أحدهم إلى الحمام وقُطِعَ عنهُ صنبور الماء الساخن لوضع الحق على الدين!

ما سبب تخلفنا؟ الدين حتماً.

ما سبب غياب المنهج العلمي؟ الدين الدين.

ما سبب نقص الملح في الطعام؟ الدين حتماً.

ما سبب قتل الإناث والبشر والشجر والحجر؟ الدين الدين.

أرأيتم؟

أصبح الدين الشماعة الجديدة “التنويرية”.

هو نظرية المؤامرة لهذا العصر، والتفسير السهل بالنسبة لهم.. كل شيء دين.. كل شيء بسبب الدين وناتج منه!

لكن.. لو أردنا تفنيد ذلك، لا سيما حجة الموضوع الساخن الآن وهو جرائم الشرف، فهو بسيط جداً.

عندما تريد ربط حدث ما مع مُسبب، فأنت بحاجة لقياس سلوكه أولاً. ثم عزله ثانياً.

مثلاً:

البدانة تسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

نقوم بالقياس..

ونراقب العلاقة الطردية الحادثة.

  • هل اذا زادت البدانة زاد احتمال الإصابة بأمراض القلب؟

نعم.

  • هل إذا نقصت البدانة والتزم الإنسان بروتين صحي يتعافى القلب؟

نعم.

إذاً نصل لاستنتاج هنا هو: للبدانة علاقة مع أمراض القلب!

هذا نموذج ومثال للربط الصحيح.

الآن نأتي لمثالنا الرئيسي.. جرائم الشرف!

يقولون أن ذلك يحدث بسبب الدين. نقول لهم: هل اذا زاد التدين زادت جرائم الشرف؟

هل اذا كان الإنسان متدين بنسبة 10% فإنه يقتل مثلاً واحدة!

وإذا كان متديناً بنسبة 90% فإنه يقتل عشرة!

الأمر مثير للضحك فعلاً قبل السخرية والنقد! وأعتقد أن الجميع يدرك أن المتدينين كثيراً يتحاشون المرأة بشكل كبير، ولا يقتربون منها فضلاً عن إيذائها!

هؤلاء يبنون رجل قش Straw Man لنسخة سهلة النقد من الدين. وغالباً لا أحد يؤمن بها سواهم، ويبدأون مغامراتهم الدون كيشوتية في صراع طواحين هواء غير موجودة!

ثم يصورون لك الإنسان المتدين وكأنّ له روتين يومي كالتالي:

في كل يوم يستيقظ ولديه To Do List هي التالية:

  • قتل عشرة نساء.
  • رجم وجلد 20 رجل.
  • منع المنهج العلمي، وقتل 10 علماء كانوا على وشك الوصول لاكتشاف ما!

أخي العزيز.. آمن أو لا تؤمن، هذه حريتك.. لكن أن تقول أن الدين سبب المشاكل وأصل كل الشرور بلغة دوكينزية، فأنت متحامل، وتقنص حبات الكرز من البستان الذي تريده أنت فقط، لأجل تأكيد وجهة النظر التي تتبناها مسبقاً.

غريب، ألا ترى هنا أن دماغك يخدعك! يذكرني هذا بالفيديو التاريخي لمهدي حسن عندما ناظر في أوكسفورد بعض أحزاب اليمين عن مواضيع مشابهة لهذه الفكرة.

العامل الثاني في قران المُسبب مع الفعل، هو العزل.

بمعنى، هناك دائماً حاجة لوضع عدة عينات بعد اكتشاف «نمط» ما لأجل تأكيد تكرار التجربة.

مثلاً:

عندما نريد قرن البدانة مع مرض القلب.

نقوم بأخذ عينة أخرى لبُدناء من بلد آخر.. أو بدناء لديهم أمراض أخرى.. أو بدناء بفصائل دم متباينة وهكذا.

سبب هذا هو عزل النمط المتواجد “البدانة تسبب أمراض القلب” في سبيل تجربتها على عينات أخرى للتأكّد. وفي حال ثبوت ذلك يعني أن العلاقة حقيقية والبدانة فعلاً تسبب أمراض القلب!

نأتي لمثال جرائم الشرف..

