التصنيفات
فكر

عن حرية التعبير، وفرنسا، وأشياء أخرى

تحية كبيرة جداً لمَن تكلم بمصطلحات «التنمر وحقوق الإنسان والمرأة والعدالة والإنصاف» قبل أن يأتي بها الخواجة الغربي ليفرضها علينا مُمارساً وهم التفوق الأخلاقي والمعرفي.
تحية كبيرة جداً لمنَ ينتج أفكاراً أصيلةً ويدافع عنها ليس لأنها «سائدة وأصبحت موضة» ومدعومة من قبل الهيئات الأممية العالمية، بل لأنه يراها محقة وأخلاقية مهما قلّ روادها.
وصف الداعمين لهذه التعاسات حالياً، وإطلاق لقب «مُتمردين على المجتمع» هو تماماً كالقول أن السمكة تجيد السباحة ومتمرّدة على الهواء!
هم مجرد مفزرات ونواتج للمرحلة التي يعيشون فيها لا أكثر.
**
الدافع لهذا الكلام، هو المغالطة عند تبرير الرسوم المسيئة للرسول الكريم بالقول أن التقديس للأفكار وحرية تعبير الإنسان وليس للشخصيات. وعندما نمعن النظر في هذا الكلام نجد أن هذا التبرير يعتمد على بنود «ميثاق الأمم المتحدة» الذي نشأ في حالة ظرفية لما بعد الحرب العالمية الثانية لتجنب الصدام مجدداً.
ثم يأتي المُتبني لهكذا كلام ليصف نفسه بالمتمرد، وما هو إلا وعاء للمرحلة لا أكثر!
**
الفكرة المهمة أن المسلمين والمتدينين أياً كان دينهم يعتمدون في أساسهم الأخلاقي بالدرجة الأولى على «الدين» لا على ميثاق حقوق الإنسان -الذي لا يتعدى عمره 75 سنة بالمناسبة- لذلك ستسمع عبارات من نمط: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله». فبالنسبة لأي فرد مُسلم، هو وحريته وكيانه وكل شيء فيه يأتي ثانياً بعد الله ورسوله. لذلك أن تقول للمسلم أن حرية التعبير أولاً ومقدسة، فهذا لا يعني له شيء أبداً لأن الشرعية المانحة لمبادئه ليست هي هذه.
فالنظام الموجود في رأس المسلمين هو الله والرسول أولاً، وبعدها الكيان الشخصي للفرد.
**
كتذكير لأصحاب الذاكرة القصيرة الذين لم يقرأوا التاريخ، واعتماداً على مُلخصات أبرز العقول التي امتهنت التأريخ والتوثيق -شبنغلر وتوينبي وويل ديورانت صاحب قصة الحضارة- فإن الدين هو أكبر عامل في نشوء الحضارات، سبب ذلك أن الحضارة تحتاج روحانية كي تنهض. تحتاج لتمركز المؤمنين بها حول مبدأ أعلى من حدود الأنا والذات واللذات الشخصية -الليبرالية تضع الإنسان كمركز وهذا هو النقد الأكبر لها- وهذا ما تفلعه الأديان.
على العكس تماماً، موت أي حضارة واندثارها يكون غالباً مع المترفين. عندما يتم تعويم الإنسان وتقديس فرديته وحريته الشخصية ونزواته المريضة وقطع أي علاقة بمبادئ عليا -يُعرف هذا الكلام بالعدمية الثقافية- بالتالي القضاء على عنصر «الروحانية» المشترط لقيام أي حضارة.
حاول أن تبحث عن أي حضارة نشأت بدون روحانية أو دين أو مبادئ عليا. الأمر شبه مستحيل.
**
الآن نعرف لماذا هاجت فرنسا جداً بمقتل المدرس صامويل باتي وخلدت ذكراه في السوربون مع عظمائها كفيكتور هيغو وباستور. السبب ببساطة أن مبادئ الجمهورية الفرنسية لم تنجح بخلق قيم تدفع روادها للموت في سبيلها، لأنها هي أساساً تجعل من «الإنسان هو المركز» فكيف تضحي فيه؟
بينما الأديان وفي سبيل الله تجد الملايين يضحون بحياتهم من أجلها (يمكن لبعض المحدودين اصطياد العبارة هنا لتبرير الأفعال الهمجية، وهذا خاطئ بالمطلق. الفكرة هنا هي خلق مبدأ ناجح لدرجة أن رواده مستعدين للموت من أجله).
**
وحتى نعرف مدى سذاجة ذلك «المتمرد المزيف» المعادي لثقافته الأصلية لا أكثر واللاجئ على حدود ثقافات الآخرين. يجب أن نقول أنه لو كان يعيش في عام 1800 لكان يطبل ويزمر للعبودية لأنها كانت سائدة. ولو كان حياً وقت شريعة حمورابي قبل الميلاد لطبل وزمر لمبدأ الفصل بين طبقات الناس (العامة – العبيد – الأحرار). وكتحصيل حاصل بينما هو يعيش الآن في زمن ما بعد الحرب العالمية وميثاق الأمم، فطبيعي أن يطبل ويزمر لمبادئ حرية «التبعير» وغيرها.
**
التمرد الحقيقي أن تقف في وجه السائد، ليس كل تطوّر هو تقدم، أحياناً يكون التطوّر هو العودة للخلف وتعزيز موقفك الحالي لا تركه وقطع الصلة بالماضي. خصوصاً إن كانت كتب التاريخ تذكر ذلك وتضعه كشرط للحفاظ على حضارتك. لكنها سنة الأمم، وصدق مَن قال: «مَن لم يفهم التاريخ، محكوم عليه تكرار مآسيه».

التصنيفات
فكر

نقد صنم حرية التعبير

مِن المُفارقات السخيفة عن حرية التعبير أنها مَنتوج وإفراز لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فمع صعود واحتدام القتال بين العقيدة الألمانية الهتلرية، والشيوعية الستالينية، والايطالية الموسولونية، إضافةً لمحور الحلفاء الغربي، ومع سقوط ملايين القتلى. جلسَ الجميع بعدها لصياغة بيان مِن تجربة القرن العشرين التعيسة في محاولة فرض الهيمنة على الآخر.
فكانت حينها الحريات بشكلها الحالي، وحرية التعبير بشكل خاص، وتعويم مبادئ «أنت حر ما لم تضر» وغيرها. فالمهم هو ألا تقاتل من أجل مبدأك، وأن تعتنقه بنفسك فقط.
**
السخافة في الموضوع تكمن عندما يُقدّم لك المفكّر المشحون بحرية التعبير وكأنه قديس قروسطي يُحارب في سبيل آلهته الجديدة الأرضية. دون أن يدري أن ما هو وحريته معاً إلا مُنتج وإفراز طبيعي لمرحلة ما بعد عالمية خلّفت ملايين القتلى. أنتَ لا تأتي بشيء جديد يا عزيزي. أنت ابن المرحلة، ولا يمكن حتى وصفك بالمتمرّد، لأن هذه الايدولوجيا عُممت على سائر العالم عبر الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات التي نشأت.
**
تزيد السخافة أكثر وأكثر عندما يكون ذلك المدافع عن حرية التعبير نفسه يؤمن بتعدد الأكوان وأن الكون مجرد كون في عدد لا نهائي، وأن التطور أثبت أن الإنسان مجرد كائن هامشي نتج عن حركة ديناميكية بيولوجية متغيرة، إذ يقوم بإلغاء مركزية كونه ومن ثم إلغاء مركزية الإنسان كجنس طبيعي. ثم فجأة تراه يقرر التمحور حول نفسه ووضع مفاهيم «حرية تعبيري» كمركز لكل شيء! وهذا ما يُعرف بـ «العدمية الثقافية».
**
اختصار مفهوم العدمية بلا معنى للحياة اختصار مخل، العدمية الثقافية هي قطع الصلة بالماضي والحاضر والتمحوّر حول النفس. بمجرد أن تفكر أي حضارة وثقافة بتبني مبدأ «الإنسان وفقط الإنسان» هذا يسرّع أفولها ودمارها وانحلالها. تخيّل أن تذهب لعامل يبني الأهرامات وتقول له: ألا تعلم أن حرية تعبيرك مقدسة!
معظم المعالم والحضارات والأبنية الكبرى بنيت باسم الإله والروحانيات. الترف وتمركز الإنسان وغرائزه كقيم عليا هي ما يحدث عند نهاية الحضارات. لذلك يُقال: «تبدأ الحضارات بإسم الله، ثم تموت وتضمحل بإسم الإنسان». ولهذا تنبأ أوزفالد شبنغلر في كتابه سقوط الغرب بسقوط القارة الأوربية بسبب هتك القيم الفريدة السامية التي قامت عليها الحضارة.
**
أخيراً، وضع الإسلام والأديان بشكل عام في بوتقة واحدة مع حرية التعبير وغيرها من المفاهيم الهجينة الناتجة عن حالة استثنائية، إهانة كبيرة.
عندما حصلت ردة الفعل الأخيرة على فرنسا، لو تخيلنا أن كائن فضائي كان على الأرض، لاستغرب فوراً وقال: من هو النبي محمد؟ أين يعيش الآن؟ هل هو ملك في مكان ما؟
لك أن تتخيل ملامح وجهه عندما يعلم أن ردة الفعل هذه لنبي كان قد توفي قبل 15 قرن من الآن! وهذا يعطينا ملمح صغير لمن سيربح ومَن سيسود ويبقى!
“البقاء ضمن لغتكم الطبيعية للأكثر تكيفاً، والإيمان الديني هو أكبر نظام تكيفي. أما أنتم فعليكم بالمواساة بالفن والحقوق والحريات وغيرها من معاني الحياة المُترفة التي لن تنوب محل السماء المتعالية”.
وضع النبي محمد (ص) في خانة واحدة مع مفهوم حرية التعبير إهانة كبيرة. وسبب ذلك ببساطة أن تلك الحرية هي نتاج لمرحلة عنف في القرن العشرين سرعان ما بان عوارها، إذ لم تكمل للآن 75 سنة! لنرى النقد قد هجم عليها من كل حدب وصوب.
نُريد أن نقارنها مع نجاح أحد الرجال الذي قلب شكل العالم قبل 15 قرن وفي قلب الصحراء! عندما لم يكن هناك إعلام ولا تواصل وسوشال ميديا! صدقَ مَن قال أنّا للجبل أنا يخاصم فأراً!
**
كتلخيص لكل ما سبق يمكنني الاختصار بالنقاط التالية:

