التصنيفات
عام

الكذبة التي نعيشها

يوجد ترجمة عربية داخل الفيديو، شغلها قبل أن تبدأ المشاهدة.

التصنيفات
عام

العرض الأخير: عن القوّة والحب وفسيلة يوم القيامة

«تشرق الشمس كل يوم مرة واحدة، واليوم الذي مضى لن يعود، حياتك فرصة واحدة لن تتكرر، حاول أن تنقذ ما تبقى منها!». -انطون تشيخوف.

لا بد مِن معرفة أن العدميّة والعبثيّة والسرياليّة وغيرها مِن توجهات ما بعد الحداثة، لا تُصنّف كفلسفة حقيقية ذات إطار معرفي نَسقي، إنما حركات فنيّة ثائرة على ماكينة التقدّم التي هدرت جنازيرها في القرن التاسع عشر. فكان لا بد مِن رفض لهذا العالم البارد الميكانيكي الجديد الذي أتت به الحداثة على ظهر المحرك البخاري.

وللتأكيد على هذا نجد أن «البير كامو» العبثي الشهير كان روائياً فذاً، «صامويل بيكيت» نفس الأمر. وأنّ «إميل سيوران» العدمي الشهير كان كاتباً مُعتبراً، وحتى دوستويفسكي وعدميته تنتمي لنفس القائمة، سياق الحركات الفنيّة. لذلك لا يمكن أن نقول بالعدم والعبث سوى إن كنا فنانين ثائرين، أما العدميّة والعبثيّة كحركات مَعرفية فهي لا تطرح جدلًا حقيقياً أو تقدم طرحاً منطقياً يُجاب عليه، بقدر ما تستند على الواقع الاجتماعي ومتغيراته وردة الفعل تجاه ما يحصل فيه.

وبما أننا نتحدث عن المعاني، فلا بد مِن التطرّق لحياة الإنسان وعرضه الأخير الواجب إنجازه.

في حياة كل منا فترة لا بد أن يظهر فيها على الشاشة عبارة You Lose أو Game Over لكنها لا تظهر. أو أن الذي يلعب يراها لكنه لا يصدّق أن ذلك يحصل فعلاً، محاولاً التمسك بأمل وهمي لعله يبقى ضمن الإطار. إلا أن ذلك الأمل يُقلب وبالاً عليه ليفتك به، فيتداعى حينها كل شيء، وتسوء اللعبة أكثر وأكثر.

«أن تنتبه للحب وهو ينفلت منك، كأن تراقب إيمانك وهو يتلاشى… لحظات شجاعة وذكاء وسخرية استثنائية جداً. حتى أنك تستهلك وقتاً طويلاً لتعترف أمام نفسك أن ذلك يحدث فعلاً، أنك ترى العالم دون هيبتهِ، وتنتبه لكل التفاصيل التي أغفلتها، كل ما يجعل مَن تحب شبيهاً بالآخرين، تنتبه للنمط الذي أغفلته لصالح استثنائية كنت مُتيقناً منها. لكنك الآن تُدرك…

هي تتكلم مثل زميلاتها في الجامعة، وتمشي مثل بنات طبقتها، بل وتضحك مثل بنات الأسر المحافظة المتمردات. حتى طريقتها الساحرة في نطق جُمل بعينها تكتشف أنك سمعتها بنفس الطريقة مرات عديدة. الإدراك نفسه يحز في نفسك كأن تسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائه. لكن هذه السخرية العميقة بمجرد حدوثها لا يمكن التراجع عنها. تشعر بالقوة لأنك تحطم شيئاً عزيزاً عليك وبالذنب لتحطيمك إياه. سيكون بوسعك أن تحب مرة أخرى كما بوسعك أن تؤمن ثانيةً. لكن هذه المرة تكون أكثر خبرة، أكثر احترازاً وأقل تورطاً، ومستعداً للانسحاب عند أوّل إشارة لتهدّم العالم الجديد.

ليس الحب الأوّل أكثر وطأة لأنه أكثر إصالة فعادةً ما يكون نتيجةً لقلة الخيارات. هو أكثر وطأة لأنه يخترقك دون دفاعات. ولأنك تصمد طويلاً قبل أن تكتشف أن الانسحاب ليس عاراً يجب تجنبه، وأنّ الدهشة لا يمكن إعادة تخليقها بالقوّة. وأن مقاومتك اليائسة تزيد مِن قسوة الانسحاب لكنها لا تُوقفه. وأن الحبل الذي لا تدعه يفلت منك يلتف حولك وحول مَن تحب وكلما شددته أكثر كلما شعرت بالاختناق، الاختناق الذي تفسره مخطئاً أنه نتيجة للانسحاب لا المقاومة!» – بلال علاء، روائي مصري.

أي أنك باختصار شديد لم تقرأ عبارة أنك خسرت وتجاهلتها. أصررت أنك ما تزال ضمن إطار اللعبة ولم تضغط على زر Restart لتبدأ مِن جديد أكثر خبرةً وذكاءً وتحصيناً. يجب أن تسلّم أنك فشلت وأن للحياة جانبٌ سلبي قد يلف حبل إعدامه حول رقبتك ليشنقك. وعندما تؤمن بذلك وتتقبل الأمر بصدر رحب، يتم إعدام شخصك القديم وتبدأ حينها دورة جديدة، مانحةً إياك عرضاً جديداً، عرضاً في غالب الأحيان يكون أخيراً لتضع كامل ثقلك فيه.

يبدأ العرض الأخير عندما تتذكر قصة البداية بأكملها، القصة التي بدأت لحظة انفجار السائل الأمنيوسي وصراخك بعد أن ربحت يانصيب الحياة وقدمت إلى هذا الوجود قليل الذوق. العرض الذي يذكرك بأوّل خطواتك وأنت صغير، أول مرة تحبو فيها، أوّل محاولة تسلّق لجدار المنزل. يذكرك بتهجئتك الأولى لكلمة بابا وماما، لأول مرة تبكي وأنت تذهب للمدرسة. أول مرة ترجع للمنزل وأنت **** في سروالك. أول مرحى تأخذها أمام التلاميذ في عرض مدرسي مَهيب. أول فتاة تقبلها. أول شهادة دراسية تحوزها لتعتقد أن أشرعتك في الحياة قد شُدّت على آخرها. أول يوم في الجامعة. لحظات التخرج ببهجتها. لحظة الزواج. عندما يأتي طفلك الأول ليقبض بإصبعه الصغير على يدك ويد أمه الناعمة معاً فتشعر أنك قد ملكت الدنيا بأجمعها. كل لحظات الأمل إضافة للحظات الأسى. اللحظات الجميلة بأفراحنا والإنسانية بأخطائنا. هذا العرض الأخير يذكّرك بشكل سريع برحلتك مِن بدايتها إلى لحظتها الحالية خلال ثواني قليلة معدودة تاركاً إياك في حالة صدمة، وكأنك تشاهد فيلم حماسياً، ثمّ في وسطه يُضغط على زر Pause فجأة فيتوقف كل شيء! ليُقال لك في حالة الدهشة تلك أن قصة البداية والاتيان لهذا الوجود لم تكن ربما ضمن يدك وتحت حوزة سيطرتك إلا أن قصة النهاية ستكون حتماً مِن كتابتك، وعرضك الأخير ستنفرد به وحدك للتنفيذ!

«لكَ شيء في هذا العالم فقمُ!» – غسان كنفاني

وسأضيف لمقولة كنفاني أنه حتى لو لم يكن هناك شيء سأقوم وأبقى أستيقظ كل صباح وأنتظر فرصتي الجديدة تحت الشمس التي اعتادت أن تشرق مُبتسمةً في وجوهنا. سأبقى مثل بائع الخضار البسيط الذي يصحو كل يوم ليحمل عربة خضاره الصغيرة مُتأمّلاً أن الرزاق هو الله وأن مَن خلقه لن يتركه ويتكفّل به مهما قست الظروف وساءت. هذا هو جوهر الكائن العاقل. هذه وظيفة الروح الصغيرة القابعة في داخلنا. أنها تمنحنا الأمل على الرغم من إدراك حتمية الزوال والأفول، فهذا الإدراك لم يكن يوماً مبرراً للقعود وعدم الفعل بحجة أن كل شيء مُنتهي، وأن ما من أمر إلا نهايته الذبول.

على العكس، كان الإنسان دائماً كائناً لديه أمل، أمل النظر نحو الأمام، أن القادم أفضل، وأهم من هذا كله، أمل أنه هو مَن سيخلق الأمل بنفسه لا أن ينتظر أحداً ليأتيه ويسكبه له في صحن أمامه واضعاً إياه في فمه.

لكن الأمر صعب! الأمل عمل شاق. ماذا نفعل؟ لا يمكننا أن نتفاءل كثيراً، العالم اليومي أكثر صعوبة ويدفعنا نحو الأسى، ماذا نحن فاعلون؟

صحيح، لكن ذلك الأمر هو نفسه أكبر دافع للأمل. لأننا عندما نرى العالم يتهدم مِن حولنا مُسارعاً كل شيء فيه نحو الاضمحلال، يدفعنا هذا للهروب كي نرتمي في أحضان الأمل. فالفناء من حولنا يساعدنا على تخطي المآسي، إذ يجعلنا أقل تعلقاً وأقل تمسكاً. يجعلنا الفناء لا نصدق كثيراً ولا نتعلق كثيراً ولا نحب كثيراً ولا نأخذ الأمور بمحمل الجدية كثيراً.

هل ترى حينها أقوى مِن هذا الإنسان لإيكال مهمة البناء إليه؟ الإنسان الذي لا يهمه السقوط ولا يتعلق بما يفعله كثيراً؟ بالضبط تماماً. هذا هو الإنسان الأبرز لكي ينشأ صرحاً عظيماً، لأنه زهد في المعاني الجاهزة مِن حوله فقرر أن يجعل مِن نفسه بعينها المعنى.

وإن أردت التفاؤل أكثر فلا بد من التذكير أنه لإنجابك تم إنزال 180 مليون حيوان منوي في ليلة خميس، أي ما يعادل سكان الجزائر والمغرب ومصر وتونس مجتمعين. كلهم ماتوا في حرب طاحنة على بويضة، كلهم ماتوا ونجى واحد منهم وهو أنت! كان بإمكانه أن يأتي كائن آخر غيرك، لكن الاختيار وقع عليك.

كنت مقاتلاً وعشت مقاتلاً وستظل مقاتلاً. عندما يسألونك عن إنجازاتك في الحياة أخبرهم أنك احتللت المركز الأول مِن بين 180 مليون مقاتل آخر في أشرس معركة عرفها التاريخ، معركة «أكون أو لا أكون».