يا أخي العزيز المتحامل علينا..

هذه الجرائم هي شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني! نحن فقط نسقط “بلاوينا” على العالم الإسلامي الذي قد لا يدري بنا ولا بوجودنا! نسبة العرب ضمن العالم الإسلامي هي أقل من 21%! يعني أقل من الربع!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع الختان! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من مشاكل الشرف! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع التخلف! بل العالم العربي!

اختطاف الإسلام والدين ووضعه في صندوق العرب وحدهم، وإسقاط مشاكلهم وعقدهم النفسية والقبلية والتقليدية على الإسلام لتصبح قضايا الأمة، جرم كبير، وحالة نرجسية مرضية، يجب أن تصحح قبل أن يتوه العالم بنا وبه!

هذه شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني!

على هذه السياق..

قرأت منذ مدة كتاب بعنوان “سقوط العالم الإسلامي” للكاتب حامد عبد الصمد، لا أكذب إن لم أقل أن العنوان استفزني، وأشعرني بأنه سيأتي بشيء ضخم عميق، حالة أشبه لكتاب المؤرخ ثقيل العيار صاحب الروح الألمانية أوزفالد شبنغلر، الذي خطّ كتاب سقوط الحضارة الغربية، في نبوءته الشهيرة نحو اندثار القارة الأوروبية.

مسكت الكتاب الذي لا يتعدى مئتين صفحة، آملاً أن أجد شيء يدعو فعلاً للخروج من مسار السقوط إن كان يحدث حقيقةً.. فما وجدت سوى كلام لا معنى له!

لدرجة أن اسم الكتاب يجب أن يكون بدل سقوط العالم الإسلامي، سقوط سقوط العالم الإسلامي!

لماذا؟

الكاتب يعتقد أن العالم الإسلامي هو العالم العربي.. الذي ويا للمصادفة لا يشكل سوى 21% من العالم الإسلامي!

نكمل..

الكاتب يتحدث عن كيف هؤلاء المسلمون المهاجرون سيركبون قوارب الموت ويتجهون نحو أوروبا ويغرقونها!

كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب سقوط العالم الإسلامي..

انتهى الكتاب، ولم أجد شيئاً! لا نظرية سقوط ولا أي شيء.. بحثت عن حامد لأرى ما طبيعة دراسته فوجدت أنه يحمل شهادة في العلوم السياسية، ويعرف نفسه كباحث في قضايا التراث الإسلامي.

إن كان السيد حامد باحث في قضايا التراث، فأنا يمكنني هنا أن أعرف نفسي بأنني باحث في الهندسة النووية أيضاً.. وجدتي باحثة في علوم الذرة والفيزياء الكوانتية!

الكتاب منذ بدايته وفي عنوانه وفكرته الكبرى خاطئ.. يرى أن العالم الإسلامي هو العرب فقط! الذين لا يمثلون سوى الربع! ولا يرى حتى العرب كلهم إنما الشرق الأوسط!

ثم أن قوارب الموت التي ستحمل المهاجرين إلى أوروبا.. هل هي بسبب فشل العالم الإسلامي الذي أساساً ليس موجود إلا كدين شعبي ثقافي!

أين المهاجرين إلى أوروبا من الإمارات المسلمة؟

ومن سلطنة عمان؟

ومن السعودية؟

ومن المغرب والكويت؟

أين المهاجرين من تونس والجزائر؟

أين المهاجرين من أكبر دولة إسلامية في العالم وهي أندونيسيا؟

أين المهاجرين من ماليزيا ذات التعليم المنافس على مستوى العالم؟

يا عزيزي.. يا سيد حامد..

المهاجرون هم من الشرق الأوسط، الذين يوجد لديهم ألف سبب آخر قبل أن يكون العالم الإسلامي -غير الموجود أساساً- الذي تكلمت عليه حضرتك!

صراحةً.. أعطيت الكاتب وكتابه فرصة وبحثتُ أكثر..

ولا أكذب عليكم بأني استشعرت رائحة العنصرية عند الحديث عن أن هؤلاء سيهاجرون ويغرقون أوروبا وهكذا كلام..

بحثت أكثر.. فوجدت للسيد حامد لقاء على اليويتوب مع غاد سعد Gad Saad.