  • حرية التعبير وغيرها من الحقوق نتاج مرحلة ما بعد الحرب العالمية. ليست دساتير كونية مقدسة إنما مجرد اتفاق عالمي لوضعية ما بعد الحرب.
  • الليبرالي المدافع عن حرية التعبير يحتاج لهذا الوهم كي يستمر. لأنه في السويد مثلاً، 90% من الناس ليبراليون. لا يمكن حينها لليبرالي العربي أن يمارس «وهم التفوق» الأخلاقي والمعرفي. لذلك يبني برج عاجي مخاطباً العرب كونه أرفع منهم وأكثر أخلاقيةً منهم، أما في السويد فهو مجرد مواطن عادي، لا يمكنه أن يميّز نفسه سوى أمامنا.
  • الحضارات تُبنى بإسم الله، وتنتهي بإسم الإنسان، ومحوّرة الإنسان وحريته وذاته هي أوّل علامات الانحطاط والأفول. ولا يوجد أصدق من الآية الكريمة التالية لوصف الموقف: «وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها».
التصنيفات
فكر

الدرس المُستفاد مِن الصدام الإسلامي الفرنسي

كان القرن التاسع عشر والذي سبقه فترة الثورات الصناعية، ثم أتى القرن العشرين ليكون زمن الحروب والفلسفات الكبيرة؛ فالأسماء التي ظهرت فيهِ غير قابلة للتكرار فضلاً على العد، بسبب الزخم الفكري الذي حدث فيه.

أما القرن الواحد والعشرين فيقال أنّه -وفقاً لرؤية ستيفن بنكر ويوفال هراري- قرن السلام، وأنّ الإنسان العاقل صاحب السجل الدموي الحافل، قد قرر فجأة الاعتكاف عن ممارسة طقوسه الخشنة وتسديد فاتورته البيولوجية العنيفة، ليصبح قطة وديعة مُسالمة.

إلا أن قرننا الحالي يصح أن نسميه، بـ «قرن التعرية». فمع انتشار وسائل الإعلام والتواصل بشكل غير قابل للتخيل. أصبح كل شيء مكشوف وعلى الأسطحة، إذ كل ما عليك فعلهُ ضغطات صغيرة حتى ترى كل شيء. ومن ثم -كتحصيل حاصل- أن تحكم على كل شيء وتتبنى كل شيء.

ما يحدث حالياً في هذا القرن هو صدام حضاري بين العلمانية الفرنسية والثقافة الإسلامية المتواجدة داخل فرنسا أيضاً. وإن أردنا وضع المشاعر على جنب لنكون قساةً في القلوب، هناك دروس مُستفادة ظهرت على السطح بسبب هذا التلاحم الأخير الحادث لا بد مِن الإشارة إليها.

فقرننا قرن الوضوح والتكشّف. ولعلَ شيئًا ما لم يعد استثناءً أبداً..

  • الدرس الأول: هو أن جُملة: العلمانية «مُحايدة قيميًا» لم تكن صحيحة بشكل ما. بمعنى أن اختصار فكرة العلمانية بأنها مجرد «فصل» الدين وابعاده عن السياسة فقط مع إمكانية مُمارسته بشكل خاص عائلي ضمن ثقافة صغيرة لم يكن محقاً بالمطلق. فالذي تبيّن أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة نعم. لكن في سبيل «تعويم» قيم الجمهورية. فلو حدث تضاد -حتى لو كان غير سياسي وهو التعريف العام للعلمانية بالفصل- فإن الجمهورية ستتدخل لصالح إعلاء قيمها، وبالتالي هي غير مُحايدة.

قد يقول قائل: نعم هي غير محايدة لكنها على الأقل تحترم الجميع وتمنحهم الحرية والإخاء والمساواة. ما المانع في ذلك؟

نعم هذا صحيح، لكن هذه الفكرة توجه ضربة قاسمة لفكرة «عالمية العلمانية». بمعنى هذا يقودونا -بالضرورة- للقول إذًا أن العلمانية هي فكرة تتطوّر في بيئة معينة والتي هي في هذا السياق البيئة الفرنسية الأوروبية. عندها لا يمكن أن نقول لبلد ما في الشرق أو الجنوب أنك يجب أن تكون علمانياً ومحايداً قيمياً، لأن هناك تبني غير ظاهر لمبادئ الجمهورية الفرنسية. إلا لو كنت في بلدك الشرقي ترغب في تبني المبادئ الفرنسية!

قد يقول قائل آخر، وما المشكلة في تبني تلك المبادئ؟

لا مشكلة سوى أنها مبادئ ليس لها تاريخ في أرضك. بمعنى أن تلك المبادئ ظهرت في فرنسا عندما طُحنت حروباً ومن ثم وُلِدَ جاك روسو وجون لوك وغيرهم من المنظرين.

أن يأتي أحدهم -على البارد المستريح- ليأخذ ذلك النتاج ويضعه كقبعة على جسد مجتمع آخر بدين آخر وثقافات أخرى وتطوّر حضاري آخر، هو حالة هجينة لم تنجح في تاريخ ولا في خيال حتى.

فالدرس المستفاد هنا، أنّ مبادئ العلمانية ليست محايدة قيمياً إنما تسعى لإعلاء أخلاقيات الجمهورية. وهذا جميل، لكن في أرضهم فقط. لأنها تطورت في ذلك المجتمع. وفكرة -تصديرها- للآخر، لا تقل عن فكرة تصدير الدين والحكم الكهنوتي مِن عندنا لعندهم.

  • الدرس الثاني: الخطاب هنا موجّه للسادة المسلمين وليس السادة العلمانيين والمحسوبين على الطرف الآخر أياً كانت تسميته. فالمسلمون ارتكبوا خطئاً شنيعاً قلما كانوا يقعون به. ولنفهم ذلك الخطأ وجبَ طرح المثال التالي:

لنتخيل أن هناك إمبراطور عظيم يملك الأرض بأجمعها، هذا الإمبراطور أرسل برقيات مهمة جداً على شكل كتب من خلال رُسل إلى شتى شعوب الأرض وعبرَ أوقات مختلفة أيضاً.

ما الذي حدث؟

الذي أحدث أن تلك الشعوب، قدّست تلك البرقية، وقدّست شخصية الرسول الذي حملها. لكنها نست الهدف من الرسالة كلها وهو الوصول لذلك الإمبراطور العظيم الذي كتبها.

هذا المثال ليس لي. هذا المثال قاله ولخصّه رجل حديدي قبل حوالي 1500 سنة من الآن، عندما وقف في قلب الصحراء ليقول:

«مَن كان يعبد محمداً فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»!

أزمة المسلمين -وليس الإسلام- هي أنهم لم يعبدوا الله إلا قليلاً، انتمائهم الديني هو انتماء اجتماعي قبلي وليس انتماء روحي وجودي. وهذه ليست أزمة المتأخرين من أمثالنا الذين ولدوا بعد آلاف السنين، إنما أزمة الأوائل الذي شهدوا وجود النبي (ص) في وقتهم وخاطبهم الصدّيق حينها. وإلى الآن نفس الغلطة تتكرر..

  • الدرس الثالث: هناك خلط بين مفهوم حرية التعبير ومفهوم «قلة الذوق». ولأوضح الفكرة سأضرب المثال التالي: تخيل أنك موظف غني راتبك الشهري يصل لعشرة آلاف دولار. وصديقك يبلغ راتبه ألف دولار شهرياً. هل بإمكانك أن تجلس بجانبه وتقول: اوووه أنا أكسب شهرياً عشرة آلاف. أنا غني. أنا مُتخم بالأموال… الخ.

الفكرة ليست أن حرية التعبير غير مصانة، الفكرة أن الاهتمام بشعور الآخر أمر يرفع أرصدتك. صحيح أنه في بلده وأنه يمارس حقه الطبيعي في التعبير، لكن أن تتغاضى عن أهمية احترام شعور الآخر رغماً عن أنه غير مُلزم لك. أمر لا يمكن الاستهانة به.

«في شبابي كنت أهتم بالحرية كثيراً، وكنت أقول أني مُستعد أن أموت من أجل حريتي، ولكن في كهولتي أصبحت أهتم بالنظام قبل الحرية، فقد توصلت إلى اكتشافٍ عظيم يُثبت أن الحرية هي نتاج النظام». المؤرخ ويل ديورانت | صاحب سلسلة قصة الحضارة.

من جانب آخر، يجب أن نُشير لأن الحركة الفرنسية جاءت لاستفزاز الحلقة الأضعف لدى المسلمين وهي الحاضنة الاجتماعية لا الحاضنة الفكرية!