لقد ربحت يا نصيب الحياة أيها الإنسان. كنت دائماً مقاتلاً لذلك آن الأوان لأن تستعيد وضعيتك الأساسية، ألا وهي وضعية القتال.

هناك حديث نبوي أحبه يقول: «إذ قامت الساعة وفي يد أحدكم فسيلة فإن استطاع ألا يقوم حتى يغرسها فليفعل». هذا الحديث يُشير تماماً إلى فكرة احتلال اللحظة الحالية وعيشها بكاملها. تخيل أن الدنيا تنهار والقيامة تقوم وكل شيء يزول وأنت تجلس في منطقة زمنية خاصة بك. ماذا تفعل؟ تمسك شجرة صغيرة تريد زراعتها! صدقني لو كنت أنا في ذلك التوقيت لفعلت شيئاً واحداً فقط. أني رفعت يدي لأقصى درجة مُمكنة للأعلى ثم سأهوي بها كمذنب على التراب لأشق الأرض شقاً بهذه الشجرة الصغيرة. لأقول إني قد مررت من هنا. كان هنا الكائن العاقل. هذا هو توقيعي. لقد زرعت وبنيت. هذه هي بصمة وجودي. كنت دائماً الكائن الذي يفعل، الكائن الذي يُشيّد. هذه يدي وهذه فسيلتي وهذا دليل أنني قد عبرت في غابر الزمن.

أطلب منك الآن أن تبعد الهاتف مِن أمامك أو تمسكه باليد الأخرى، وضع يدك على قلبك عند الناحية اليسرى مِن صدرك، هل أحسست بنبضات قلبك الخافتة؟ دعني أخبرك أن عمر الجنس البشري يقرب مِن 300 ألف سنة، خلال هذه السنين السحيقة الماضية لم يكن لك شخصياً أي وجود، لا لفكرك ولا لضربات قلبك ولا لعلاماتك الدراسية المتدنيّة ولا لظروف عملك الكئيبة، كنت خارجاً بالكامل مِن إطار الوجود. وخلال القرون السحيقة التي ستأتي سنتلاشى أيضاً. فنحن -أنا وأنت وهم وهو وهن- سنكون محظوظين إن وصلنا لـ 2100 لكننا لن نصل غالباً، أي أن قلبنا سيتوقف ونفنى لقرون سحيقة لا يعلم إلا الله بها.

نحن مُجرد جثث وهياكل عظميّة تتحرك لديها وقت تقضيه ثم ستموت، لذلك آمن بصوت ضربات قلبك التي تشعر بها الآن ولا تخذلها لأنها ستتوقف وتفنى لملايين من السنين القادمة. أما الآن فلديك فرصة ذهبية، ربحت يانصيب الحياة، اجعل مِن حياتك معنى ولا تنتظر المعنى. هذا العالم نشيده فينهار ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن. نعم، لكن حتى لو أنهار عشرة آلاف مرة سنبقى نشيده. لماذا؟ لأننا الكائن العاقل. الكائن الذي يبني. الكائن الذي لا يريد أن يجلس ويندب حظه، الكائن الذي سيترك إرثاً لأولاده وأحفاده للقرون القادمة. الكائن الذي يفنى كجسد لكنه يبقى كفكرة وبناء ومعنى وشيء جيّد يدل على أنه قد مر من هنا. الكائن الذي لديه عرض أخير يريد أن يريه للكون بأكمله.

أوقف الموسيقى الحزينة الآن، أبعد الكاميرا البطيئة التي تظهر في لحظات الانكسار، أرجع الألوان لحياتك وابتعد عن الأسود والأبيض الكئيب. أمامنا عرضٌ أخير ينتظرنا يا صديقي.

لم تعد تهمني قصة البداية، ولم تعد تهمني قصة النهاية. ليذهبوا إلى الجحيم بكل قصصهم وأقوالهم وحكاياتهم. لدي قصة شخصيّة يجب أن أرويها. هناك مشهد يجب أن تنظروا إليه ويتردد صداه في لحن الأبدية عندما يفنى كل شيء لتبقى فسيلة يوم القيامة وحدها شاهدةً على وجودي.

أعطني يدك لأساعدك على النهوض يا صديقي، اخرج إلى خشبة المسرح وأرني عرضك الآن. الحياة كما قالها تشيكوف فرصة واحدة لن تتكرر، حاول مُسرعاً أن تنقذ ما تبقى منها!

اعترف أنك قد خسرت وتعثرت، كله لا يهم. الآن اضغط على زر إعادة التشغيل بعد أن تعدم شخصك القديم. ابدأ مِن جديد بدفاعات أكثر وخبرة أكبر. العب بالطريقة القاسية كمَن يمتلك كلمات سر وغش في اللعبة. ولا تسأل لماذا وكيف وما الفائدة. أنت ربحت يانصيب الحياة، ليس هناك وقت للتساؤل أساساً. انخرط بالجو مباشرة والعب بالطريقة القاسية، صانعاً عرضاً أخيراً.

أرفع يدك للأعلى لأقصى درجة، وهوي بفسيلتك نحو الأرض كأنها شهاب طال انتظره لكنه أتى بعد طول ترقّب. أثبت وجودك الآن. أرنى بصمة العاقل فيك. أرني أنك قد مررت مِن هنا. أري الكون أنك قد عبرت في لحن الأبدية الغابر. أري الزمن والكون وكل شيء عرضك الأخير الآن.

لا شيء لنا في هذا العالم لكننا سنقم! كل ما نشيده ينهار لكننا سنواصل البناء! الدنيا اختبار إلهي يجب أن نعبره لكننا نصر على النجاح! الحياة صراع للبقاء لكننا سنواجه بأقصى درجات المرونة! أي باختصار شديد، سنقف بعناد في مواجهة كل شيء. لم نكن شيئاً سوى إنسان عاقل عنيد يحمل فسيلة صغيرة بيده يريد زراعتها. فلا تستهينوا بالعاقل الذي يريد أن يزرع، العاقل الذي انتصر دائماً، العاقل الذي اخرج الإنسان الحيواني من غابته وجعله متحضراً، العاقل الذي يحمل غصناً لا سيفاً!

التصنيفات
عام

عن التحرش الجنسي والذكوريّة ومسبار الأمل وآيا صوفيا

بمعدل فتاة واحدة كل أسبوع، لا بد أن نسمع قصة إحداهن قد تعرّضت للأذى في نشرات الأخبار. وبذلك تكون هي مِن اللواتي واتتهم فرصة الشهرة لقاءَ ذلك الحادث المؤسف بينما هناك المئات والآلاف مِن الأخريات اللواتي لا تتاح لهنّ فرصة عرض قصتهن ولا الإخبار بها، إنما يموتون ببطء خانق، ويحترقون شيئاً فشيء.

موضوع التحرش الجنسي شائك جداً، وكإنسان يحب أن يصف نفسه بأنه «ليبرالي كلاسيكي» وليس ليبرالي مُحدث بالمعنى السيء السائد حالياً. لا بد أن نجد في هذا الحدث فعلاً قبيحاً. ليس لكونه يتعرّض لإنسان مِن جنس ولون وميل آخر، إنما لكونه يشكل انتهاكاً واضحاً للدائرة الشخصيّة للآخر بغض النظر عن ماهيّة ذلك الآخر. تخيّل أن تتعرف على شخص ما، ومن أوّل يوم يضع يده على رأسك ويضربك مازحاً معتقداً أنه في دائرة المقربين، هذا بشكل ما هو تحرش وتعدي على دائرة الخصوصية للآخر. إلا أنه يجب أن نغوص في التعريف ليتضح الأمر أكثر.

يقول الدكتور الباحث في علم الأديان خزعل الماجدي: إنّ المجتمعات القديمة هي مجتمعات أموميّة، إذ كانت تقدّس الأنثى وتجد فيها سر الحياة، ذلك لأن السائد حينها لم يكن معرفة أن كلا الجنسين يساهمان في الحمل والإنجاب، بل أنّه حكر على المرأة لأنها هي مَن تبدي أعراض انتفاخ البطن والولادة، فانحاز المعتقد القديم لقدسية الأم والأنثى وتفوقها على الذكر، ولهذا السبب كانت الآلهة فيما مضى أنثوية كعشتار وغيرها، وكانت الطبيعة توصف بالأم.

لم يحدث الانقلاب الذكوري إلا عندما اكتشفت المجتمعات المتأخرة أن السبب في الحمل هو الذكر وليس الأنثى. هنا انتقلت القدسية مِن الأنثى الأم نحو الذكر. محدثةً ما عُرف بـ «الانقلاب الذكوري». الذي كان مِن أبرز نتائجه نشوء الحضارة البشرية بكاملها. وهنا يجب للجميع أن يكون منصفاً بقول ما له وما عليه، بالرغم من أنه في الوقت المعاصر تتصاعد الدعوات لإجهاض التفوق الذكوري الهرمي، الذي كان سبباً في تشغيل عجلة الحضارة من قبل، والتي خرجَ من نتائجها المتأخرة التخلي عن سيادة الذكر نفسه وتحقيق المساواة الكاملة. وهنا لا بد من توضيح جانب مهم.

الآن قد تغير كل شيء. لم تعد البشرية في طور صراع وقتال وبناء حضاري كما كان في السابق. لنضرب المثال التالي لتتضح الفكرة، تخيل أن تستأجر عمال بناء لتشييد منزلك الخاص، ثم يدخل العمال ليقوموا بتحضير المنزل وبناء أعمدته وأساساته وانهاءه ليخرج تحفة فنية بارعة الجمال. نعم هذا رائع، لكن دورهم قد أنتهى! مِن غير المعقول أن أجعل منزلي ملك لهؤلاء العمال فقط لأنهم هم مَن بنوه! مِن غير الممكن أن أظل أحتفي بهم طيلة حياتي. نعم، لقد بنوا وشكرناهم على فعلتهم. لكن الأمر انتهى. تغيرت الظروف. تغير الحي والشارع وساكني المنزل أنفسهم. لم تعد الأمور كما السابق.