هنا أغلقت كل شيء..

وأوقفت البحث..

وعرفت أن الأمر لا يستحق..

هي النظرية نفسها..

النظرية العنصرية التي تقسم العالم لأصناف وأننا نحن السيئون!

غاد سعد يا أعزائي من أبرز فتحات التصريف الصحي -تجنباً لقول كلمة بلاليع- اليمين العنصري في كندا!

يمكن أن نقول أنه النسخة الأخرى من بين شابيرو..

الثلة الذين يعتقدون أن الرجل الأبيض هو صاحب الفضل على العالم وأن البقية هم أصناف أقل جودة!

هؤلاء ينسون أن الرجل الأبيض لم يكن طول عمره سوى صياد غير أخلاقي بلا قلب ولا شرف!

الرجل الأبيض الذي أسس أمريكا..

الرجل الأبيض الذي وضع تمثال الحرية، وتحت كل حجرة فيه، فروة رأس لهندي أحمر!

الرجل الأبيض الذي أتى إلى الشرق في عز حضارة العرب والإسلام حينها ليتعلم!

ما المشكلة حينها، هاا؟

في العصور الوسطى عندما كنا نحن مركز الإشعاع، هل كان الرجل الأبيض حينها أسمراً أم ماذا؟ لم تكن نظرية الذكاء التي يتشدقون بها الآن موجودة أم ماذا؟

والمضحك في الموضوع أن غاد ليس كندياً أصلياً، إنما لبناني من أصول يهودية! ربما الإنسان يتقبل العنصرية عندما تكون من أهلها الأصلاء، لكن أن “يتعنصر” عليك مهاجر مثلك، فهو أمر مضحك صراحةً!

دعكم منهم.. ودعونا منكم..

لكن مهما حدث، ينبغي على الإنسان ألا ينسى أصله ولا ينكره. حتى لو اختلف معه.

هذه العقيدة..

المتواجدة لدى الفكر الحامدي عبد الصمدي والغاد سعدي، توجد لدى بعض أصدقائي الذين أعرفهم، وكانوا قد هاجروا.. سواءً إلى ألمانيا أو أوروبا أو أمريكا بشكل عام..

أصدقائي هؤلاء.. يحاولون جهد استطاعتهم أن يكونوا بيضاً!

يحاولون عند سؤالهم بعد أن يُمنحوا الجنسية الجديدة.. أن يقولوا أنهم ألمان أو إنكليز! بعدما كانوا يعرفون أنفسهم بأصلهم ومن ثم جنسيتهم الوليدة!

ينضمون لأحزاب اليمين الأوربية.. وخمّنوا ماذا؟

يعادون المهاجرين الجُدد!

وهي سيكولوجية معروفة وتتكرر دائماً.. أشد العداء لموجات الهجرة واللاجئين الجُدد هم اللاجئين والمهاجرين القدماء الذين تجنّسوا.. لأنها تفتح لهم الدفاتر والذكريات القديمة التي يحاولون دائماً طمسها!

أياً كان.. شتتنا عن الموضوع قليلاً..

ما أريد قوله..

أخي العزيز الذي يحاول أن يكون أبيضاً، مشاكلنا موجودة نعم.. لكنها شجون عربية.. شجون شرق أوسطية.. شجون مناطق فيها تعليم رديء وحياة سيئة.. لأن الماليزيون بتعليهم الجيد لا يتركون العالم الإسلامي ويذهبون لأوروبا كما يريد الصمد أن يقول!

ولن يغرقوا أوروبا خاصته بقوارب الموت!

لا تتحاملوا كثيراً.. كونوا منصفين..

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك..

عبر كما تشاء وأينما تشاء..

لكن لا تقول أننا السيئين، ولا تطلق رصاصة على عربة خضار أبيك البسيط.. فهي رغم كل شيء، شجوننا الخاصة، لا علاقة لها بأي عقائد أخرى.

يزيد البعض من مستوى العبقرية ليأتي لك بأحاديث وآيات. وهي لعبة خاسرة جداً.