لأن أكثر دولة انتجت مفكرين ومستشرقين قاموا بنقد الإسلام والأديان بشكل عام وتفكيكهم هي ألمانيا، لكن ويا للمصادفة لم يحدث شيء في ألمانيا! لماذا؟

لأن تيودور نولدكه وابراهام غايغر وشلايرماخر وغيرهم من وحوش النقد الديني، كانوا نخبويين. كتبوا الكتب في نقد الدين مُخاطبين بذلك النخبة التي لا تتعدى الـ 5%. لا الحواضن الاجتماعية الشعبية، الإيمان البسيط اللطيف. وبالتالي لم يحدث شيء.

أما فرنسا فقد كان استهدافها مُباشراً للحاضنة الاجتماعية. إذ أن نصف المسلمين تقريباً اسمهم الشخصي محمد. المسلم يرضى أن تشتم أمه وأبوه وكل عائلته وربما حتى يرضى بشتم الله -مناطق كبيرة من بلاد الشام تستسيغ هذا الفعل عند الغضب، رغم ادانته في حالة الهدوء- إلا أن شخصية النبي عنده غير قابلة للمساس. مثلما مبادئ الجمهورية الفرنسية غير قابلة للمساس.

وهذا عادل بشكل جميل صراحةً. الفكرة التي انبثقت مؤخراً ولا يمكن تجاهلها هي الاثبات شبه القطعي أن هذه المبادئ لا يمكن تصديرها. فالعلمانية الفرنسية هي خصوصية فرنسية أوروبية، والإيمان الديني خصوصية شرقية. فلن أطالبك باحترام مبادئي في أرضك، وأنا بدوري لن احترم مبادئك في أرضي.

  • الدرس الرابع: وهو الأخير ها هنا. أن مجلة شارلي إيبدو كانت قبل كل هذه الأحداث لا تتعدى مبيعاتها 5 آلاف اسبوعياً. بعد أن نشرت رسومها وقُتل رساميها كسرت حواجز الـ 70 ألف اسبوعياً. ولأزيدكم من الشعر بيتاً، فإنّ الرسوم أصبحت مترجمة وباللغة العربية للأسف. كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب بعض الطائشين الذي لا يفهمون ما يفعلون.

أحدهم عمره 18 عاماً والآخر 20. كلهم صغار مشحونون بالعواطف. لو كانت تلك الأفعال جيدة الفعل لما تركهم «الكبار» لفعلها، لسابقوهم عليها وفازوا بها هم لكنهم مخدوعون.

العديد من القصائد التي هجت النبي (ص) أو أساءت له في الأيام الأولى لم تنتشر وتم السكوت عنها ومرت مرور الكرام. لماذا؟ لأنها كانت بلا قيمة. فمَن هي حتى تُسيء لرجل الزمان محمد حينها؟

الآن المسلمون يهدون تلك المجالات جائزة مجانية بالتسويق لهم. فالأستاذ الفرنسي صامويل باتي قبل شهر من الآن لم يكن معروفاً. كان شخصية مجهولة تماماً. أما الآن فهو من أشهر أعمدة فرنسا إذ تم تأبينه وتخليد ذكراه في السوربون جانب عظمائها كلويس وباستور وفيكتور هوغو.

هذه الأفعال الطائشة تذكرنا بعبارة الشيخ الغزالي: «ليس بالضرورة أن تكون عميلًا لتخدم عدوك، يكفي أن تكون غبياً». فلو افترضت أن فرنسا عدوتك يا عزيزي فهذه الطريقة ليست جيدة في مهاجمتها، على العكس ربما تفيدها بشكل آو بآخر.

نزّهوا النبي عن هكذا مهاترات ومجادلات.

العلمانية ليست فصل للدين عن الدولة، أو نعم هي كذلك، لكن مع تعويم لقيم الجمهورية التي هي خصيصة فرنسية أوروبية. وإن ما زلت مؤمناً أنها خصيصة عالمية فأنا أدعوك لنقل خريطة فرنسا من أوروبا ووضعها في الشرق الأوسط بين بلداننا، وراقب العلمانية فيها ذلك الوقت، لن تصمد وستموت. والسبب في ذلك أن تلك الخصيصة الفرنسية نشأت وتطورت في ظل سياق حضارة أوروبا بكاملها. المطالبة بتعويم فكرة خاصة على نماذج عالمية أمر ساذج.

وقبل أن نطالب بها في الشرق العربي، يجب أن نرى كل من روسيا والصين وأمريكا الجنوبية والمكسيك تطبق مبادئ الجمهورية الفرنسية وتنجح، بعدها يمكننا تطبيقها. لأن هناك مَن فعل ونجح حينها.

أما المسلمون فهم ما زالوا عالقون في صدمة موت النبي الكريم، فلم يعبدوا الله منذ ذلك الحين. لذلك كل فترة وأخرى يخرج أحد الشباب الطائشين ليُهدي -عدوه المفترض- فرصة العمر على طبق من ذهب. فتزيد المبيعات وتشتعل الهاشتاغات في حروب ورقية ومعارك وهمية. لا رابح فيها ولا خاسر.

التصنيفات
عام

معارك وهمية

حروب الهاشتاغ، لا تُشبه سوى معارك مِن ورق جنودها لا وجود لهم!
إذ يجعلنا الفيسبوك وتويتر نختصر مشاعرنا عن طريق التفاعل بضغطة زر هنا وتعليق هناك وأحببته لصورة صديق وأغضبني لصورة عدو! والفارق بين لحظة الحب وشرارة الغضب ما هو إلا «لمسة صغيرة» على شاشة الهاتف حتى يتغير المنشور وتنقلب معه المشاعر!
لكننا في الحقيقة، لم نحب ولم نكره ولم نغضب..
يُرضي الفيسبوك وتويتر وهاشتاغاتهم حِسّنا البشري بأننا نتضامن ونتحرّك لكننا في الواقع لا نفعل شيء…
ما الذي كسبه اللبنانيون بعد حدوث نكبتهم الأخيرة من ملايين القلوب واللايكات؟! كم أمّنت وآوت تعليقات الفيسبوك مِن مشردي السودان بعد فيضاناتهم؟!
لا شيء. لا شيء أبداً.
تعلمنا مواقع التواصل كيفيّة إختصار مشاعرنا واختزالها في ضغطات إلكترونية لا فائدة منها. لا فائدة لها سوى أنها تُرضي غرورنا الشخصي بأننا أخلاقيون، نحب الجميع ونتضامن مع الجميع ونقاطع الجميع وأننا لا نترك الآخرين وشأنهم.
لكننا في الحقيقة لا نفعل شيئاً. وإن فعلناه فهو لأنفسنا فقط…

التصنيفات
ذكريات

لا حمامات في مدارس هذه المدينة

الإنسان كائن عضوي. هذه حقيقة ثابتة لا يمكن التلاعب بها. لذلك، ترتّب على هذه العضوية أن يكون لديها أمعاء تعمل بشدّة وحزم في الأوقات الحرجة، وعند حاجتها الطبيعيّة داخل المنزل تقرر الإمساك عن نفسها والتقاعد عن العمل. ربما لا تكون مُشكلة كبرى الآن، لكنها لطفل بعمر 6 سنوات قد تشكل عقبةً، أو على الأقل مغامرة صغيرة لا بد مِن خوضها.

***

جالساً مطمئناً في مدرستك الحكومية الاعتيادية. نفس المقعد، نفس المدرّسة، نفس الأصدقاء، نفس الحصة، نفس المروحة المتهالكة التي تدور ببطء، نفس كل شيء. أي باختصار، إنه مُجرد يوم مُمل آخر يضاف إلى حياتك الرتيبة. مع تعديل بسيط في دورة إطراح الفضلات. إذ فجأة وبدون سابق إنذار، تجد أن الحاجة قد أصبحت ملحّة عليك. وأنت كطفل صغير ضعيف المقاومة هزيل البنية لن تستطيع الاحتمال لفترات طويلة كما يفعل الكبار جِمال الصحراء ذلك.

الخطوة الأولى هي أخذ الإذن للانصراف إلى حمامات المدرسة. تخرج على استحياء من مقعدك، مُمسكاً بطنك بشدّة لأن الكتمان قد بلغ أوجه، تتجه إلى الآنسة غليظة القلب عريضة المنكبين لتستأذن بالذهاب.

تمنحك الإذن سريعاً، تخرج من الصف في لحظة متجهاً إلى دروة المياه، قسم التواليتات تحديداً.

لا أعرف صراحةً لمَ تُسمى دورة مياه رغم أني لم أجد فيها مياه يوماً. دائماً كانت مقطوعة ودائماً كانت الصنابير في تسلسل بغيض من الأسى. الصنبور الأول مخلوع بالكامل، الذي يليه موجود لكنه مُلتصق لا يمكن فتحه. الذي بعده يكون مفتوح لآخره لدرجة أنك لا تستطيع أن تمد يدك حتى تغسلها خوفا من أن تقطع، وهكذا.

لكن مُشكلتنا الآن ليس صنبور الماء لغسل الأيدي مشكلتنا في المكان المقابل لذلك. على الناحية الأخرى تماماً.

لو كان هناك إمكانية للتعديل في بعض إعدادات الحياة ضمن نطاق الزمكان الذي نعيش فيه لوضعت خاصية إضافة موسيقا تصويرية لبعض المواقف التي نعيشها في حياتنا. مثلاً، وأنت تدخل للكلية أو أنت تخرج منها. أنت تنتظر على طابور الخبز، أنت تنتظر على طابور الغاز. طابور البنزين. الخ. الكثير من المواقف التي نعيشها يلزمها عندما تحدث آنياً أن تنبثق موسيقا تصويرية في خلفية المشهد الذي أنت بطله. حاول تخيّل ذلك، أعتقد أن بإمكانه أن يضفي تحسيناً واضحاً على حياتنا.