نفس الأمر تماماً في وقتنا الحالي، الذكورية وتفوّق الذكر هو أمر -على الأقل تاريخياً- حقيقي ولا أحد ينكر هذا أساساً. الخلل يكمن في استحضار الماضي داخل الحاضر المعاصر. لا يمكن أن تطالب بتفوق الذكر حالياً كونه كان بانياً للحضارة لأنه حينها سيُطالب أيضاً بالصيد وجمع الخشب لإيقاد النار ومواجهة الفهود والنمور كل يوم! ليس فقط أن يكتفي بمزايا الرجل الحضاري السابق ويتجاهل الضرائب التي كان يدفعها ذلك الحضاري مفتول العضلات! الظروف تغيرت. الآن الكل يدرس ويتعلم ويخرج ويسافر، لذلك المساواة صارت أمراً واقعاً، وهو ما لا يتعارض مع نكران التاريخ، إنما فقط إقرار بأن ما نعيشه لم يعد كما في مرحلة بناء أهرامات الجيزة وعصور الحضارة الغابرة. لذلك لا أفضلية لذكر على أنثى الآن ولا لأنثى على الذكر. كلاهما قد جرّبا حظهما عبر التاريخ وأخذا فرصتهما في السيادة، لذلك لنجرب الآن المساواة ونرى ما هي نتائجها، مِن باب إعطاء الفرص للجميع لا أكثر.

هذا بالنسبة للتأصيل التاريخي للموضوع، أما بالنسبة لموضوع التحرش وقتل البنات الصغريات والكبريات فهو باختصار شديد موضوع قانون أكثر مِن كونه موضوع دين ومجتمع وثقافة.

مثلاً عندما يكون لديك قانون أو عقوبة أنّ القاتل يُعدم والمتحرش بأحد يدفع غرامة قدرها 5000$ لقاء تحرشه، فتأكّد تماماً أنه لن يتجرأ على التحرش طيلة حياته القادمة. على العكس تماماً، لو تحرّش مُجدداً فأنا أضمن أن يقوم والدهُ -على افتراض أن غالبية المتحرشين شباب صغار ليس لديهم أموال وهذه هي الحقيقة فعلاً- باغتصابه والتحرش به نفسه إن فعل فعلته مُجدداً. فالعقاب القانوني المادي دائماً هو أنجح عقاب، لا تقل لي دين ولا مجتمع ولا أخلاق، هذه أمور تعطيك خطاً عاماً لا أكثر. فمثلاً، في أكثر المجتمعات تطورًا ورفاهية، لا يزال يوجد جرائم قتل على الرغم من أن منع القتل بدء مِن شرائع حمورابي قبل 8 آلاف سنة وإلى الآن، إلا أن كل هذه العقائد لم تمنع حدوث الضرر بل فقط ساهمت في خلق بيئة عامة تحاول تحييده. أما الإجراءات العملية الفعالة تكون في التعامل المباشر، فقط أضغط على جيوب الناس وأموالهم وستجدهم يقلبون كالفئران، هذا هو مبدأ التعامل مع الإنسان رديء الجودة. أما النقاش الأخلاقي المتحضر ندعه لمَن هو في مرتبة أعلى مِن طور الإنسان الغريزي.

تعريجاً على هذا الموضوع، هناك عدة أسئلة ينبغي الإجابة عنها في موضوع التحرش، وسأفعل هذا باقتضاب شديد.

قرأت على الفيسبوك نصاً لصديقة نسوية تقول: «أن الفكر الديني هو سبب التحرش». لذلك أريد أن أجيب عن هذا السؤال هنا، هل الفكر الديني سبب في التحرش حقاً؟

في الحقيقة لا. العلاقة بين السبب والمسبب هي علاقة طردية. بمعنى لو أردت القول أنّ السبب في سرطان الرئة هو التدخين يجب أن أبين العلاقة الطردية مِن خلال اثبات أنه مع رفع مستوى التدخين تزداد مستويات الإصابة بسرطان الرئة. أي أن شدة السبب تؤدي لزيادة شدة المسبب. نعيد طرح السؤال الآن. هل إذا زاد التدين يزداد التحرش؟

على العكس. أعتقد أن المتدينين لا سيما الشباب تُرافقهم حالة مِن الزهد أو محاولة تجنب المرأة بشكل كامل والتعويل على فكرة المرأة في الحياة الآخرة، لدرجة أنه لو رأى إحداهن تمشي في الشارع لغيّر الشارع الذي يمشي فيه كلهُ.

أما السؤال الآخر فهو، هل المجتمع الشعبي له علاقة ويشكّل سبباً في التحرش؟

هذا السؤال غير مهمة إجابته. لماذا؟ لأن المجتمع هنا يا أعزائي 90% مِن أفراده لم يتعلموا بناء ثقافة رمي القمامة في الحاوية والأماكن المخصصة لها. تريدون إقناع نفس هؤلاء ثقافة احترام الآخر والمساواة؟ هؤلاء لم يتعلموا سوى ثقافة واحدة وهي الثقافة القبلية العربية، ثقافة احترام الأكبر منك فقط. أما احترام الشوارع والنظافة وحقوق الناس فهو أمر بعيد جداً عنهم.

لذلك الإجابة كما قلت غير مهمة، والأهم هو العقوبة المادية الرادعة لا أكثر.

بالنسبة لموضوع آخر تماماً، وهو مسبار الأمل الذي انطلق نحو المريخ. لدي تعقيب بسيط أريد أن أقوله على الحدث بشكل عام. وهو أن غالبية مَن رأيتهم يكتبون في الموضوع يتحدثون بسخرية عن المسبار واطلاقه الإماراتي. وأنه لا يتعدى كونهُ حدثاً إعلامياً لا أكثر، مهمته تلميع الصورة على النطاق العربي والعالمي. وأن الفخر الحقيقي يكون في حال دعم الفكر المؤدي لإنتاج رحلة للمريخ، وليس الرحلة للمريخ ذاتها.

هذا الكلام قد يكون مُحقاً، إلا أنه محدود جداً. محدود لأن هذه الحركات دائماً كان هدفها «الشو» الإعلامي لا المعرفة. هل لك أن تجيبني ما فائدة صورة الثقب الأسود التي التقطت منذ وقت قريب؟ صناعة الحدث الإعلامي. هل لي أن أعرف ما فائدة سباق الولايات المتحدة والسوفييت تجاه القمر وغزو الفضاء؟ الحدث الإعلامي والحرب النفسية. هل لي أن أعرف لماذا توقفت الولايات المتحدة عن صعود القمر ولم ترسل رحلة أخرى بعدما سقط الاتحاد السوفيتي واكتفت بمجموعة صور بلهاء كإثبات وجود، على العكس تماماً تم تفكيك مشروع غزو القمر الذي كان بميزانية مليارات لا تحصى؟

لا يوجد فوائد. نعم هناك مشاريع لها علاقة بالتجهيزات العسكرية والتقنية المصاحبة لهذه العروض. إلا أن الجانب الأكبر دائماً هو الهزيمة النفسية والإعلامية وصناعة حدث بصري لتلميع الصور والشخصيات. ومِن حسن الحظ أن إرسال المسبار تم في معاصرة مع إعادة فتح آيا صوفيا كمسجد.

هل ينقص اسطنبول مسجد للصلاة؟ لا طبعاً. هل ينقص المريخ مسبار إضافي ليدور حوله؟ لا قطعاً.

إن كنت تعتقد أن الإمارات في إرسالها المسبار تريد اكتشاف المريخ، وأن تركيا في تحويل آيا صوفيا تريد تحفيز المؤمنين على صلاة العصر. فأنا أهنئك على مدى بساطة تفكيرك في قراءة المشهد.

هذه الأمور دائماً كانت استعراضات إعلامية. ولو كنتَ محل أصحابها لفعلت نفس الأمر. مسبار الأمل صحيح هو ياباني بشكل شبه كامل ولا علاقة للإمارات به سوى كعلاقتي أنا بنابليون بونابرت، وأنها اشترته بأموالها. لكن هذا هو الهدف منه أساساً، صناعة الحدث الإعلامي. كما أعاد آيا صوفيا صناعة الحدث بالعثمانية الجديدة في المنطقة. ومَن يقول أنّ الأهمية في الفكر المؤدي للمسبار وليس المسبار نفسه مُحق في تفكيره فعلاً، لكنك لست بحاجة لإعادة اكتشاف الذرة حتى تقوم بصناعة الدواء في عصرنا الحالي، بإمكانك الاستفادة مِن خبرات الآخرين لتحقيق أهدافك الشخصية. فالمقارنة هنا خاطئة. لسنا بحاجة لإعادة اكتشاف البنسلين حتى نستخدمه، يكفي أن نحترم مَن صنعوه ونقر بفضلهم.

ولا أعتقد أن مَن يقرأ هذا المقال يحمل هاتفاً وحاسوباً مِن صناعته الشخصية العصامية. أنت فقط «دفعت» ثمنه فأصبحت تعتقد أنه ملكك. وربما المسبار نفس الأمر، تدفع حقه فيصبح ملكك. لا حاجة لإعادة اختراع البارود إن أردت صناعة بندقية. ربما الشيء الوحيد الذي لم أحبه في المسبار هو أسمه، الأمل! وكأن على الأرض فائضاً حتى يصدّروا منه إلى المريخ!

التصنيفات
عام

دراما الفئران

إن كنت مُتديناً فإن هذه الحياة هي «الدُنيا» أي الواطئة، بالتالي متاعٌ غرور لا راحة لك فيها بل مُجرّد اختبار وجسر تعبره كي تصل إلى الآخرة. وإن لم تكن مؤمناً فإن الحياة لا تتعدى كونها صراعاً مِن أجل البقاء، عليكَ أن تتطاحن بها يومياً مع الوسط المحيط كي تنجو. ما يمكننا استنتاجه مِن كل هذه العقائد أن الوعد بالسعادة والراحة لم يقطعه أحد تجاهنا. لذلك مِن غير المُمكن أخذ هذا العالم بعد الآن بجديّة، لا يمكن أن ترى الأخبار يومياً بما فيها مِن قتل وتدمير واغتصاب حقوق وسحل لأناس وعنصرية تجاه الآخر وحقد وتطرّف وأنت تأخذ هذا العالم على محمل الجد مؤمناً أن الإنسان العاقل هو محور الوجود والكائن السماوي. إن كان الإنسان -بكل ما فيه من سوء وتعصب وقيء عنصري- هو محور هذا الكون، كيف إذًا هي بالوعة الكون؟ كيف يكون الجانب السيء منه؟

«لا تطلب مني أن ألعب باحترافية عندما تكون أوراق اللعب في يدي سيئة، أحياناً لا نستطيع سوى أن نستمتع باللعبة نفسها. نستمتع ونحن ندرك الخسارة قادمة. نستمتع بغض النظر عن كل ما سيأتي».