يا رجل.. آيات وأحاديث ماذا؟
النبي قال مواسياً طفلاً صغيراً مات عصفوره يا أبا عُمير ما فعل النغير؟

النبي قال في أعلى الأحاديث صحةً، دخلت امرأة النار في هرة حبستها؟

تريد أن تقول أن قتل الناس هو عرفنا؟

أنت متحامل ياعزيزي.

آمن أو لا تؤمن.. هذا مشيئتك الخاصة.

لكن لا تتحامل على إيمان البسطاء..

عش في بلادك الجديدة..

كن أوروبياً.. كن أبيضاً..

تابع بين شابيرو وغاد سعد و إيريك زامور إن كنت في فرنسا..

تابع أخبارنا.. وأبصق علينا إن شئت.. وقل كم نحن متخلفين وتقليدين..

لكن لا تتحامل ولا تظلم..

وإن كنت تصارع الوحوش كما تعتقد.. فاحذر أن تصبح منهم، وتغدوا وحشاً! فانتصار الوحوش لم يكن يوماً ما بقتلها، كانت دائماً تنتصر بأن تجعل من يعاديها يعمل بنفس طريقتها! فيغدوا سيئاً وعنيفاً!

يغدوا وحشاً مُتحاملاً.. يتبنى المنهج المخالف بطريقة الوحوش نفسها!

التصنيفات
عام

بخصوص جريمة اللا شرف!

مفهوم جداً أن يقتل الإنسان عدوه في ساحة حرب.. جندي يواجهُ جندي.. أن يختنق الإنسان غرقاً في بحر ما وهو يحاول الهروب.. أن يموت الإنسان بسبب رصاصة طائشة.. أن يموت بسبب أرذل العمر وتيه الجسد وضعف الحيلة..

بسبب أمراض القلب وتكدس دهون الطعام وأحزان الأيام في شرايينه..
لكن أن يُقتل بدافع الشرف!
شرف ماذا بالضبط؟
هذا المصطلح من أتعس المصطلحات التي قد تمر على خاطر أي إنسان..