إلا أن أهم موسيقا تصويرية تلك التي تشتغل عندما تحاول أن تجد تواليتاً نظيفاً يحوي أبسط الإمكانيات والمتطلبات التي يحلم بامتلاكها أي تواليت يحترم نفسه، ويصلح للإنسان العاقل بكل غروره وإرثه البيولوجي أن يجلس فيه. لكن مع الأسف لن يحصل. مثل صنابير المياه تماماً.

الأول سيكون حائماً بالمياه بالقذرة، وعليك أن تعوم بداخله ببدلة سباحة. الثاني أموره تمام لكنه بدون باب، وإن أردت المخاطرة وكنت قوي القلب فعليك به. الثالث مليء بالفضلات بشكل مثير للريبة. فضلات على الصنبور، على الحائط، على مقبض الباب، على السقف، فضلات في كل مكان. لطالما كنت أتساءل كيف كان التلميذ الوغد الصغير يفعل ذلك. صدقاً لو أراد عن قصد نثر بقاياه في كل الأرجاء بهذا الشكل لما استطاع، كيف بإمكانه تلويث كل المكان لهذه الدرجة القبيحة من السوء!

الرابع لا يمكن أيضاً، لأنه غير موجود أساساً. فعددهم كان ثلاثة فقط.

لا يكن منك حينها سوى أن تبتلع ريقك وتخرج من دورة مياه لا مياه فيها تجر أذيال الخيبة وأنت تفكر بالخيارات البديلة. لا يزال اليوم الدراسي في أوله، ومحاولة الكتمان كل هذه المدة ستكون بمثابة سباق تحمل غالباً ستفشل به. وإن كنت واقعياً، فالحالة كما رأيتموها، كل شيء مكسور ومعطل وملوث مِن قبل الأوغاد الصغار.

ماذا إذن. هل الاستسلام يحدث الآن؟ هل تنسحب في عمر الـ 6 سنوات من أول معركة أمعاء قد تخوضها؟ لا لا؟ قطعاً لا.

تنبعث الموسيقا التصويرية التي تمنيتها قبل قليل لتسلّط الضوء على مشهد جديد. لحظة اكتشاف شيء لطالما كان موجوداً. المكان المعروف بـ «حمام المدرّسات». وهو حمام خاص غير مسموح للطلاب العاديين أن يدخلوا إليه، فكما هو معروف هناك في المدرسة دورتين مياه. الأولى تكون شيوعية للتلاميذ، يتبرزون فيها على سقف الحمام. والثانية هي رأسمالية برجوازية للمدرّسات.

وبما أن الخروج كان أثناء الحصة الدراسية، فغالبية المدرّسات كانوا في دوامهم، والمديرة تمارس نشاطاً عديم الفائدة كعادتها. فالانسلال إلى الحمام الخاص كان قد حصل، وتم تسليم الحمولة. وما كان قبل دقائق معدودة عبئاً على تلميذ لم يتجاوز الـ 6 سنوات تقريباً أصبح الآن في طي النسيان. شاقاً بعدها طريقه نحو الصف من جديد. بعد مغامرة مليئة بالمخاوف كان قد أجبر عليها.

لأكون صادقاً معكم، أحياناً كان حمام المدرسات يُقفل لأسباب مجهولة، فهن نادراً ما يستخدموه حتى، لكن وجوده واجب. فكان حتى هذا الخيار في بعض الأوقات ملغياً، لذلك كان لا بد مِن خطة بديلة دائماً، خطة تقتضي تحمل المسؤولية الشخصية في عبء حمل الفضلات داخل وخارج جسمك. خطة لم تخترها مُباشراً لكن لم يتبق لكَ إلا هي.

خطة تقتضي أن تعود إلى المنزل وأنت تمشي كالبطريق. خطة كانت في وقتها مدعاة للألم والسخرية والبكاء، لكنها بعد سنوات طويلة تتذكرها فتضحك وتضحك وتضحك. خطة كان بالإمكان الاستغناء عنها لو كان هناك مياه في دورات المياه. لكن للأسف لم يحصل. وبعد مرور الأيام تفرح لأنه لم يحصل، لأن ذلك هو تماماً ما يدفعك لتذكر تلك الأيام البائدة. في حين أن كل شيء آخر قد نُسي واضمحل. كل شيء آخر كان قد مضى وتبخر..

التصنيفات
عام

إجابات أسئلة عبدالله الموسى | جائزة ليبستر

أن تكتب تدوينة وأنت تعلم مُسبقًا أن مَن سيقرأها هم مجموعة مِن المدونين والكتّاب الأفاضل، يفرض شعورًا غريباً من الهيبة لا بد من وجوده. تماماً كأنك مُدرس ومعلم صف يجد نفسه واقفاً قبالة مجموعة من الأساتذة وموجهي التربية كثي الشوارب مُحدبي الكروش، يجلسون أمامه بدلًا من الطلاب المُعتادين، يرمقونه بنظرات الشك والريبة. لكَ حينها أن تتخيل ما هو الشعور وكيف تفكر.

امتثالاً لمبادئ الجائزة، أودّ أن أشكر جميع الأساتذة الأفاضل الذين سبقوني في الكتابة والإجابة على الأسئلة، وكنت قد قرأت ما كتبه عبدالله وهادي وفرزت ويونس. كما أشكر مَن سيتبعني في هذه السلسلة ويجيب على الأسئلة اللاحقة مُكملًا المسير.

جائزة ليبستر هي جائزة يقدمها المدون لمدونين آخرين يهتم بمحتواهم، وتكون فرصة لقرائه كي يتعرفوا على تلك المدونات، لذلك هي ليست جائزة بالمعنى التقليدي الحرفي فلن يكون من ورائها مبلغ مبالي أو تمثال، وشروط الحصول عليها هي التالية:

1. شكر الشخص الذي رشحك ووضع رابط مدونته كي يتمكن الناس من الاطلاع عليها. [شكراً صديقي عبدالله، أتمنى أن تفتح تطبيق تلغرام كي ترى رسائلي الكثيرة التي فوّتها. أرجوك افتح تلغرام يا رجل :)].

2. الإجابة على الأسئلة المطروحة عليك من قبل المدوّن (تم).

3. رشح مدونين آخرين واطرح عليهم بعض الأسئلة (في الأسفل).

4. نبه المدونين الذين قمت بترشيحهم ليشاركوا (على تويتر).

5. اكتب قواعد المسابقة وضع شعارها في منشورك أو مدونتك (هنا).

السؤال الأول: كيف بدأت رحلتك التدوينية؟

أول احتكاك حقيقي مع التدوين كان في عام 2014 مع مقال اسمهُ تفاحات ثلاث غيرت البشرية. كنتُ حينها أشاهد مقطع فيديو يروي فيه صاحبه أن جُل التغيرات المهمة التي ضربت البشرية كانت ناتجة عن تفاحة. فها هو النبي آدم، وها هو نيوتن. تفاحةٌ حرمت الجنس البشري بكامله من الجنة. وأخرى علمته سر هبوط الأشياء نحو الأسفل.

فيما بعد رأيت خبراً عن ستيف جوبز وآبل وأن هذه «التفاحة» تغيّر البشرية وتكتسح العالم. فربط عقلي التفاحات الثلاث مع بعضها وكانت التدوينة الأولى على مجلة أراجيك.

السؤال الثاني: موقف جميل حصل معك مُرتبط بالتدوين، أو كان التدوين أحد أسبابه؟

عصرت مُخي لأقصى درجة لكن دون جدوى. لم أجد جواباً لهذا السؤال. لا يوجد هكذا مواقف قد حصلت.

السؤال الثالث: هل ساعدك التدوين في طريقة عرض أفكارك؟

حاول أن تفكّر بلون ما غير موجود في قائمة الألوان المعروفة. هل تستطيع؟ لا. حاول أن تفكر بفكرة ما بدون لغة أو كلمات. هل بالإمكان فعل ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن اللغة أساساً هي واحدة التفكير. فلو كانت واحدة التوتر الكهربائي هي الفولط، فإن واحدة التفكير هي اللغة.

لدينا مثلاً المستطيل وهو رباعي الأضلاع، لدينا المربع وهو كسابقه، لدينا الدائرة، لدينا المثلث. لنفرض الآن لدينا شكل هندسي مكون من 50 ضلع! ما هي وجهة النظر تجاهه؟ عدم التعريف. سنقول عنه أنه مجرد شكل هندسي. لكن لماذا؟ -هنا مربط الفرس- لماذا هذا الشكل مجهول بالنسبة لنا؟ السبب هو أننا لا نملك في «لغتنا» وصفاً ومصطلحاً له كي يعرفه.

للأمر حتى أساس عصبي وليس مجرد نظرية معلقة في الهواء. لا يمكن للإنسان التفكير بدون لغة، بالتالي هي النافذة التي يطل مِن خلالها على باحات الفهم المختلفة. للتوضيح أكثر سأضرب مثالاً:

نطوّر المثال السابق ونتخيل أن طفلاً تعلم في مدرسته مذ كان صغيراً أن المثلث يملك 3 أضلاع والمربع والمستطيل أربعة والدائرة منحنية. وأن الشكل ذو الأضلاع الخمسين اسمه مثلاً: «شاكوش». حينها سيكون هذا الشكل عنده معتاداً ومألوفاً. لأن «لغته» قد وصفته بمصطلح، وبالتالي أصبح معرّفاً بالنسبة له.

نجيب الآن على السؤال، هل ساعدك التدوين في عرض أفكارك؟

نعم، بشكل كبير.