لستَ بحاجة لقراءة الكثير مِن الكتب حتى تدرك مدى تعاسة هذا العالم. وهنا لا أتحدث عن موقفنا الشخصي تجاه ما يجري، لأنه على العكس ربما سأدافع بشدة لإعلاء النظرة الإيجابية في كل شيء. إلا أن العالم في صلبه كحالة موضوعية بعيدة عن إدراكنا، إما أن يتأرجح بين الحيادية أو السلبية ونادراً صراحةً ما ستراه يبدي إيجابية تجاهك، ولعل أكثر إيجابية بإمكانه الوصول إليها هو أن يكون محايداً معك بدون أية أذيات أو فوائد.

تفتح الأخبار يومياً، والصفحات الرئيسية في أي موقع اجتماعي لتُقذف في وجهك مئات المنشورات عن حالات انتحار واكتئاب وقتل واغتصاب، وفلان يرد على فلان، وعلان يرد على علان. بالرغم مِن أننا نملك كل التكنولوجيا والتقنيات التي لم تكن تخطر على خيال أي إنسان مُسبقاً إلا أنها الآن بحوزتنا، بتنا واقفين على هرم معرفي نرى من خلاله كل شيء ونتابع الأحداث بشكل آني لم يكن يخطر على بال مخلوق من قبل. إلا أن كل هذه التقنيات والمعارف والحداثة فشلت في أن تُعطينا شيئاً واحداً وهو «السعادة». هل سألتم أنفسكم لماذا؟ لماذا الإنسان المعاصر كئيب وتعيس رغم كل ما يمتلكه مِن تقنيات؟

الجواب بكلمة واحدة «الاغتراب».

لقد سلبوك من بيئتك المعتادة ووضعوك في مكان بارد اسمنتي ليس فيه روح أبداً. سلبوك مِن حضن الأم الدافئ ليضعوك في عالم ميكانيكي يجري بلا هوادة لا فائدة لك فيه سوى كبطارية تركض في سباق فئران لتلهث كل يوم. وحينما تنضب وتفرغ يتم دفنك واستبدالك بواحدة أخرى جديدة لا أكثر.

يُعاني هذا العالم مِن الاغتراب، مِن اللانتماء. لم يعد يؤمن بشيء. لم يعد يرى أبعد مِن حدود نفسه. لقد قتلوا أي قيمة روحيّة عليا لينصّبوا الإنسان كصنم جديد وجبت عبادته. وهذه هي لب فلسفة فريديريك نيتشه عندما قال في كتابه «هكذا تكلم زرادشت»: لقد مات الإله، ونحن مَن قتلناه! والجملة الأهم في هذا التصريح هي الثانية وليست الأولى.

لأنه نيتشه لم يتحدث عن الوجود الموضوعي للكيان الإلهي، إنما عن نظرة الإنسان تجاهه، لذلك قال «نحن» مَن قتلناه. فلربما هو موجود وفقاً لوجهة نظره إلا أن الإنسان نفسه مَن تخلى عنه وتركه لينصّب نفسه كصنم جديد يُعبد بدلاً منه وهذا ما نراه في وقتنا الحالي. الإنسان أصبح كل شيء. الإنسان هو الإله الجديد. والأكثر سخريةً مِن هذا كله، أن هذا الإله المُحدث كئيب وتعيس وبدون أمل.

من ناحية أخرى، يمكننا القول أن كآبة الإنسان تعود لسبب بسيط هو نظامه العقلي أشبه ما يكون بأندرويد 4.4 بينما مُعطيات عصرنا الحديث والواقع التكنولوجي الجديد هي أندرويد 10! لذلك شعرَ بالتناقض، بدأ يحس بعقله يغلي وينفجر. فهو لم يكن مهيء لاستيعاب كل هذا الكم المرعب مِن المعارف والأفكار والنظريات. لكن مع انطلاق شرارة الثورة التقنية والمعرفية سهّلت كل شيء ووفرت الكثير، رأى الإنسان فوق استطاعة نظامه العقلي القديم، فكانت النتيجة الحتمية هي الاحتراق!

هل علمت الآن لماذا كل الأديان حاولت تحديد أدمغة مُعتنقيها؟ هل علمت الآن لماذا العقائد السياسية تمنع في النظر خارج ما تمليه؟ هل علمت الآن لماذا إجابة سؤال ما معنى الحياة لا يمكن الوصول إليها؟ لأنه لو وصلَ الإنسان إليها لصعق مِن فوره واندثر. هل علمت الآن لماذا في الأساطير اليونانية عندما أراد إيكاروس أن يطير نحو الشمس التي تمثل الحقيقة الكاملة، صنع أجنحة من شمع ليحلق بها، لكن ما إن حلق ورأى الشمس -الحقيقة- حتى ذابت أجنحته وانصهر؟ لأن الإنسان كان دائماً لا يحتمل أن يعرف كل شيء. الإنسان لم يهيء أبداً للمعرفة الكاملة.

لذلك الفيلسوف العبقري سقراط منذ 3 آلاف سنة ماضية، عندما قالوا له في أثينا أنه هو حكيم قال لا! لست حكيماً! الحكمة الكاملة للآلهة، أنا فقط مُحب للحكمة. لذلك أنا فيلسوف! صدقوني اقشعر جسمي وأنا أكتب هذه الجملة. ما طينة أولئك الرجال كانت؟ كيف وصلوا لتلك المرتبة من الفهم قبل توفر كل الوسائل التقنية المسهلة التي نملكها نحن الآن؟ لماذا كائننا اليوم ضحل جداً رغم كل ما يملكه من تسهيلات؟!

الإنسان لم يهيء للمعرفة الكاملة. سيموت إن رأى كل شيء. لذلك قال نيتشه:

«لا تحرموا الإنسان مِن الكذب، لا تدمروا خيالاته وأوهامه. لاتدمروا خرافاته ولا تخبروه الحقيقة، لأنه ببساطة لن يتمكن مِن العيش مِن خلال الحقيقة!»

هذا العالم مسخرة كبرى يا صديقي. دراما رديئة أبطالها حشرات تتصارع مع بعضها، رابحهم لا يتعدى كونه الصرصور والفأر الأكبر. إلا أنه في الوقت نفسه، ومِن خلال قوانين التراكم الحيوي التي ندركها بفضل حصيلتنا العملية. بتنا نعرف أيضاً أن القانون الأوّل في البقاء هو المرونة والتكيف مع الوسط الجديد. أي أنه بالإمكان النجاة طالما خفّضت مِن صلابتك الوجودية وبت مفتوحاً على كل المجالات والاحتمالات.

أعد صناعة نفسك أو Re-Create Yourself. كانت هذه قاعدة روبرت غرين في قواعده للسطوة. لذلك دائماً استمتع بإعادة تخليق نفسك وفقاً للظروف الجديدة. دائماً تغيّر حسبما يستجد من معطيات. دائماً كانت النخبة القليلة هي التي تُصطفى وتبقى في حين أن الغالبية العظمى يكون مصيرها الحتمي الاندثار.

لذلك عزيزي. واصل متابعتك للمباريات غير المهمة. تابع مشاهدتك للإباحيات. استمر بتضيّع وقتك فيما لا يهم. استمر بأكل ما تشاء مِن مأكولات دون حسيب ولا رقيب. تابع ما تريد فعله. لكن سأذكرك أن الذي يبقى دائماً هي القلة المُميزة. وطالما أنك تفعل ما تفعله الغالبية فأنت مُجرد كائن عادي استوطن هذا الكوكب الصغير وانقرض دون أن يفعل شيئاً مهماً.

أما النخبة المتبقية فهي التي سترى الحقيقة، هي أشبه ما تكون بإيكاروس لكن عندما يأتي مرة ثانية أكثر خبرة. يعرف مِن أين ستحرقه الشمس فيحاورها ويناورها. يجابه الحرارة العالية بصلابة بطوليّة وكأنه إله يوناني يحمل السماء على كتفيه. يواجه كل شيء ويصر على الثبات حتى النهاية لرؤية كل شيء.

أما البقية المُذعنة للشروط البدائية، المُمَثلة بالناطق الرسمي لها وهو الإنسان رديء الجودة. فإنها لا تعيش أكثر مِن دراما فئران ليس لها أي أهمية على نطاق الكون وحتى على نطاق الأرض نفسها نظراً لعمرها الحيوي الطويل. عمر الحياة 3.5 مليار سنة. عمر جنس الإنسان حوالي 300 ألف سنة. لا تعتقد أن كل هذه السنون ستهتم برسوبك في الجامعة وموادك الدراسية وحميتك الغذائية. لا لا، هذه فقط مهمة لك شخصياً لذلك يجب أن تفعلها.

لماذا يجب أن أفعلها؟

لأنه باختصار شديد هذا هو الأمر الوحيد الذي يجعل لحياة الإنسان معنى. غير ذلك لا نتعدى أي كائن عاش في الطبيعة ومات دون أن يُعير له أحد أي اهتمام. أنت الكائن الوحيد الذي استطاع أن يفهم. والأهم مِن هذا كله، أن تدرك مدى سخرية وقساوة الوسط إلا أنك تقرر المضي في الطريق حتى آخره.

حينها تكون قد تجاوزت مرحلة الإنسان لتصل لمرتبة أخرى أرقى، مرتبة «الإنسان الأعلى Übermensch». إيكاروس الذي احترق لكنه كان كالعنقاء الاسطورية، في اللحظة التي مات فيها بُعث فيها مجدداً!

دراما حشرات كبرى؟ نعم، لكني سأترفع عنها لأخلق مسرحيتي الشخصية وأقدم عرضي الخاص. فلنصعد الآن ونُري الجميع ما لدينا.

التصنيفات
عام

لقد ماتت طيورنا يا عُمر

ألا تتعب الطيور مِن الطيران؟ ألا يقول أحدهم لنفسهِ ذات مرة مُتسائلاً: أريد أن أنزل إلى اليابسة قليلًا وأتمشى قرب الشاطئ ثمّ أجلس على المقعد وأرى المارة يعبرون؟ ألا ترغب الطيور بفعل ما نفعل؟ أم أن هذه الأحلام والأمنيات المبنية على ما يمتلكه الآخرون تقتصر على تفكير الكائن العاقل؛ فهو فقط مَن يحلم بالطيران بينما مَن يطيرون لا يحلمون بترك أجنحتهم وإراحتها والنزول لعالم كائنات البر الفاسد.

أياً كانت ما تفعله تلك الطيور إلا أنها الآن قد ماتت بعدما تعبت كثيراً. لقد ماتت الطيور يا عُمر، لم تجد قمحاً على رؤوس الجبال ولا حتى في السهول والوديان في الداخل. لم تجد شيئاً. سقطت الطيور يا عُمر. ماتت طيورنا.