لا يوجد شرف في الجرائم.. الجريمة دائماً بلا شرف، بلا أخلاق، بلا مبادئ.. وما اختراع هكذا مصطلحات إلا لتجميل وترميم الفعل، تلك اللعنة التي أتى بها الشيطان ميكافيلي قائلاً أنّ الغايات تبرر الوسائل. فلو كانت غايتك نبيلة -أن تقتل قريبتك الصغيرة الضعيفة- حين إذِ يمكن لجريمتك أن تغدو شريفة!
في حالة قد يستغرب منها القانون ويضحك عليها المنطق السليم، وترمي الأخلاق الإنسانية نفسها من الطابق العاشر لشدة الاستهجان والعجب!
عموماً، ولأن البعض يُريد أن يفهم ما الدوافع المحركة لهكذا أفعال بربرية همجية. يجب أن نفهم طبيعة الذكر -كجنس بيولوجي- لا كجندر اجتماعي.
عبر التاريخ، تقدّم الذكر دائماً بفارق خطوة إلى الأمام عن الأنثى، لسبب بسيط جداً، وهو أنّه يرى فيها دائماً الحاضن.. المستقر النهائي للـ DNA الذي يملكه.
شرّعت غالبية الثقافات وبررت السيطرة الذكرية على الأنثى كونها تملك رحم! أي المكان الحاضن الذي سيستقر فيه DNA.
لذلك، وبشكل عام أيضاً، بالنسبة للذكر -البيولوجي على وجه الخصوص، وبتجريد كامل لأي منحى اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي- فإن السيطرة على الأنثى ليس لأنه يريد السطوة ولا تقمّصاً لدور القائد ولا أي شيء آخر. هو فقط يريد السيطرة على الرحم، بلغة ماركسيّة: يريد السيطرة على مركز الإنتاج!.. مما يسمح له بتوليد نسل جديد وتحقيق الرغبة الطبيعية المُلحة في التكاثر.
فلو كان هذا الرحم موجود في ذكر -ولو أن الموضوع مستحيل تخيله قليلاً- لكان أن سيطر عليه أيضاً! كونه هو الضامن للجيل الجديد الذي سيأتي.
هذا كله في الغابات والسهول وكهوف الزمن الغابر..
تمر السنون سريعاً، ليرى الكائن العاقل نفسه قد تحضّر، وغدا في مدن كبيرة ذات أعداد سكانية مرتفعة، ومآوى قد بات مؤمن وسهل الوصول. لم تعد مخاطر العالم السابق موجودة، فكل شيء تغير. ونشأت هيئات مدنيّة جديدة، يمكنها أن تقوم بمهمة المحاسبة والردع والزجر.
لكن عقل الإنسان، لاسيما بعض الأصناف شبه البشرية التي تصر دائماً على الحيونة. لا تنمو كثيراً، ولا تقرأ، ولا تسير في ركب التطور البشري.
فكما بقي الخوف غير المبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب في دماغ الإنسان المدني على الرغم من قلة خطر تعرضه لها في عالم المدينة وفرصة موته بحادث مروري أكبر منها، بقيت أيضاً أشياء أخرى في عقله، كالسيطرة العنيفة على أرحام النساء هنا وهناك. حتى لو كانت النتيجة هي قتل صاحبة الرحم نفسه! في حركة قد ينتحر منها عقل الإنسان العاقل المدني، وعقل الإنسان البربري أيضاً!
فالأول يستهجن ذلك بسبب وجود قوانين في المدن الحديثة، والآخر البربري يستغرب ذلك لأنه لم يستطع أن يحمي ما كان ينبغي أن يحميه!
حينها، لا نكون سوى أمام فاجعة كما الفواجع الأخرى التي باتت خبراً عادياً تسمعه في كل يوم.. جريمة لا شرف بداعي الشرف، يعجز عن توصيفها القلب قبل العقل.. كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟
مفهوم أن يموت الإنسان في حرب..
في معركة..
في سبيل الله.. والوطن.. والمبدأ..
يا أخي، حتى.. مفهوم جداً أن يموت الإنسان من أجل الشرف.. لكن الشرف الحقيقي وليس الادعاء الهمجي البربري!
مثلاً، لو دخل منزلك لص ليسرقك ويغتصب زوجتك، هنا أنت تصارعت مع اللص وقتلته.. ما الجريمة المُرتكبة؟
هذه جريمة شرف. جريمة شرف يستحق الذكر حينها التكريم من أجلها.
عندما يحمي الإنسان نفسه وعائلته من الأوباش.. لا أن يكون هو الوغد الذي يقتلهم!
الأمر مؤلم نفسياً قبل أن يؤلم جسدياً أقسم لكم، يذكرني بالعبارة الشهيرة التي تقول: لم نمت حينما أطلقوا رصاصة علينا، لقد متنا حينما رأينا وجه مَن أطلق!
لا أعرف ما يجب أن نقول صراحةً..
الأمر ذاته منذُ حادثة إسراء إلى كل المواجع التي حدثت وستحدث..
كل ما نفلعه -أنا وأنت وهي وهم- ما هو إلا مجرد إراحة للضمير بأننا نغضب لهكذا حوادث وننكرها..
لكننا لا نفعل شيئاً..
ولا تبقى لهم سوى الرحمة الإلهية لتتغمدهم.. فإن ضاقت بهم الأرض، ففي السماء متسعٌ أكبر..

التصنيفات
عام

فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!

مشكلة فرعون في كل زمان ومكان على اختلاف تمثيلاته أنه أحمق.

نعم، لديه قوة جبارة..

يمتلك أحدث التقنيات..

يسكن في قصر منيف..

يتحالف مع فراعنة آخرين..

نعم، لديه ترسانة إعلامية هائلة.. وتفوق جوي بارز.. وطائرات F35..

لكنه أحمق!

إذ يترك «نقطة عمياء».. تتسرب منها فراشة صغيرة اسمها فلسطين.. لتهز بجناحها الصغير في مكان.. ثم ما إن يتداعى هذا الأثر، ليغدو زلزالاً بعد أن فاض واستفاض!

عندما تأتي النبوءة لفرعون بأن هناك طفل صغير ذكر سيُولد قريباً، فيحطمه ويأخذ عرش مصر.

يجن جنونه..

يأمر بوأد كل ذكر يولد حينها..

خوفاً من ذلك الصغير الذي سيأتي وينهيه..