اللغة بشكلها الحر المخزن في الدماغ تكون فوضوية، اخضاعها وضبطها وتنسيقها يقوم التدوين بفعله على أكمل وجه. ولهذا نجد معظم المفكرين الكبار هم مؤلفين وكتّاب بالضرورة. نادرًا ما نجد مفكرًا لا يكتب، مفكر شفوي مثلاً!

ولو أردنا أخذ الموضوع لنطاق أكبر بكثير نقول:

لماذا أساساً لم يبدأ الإنسان بناء حضارته إلا عندما تعلم الكتابة؟ ماذا كان يفعل قبل ذلك؟

للتدوين أثر كبير جداً، الكتابة نفسها أطلقت شرارة حضارة الإنسان بشكل ما.

السؤال الرابع: هل لديك طقوس وروتين خاص في الكتابة؟

البساطة.

حينما يكون لدي شيء لأكتبه أفتح المدونة وأكتبه وأضع صورتي عندما كنت في الصف الأول كصورة بارزة لهُ كما في هذه التدوينة، عندما كنت أعقد «الفولار» تحت الجوزة كيلا تسقط للأسفل وتضيع.

وعندما ليس لدي شيء لأقوله لا أفعل. أعتقد أن الإجبار على انتاج شيء ما خصوصاً في مجال التدوين يُقلل من قيمة المحتوى الناتج أو على الأقل يُجهض من إبداعيته.

السؤال الخامس: تقييمك للمحتوى العربي على الانترنت اليوم بشكل عام.

غير مُلم بكامل المحتوى العربي، كما أني أعتقد أن الإجابة على مثل هكذا سؤال تتطلب وضع مخطط دقيق لمتى بدأ المحتوى يظهر وما هو تواتر دعمه والمجالات التي يغطيها ومن ثم نقيسها طبقاً للزمن والدعم الذي كان قد تلقاه. لذلك أرى الأمر صعباً نوعاً ما. خصوصاً أن علاقتي بهذا الوسط هو أن أكتب مقالاً وتدوينةً ثم أخرج. لذلك لا أعتقد أني أملك المفاتيح اللازمة لتقييم الصورة الكاملة.

لكن بشكل عام ودون دخول في تفاصيل كثيرة، أعتقد أن تعداد المواطنين الذي يقرؤون باللغة العربية حوالي 420 مليون. أكثر موقع يتم الدخول إليه -فرضاً- 50 مليون زيارة شهرياً، جُلها من محركات البحث.

عن أي محتوى نتحدث؟

الغالبية لا يقرأ. وإن قرأوا فهم يأتون من محركات البحث التي دائماً على غرام مع مواضيع (كيف أفعل كذا وكيف أفعل مذا).

السؤال السادس: ما هي آخر لعبة جربتها وما رأيك بها؟

أحب الألعاب الاستراتيجية التي تكون أنت فيها المتحكم العام والقائد الأعلى للجيش، هذه الألعاب تُرضي غرورنا الشخصي بحب السيطرة. كما في لعبة جينيرال زيرو أور، رغم أني لا ألعبها إلا قليلاً.

إضافةً لألعاب فلاش التي كانت موجودة في «السيديات» القديمة من إنتاج أفندي وصباهي، كانت تأتي في حزمة مع برامج أخرى كما في برامج المجموعة الرائدة، وكييف، والبرق 2 و3.

إنترو إقلاع البرق 3 كنت أراه معجزة بحد ذاته، وهو حاسوب يتلولب ويتحرك بشكل جميل ثم يبدأ العَرض.

أحب لعبة السمكة التي تأكل الأسماك Feeding Frenzy إضافةً للعبة فلاش باربي التي تكون شبه عارية وأنت تقوم بإلباسها، كانت متواجدة بقوة أيضاً تلك الأيام.

السؤال السابع: آخر كتاب قرأته وما رأيك به؟

ليس كتاب إنما مجلة. هذه صورتها.

اشتريتها من أحد البسطات الصغيرة متعددة المهام، حيث يبيع صاحبها البزر والبسكويت والطرابيش -إحدى أنواع «المخدرات الطعامية» المتواجدة بقوة في الفترة الأخيرة- ويقوم بتجليد الهويات الشخصية والبطاقات النقابية. ومن ضمن ما يعرضه قائمة الكتب والمجلات التي تصدر عن الهيئات الرسمية التي لا يشتريها أحد.

رأيي هو الحزن. عندما اقرأ هكذا مقالات ونصوص محكمة، وأرى أن أصحابها دكاترة ويحملون شهادات من موسكو وأماكن بعيدة. أقول بيني وبين نفسي لماذا لا يطورون هؤلاء الأفاضل من أنفسهم؟ لماذا لا يسجلون على الشبكة وينشؤون حسابات وينشرون هكذا عناوين رصينة هنا؟

صدقاً أخجل من نفسي. عندما أرى هكذا كتابات تدفن في مجلات لا يقرأها أحد.

***

هذا كان كل ما في جعبتي، آمل ألا أكون قد أطلت حد الملل، ولا أوجزت حد الخلل. كل الشكر لقراءتكم ولهذه الجائزة وأصحاب فكرتها.

أما ترشيحاتي للجائزة، فهم الأفاضل التاليين: محمد حبشمحمد بعيو.

وهذه هي الأسئلة:

1. كيف بدأت رحلتك في عالم الكتابة والتدوين؟ هل أنت نادم؟

2. نصيحة -غير سرية- اكتشفتها في عالم الكتابة وكانت قد أفادتك خلال الرحلة؟

3. ما رأيك في التدوين باللغة الإنجليزية؟

4. ما رأيك في الترجمة بشكل عام؟ هل كل مُترجم هو مدوّن بالضرورة؟

5. هل تحب الكتابة والتدوين وترى فيها نشاطاً مُحبباً، أم مجرد روتين يومي أصبح لزاماً عليك ممارسته بحكم ظروف معينة؟

التصنيفات
عام

براءة ذمة هرمونيّة

الاستشهاد بهرمون «التستوستيرون» للقول أنّ الرجل عنيف بطبيعته وعدواني بشكل عام هو تمامًا كاقتناص آية: «ويل للمصلين» مِن مكانها.

عام 2016، قام الباحث الفرنسي «Jean-Claude Dreher» في مركز ليون للدراسات بتجربة على عينة مِن الذكور لاستقصاء مدى تأثير هرمون التستوستيرون في ردود أفعالهم. قسّمَ المجموعة لجزئين، الأوّل أعطيَ حقنة تستوستيرون إضافيّة أما الآخر لم يُعطى شيء.

بعدها تم قياس ردود الأفعال مِن خلال وضع مبلغ مِن المال بجانبهم والطلب منهم اتخاذ إجراء (إما أن يعطوا المال كجائزة، أو يحرموه كعقاب) بناءً على قصة تعرض أمامهم لشخص آخر.

كانت النتيجة أن الذكور المحقونين بجرعات إضافية مِن الهرمون أبدوا ردة فعل أعنف ولم يعطوا المال بعكس الذكور غير المحقونين بجرعات إضافية مِن التستوستيرون.

إذاً، الذكور أصحاب التستوستيرون الأعلى عنيفين وعدوانين؟

لا. هنا يتم اقتناص الدراسات والأبحاث لصالح توجهات وأيديولوجيات بعينها.

أظهرت الدراسة أن الذكور -المحقونين بالتستوستيرون أيضًا- أبدوا ردود فعل بإعطاء المال أكثر في حال كانت القصة التي تُعرض عليهم تستحق الثناء. بمعنى أن زيادة الهرمون في أجسامهم لم تساهم فقط في العدوانية إنما ساهمت أيضاً في فيض المكافئة في حال القيام بفعل حميد. أي أن التستوستيرون لا يسبب العنف إنما «المبالغة والتطرّف» سواءً المبالغة السلبيّة كعقاب وأذى، أو مبالغة إيجابية كمنح المال والتقدير.

لذلك عندما نضع هذه المبالغة ضمن سياقها الكامل دون اجتزاء نخرج بالاستنتاج التالي؛ يميل الذكور أصحاب التستوستيرون العالي للتطرّف بالفعل وهذا يترتب عليه:

أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة بالأذى) وبالتالي الأكثر عنفًا وغالبية نزلاء السجون والمجرمين هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مبالغة في التفكير المجرّد) لذلك نرى أن أكثر الفلاسفة هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة في الاندفاع والتضحية بالنفس والموت) وبالتالي يكون 97% مِن ضحايا الحروب وجنودها هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة بالقيام بالفعل) وبالتالي تكون نسبة الانتحار عند الذكور 4 أضعاف من الإناث على الرغم مِن أن نسبة الاكتئاب تكون أكبر عند الإناث.

الفكرة ليست في أن الذكر عنيف، إنما أنه مُبالغ متطرف. سواءً تطرف إيجابي أو تطرف سلبي. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التطرّف لدى الحالات المحقونة بهرمون إضافي وليس الحالات العادية. الدراسة أجريت بين عينة ذكور وذكور آخرين. ليس ذكور وإناث!

لنفهم القصة أكثر، ننظر لمنحنى غاوس كما في الصورة البارزة للتدوينة.

السواد الأعظم مِن الناس -ذكور وإناث- يقعون ضمن وسط المنحنى، لا تظهر التباينات إلا عند تفلطح المنحنى في الجوانب (ما بعد الـ +3 وما قبل الـ -3) بلغة أسهل: قامت الدارسة بحقن «جرعة إضافية» مِن التستوستيرون بالتالي هي جرعة غير طبيعية. غالبية الذكور في الطبيعة هم عاديي التستوستيرون لذلك الحالة المتطرفة (المجرم العنيف / الفيلسوف رثّ الهيئة) هي الشاذة عند تسطّح المنحنى مِن الجوانب وليس الحالة العامة السائدة.