لنسرح في عقلنا قليلاً ونتخيّل أن طيراً قد قررَ التنكّر بزي إنسان عاقل والنزول إلى اليابسة مُمارساً الحياة البائسة للكائن البشري، ما هي أوّل الأشياء التي بإمكانه أن يلاحظها؟ أنه لا يمكنه أن يطير. سيدخل إلى المطار مُستغرباً بوجوب الوقوف على طابور والحجز كي يعبر وينتقل مِن مكان إلى آخر ممارساً هوايته العتيدة في التحليق، وسيزداد عجبهُ أكثر عندما يتسمّر أمام ضابط المطار المسؤول عن عبور المسافرين، ويمد إليه جواز السفر، لينظر إليه بازدراء قائلاً: مرفوض! لا يمكنك العبور!

مهلاً لحظة، ما هو التبرير؟ لماذا؟

هناك خلل في أوراقك الرسمية. ليس لديك حساب بنكي أيها الطير. لا تؤهلك المنطقة الجغرافية القادم منها للعبور إلينا، أنت طير مستنقعات ونحن طيورنا برجوازية. أنت محكوم ومختوم بجغرافيتك. أنا آسف. لا يمكنك أن تعبر أيها الغريب. لا يمكنك دخول ديارنا.

هنا يتعجب هذا الطير ليقول له بالحس الإنساني الذي امتلكه خلال فترة تنكّره بهذا الزي البشري: ولكن أليست بلاد العرب أوطاني؟ من الشام لبغدان؟ ومن نجد إلى يمن؟ إلى مصر فتطواني؟

يرمق ضابط المطارات هذا الإنسان غريب الأطوار دون أن يدرك أنه طير متنكر بمسلاخ بشري. عزيزي أيها الغريب، هذا الأمور حفظناها جميعاً في الصغر ورددناها كثيراً، ولعلي أنا بنفسي قد فعلت ذلك آلاف المرات، فعندما كنت صغيراً، عريفاً للطليعة الأولى، وتدرّجت بالمناصب حتى وصلت لرتبة نائب عريف، فاشتريت من فرحي ألوان حمراء وخضراء وزرقاء ولصقتها على كتفي الأيسر لأشير إلى منصبي الجديد، كنت مثلك تماماً. أؤمن بها. لكني عندما كبرت أدركت مدى هشاشة هذه الأمور، لم تكن سوى أوهام نظرية لا قيمة لها على أرض الواقع. ربما تتعجب أيها الغريب أني أمنعك مِن السفر، لكني أنا نفسي لم أستطع أن أسافر يوماً!

أصبحتُ ما هو أسوء، أصبحت ضابط مطارات، موظف تكمن مهمته في رؤية أحلام العابرين تتكسر هنا مذكرةً إياي بأحلامي. لم أمت مرة، مت بعدد المرات التي يعبر بها الناس هنا. اذهب يا صديقي اذهب، اذهب أيها الغريب، ليس لك مكان هنا، لا إمكانية لك للعبور، ابحث عن مكان آخر يناسبك.

تعجب الطير مِن منطق الكائن العاقل، كيف يمكن لأختام حبرية تُمهر على ورق أن تمنع كائناً آخر من العبور والتحليق؟ على الرغم مِن وجود «مبادئ» تدّعي أن الناس سواسية وأن الأرض كلها لك بإمكانك الذهاب أينما تريد، فأنت عندما تسافر من مكان لآخر لا تستبدل المنزل بكامله، بل حالة أشبه مِن التنقل بين غرفة وأخرى. فأنت ما زلت ضمن نفس «الوطن» الخاص بك، فقط غيّرت مكان الإقامة.

تعجب الطير لكل هذا، وضاقت بهِ نفسه شاعراً أن الزي البشري قد بدأ يضغط عليه أكثر ويخنقه، فانزوى لأحد الغرف الفارغة في المطار، ووقف على أحد النوافذ وطار. بدون جوازات سفر، بدون أختام، بدون حسابات بنكية وتأشيرات. وقف على أحد النوافذ، نظر نحو السماء، وطار دون أن يلوي.

لكن سرعان ما دوّى صوت رصاصة طائشة مِن أحد البنادق، لنجد ذلك الطير قد سقط ميتاً. ربما كانت بندقية صيد أو حتى عادية. هنا الرصاص كثير، المهم أن تأتي بمعنى كي تبرر إطلاقه، دائماً كان القتل شيئاً مشروعاً، الفرق الوحيد هو تسويغه وإجابة سؤال لماذا ومعنى هذا التنفيذ.

سقط الطير دون أي ذنب. ربما كان ضحية محاولة التنكر بزي الإنسان لفترة وجيزة جداً، فكان لا بد أن يمسه شيئاً من أذاه كونهُ أصبح محسوباً علينا لبُرهة. مات الطير يا عُمر. سقط الطير. مات قبل أن يحلّق. سقط في أرض المطار أمام موظف العبور الذي كان يتحدث معه قبل قليل.

لكني سأخبركم بسر صغير لا بد مِن الإفصاح عنه، وهو أن أحد تلك الطيور التي كانت قد اعتادت أن تأكل في بلادنا ولا تجوع، قد أتى إليّ وأخبرني أنه لم يكن يفعل ذلك لأنه يريد الطعام، بل كان يأتي لأنه وجد هذا المكان دافئاً، رأى فيه شيئاً حنوناً لا مثيل له في الأراضي الأخرى.

لا تصدقوا أن الطيور تموت جوعاً، فهي أينما ولت وجهها تجد طعاماً. لذلك يدعي المؤمنون بالقول: ليرزقنا الله كما يرزق الطير، إذ أنّه يحط في أي مكان يريده ويأكل من أي بستان ومن أي صنف دون أن يحاسبه أحد. لا تموت الطيور من الجوع، الطيور تموت عندما تتغير أمكنتها، تموت عندما لا تجد دفئ المكان الذي اعتادت أن تهبط فيه، تموت الطيور عندما يبتعد عنها صاحبها. عندما تجد الجبل لم يعد راغباً في أن تجلس عليه لتستريح. هنا تموت الطيور. لا تموت الطيور من الجوع، بل من التغيير، مِن عدم الألفة، تموت الطيور عندما لا يرغب أحد بها.

ماتت طيورنا يا عُمر. نعم هذا صحيح، إلا أن ما لا يقال أيضاً أننا نحن مَن قتلناها بأيدنا. ولا أعرف ما الذي يتبقى عندما تخلو سماءنا مِن طيورها؟ ما الذي سننظر إليه عندما نرفع رؤوسنا نحو الأعلى؟

لننعم حينها بأبراج التغطية والكهرباء، وبمصافي النفط وأبخرتها. لننعم بأجهزتنا الذكية وعقول مستخدميها الغبية. لننعم بكل هذا. لم نعد نحتاج طيوراً. أصبحت الحياة أكثر جديةً، أصبح العاقل مشغول في زنزانة حياته الإسمنتيّة التي يُعيد تكرار روتينها يومياً. لم نعد بحاجة لطيور بعد اليوم.

ماتت طيورنا يا عُمر. إلا أننا نحن مَن فعلنا كل هذا. الطيور لا تموت جوعاً، تموت قهراً.

ولا أعرف ما الفائدة من سماء لا طيور فيها. سماء طيورها بلا جوزات سفر. ليس بإمكانها التحليق ولا العبور. سماء طيورها أصبحت مكبلة. سماء قد ماتت طيورها يا عُمر.

التصنيفات
عام

الرابح يبقى وحيداً

لم أحب كرة القدم ولا أتابعها، إذ لا تتعدى معلوماتي عنها قدر معلومات جدتي عن الهندسة النووية، كلانا في الهواء سواء. ولعلَ التبرير لهذا موجود أيضاً، إذ لطالما وجدت في الموهبة شيئاً فردياً لا حدثاً جماعياً، لا يمكن لموهبة أن تكون مُشتركة مع 10 و20 و50 و100 شخص آخر، بقدر ما تكون أحاديّة، وإن أشرت لأسماء لاعبين بعينهم فهذا دليل آخر يضاف للتأكيد؛ فأنت «خصصته» لوحدهِ بالموهبة وليس الفريق بكامله.

بقيَ الرابح في رواية باولو كويلو وحيداً، إلا أنه هنا سيكون خشناً. قد يكون بمفرده أو بين جمعٌ من الناس إلا أن أهم ما فيه هو الجفاف، ولعلَ تركيبة «فنّ الخشونة» أقرب توصيف لمفتاح وسر تألق ذلك الرابح.

النجاح! كل شيء أصبح عن النجاح ومن أجل وصوله، افتح أي متصفح وموقع يَعرض محتوى وستجد عشرات الصفحات تشير إلى النجاح وتدلك عليه، إذ وأنت تأكل وجبة إفطارك تغصّ بموعظة عن النجاح، وأنت تنزل من على درج البيت تعرقلك نصيحة في النجاح وكيفية بلوغه. لكن النتيجة؟ النجاح بعيد، ولعلَ الأمر يتعلّق بتعريفه الزئبقي غير الواضح.

ما هو النجاح أساساً؟ نأخذ التعريف الأساسي المعروف في الأوساط الدراسية، فالنجاح في المقرر الواجب عبوره يتعيّن بتخطّي عتبة محددة؛ أي أن النجاح يعني تجاوز الحد الأدنى من شيء ما، لا سيما في الجانب الدراسي.

نمضي في التعريف أكثر، لو فرضنا أن العلامة التامة في المقرر الدراسي هي 100 وحدّ النجاح 60 وأنتَ نجحت 70. هل يعتبر هذا نجاح أم مجرد «تخطّي» للمادة؟ هنا لا بد من إضافة الجزء الاستكمالي لتعريف النجاح ألا وهو «التميز». بمعنى لا يجب فقط أن تنجح متخطياً عتبة شيء ما، بل يجب أن تنفرد وحدك بذلك التخطي وعليهِ نمضي في مثالنا أكثر. تخيّل أن تنجح متخطياً مقرراً دراسياً معيناً بدرجة 90! لكن بقية طلاب الدفعة جميعهم 90 أيضاً. هل يعتبر هذا نجاحاً؟

نعيد تخيّل المثال بأن تنجح بـ 90 لكن الآن بقية الطلاب إما قد رسبوا أو في حدود دنيا من التخطي. الآن ربما يعتبر هذا نجاحاً.

بإمكاننا صياغة تعريف النجاح إذًا كالتالي:

هو تخطي للحدود الدنيا التي تؤهلك للعبور نحو المرحلة القادمة، إلا أن هذا التخطي وجبَ أن يكون منفردًا؛ أي لا يكفي لكي تنجح أن تعبره فقط، بل يجب أن يتعثر بقية العابرين.