لكنه يترك ثغرة صغيرة.

نقطة عمياء بسيطة..

تتسلل منها فراشة صغيرة تهز بجناحها..

في تلك اللحظة تحديداً.. وفي قصر فرعون نفسه.. يُولد موسى!

دائماً كانت هكذا..

وستكون هكذا..

بذرة الانهيار تولد في أوج التجبّر والانتصار..

فما بعد القمة العالية هو المنحدر القاسي المحتوم..

في عز الطغيان والتجبر..

لا يترك فرعون طفلاً إلا وقتله خوفاً من تلك النبوءة..

لا يترك فرعون عدواً “خارجياً” إلا ومزقه..

لا يترك فرعون تهديداً محتملاً إلا واشتبك معه..

لا يترك فرعون عالماً قد يشكل تهديداً عليه إلا واغتاله!

لا يترك فرعون خائناً إلا وتحالف معه!

لكن تلك الفراشة الصغيرة تمر..

دائماً كانت كذلك..

في اللحظة التي يبلغ فيه الوغد أوج الطغيان، تُولد بذرة انحطاطه في المكان الذي لم يتوقع منه ذلك!

تُولد في “الداخل”..

في قصره تحديداً!

ليأتي موسى.. يتيماً.. محمولاً في نهر..

بعد قدوم المواساة الإلهية لأمه عندما وضعته في اليم بأن: «لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ»..

فيذهب موسى يتيماً صغيراً متقوقعاً داخل صندوق خشبي في نهر بارد..

يدخل قصر فرعون في عام قتل الذكور.. لتكون بذرة نهاية فرعون قد وُلدت!..

«هناك رجلٌ بمفرده، بدون أسرة، بدون أطفال، بدون اللّه… هو يبني جحافل لكنَّه لا يبني أمَّة. يتم إنشاء الأمَّة من قبل الأسر، والدين، والتقاليد: تتكوَّن الأمَّم من قلوب الأمهات، وحكمة الآباء، وفرحة الأطفال وحماسهم. إنَّ الحداثة التي تبتلع الجميع، والتي تحترم الكرامة الإنسانيَّة والهيكل القديم لعرقنا، تضع نفسها في مكان كلِّ شيء آخر.

والإنسان الذي بمفرده، يدمج نفسه فيها بأكملها، ليس لديه إلهُ يُكرِّمه ولا أسرة يحفظها ولا ماضٍ يتشاور معه.»

فيلهلم الثاني، قيصر ألمانيا.

هي إذاً نقطةٌ عمياء..

بوابة صغيرة جداً يعتريها الأمل..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتكسر القوانين المتعارف عليها وموازين القوى..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتسرب أدعية الأمهات.. وصرخات الأرامل..

رباط المجاهدين.. وثبات المخلصين..

من هذه النقطة العمياء التي ينساها فرعون، يدخل موسى ليطأ عرشه..

فتهز فراشة فلسطين جناحها..

وتبدأ الحركة الجدلية الهيغلية..

ويتغير التاريخ..

ويمشي للأمام..

فإذا بالأسطورة الفرعونية بأرض الميعاد تتهاوى..

وإذا بمَن يمتلك أفضل تفوق جوي..

وأفضل وسائل دفاع..

وسلاح ردع..

ومفاعل نووي..

ومواقع إباحية..

ومَن يدعي أن الحمص والشاورما هي لهُ وليست عربية!

وأفضل تحالف مع سفاسف قريش..

يغدو أضحوكة!

ربما فرعون لن يموت..

ربما سيطول ذلك كثيراً كان أم قليلاً..

أهم ما في الموضوع.. هو تبيان أن فرعون قد أصبح “مسخرة”..

وأنه مجرد فقاعة تبنيها وسائل التواصل وشركات الإعلام “ومعابد آمون” وغيرهم من المنتفعين..

ففي النهاية، لن يقتل فرعون سوى موسى الذي وُلد في “الداخل”..

في قصره..

لتكون بذرة الأفول قد زرعت في النقطة العمياء التي غفل عنها ولم يرها..

تلك النقطة التي تحتضن أدعية الكثيرين..

ويمر منها التاريخ بحركته الجدلية الشهيرة..

فيتغير كل شيء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة..