فالقول أنّ الذكر أداة قتل بيولوجية ادعاء خاطئ لأن الدراسة أجرت المقارنة بين ذكور وذكور آخرين. التطرّف كان لدى المحقونين بكمية غير طبيعية أصلًا. مِن السذاجة أن يتم أخذ نتيجة عينة غير طبيعية وتعميمها على جنس كامل. ثم يُقال: الذكر عنيف بطبعه.

لذلك عندما يتم إسقاط هذه الفكرة على ظاهرة سائدة بشكل كبير في المجتمع كالتحرش، لا يمكن أن نختصر الأمر على أن «طبيعة الذكر هكذا» لأن أساسًا ارتفاع نسبة الهرمون مقصورة على حالات ضئيلة بينما التحرش أمر سائد جداً. اللهم إلا إن كنا نعتقد أن 90% مِن حالات التحرش في المجتمع يقوم بها 0.5% مِن الذكور فائري الهرمونات، وهذا طبعًا منطق خاطئ في الاستدلال.

هكذا ظواهر سببها الجوهري ثقافي لا بيولوجي. لأن مَن يقوم بها نفسه في الوطن العربي على سبيل المثال عندما يذهب للنرويج ويرى ثقافة أخرى بعقاب آخر يُلجم عن فعلهِ.

فكرة الاعتماد على بيولوجيا الإنسان لتبرير تصرفاته عفا عليها الزمن، لأن آبراهام ماسلو عندما وضع هرم الاحتياجات لم يضع في قاعدته سوى الطعام والشراب والتنفس… الخ مِن الأساسيات التي بدونها يموت الكائن. نعم، هذه لا يتخلى عنها الإنسان. أما القول أنّ الذكر عنيف بطبعه لأن بيولوجيّته تهيّئه لذلك، تماماً كالقول أنّ الأنثى لا تصلح لمجالات الـ STEM لأن ميولها النفسية والبيولوجية لا تهيئها لذلك!

بلغة أقل دبلوماسيةً: مُجرد التسليم بأن الذكر هو ذئب وكائن عنيف وأداة قتل بيولوجية هذا يعني التسليم على الجانب المقابل أن الأنثى مجرد «مَفرخة» للأطفال لا أكثر.

الإنسان كائن عاقل، عقل في اللغة العربية تعني «المُحدد» لذلك يُقال في الخليج عما يوضع حول رؤوسهم «عِقال» لأنه يقوم بتحديد الرأس وإحاطته. يمتلك الإنسان عقل يمكّنه مِن تحديد غرائزه وتصريفها بشكل سلس مُتسق. فحتى لو البيولوجيا تهيئ الكائن لفعل شيء ما بعينه هذا ليس مبررًا إطلاقًا لأن العقل موجود في الجسم، ولأنه يستهلك ربع موارد الأوكسجين الواردة إلى الإنسان.

أن نقوم بالسلوك اعتمادًا فقط على ما تمليه علينا كيمياء أجسامنا فهذا ارتداد كبير نحو الأصول الحيوانية، وإهمال لمركز محاكمة مهم جدًا في جسم الإنسان يُطلق عليه لقب الدماغ.

وإن أردنا ترك ملاحظة أخيرة قبل أن ننهي، فهي التذكير بأنّ الحضارة والمدنيّة بكاملها تعتبر تطرّف فكري. لذلك قال الهراري في كتابه العاقل: «التاريخ الحضري أمر محدود جدًا قام به ثلة من الناس بينما كانت الغالبية الساحقة تحمل قدور الماء وتنقلها». بمعنى أن الحضارة هي صناعة مَن هم بعد الـ +3 على المنحنى. الحضارة هي نتاج المتطرفين فكريًا، لأن الحالة الطبيعية للإنسان أن يسرح في الطبيعة مُلبيًا غرائزه الأوليّة فقط.

التصنيفات
عام

بعد 1442 عام مِن الهجرة

لم يتغير الكثير… مازلنا نعيش على نفس الخريطة في البقعة ذاتها. نرتدي نفس الملابس ونحتر تحت أشعة شمسنا القديمة على ظلال الرمال التي لم تتحرك منذ تلك الفترة. لم تتغير الكثير مِن الأشياء، ما زال كل شيء جاهليًا رغم بعض التغييرات التي حدثت. هناك واي فاي وإنترنت وأمازون ويوتيوب لكن الروح جاهلية؛ فهي لم تهاجر بل ثبتت في مكانها. بقيت ساكنةً كما تركناها قبل 1442 سنة مِن الآن.

هاجر الجسد، لكن مَا سكن الجسد لم يتحرّك قط… هاجر النبي وحده، أما نحن فقد بقينا مكاننا، لم نخرج مِن مكّة بعد…

شكّلت المدينة مُمثلةً بالعالم الآخر والفرصة الثانية، أملاً في البداية مِن جديد، أملاً في الاقناع، أملاً في أن تنجح هناك. إذ غالباً تأتي الهجرة بمنافع كونها أمر طبيعي، فالطيور تهاجر سنوياً وحسب الفصول. ولعلَ لنا فيما تفعله قدوةً بعدم التعلّق المبالغ به بالمكان والعشّ الذي نقطنه. فالطيور تترك عقاراتها ودكاكينها ولا تبقى. ترى في أي مكان يتواجد رزقها فتطير إليه. بهذه البساطة. ومِن ثم تعود حينما يتحسن المناخ ويعتدل الطقس.

المشكلة أن هجرة الإنسان ثقيلة، الإنسان كائن مكّبل جدًا، مليء بالأقفال. يحتاج إلى الكثير مِن الرسميات حتى يعبر. وإلى أين؟ في كثير من الأحيان ستجد ملاذه الجديد مجهولاً. هجرة بلا وجهة. هجرة إنسان يهرب مِن الموطن لا إنسان يقصد المُرتحل. كمن يركب قطارًا حتى يخرج مِن الحي، وليس ليصل إلى محطة ما.

لم يهاجر إنساننا قبل 1442 سنة ولم يهاجر اليوم. دائمًا كان يقع في الخطأ نفسه، أنه يحب المكان، يتعلّق به. المكان الذي يرفضه كثير مِن الأحيان. لكن ذلك التشبث المؤذي كما في العلاقات السامة لم يسمح له أبدًا. تلك الطبيعة العاطفية التي ميّزت إنساننا الرملي الذي لطالما وقفَ على أطلال أماكنه حتى بعد دمارها.

دائماً لم يستطع، منذ بداية نشأته وإلى الآن. كان يحب المكان. يحب الأطلال. يحب هذه الديار… حتى لو تركته تلك المحبوبة الخيالية التي كان يُجبر في مقدمة أشعاره أن يكتب عنها إلا أنه لم يستطع إلا أن يقف على أطلالها، أن يبدأ بها المعلقة وأن يُنهي بها كل القوافي..

قد لا تكون بلادنا أجمل البلاد، لأن هناك بالتأكيد بلدانًا أجمل، ولكن في الأماكن الأخرى أنت غريب وزائد، أما هنا، إن كل ما تفعله ينبع من القلب ويصب في قلوب الآخرين، وهذا الذي يقيم العلاقة بينك وبين كل ما حولك، لأن كل شيء هنا لك، التفاصيل الصغيرة التي تجعل الانسان يحس بالانتماء والارتباط والتواصل. – عبدالرحمن منيف

لو أردنا نقد كلام المنيف هنا فسيكون بالتفريق بين مفهوم الارتباط والانتماء وبين مفهوم التكبيل. هناك فرق بين أن تحب الانتماء وأن تُجبر على الانتماء لأنك مُكبل بأقفال تمنعك مِن السفر، وجوازات لا تُختم على شبابيك المطارات، وسفارات كانت قد أغلقت أبوابها، ونظرات دونية لك يا قاطن العالم الثالث بني اللون. هذه البلاد جميلة وتغوي ساكنها ليحبها فعلاً، لكن أليس مِن الحب ما قتل؟

لو نظرنا بعين فاحصة في حضارات التاريخ لوجدنا أنها غير قابلة للتكرار أبداً. بمعنى أنها تأتي لمرة واحد ثم ترحل، لذلك دائمًا ما يتم تشبيه الحضارة بأنها كالعجوز التي تحمل حقائباً، في كل فترة زمنية تجلس في مكان ثم تمضي. وهكذا هي حضاراتنا البشرية. لا تموت، إنما تنتقل مِن مكان لآخر، والأهم من هذا أنها لا تكرر مكان جلوسها مرتين.

أين هي الحضارة اليونانية؟ انتهت. أين هي الحضارة الفرعونية؟ انتهت. أين هي الحضارة العربية الإسلامية؟ انتهت. أين هي الحضارة الفارسية؟ غادرت منذ زمن طويل. ولم تتكرر أي واحدة منهم ولن تتكرر.

سبب ذلك أن المؤسسون الأوائل كانوا يملكون شيء يمكن تسميته بنشوة الأمل. نشوة البداية الجديدة. نشوة الهجرة. لذلك كان يؤسسون، ولذلك كانوا يفتحون بما يفعلونه آفاقًا جديدة. أما الآن فقد أصبحت هذه الحضارات عبئًا على أصحابها، فتجد مَن يؤمن بها يريد استرجاعها مِن باب الواجب وحفظ ماء الوجه أمام صفحات التاريخ وليس لأنه يملك أملاً بها. ليس لأنه يريد أن يهاجر.