من جانب آخر بعيداً عن الدراسة، نذهب إلى أنبياء العصر الجديد، بيل غيتس، وارن بافيت، مارك زوكربيرغ، جاك دورسي، ستيف جوبز… الخ. هؤلاء جميعهم مِصداق لتعريف النجاح بأنه التميز وليس فقط تخطي الحدود الدنيا، إذ يجب أن تكون وحدك مَن يتخطى ذلك الحد لا مع جيش من الرفقاء المساندين، ولعلَ هذا ما يفسر تقريباً لمَ جميع هؤلاء المشاهير كانوا كائنات خشنة بعلاقات اجتماعية سيئة، وستيف جوبز وحده مثال بارز في هذا. فالقمة كما يُقال لا تتسع للكثير، وكلما صعدت خطوة للأعلى كلما اضطررت لتترك صديقاً مُحباً قريباً وراءك.

قد يسأل أحدهم ويتعجب لكن بيل غيتس يقرأ الكتب ويشارك قائمته كل سنة! في الحقيقة نعم، لكن هذا بعدما أنتهى من مشروعه التجاري وأكمله. لو عدنا إلى بيل غيتس ومارك زوكربيرغ في فترة دراستهم وإنشاء شركاتهم، فيمكننا شبه أن نجزم أنهم لم يقرأوا حرفاً. القراءة التي يمارسها الآن جميع هؤلاء المشاهير هي رفاهية تحسين الصورة لا أكثر.

قد يبقى الرابح وحيداً، إلا أنه يستدعي مسبقاً أن يكون -مشروع الرابح- إنساناً خشناً. الاستجابة العاطفية الشعورية لكل شيء دليل ضعف أكثر من كونها دليل تعاطف ورقّة. أنت تبكي مع صديقك في عزاء والده، تبكين مع صديقتك في مصابها، هذه أمور لطيفة إنسانية.

إلا أن العالم في الخارج بارد ولا يُراعي مشاعرنا. العالم في الخارج خشن، مليء بالانتصارات الحزينة التي تعيشها وحيداً كأنك جيش مهزوم، ومهما تكوّرت وانطويت على نفسك لن يتحوّل إلى رحم أم دافئ بل سيبقى كما هو. لذلك كن دائماً متوقعاً أن ترى منه الخشونة رغم طيب قلبك. كن دائماً مستعداً لأن تحارب في معركة استنزاف بطيئة مجهدة معه. كن دائماً جاهزاً لأن تربح. وأهم من هذا كله، كن دائماً على استعداد لأن تبقى وحيداً!

التصنيفات
عام

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة

أمسك أي شاب لا يتجاوز عمره الـ 18 عاماً واسأله عن وجهة النظر السياسية والخريطة العالمية السائدة للهيمنة، وستجده يسهب في الكلام والشرح وكيف أن فلان يدعم فلان وأنّ علان يدعم علان، وكيف أن المحور الفلاني يعارض المحور العلاني، ويبقى يثرثر ويثرثر حتى تراه احتد في غضبه وبدأت لتور -جمع لتر- اللعاب تتطاير في الهواء بلا رقيب أو حسيب، متحولًا خلال لحظات إلى قاموس من الشتائم.

غريب جداً أليس كذلك! شاب بهذا العمر، لماذا يتراكم في عقله كل هذا الأسى والصور والمحاور العالمية التي لن تفيده في حياته لا من قريب ولا من بعيد؟

كان أستاذ التاريخ لدينا وهو واحد من أفضل المدرسين الذي مروا علينا وكنا قد أحببنا التاريخ بسببه، يقول أنّ مشكلة الشاب والطفل العربي أنه يُعطي السياسة حيّزًا كبيرًا من تفكيره. فالفرق بين الشاب هنا والشاب هناك. أنه هناك لا يدلي بصوته إلا كل 5 سنوات في وقت الانتخابات، فالأمر لا يشكل جوهرًا مهماً في حياته اليومية. أما هنا فاسأل أي شخص وستجده يُعطيك خريطة ليس لبلده فحسب، بل خريطة السياسة العالمية ولا أبالغ بهذا أبداً.

إلا أن المشكلة تقبع في مكان آخر، إذ هزمونا في مجال بعيد الصلة نوعاً ما. كانت هزيمتنا الأولى على مقاعد الدراسة، في جوانب العلم. الخطأ الأوّل هو الذي اُرتكبَ في فترة الطفولة حينما دُرّس الصغار، عندما كانوا ألواحاً طينيّة مرنة بإمكان الجميع أن يرسموا فيها ما يشاؤون، إلا أنهم رسموها بطريقة بشعة، فجفت بشكل زائد، وكانت لوحاً خشناً بدون أية تعابير.

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة، في المدارس، عندما أقنعونا أن العلم هو ما يُدرس هنا فقط ما عداه أشياء لا قيمة لها. دون أن ندري أن العلم المدرسي / الجامعي هو علم «مهني» يهدف لمنحك مهنة في المستقبل لا عقل. ولعل هذا ما يفسره قولبة الجامعة والمدرسة بشكلها الحالي الأكاديمي لحظة انطلاق الثورة الصناعية واستشعار نقص في العمال والمتخصصين، فقامت الجامعات بفعل ذلك من أجل انتاج أفراد صالحين للعمل. فميثاق نشوئها لا يتعهد بمنح العقل بل الوظيفة، ولعلَ هذا ما يفسر رؤية الكثيرين من أصحاب الشهادات بأحوال فكرية يُرثى لها.

هُزمنا على مقاعد الدراسة عندما حصروا الأهمية في الأفرع العليا لا السفلى، دون أن ندري بأن الأمر لا يتعدى كونه ترتيب لما هو مُربح أكثر وأشد طلباً في سوق العمل -مصداق آخر لموضوع أن التعليم هدفهُ المهنة والتوظيف- فكلما اتجهنا نحو الفرع الدراسي الأعلى كلما زادت كمية المردود الذي ستحصلهُ.

وهلم جرًا لغيرها من سلبيات طرق التعليم منذ بدايتها وإلى لحظتنا الحاضرة.

في هذه الأرض التي نحيا عليها هنا. يوجد ألف خارطة طريق مُقترحة للخروج لكن ويا للعجب لا أحد يخرج من مكانه! تسأل البعض فيقول لك الجواب هو الدين، تمسكوا بالدين يُحل كل شيء. تسأل آخر يقول لك الحداثة، تمسكوا بالحداثة والتحرر فيُنظّم كل شيء بدوره. تسأل أحدهم فيجيبك بالجنس. تسأل آخر فيجيبك بالكسل والزهد والتعفف. تلتفت يميناً فتراهم يقولون أنّ الحل يكمن في الرجوع للماضي. تستدر يسارًا تجدهم يقولون أنّ الحل يكمن بقطع الصلة مع الماضي.

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة ما هو الحل الأمثل، فضلًا عن الحديث عنه وحصره بنفسه فقط. ما أعرفه أن كل ما يجري ما هو إلا تراكمات لصدمة أوليّة كانت في الصغر. تراكمات كانت قد توحّشت تحت تأثير فوضى الفراشة لتصل إلى إعصار في اليوم الحالي. ما حدث ما هو إلا تداعي حر لما جرى على مقاعد الدراسة، حيث كانت هزيمتنا الأولى هناك، ومن بعدها بدأت الحكاية بكاملها.

التصنيفات
عام

ماذا لو وُلِدت خروفاً؟

عندما ألّف الكاتب الروماني العدمي «إميل سيوران» كتابه «مثالب الولادة» كان قد ذكرَ قصة السبب الدافع لخطّه ذلك العمل، بأنه قد عانى في أحد الأيام من بعض الصراعات والضغوطات وغيرها مما يكتنف وينغّص هذه الحياة، فعاد إلى المنزل وسألته أمه عن حالهِ مُجيباً بنبرة من الأسى والبؤس. لترد أمه حينها: لو أعرف أنك ستغدو هكذا لما كنت قد أنجبتك!

وهنا تماماً، لمعت فكرة جديدة في ذهن سيوران، صاباً فيها جام غضبه على الولادة وما يليها مِن عواقب وتراكمات سلبية لا تتبع إلا للحدث الأوّل ألا وهو الإنجاب، مُلخصاً كل أفكاره بالقول:

«مِن أجل لذة لا تتعدى 7 ثواني، يُولد إنسان ليُعاني 70 سنة».

ولأن الجدل حول فائدة ولادتنا من عدمها بدون جدوى، إذ دائماً ما ينتهي إلى طرفين متقوقعين في زواياهم، سأستبدل بماذا لو لم نولد، بماذا لو ولدت كائنًا آخرًا، ماذا لو وُلدتُ خروفاً على وجه التحديد.

نحن البشر بما نطلق على أنفسنا مِن مسميات أننا كائنات عاقلة، بارعون جدًا في صناعة المعاني لما نفعله، حذقون جدًا في تبرير الآلام والمآسي وما سيحصل مُقبلًا وقبيلًا. ولعلَ هذا ما أدى لنجاتنا وبقاءنا بشكل أو بآخر، إذ كنا دائماً «مُحترفي وجود» ولدينا بضاعة معنوية وجودية قادرة على تبرير كل شيء والوقوف على الحِكم التي تعتمل في داخلها، لكن للخروف قصة أخرى، وحكاية مُخالفة.

تخيّل أنك وُلِدتَ خروفاً! هذا يختم على رأسك بدمغة القدر أنك لن تموت موتًا فيزيولوجيًا عاديًا إنما في أحد المسالخ داخل بطون أحدهم. قلة هم الخراف الذين يموتون بشكل طبيعي بسبب الكهولة وارتفاع ضغط الدم والسكري، إذ تموت الغالبية الساحقة بسبب القتل والإجهاز المُباشر.

لكن حتى بعد الموت، لا يُترك الخروف بحال سبيلهِ. يُؤخذ صوفه لتُصنع منه الملابس. وقرون أولاد عم الخراف تُباع بدورها. بالنسبة للحومهم فهي السبب الأساس الدافع للاستهداف، إذ يؤكل كل شيء فيه حرفياً. ابتداءً من اللحم الأحمر والعضلات، انتقالاً إلى الأمعاء واللسان وحتى الأمخاخ، وليس انتهاءً بخِصى الخروف وقلبه. كل شيء فيه يؤكل وتُصنع الصندويشات منه. ربما فقط عيون الخروف لم أسمع أن شيئًا ما يُفعل بها، وأحداً ما يأكلها، فلعلها تنجو بذلك.