تمر عبرها فتغلق للأبد…

تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً!

فراشة صغيرة متعبة ومحاصرة ومجوّعة..

فراشة صغيرة عنيدة رغم كل شيء..

فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

التصنيفات
فكر

لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

يؤرخ عالم هارفرد الشهير «ستيفن بينكر» في كتابه الضخم «الملائكية طبيعتنا» لمسيرة تقدّم المجتمع الإنساني عبر محطات عدّة.

متمحوراً حول عدّة مفاهيم وسياقات.. في سبيل تكثيف فكرة عامة للكتاب ولفلسفته بشكل عام؛ هي أنّ الإنسان أصبح كائناً رقيقاً، وعاد إلى طبيعته الملائكيّة –التوجهات الفلسفية هنا ثلاث، الإنسان كائن شرير بطبعه وهي فلسفة توماس هوبز. الإنسان كائن مُحايد بطبعه أو نظرية الـ «Blank Slate» «Tabula Rasa». والإنسان كائن خير بطبعه-.

«الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان» – توماس هوبز.

ينتصر بينكر للفكرة الأخيرة، خيريّة الإنسان وأننا نعيش في عصر رفاه جداً بالنسبة لجنسه.

وعندما يُسأل عن لماذا كل هذه الكوارث والآلام تحصل في زمننا الحالي؟

يجيب بأنه الانحياز نحو السلبية «Negativity Bias».

وسائل الإعلام في علاقة غرامية مع الأخبار السلبية والسيئة والمقيتة. لأنها هي ما يصنع حدثها وبالتالي يسمح لها بالعمل والاستمرار ولربما النمو!

لو لم يكن هناك أخبار سيئة ما الذي سيقولونه؟ ماذا سيغطون في نشراتهم؟

سيقف أمامك المذيع، أو المذيعة التي غالباً ما تكون حسناء ذات أصول لبنانية لتقول..

اليوم لا يوجد أخبار.. العالم مكان جيد وفي أحسن أحواله. شرقنا الأوسط بخير.

لذلك سنعرض لكم باقة من أغاني فيروز. ولا شيء آخر!

لا يمكن لهذا أن يحدث..

لأن الإعلام ليس هدفه فقط الإعلام.. إنما أن يجعلك تكره حياتك وحياة مَن حولك!

هذا من ناحية العمل في الأوساط الإعلامية، وعلاقتها الغرامية مع السلبية.. أما من زاوية عمل الطبيعة وقوانينها الثابتة، فهناك قصة أخرى..

للألم أهمية كبيرة من الناحية الطبيعية كونه ينبه الإنسان من عاقبة اقتراف الخطأ السابق مرة أخرى.

لنتخيل معاً إنساناً لدغه عقرب في غابة ما.. وفيما بعد نجا من اللدغة.

ومن ثم وبعد مرور سنة، تعرّض للدغة أخرى.. لكنه مات في هذه المرة!

مفهوم الألم في لدغة العقرب الأولى.. ما هو إلا تنبيه وزجر للإنسان من أجل تجنب هكذا حوادث في المستقبل.

لأنه لو لم يكن هناك ألم.. لكانت النتائج حينها كارثية!

أن تكون هكذا خبرات غير مؤلمة، يعني أن العقل لن يحفظها كونها لن تترك فيه ندوباً لأنها لم تكن مؤلمة.. وبالتالي سيكون الناتج كائن مهمل لا يعرف ما هو الصائب وغير الصائب له.

لكن مع وجود الألم، يختلف الأمر كثيراً.. فالاستجابة الألميّة، مهمة جداً على المدى البعيد لعدم تكرار الحماقات.

وحتى الأمور الجيدة المتعلقة بصميم استمرارية الجنس البشري، يُكافئ الإنسان عليها طبيعياً أيضاً بفيض من الدوبامين المتناطح داخل دماغه، ولعل النشوات اللحظية (المادية – الطعامية – الجنسية) تقبع في رأس الهرم لهذا الجانب.

أما السعادة، فهي مفهوم آخر..