يا مَن تسافر عبر الزمن لتقفز 1442 سنة إلى الأمام فتجد نفسك في عالمنا اليوم غريباً، أريد أن أخبرك أننا ما زلنا في مكاننا. لم يهاجر أحد منا. مازلنا في نفس المكان. على ذات الأطلال، ننشد أشعارًا على مساكن لم تعد موجودة وآثار عجوز تحمل حقائبها كانت قد جلست ها هنا. يا مَن يسافر عبر الزمن نحن لم نهاجر. هاجر الجميع ولم نهاجر نحن.

لو هناك أمنية صغيرة أتوق لحدوثها بحق ستكون إمكانية أن يمتلك الإنسان قدرة على رؤية الأزمنة بعد وفاته. أن ترى ماذا سيحدث بعد 1000 سنة أو قبل ذلك. أن تسافر روحك عبر الزمن لتنتقل وترى ماذا جرى. كيف تغير المكان وساكنيه؟

نحن، أنا وأنتِ وهو وهم. مسجونون في نطاق زمني لن يتعدى عام 2100 في أقصى حالاته. لن نرى ما سيحدث في 2220 ولا 2340 ولا 2500 ولا حتى 3020. ولن نرى قطعاً ما هو قبل بل سمعنا به. لذلك أعتقد أنه مِن اللطيف جدًا أن يحوز الإنسان هذه الإمكانية؛ رؤية كيف سار المسار ومشت الطرقات على حيوات سائريها في النهاية. ماذا جرى وماذا حدث؟ هل هاجروا أم بقوا في أماكنهم؟

لكن هذا ليس بين أيدينا، وليس بالإمكان شراء الأمنيات بمجرّد تخيلها. ما بين أيدينا هو الآن و1442 عام مِن الهجرة التي لم نفعلها نحن. إنما بقينا في نفس النقطة. مازلنا واقفين. أصبحنا غرباء، كالمتسول في صالة سينما فاخرة بعد انتهاء العرض.

لربما كان البقاء مقصوداً، إنها المكوّنات الجوهرية في دماء مَن يسكنون هنا، الوقوف على الطلل. أن يرى المكان متهدماً فينشد شعرًا يرثي حاله وهو يجلس في ركن بيت لم يعد له وجود. لم يكن عدم الهجرة خسارةً ولا جبناً. كان عادةً. كان تقليدًا. كان دفاعاً عن ذاكرتنا الجمعية.

هاجر نبينا والجميع لكننا نحن بقينا في مكاننا. لا زلنا نعيش جاهليتنا لكن مع كهرباء وواي فاي ويوتيوب ومصحات العلاج النفسي.

الآن بعد 1442 عام من ذلك الحدث. بقينا وحدنا تحت تلك الشمس تحيط بنا الرمال من كل الجوانب. لا شيء سوى طلل يرثي حالنا ونرثي لحاله.

هاجر النبي وحده، أما نحن فقد بقينا…

التصنيفات
عام

الكذبة التي نعيشها

يوجد ترجمة عربية داخل الفيديو، شغلها قبل أن تبدأ المشاهدة.

التصنيفات
عام

العرض الأخير: عن القوّة والحب وفسيلة يوم القيامة

«تشرق الشمس كل يوم مرة واحدة، واليوم الذي مضى لن يعود، حياتك فرصة واحدة لن تتكرر، حاول أن تنقذ ما تبقى منها!». -انطون تشيخوف.

لا بد مِن معرفة أن العدميّة والعبثيّة والسرياليّة وغيرها مِن توجهات ما بعد الحداثة، لا تُصنّف كفلسفة حقيقية ذات إطار معرفي نَسقي، إنما حركات فنيّة ثائرة على ماكينة التقدّم التي هدرت جنازيرها في القرن التاسع عشر. فكان لا بد مِن رفض لهذا العالم البارد الميكانيكي الجديد الذي أتت به الحداثة على ظهر المحرك البخاري.

وللتأكيد على هذا نجد أن «البير كامو» العبثي الشهير كان روائياً فذاً، «صامويل بيكيت» نفس الأمر. وأنّ «إميل سيوران» العدمي الشهير كان كاتباً مُعتبراً، وحتى دوستويفسكي وعدميته تنتمي لنفس القائمة، سياق الحركات الفنيّة. لذلك لا يمكن أن نقول بالعدم والعبث سوى إن كنا فنانين ثائرين، أما العدميّة والعبثيّة كحركات مَعرفية فهي لا تطرح جدلًا حقيقياً أو تقدم طرحاً منطقياً يُجاب عليه، بقدر ما تستند على الواقع الاجتماعي ومتغيراته وردة الفعل تجاه ما يحصل فيه.

وبما أننا نتحدث عن المعاني، فلا بد مِن التطرّق لحياة الإنسان وعرضه الأخير الواجب إنجازه.

في حياة كل منا فترة لا بد أن يظهر فيها على الشاشة عبارة You Lose أو Game Over لكنها لا تظهر. أو أن الذي يلعب يراها لكنه لا يصدّق أن ذلك يحصل فعلاً، محاولاً التمسك بأمل وهمي لعله يبقى ضمن الإطار. إلا أن ذلك الأمل يُقلب وبالاً عليه ليفتك به، فيتداعى حينها كل شيء، وتسوء اللعبة أكثر وأكثر.

«أن تنتبه للحب وهو ينفلت منك، كأن تراقب إيمانك وهو يتلاشى… لحظات شجاعة وذكاء وسخرية استثنائية جداً. حتى أنك تستهلك وقتاً طويلاً لتعترف أمام نفسك أن ذلك يحدث فعلاً، أنك ترى العالم دون هيبتهِ، وتنتبه لكل التفاصيل التي أغفلتها، كل ما يجعل مَن تحب شبيهاً بالآخرين، تنتبه للنمط الذي أغفلته لصالح استثنائية كنت مُتيقناً منها. لكنك الآن تُدرك…

هي تتكلم مثل زميلاتها في الجامعة، وتمشي مثل بنات طبقتها، بل وتضحك مثل بنات الأسر المحافظة المتمردات. حتى طريقتها الساحرة في نطق جُمل بعينها تكتشف أنك سمعتها بنفس الطريقة مرات عديدة. الإدراك نفسه يحز في نفسك كأن تسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائه. لكن هذه السخرية العميقة بمجرد حدوثها لا يمكن التراجع عنها. تشعر بالقوة لأنك تحطم شيئاً عزيزاً عليك وبالذنب لتحطيمك إياه. سيكون بوسعك أن تحب مرة أخرى كما بوسعك أن تؤمن ثانيةً. لكن هذه المرة تكون أكثر خبرة، أكثر احترازاً وأقل تورطاً، ومستعداً للانسحاب عند أوّل إشارة لتهدّم العالم الجديد.

ليس الحب الأوّل أكثر وطأة لأنه أكثر إصالة فعادةً ما يكون نتيجةً لقلة الخيارات. هو أكثر وطأة لأنه يخترقك دون دفاعات. ولأنك تصمد طويلاً قبل أن تكتشف أن الانسحاب ليس عاراً يجب تجنبه، وأنّ الدهشة لا يمكن إعادة تخليقها بالقوّة. وأن مقاومتك اليائسة تزيد مِن قسوة الانسحاب لكنها لا تُوقفه. وأن الحبل الذي لا تدعه يفلت منك يلتف حولك وحول مَن تحب وكلما شددته أكثر كلما شعرت بالاختناق، الاختناق الذي تفسره مخطئاً أنه نتيجة للانسحاب لا المقاومة!» – بلال علاء، روائي مصري.

أي أنك باختصار شديد لم تقرأ عبارة أنك خسرت وتجاهلتها. أصررت أنك ما تزال ضمن إطار اللعبة ولم تضغط على زر Restart لتبدأ مِن جديد أكثر خبرةً وذكاءً وتحصيناً. يجب أن تسلّم أنك فشلت وأن للحياة جانبٌ سلبي قد يلف حبل إعدامه حول رقبتك ليشنقك. وعندما تؤمن بذلك وتتقبل الأمر بصدر رحب، يتم إعدام شخصك القديم وتبدأ حينها دورة جديدة، مانحةً إياك عرضاً جديداً، عرضاً في غالب الأحيان يكون أخيراً لتضع كامل ثقلك فيه.

يبدأ العرض الأخير عندما تتذكر قصة البداية بأكملها، القصة التي بدأت لحظة انفجار السائل الأمنيوسي وصراخك بعد أن ربحت يانصيب الحياة وقدمت إلى هذا الوجود قليل الذوق. العرض الذي يذكرك بأوّل خطواتك وأنت صغير، أول مرة تحبو فيها، أوّل محاولة تسلّق لجدار المنزل. يذكرك بتهجئتك الأولى لكلمة بابا وماما، لأول مرة تبكي وأنت تذهب للمدرسة. أول مرة ترجع للمنزل وأنت **** في سروالك. أول مرحى تأخذها أمام التلاميذ في عرض مدرسي مَهيب. أول فتاة تقبلها. أول شهادة دراسية تحوزها لتعتقد أن أشرعتك في الحياة قد شُدّت على آخرها. أول يوم في الجامعة. لحظات التخرج ببهجتها. لحظة الزواج. عندما يأتي طفلك الأول ليقبض بإصبعه الصغير على يدك ويد أمه الناعمة معاً فتشعر أنك قد ملكت الدنيا بأجمعها. كل لحظات الأمل إضافة للحظات الأسى. اللحظات الجميلة بأفراحنا والإنسانية بأخطائنا. هذا العرض الأخير يذكّرك بشكل سريع برحلتك مِن بدايتها إلى لحظتها الحالية خلال ثواني قليلة معدودة تاركاً إياك في حالة صدمة، وكأنك تشاهد فيلم حماسياً، ثمّ في وسطه يُضغط على زر Pause فجأة فيتوقف كل شيء! ليُقال لك في حالة الدهشة تلك أن قصة البداية والاتيان لهذا الوجود لم تكن ربما ضمن يدك وتحت حوزة سيطرتك إلا أن قصة النهاية ستكون حتماً مِن كتابتك، وعرضك الأخير ستنفرد به وحدك للتنفيذ!