فهذا هو ملخص رحلة الخروف التعيسة. يُولد في حظيرة، يُسمَّن حتى يكبر، ثم يموت ذبحاً. وحتى بعد موته لا يرتاح إذ يقوموا بفرمه وسلخه وتحويله لكل شيء، فلا يبقى فيه شيئاً ولا يَذر.

ما أريد أن أعرفه، كيف يبرر الخروف كل هذه المعاناة؟ ما المعاني التي يعطيها لنفسه حتى يستمر بمسيره الشاق؟

أن تولد خروفاً وتعلم أنك محبوس ضمن حظيرة، تدرك أنك تُغذّى وتُسمَّن حتى تكون ذبيحة ثمينة مرتفعة السعر، حينها تباع بعلاقات تجارية نفعيّة. بعدها تذبح بسكين حادة، يُصفّى دمك ببطء. تُسلخ. يؤخذ الصوف وتصنع منه الملابس. بقيّة لحومك تؤكل. أمعاءك تحشى بالأرز وتُطبخ. أعضاءك الداخلية وقلبك يؤكل. كل شيء فيك يتم هضمه ومضغه وطحنه.

دون التطرّق لموضوع الحليب الذي يخرج منك لأنه يؤخذ خلال حياتك لا موتك. إذ هو أمرٌ مفروغ منه مُسبقاً.

لكن حينها تداركت نفسي بالتذكّر أنّ الخروف لا يملك معاني كونه لا يملك عقلاً كبيرًا ولا قدرة التفكير التي تجعله يعي ما الذي يجري من حوله سوى بحدود ضئيلة جدًا، إذ هذه هي ملكة الكائن العاقل المغرور وحده. إلا أنه تبقى هناك معضلة فلسفية تناقش حاليًا في أوساط ما يعرف بفلسفة تحرير الحيوان التي يقودها «بيتر سينغر». إذ يتعلّق الأمر بإحداث الألم بالكائن الأخر وليس «وعيهُ» فقط لفكرة ما يجري.

هل يشعر الخروف بالألم؟ نعم. إذًا أنتهى، أنت تؤذيه. سواءً كان يعرف ما يجري أو لا لم يعد مهمًا، طالما أنه يتألم فهذا أمر سلبي سيء. وإن كانت المشكلة فقط في الوعي فلماذا لا يأكل الكائن العاقل الأجنة البشرية؟ هي لا تدرك ما الذي يجري أيضًا ولا تفكّر، إلا أنها كما الخرفان تماماً، تشعر بالألم، ولعل هذا هو المقياس كما يراه فيلسوف أخلاقيات الحيوان بيتر سينغر معتمداً على رؤية سابقهِ «جيرمي بينثام».

بعد كل هذا، ماذا لو ولدت خروفاً؟

لا أعرف صراحةً. لو كنت خروفاً بتفكير كائن عاقل لكانت كارثة، لكن ربما سأتكيف صانعاً لنفسي معنى يبرر كل الفوضى والمآسي الحاصلة. أما لو كنت خروفاً بتفكير خروف فالأمر سيكون سهلاً، خصوصاً أني لا أملك من التفكير ما يجعلني أتخيل وأتوقع السكين وهي على رقبتي في أحد الأيام القادمة، لذلك سأعيش حياتي لحظياً مستمتعاً بكل جذاذة عشب آكلها وكل قطرة ماء أشربها.

التصنيفات
عام

في حياة موازية

لطالما كنت أؤمن أن الإنسان وكل الأشياء الأخرى قائمة على الثنائيات. لو تأملنا في الحياة قليلاً، لوجدنا فيها الخير والشر، الجميل والقبيح، الحلو والمر، الطويل والقصير، القريب والبعيد، الدافئ والبارد، مَن يحب ومَن يكره. إذ ستمرّ على ديمومة شبه كاملة مِن ثنائيات تتصارع، أحيانًا بعنف وأحيانًا أخرى بلين، لا يغلب بعضها بعضاً، بقدر ما تمنح المعاني للقصص التي نرويها لأنفسنا مواساةً أو عزاءًا.

وإن أردنا أخذ المقارنة لمستوى بعيد فحتى الفلسفات العدمية تُقر بهذه الثنائية وتصرّح أن الوجود ما هو إلا حالة ابتكرها العدم كي يفهم نفسه ويَعيها.

الإنسان بشكل ما، يخضع لهذه الثنائيات أيضاً. تأمّل فيه جيدًا وستجد لديه دماغ واحد لكنه مؤلّف من نصفي كرتين مُخيتين. تأمل في وجهه وسترى عينان. تأمل في ذراعيه ستجدهم اثنتان. تأمل في رئتيه، تراها ثنائية. تأمل في قلبه، مضخة الدم مُسببة المشاكل على الدوام. ستجده مؤلفًا مِن بطينين وأذينتين. حتى قلبه وعقله الواحد ككل، إلا أنهما أيضاً قائمان على التثنية، يحتويانها على الرغم من أنهم لا يمثلانها بشكل عام.

أعتقد أنه لا يوجد إنسان ذكر وإنسان أنثى. نعم، هناك كائن حالته العضوية البيولوجية ذكر أو أنثى، هذا شيء واقع يهمه في خطته المستقبلية إن أراد التكاثر. لكن فكّر أبعد من ذلك، أنت، أنا، هي، هم. جميعنا نمتلك نفس الصيغة، جميعنا أتينا من نصف أنثوي ونصف ذكري. أي أننا بشكل ما نحوي الاثنان بداخلنا على الرغم من حالتنا العضوية الظاهرة، إلا أن تكويننا يدخل في تركيبه جزءان متساويان تماماً، جزء ذكري وآخر أنثوي.

جميعنا بداخله أنثى وذكر معاً، إلا أن النسب الهرمونية هي مَن تختلف في سبيل تحقيق الهدف العضوي التكاثري للإنسان. عندها إما ترتفع هرمونات البروجسترون وشقيقه الآخر فتكون الحالة العضوية أنثى. أو أن تنخفض الهرمونات الأنثوية وترتفع الذكورية (التستوستيرون) فنجد أن عضويّة الكائن غدت ذكراً قادراً على التكاثر والإنجاب.

لكن لو عدنا للأصل المكّون فهو واحد، ذكر وأنثى معاً. داخلنا الاثنان جنباً إلى جنب، التعبير العضوي هو مجرد وسيلة تكاثرية فقط، آلية القفل والمفتاح التي لطالما شُرحت لنا. فلكل شيء يجب أن يكون نقيض مُعاكس إلا أن هذا لا يعني التضاد. مثل القلب تماماً. بطين أيمن وآخر أيسر إلا أنهما كلاهما القلب نفسه.

فكّرت الأساطير الإغريقية القديمة بهذا الموضوع وقالت أنّ الإنسان عندما خلقه زيوس كبير آلهة الأولمب كان ذو شكل مزدوج، رجل وامرأة ملصقان مع بعضهما. 8 أطراف ورأسين. إلا أن هذا الكائن قد عصى الإله زيوس وطغى في الأرض فسادا، فعاقبه بأن قسمه إلى نصفين، ذكر وأنثى مُستقلين. ويكون بشكل ما، هدف الحياة لهذا الكائن أن يلتقي بنصفه الآخر ويعيد الاندماج معهُ.

ربما شعرَ الإغريق بذلك الأمر لكنهم لم يستطيعوا ضبطه بشكل دقيق، فألفوا حينها القصص والحكايا. إلا أنها تبقى تدور في الحدس نفسه. كائن واحد رغم تضاد ثنائيتاه. ودائماً ما يسعى نصف الثنائية الأول لإيجاد نقيضه الآخر التائه.

مِن جانب آخر، أحد الثنائيات المُتواجدة بقوّة على الساحة هي ثنائية المعنى والعدم، السعادة والألم. ولعل هذه المُتناقضات تلخص مَسعى الإنسان بكامله منذ رفع رأسه منتصباً نحو السماء بعد سني طويلة من الانبطاح، ليفكر حينها بكل شيء يقرّبه من السعادة ويجنبه الألم. كل ما يُعطيه المعنى ويشغله عن فراغ العدم. إذ تدور دراما الكائن العاقل كلها حول هذه النقطة.

إلا أنه بإمكاننا القول أنّ السؤال عن المعنى هو سؤال خاطئ لا بد من التوقف عن طرحه. مَن يقول ما معنى الحياة شبيه بمن يقول ما معنى فرشاة الأسنان أو معنى جهاز تخطيط ضربات القلب. لا يمكن أن تسأل بما معنى، لأن السؤال نفسه ملغوم ومشحون. فعندما تسأل «ما معنى» فأنت مُسبقاً تفترض وجود معنى. وهذا غير مُتسق. لا معنى لفرشاة الأسنان إنما لها «وظيفة» تؤديها مِن وجهة نظر مراقب خارجي. بينما بالنسبة للفرشاة نفسها، فلا أستطيع أن أقول إلا أنها تتكيف وفق قوانين التراكم الطبيعي لتمنح نفسها قصة سعيدة تعطيها معنى للوظيفة التي تؤديها ليس إلا.

ولندقق هنا قليلاً على كلمة سعادة لأنها كلمة صعبة الضبط وضبابية إلى حد بالغ. قل لي الآن أو عرّف المصطلح، ما هي السعادة؟ الضحك. بإمكاننا أن نضحك في اليوم عشرات المرات والقلب يقطر دماً، لا علاقة لها بالضحك. إذاً ماذا؟ قد يندهش البعض لمعرفة أن السعادة لفظة ومفهوم فلسفي تتعلق بعيش حياة الفضيلة والمعرفة كما عرفها سقراط، تلك الحياة «اليودايمونيّة Eudaimonia». السعادة مفهوم فلسفي أقرب ما يكون للمثال. أما أبعد ما يمكن للإنسان أن يُقارب بهِ السعادة هو مفهوم المتعة، والتي ما هي روابط عصبية ونواقل كيميائية هنا وهناك. والتي غالباً ما تكون ذات تأثير قصير الأمد غير طويل الدوام. لذلك مَسعى الإنسان مع السعادة صراع أبدي، ولعلَه لن ينتصر فيه يوماً، والسعيد بشكل ما هو مَن لم يفكر فيه مُعتقدًا أن المتعة الافتراضية الممنوحة له هي نفسها السعادة.