السعادة مفهوم نقي.. خفيف.. صامت، وغالباً ما يكون تحصيل حاصل وبدون جلبة، إنما يظهر كخاتمة لمسيرة طويلة كانت قد حدثت، ولذلك عرّف الإغريق القدماء بأن السعادة أو اليودايمونية، هي الحياة وفقاً لنسق الفضيلة والقيم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اللبس الذي يحدث عند الاشتباك بين مفهومي السعادة والمتعة.

المتعة Pleasure هي كيمياء الدماغ.. نشواته اللحظية العابرة. عندما يُتخم بوجبة دسمة مليئة باللحوم.. عندما يمارس الجنس بشراهة.. حينما يشرب الماء بنهم.. عندما يملك المال كما يملك كيم جونغ كوريا الشمالية.. هذه متعة.. أي بهجة الدماغ الكيميائية فقط.

بينما مفهوم السعادة اليودايمونية الفلسفية هو الأكبر والأرقى..

تلك السعادة هي سعادة الرحلة الطويلة.. والتي غالباً ما تكون مرات إحساسها محدودة على طول الحياة المُعاشة.

مثلاً.. عندما تُربي طفلاً وتكبره ليكون إنساناً جيداً وينجح في ذلك وتفخر به، هنا أنت تحصل على السعادة.. سعادة القيمة والرحلة الطويلة الناجعة لا سعادة وجبة الدجاج التي تأكلها!

الاعتقاد بالمتعة Pleasure على أنها نفسها سعادة القيم، اختلاط خطير يُشير إلى تضارب المفاهيم وتوهان الطريق عند صاحبه.

ولربما هذا الاختلاط يكون مقصوداً.

لأن صاحبه يكون مرابطاً سابقاً على ثغور السعادة القيّمة تلك، لكنهُ غدا مرهقاً.. وأعجزه السعي المطوّل وراء ذلك السراب الضائع صعب الوصول، فقرر أن يضرب بها عرض الحائط وينغرس في المتعة..

ليأكل كثيراً…

ويشرب كثيراً..

ويمارس الجنس كثيراً..

ولا ينجب طفلاً كثيراً..

ولا يراه يكبر ليكون إنساناً جيداً كثيراً..

أصحاب المتعة هم نفسهم أصحاب السعادة بعد أن يأسوا وتحطموا..

لا يمكن للسعادة أن تترك ندوباً..

لأنها مفهوم نقي بسيط.. ولأن قوانين الطبيعة تتكاتف ضدها لتنصر تجربة الألم، كونها تحذر الإنسان من تكرار الفعل، فتصب في مصلحته طويلة الأمد، بينما لا تؤثر البهجة كثيراً في ميزان التكيّف، فيهملها العقل البشري..

ولا ننسى أيضاً، الانحياز الإعلامي نحو البؤس.. كونه يصنع الحدث دائماً..

سؤال بسيط..

هل سمعتم يوماً قناة إخباريّة غطت خبراً عن أب يُهدي ابنته هدية في عيد ميلادها؟

في يوم تخرجها؟

في حفل زفافها؟

لا..

لا يغطون سوى خبر الأب المُختل الذي يقتل ابنته..

والأخ الذي «يصون عرضه» بالطريقة الحمقاء التي نعرفها..

وهكذا عناوين رنانة بائسة..

لماذا؟

لأن السعادة لا تترك ندوباً.. ولا تصنع خبراً ولا عنواناً في نشرة أخبار.. ولا تُطعم خبزاً.. ولا تجلب مشاهداً..

السعادة مفهوم بسيط بريء، مُغفّلة جداً في عالم المنفعة هذا.. لدرجة أن الانتباه لا يلتفت إليها ويعرض عنها مُخاصماً.

السعادة شيء جميل..

خير محض.

فكما النُبل الحقيقي يكمن في فعل الأشياء الحميدة دون أن يدري الناس بها كما يقول تولستوي..

فإن السعادة الحقيقية تكمن في القيم الخفيّة بدون جلبة..

هي ليست كالألم.. مفهوم طبيعي مِن الواجب وجوده لتحذير الإنسان من تكرار الحماقة مرة أخرى في المستقبل.

السعادة مفهوم نبيل..

مفهوم بسيط حد السذاجة..

تستحي من أن تؤذي صاحبها..

لهذا هي لا تترك ندوباً..