«لكَ شيء في هذا العالم فقمُ!» – غسان كنفاني

وسأضيف لمقولة كنفاني أنه حتى لو لم يكن هناك شيء سأقوم وأبقى أستيقظ كل صباح وأنتظر فرصتي الجديدة تحت الشمس التي اعتادت أن تشرق مُبتسمةً في وجوهنا. سأبقى مثل بائع الخضار البسيط الذي يصحو كل يوم ليحمل عربة خضاره الصغيرة مُتأمّلاً أن الرزاق هو الله وأن مَن خلقه لن يتركه ويتكفّل به مهما قست الظروف وساءت. هذا هو جوهر الكائن العاقل. هذه وظيفة الروح الصغيرة القابعة في داخلنا. أنها تمنحنا الأمل على الرغم من إدراك حتمية الزوال والأفول، فهذا الإدراك لم يكن يوماً مبرراً للقعود وعدم الفعل بحجة أن كل شيء مُنتهي، وأن ما من أمر إلا نهايته الذبول.

على العكس، كان الإنسان دائماً كائناً لديه أمل، أمل النظر نحو الأمام، أن القادم أفضل، وأهم من هذا كله، أمل أنه هو مَن سيخلق الأمل بنفسه لا أن ينتظر أحداً ليأتيه ويسكبه له في صحن أمامه واضعاً إياه في فمه.

لكن الأمر صعب! الأمل عمل شاق. ماذا نفعل؟ لا يمكننا أن نتفاءل كثيراً، العالم اليومي أكثر صعوبة ويدفعنا نحو الأسى، ماذا نحن فاعلون؟

صحيح، لكن ذلك الأمر هو نفسه أكبر دافع للأمل. لأننا عندما نرى العالم يتهدم مِن حولنا مُسارعاً كل شيء فيه نحو الاضمحلال، يدفعنا هذا للهروب كي نرتمي في أحضان الأمل. فالفناء من حولنا يساعدنا على تخطي المآسي، إذ يجعلنا أقل تعلقاً وأقل تمسكاً. يجعلنا الفناء لا نصدق كثيراً ولا نتعلق كثيراً ولا نحب كثيراً ولا نأخذ الأمور بمحمل الجدية كثيراً.

هل ترى حينها أقوى مِن هذا الإنسان لإيكال مهمة البناء إليه؟ الإنسان الذي لا يهمه السقوط ولا يتعلق بما يفعله كثيراً؟ بالضبط تماماً. هذا هو الإنسان الأبرز لكي ينشأ صرحاً عظيماً، لأنه زهد في المعاني الجاهزة مِن حوله فقرر أن يجعل مِن نفسه بعينها المعنى.

وإن أردت التفاؤل أكثر فلا بد من التذكير أنه لإنجابك تم إنزال 180 مليون حيوان منوي في ليلة خميس، أي ما يعادل سكان الجزائر والمغرب ومصر وتونس مجتمعين. كلهم ماتوا في حرب طاحنة على بويضة، كلهم ماتوا ونجى واحد منهم وهو أنت! كان بإمكانه أن يأتي كائن آخر غيرك، لكن الاختيار وقع عليك.

كنت مقاتلاً وعشت مقاتلاً وستظل مقاتلاً. عندما يسألونك عن إنجازاتك في الحياة أخبرهم أنك احتللت المركز الأول مِن بين 180 مليون مقاتل آخر في أشرس معركة عرفها التاريخ، معركة «أكون أو لا أكون».

لقد ربحت يا نصيب الحياة أيها الإنسان. كنت دائماً مقاتلاً لذلك آن الأوان لأن تستعيد وضعيتك الأساسية، ألا وهي وضعية القتال.

هناك حديث نبوي أحبه يقول: «إذ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل». هذا الحديث يُشير تماماً إلى فكرة احتلال اللحظة الحالية وعيشها بكاملها. تخيل أن الدنيا تنهار والقيامة تقوم وكل شيء يزول وأنت تجلس في منطقة زمنية خاصة بك. ماذا تفعل؟ تمسك شجرة صغيرة تريد زراعتها! صدقني لو كنت أنا في ذلك التوقيت لفعلت شيئاً واحداً فقط. أني رفعت يدي لأقصى درجة مُمكنة للأعلى ثم سأهوي بها كمذنب على التراب لأشق الأرض شقاً بهذه الشجرة الصغيرة. لأقول إني قد مررت من هنا. كان هنا الكائن العاقل. هذا هو توقيعي. لقد زرعت وبنيت. هذه هي بصمة وجودي. كنت دائماً الكائن الذي يفعل، الكائن الذي يُشيّد. هذه يدي وهذه فسيلتي وهذا دليل أنني قد عبرت في غابر الزمن.

أطلب منك الآن أن تبعد الهاتف مِن أمامك أو تمسكه باليد الأخرى، وضع يدك على قلبك عند الناحية اليسرى مِن صدرك، هل أحسست بنبضات قلبك الخافتة؟ دعني أخبرك أن عمر الجنس البشري يقرب مِن 300 ألف سنة، خلال هذه السنين السحيقة الماضية لم يكن لك شخصياً أي وجود، لا لفكرك ولا لضربات قلبك ولا لعلاماتك الدراسية المتدنيّة ولا لظروف عملك الكئيبة، كنت خارجاً بالكامل مِن إطار الوجود. وخلال القرون السحيقة التي ستأتي سنتلاشى أيضاً. فنحن -أنا وأنت وهم وهو وهن- سنكون محظوظين إن وصلنا لـ 2100 لكننا لن نصل غالباً، أي أن قلبنا سيتوقف ونفنى لقرون سحيقة لا يعلم إلا الله بها.

نحن مُجرد جثث وهياكل عظميّة تتحرك لديها وقت تقضيه ثم ستموت، لذلك آمن بصوت ضربات قلبك التي تشعر بها الآن ولا تخذلها لأنها ستتوقف وتفنى لملايين من السنين القادمة. أما الآن فلديك فرصة ذهبية، ربحت يانصيب الحياة، اجعل مِن حياتك معنى ولا تنتظر المعنى. هذا العالم نشيده فينهار ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن. نعم، لكن حتى لو أنهار عشرة آلاف مرة سنبقى نشيده. لماذا؟ لأننا الكائن العاقل. الكائن الذي يبني. الكائن الذي لا يريد أن يجلس ويندب حظه، الكائن الذي سيترك إرثاً لأولاده وأحفاده للقرون القادمة. الكائن الذي يفنى كجسد لكنه يبقى كفكرة وبناء ومعنى وشيء جيّد يدل على أنه قد مر من هنا. الكائن الذي لديه عرض أخير يريد أن يريه للكون بأكمله.

أوقف الموسيقى الحزينة الآن، أبعد الكاميرا البطيئة التي تظهر في لحظات الانكسار، أرجع الألوان لحياتك وابتعد عن الأسود والأبيض الكئيب. أمامنا عرضٌ أخير ينتظرنا يا صديقي.

لم تعد تهمني قصة البداية، ولم تعد تهمني قصة النهاية. ليذهبوا إلى الجحيم بكل قصصهم وأقوالهم وحكاياتهم. لدي قصة شخصيّة يجب أن أرويها. هناك مشهد يجب أن تنظروا إليه ويتردد صداه في لحن الأبدية عندما يفنى كل شيء لتبقى فسيلة يوم القيامة وحدها شاهدةً على وجودي.

أعطني يدك لأساعدك على النهوض يا صديقي، اخرج إلى خشبة المسرح وأرني عرضك الآن. الحياة كما قالها تشيكوف فرصة واحدة لن تتكرر، حاول مُسرعاً أن تنقذ ما تبقى منها!

اعترف أنك قد خسرت وتعثرت، كله لا يهم. الآن اضغط على زر إعادة التشغيل بعد أن تعدم شخصك القديم. ابدأ مِن جديد بدفاعات أكثر وخبرة أكبر. العب بالطريقة القاسية كمَن يمتلك كلمات سر وغش في اللعبة. ولا تسأل لماذا وكيف وما الفائدة. أنت ربحت يانصيب الحياة، ليس هناك وقت للتساؤل أساساً. انخرط بالجو مباشرة والعب بالطريقة القاسية، صانعاً عرضاً أخيراً.

أرفع يدك للأعلى لأقصى درجة، وهوي بفسيلتك نحو الأرض كأنها شهاب طال انتظره لكنه أتى بعد طول ترقّب. أثبت وجودك الآن. أرنى بصمة العاقل فيك. أرني أنك قد مررت مِن هنا. أري الكون أنك قد عبرت في لحن الأبدية الغابر. أري الزمن والكون وكل شيء عرضك الأخير الآن.

لا شيء لنا في هذا العالم لكننا سنقم! كل ما نشيده ينهار لكننا سنواصل البناء! الدنيا اختبار إلهي يجب أن نعبره لكننا نصر على النجاح! الحياة صراع للبقاء لكننا سنواجه بأقصى درجات المرونة! أي باختصار شديد، سنقف بعناد في مواجهة كل شيء. لم نكن شيئاً سوى إنسان عاقل عنيد يحمل فسيلة صغيرة بيده يريد زراعتها. فلا تستهينوا بالعاقل الذي يريد أن يزرع، العاقل الذي انتصر دائماً، العاقل الذي اخرج الإنسان الحيواني من غابته وجعله متحضراً، العاقل الذي يحمل غصناً لا سيفاً!