لذلك قال نيتشه أحد الجمل المركّزة في وصف الحياة:

«لا تُمنح الحياة سوى قيمة جمالية»

بمعنى أن القيمة الوحيدة التي بإمكانك أن تراها هي الجمال. عدا ذلك كله نسبي وغير مطلق ومجرد محاولات واهنة للتبرير. لطالما كنت أقف مندهشاً أمام توجهات الناس التي تسبب الصراع، لا سيما تلك السياسية والدينية على وجه الدقة. مثلاً ترى إنسان على رأي وتوجه معين ينتف رأس الآخر المخالف له. يا رجل! أمن كل عقلك تفعل هذا؟! كلاكما بالنسبة للمراقب الخارجي بنفس مستوى التقوقع. إذ يرى كلاكما أنّ الآخر هو الأخرق الذي لا يفهم. كلاكما متعصب للمنطقة و«المحور» الذي تنتميان إليه. ولأزيد من معلوماتكم، كلاكما أبناء البيئة والتنشئة، بمعنى لو كنت أنت محله وبنفس نشوئه وتعليمه وأسرته وما تعرّض له نفسياً من أذى لكوّنت نفس موقفه. ولو كان هو مكانك بنفس مستواك التعليمي والاجتماعي… الخ، لكوّن نفس رأيك.

«أبرز علامات الخداع ألا تعلم أنك مخدوع وتعتقد أنك مُحق بالمطلق، لأن المحق الحقيقي دائمًا يضع هامشاً للخطأ ولا يعتقد بالفوز التام، بل بالترجيح».

ثمّ يعتقد الجميع ببؤس مؤلم أنهم هم يكوّنون أفكارهم وآرائهم. يا صديقي أنت ابن البيئة والمنطقة والمدينة والحالة الاجتماعية التي أنت فيها. لذلك نجد على طول التاريخ تقريباً أن الفقير يكون ثورياً شرساً بينما الغني المترف مع الحكومات. نعم هناك اختلافات وشذوذات لكنها صغيرة لا تعارض الخط العام. لذلك لا تتمسك بآرائك كثيراً فهي ليست آرائك، بل أنت رأي لها.

«عندما كان يُسأل فيلسوف المنطق بيرتراند راسل عن رأيه في مسألة ما. يقول للسائل هل تريد رأيي اليوم أم البارحة أم غدا؟! في كناية وسخرية من أن الإنسان يغيّر مواقفه على الدوام تبعاً لزاوية النظر التي يرى منها وثقب الباب الذي يُطل على العالم مِن خلاله».

نفس الأمر مع المواضيع الأخلاقية، فما تعتقده أخلاقياً هنا قد يكون الشر عينه في مكان آخر. عدا طبعاً الأخلاقيات البيولوجية التي تحافظ على النوع البشري بشكل عام من نمط: (لا تقتل لأنها تضر بالنوع ككل. أو مثلاً لا تمارس الجنس بدون زواج لأنها ستؤدي مثلاً لأولاد بلا عوائل وبالتالي تفكيك الأسر التي تعتبر لبنة قيام مجتمع الإنسان.. الخ). أما الأخلاقيات الأخرى فجميعها نسبية. ولا يمكنك إلا أن تُشده بمَن يعتقد أن أخلاقياته عابرة للزمان والمكان. أي عبور هذا يا عزيزي؟ الأخلاقيات مفهوم نسبي. يكفي لتدرك ذلك معرفة أن التجديف بحق الإله رع أيام الفراعنة كان أكبر إهانة وقلة أخلاق، أين رع الآن وأين مَن يبتعونه؟ انتهى. لقد كان مفهوماً نسبياً وفقاً للنظام الخيالي الذي أتفق عليه الجميع تلك الفترة كما يقول يوفال هراري. انتهت القصة كلها ولم يبقَ منها سوى تاريخ بسيط يذكر في الكتب من باب التنويه ليس إلا. ولعل الأفن قد يكون في أحد تعاريفه هو الاعتقاد بالاطلاقية على وجهات نظر نسبية واضحة.

«متى يتوقف الإيمان بكيان معيّن؟ عندما ينصرف المؤمنون عن تلاوة قصته. مايزال رع موجودًا كما بعل وزيوس وغيرهم، إلا أن المؤمنين بهم قد انصرفوا عنهم فاندثرت قصتهم واضمحلت».

التصنيفات
عام

بخصوص سارة حجازي

مثل الكثيرين الذين لا ندري أخبارهم إلا عندما يرحلون لم اسمع بسارة حجازي إلا لحظة وفاتها، كحالة ريم البنا مثلًا، لم أعرفها وأعرف أنها عانت من السرطان لفترة طويلة سوى في اليوم الذي ماتت فيه. ولعلَ هذا ما تفعله بنا الميديا الجديدة بشكل عام، إذ تظهر لك تريندات قد لا تكون في سياق حياتك إلا أن شهرتها والجدل حولها يفرض عليك رؤيتها. لأجل هذا لا يحق لي أن أتحدث عن سارة كشخص بل سأتحدث عما حولها بشكل عام.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أحترمه أيضًا. سارة ومن قبلها إسراء غريب وجورج فلويد وكثر يسقطون يوميًا أفرادًا أو في حوادث موت جماعية تُرى على الشاشات تحت أسباب عديدة. خدّرت كل هذه الوقائع شعورًا عميقًا في التعاطف لا أعرف لماذا. أصبح الأمر لا يتعدَ كونه خبرًا يُعرض أمامنا ثم نشارك في الهاشتاغات ونتضامن ونغيّر الصور الشخصية، ويتصارع الناس في التعليقات ويضحكون على تعليقات المُعارضين ويتعاطفون مع المؤيدين، ثم يُنسى كل شيء. أصبح الموت حدثًا رتيبًا، حدثًا تشاهده في الصفحة الرئيسية على فيسبوك فتتعاطف معه لمدة 2 ثانية ثم تنتقل للمنشور القادم الذي غالبًا سيكون نكتةً ما مُضحكة، ولربما من بعدها تضع قلب لصورة صديقك وصديقتك الشخصية. وكل شيء يمضي…

ثمّ أني أرى أن هناك جمالية في الموت تكمن في الموت الهادئ، بمعنى أن يرحل الإنسان بصمت بدون إحداث أي جلبة. هذا الوجود الصاخب بالكلام والقيل والقال شكل من أشكال العبودية، ولعلَ الطريق الوحيدة نحو الخلاص تكمن في أن ينساك الجميع، في أن يغيب ذكرك وتنعم بالهدوء الأبدي، كما قال محمود درويش في قصيدته: «فأشهدُ أنني حيٌ وحرٌ حين أنسى».

للبعض حقٌ في النسيان، حقٌ في الذبول غير الفوضوي. لذلك أرى في بعض الحوادث شيء أقرب ما يمكن تسميته للـ «التسويق بالموت».

خصوصًا أن هناك الملايين يسقطون هنا وهناك كل يوم، تخيلوا أن 1.5 مليون إنسان سنويًا يموت بسبب الجوع في هذا الكون المُنضبط بدقة لأجلنا. هل تعرف اسم أحدهم؟ هل تدري عنهم شيئًا؟ عن أحلام ذلك الطفل الصغير؟ لا، هم يرحلون بصمت. حتى رفاهية التسويق لأنفسهم لا يملكونها. هم يمضون بهدوء، ينزون كالبالونات التي تعلو نحو السماء وسرعان ما تغيب بين الغيوم.

«أصبحت المعاني التي بين أيدينا رديئة لدرجة لا يمكن تصورها. هل تريد رؤية توجهك الفكري؟ إذًا اذهب للصفحة الشبيهة بمعتقداتك واعمل لها اعجاب وشارك محتواها واكتب التعليقات التي تحصد عشرات أفعال الاعجاب. هل تريد توجه مُعادي لك؟ اذهب إلى صفحتهم واترك تعليقًا وستجد عشرات ردات فعل الضحك تنهال عليك، وهكذا. الجميع متقوقع في جماعته وصفحاته وجحور عقائده، بغض النظر عمَن محق ومَن مخطئ، إلا أنهم مجرّد شحنات إيجابية وسلبية تتعارك، فلا يكون الناتج سوى الفناء معًا».

عبدالرحمن! ماذا؟ ماتت إسراء غريب تعال لنتضامن. عبدالرحمن! ماذا؟ مات جورج فلويد تعال لنشارك بهاشتاغ حياة السود تهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مجموعة من الناس المعارضين لنا، تعال نضحك عليهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مات مجموعة من أقربائنا من نفس المنهج، تعال لنحزن عليهم ونندب ونلطم. وهلم جرًا على مثيل هذا التكرار. فبالرغم من أن حالات التضامن قد زادت بسبب سهولة التواصل السائدة إلا أن المعنى قد فقد روحه وابتذل إلى أقصى الدرجات.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أرى له تأثيرًا كما السابق. سواءً كان الذي يموت معي أو ضدي. سواءً كان أقرب أقربائي أو ألد أعدائي. أصبح الموت حدثًا عابرًا. عابرًا جدًا. عابرًا لدرجة قد تستوقف نفسك قليلًا وتتساءل: هل هو الذي أصبح عابرًا، أم أنت نفسك قد تغيرت لتصبح عابرًا؟

ولعله من عدالة هذه الحياة أننا جميعًا ماضين إليه بشكل أو بآخر، هل تعلم ما هو الشيء المميز في عام 2100؟ أننا -في أحسن الأحوال والتقديرات- سنكون أنا وأنت وهم جميعًا قد تبخرنا ومتنا، جميعنا قد رحل ولم يبقَ هناك شيء سوى السكون، إذ سحبت علينا الذكرى ذيول النسيان وتركتنا.

أما بالنسبة لسارة فحالتها ليست جديدة، هناك حالة أهم منها أيضًا بسبب إنجازاته، وهو العبقري عالم الحواسيب آلان تورينغ الذي أنقص من مدة الحرب العالمية سنوات عدّة بسبب كسره لشيفرة الإينجما النازية. ما الذي حدث به؟ مات بسبب تداعيات علاجه للمثلية كونه كان مثليًا أيضًا في بريطانيا التي كانت قوانينها تلك الفترة تمنع ذلك.

صدقوني أنا تعبت، تعبت من التضامن، مللت من هذا التكرار الساخر للأحداث، مللت من فرص التسويق للبعض لمجرد أنهم يعيشون الآن في عصر الميديا بينما آخرين لا يدري عنهم أحد شيئًا. أصبحت حوادث الموت في هذا العالم بلا قيمة موضوعيّة. إذ لا تكسب قيمتها بالنسبة لأصحابها سوى إن كان الميت من نفس الميول والصنف والجنس. أما المخالف فليمت ويحترق ويفنى، لذلك فقدَ الموت معناه وأصبح حالة كبيرة من السخرية. مَن هو أشر أشرار العالم الحاليين الآن بالنسبة لك؟ حتى لو يمت غدًا لم يعد لموته معنى.

هذا العالم بلغ أوجه في مدى تسخيف كل المعاني، لدرجة أننا أصبحنا عابرين حول كل شيء.