التصنيفات
عام

لقد ماتت طيورنا يا عُمر

ألا تتعب الطيور مِن الطيران؟ ألا يقول أحدهم لنفسهِ ذات مرة مُتسائلاً: أريد أن أنزل إلى اليابسة قليلًا وأتمشى قرب الشاطئ ثمّ أجلس على المقعد وأرى المارة يعبرون؟ ألا ترغب الطيور بفعل ما نفعل؟ أم أن هذه الأحلام والأمنيات المبنية على ما يمتلكه الآخرون تقتصر على تفكير الكائن العاقل؛ فهو فقط مَن يحلم بالطيران بينما مَن يطيرون لا يحلمون بترك أجنحتهم وإراحتها والنزول لعالم كائنات البر الفاسد.

أياً كانت ما تفعله تلك الطيور إلا أنها الآن قد ماتت بعدما تعبت كثيراً. لقد ماتت الطيور يا عُمر، لم تجد قمحاً على رؤوس الجبال ولا حتى في السهول والوديان في الداخل. لم تجد شيئاً. سقطت الطيور يا عُمر. ماتت طيورنا.

لنسرح في عقلنا قليلاً ونتخيّل أن طيراً قد قررَ التنكّر بزي إنسان عاقل والنزول إلى اليابسة مُمارساً الحياة البائسة للكائن البشري، ما هي أوّل الأشياء التي بإمكانه أن يلاحظها؟ أنه لا يمكنه أن يطير. سيدخل إلى المطار مُستغرباً بوجوب الوقوف على طابور والحجز كي يعبر وينتقل مِن مكان إلى آخر ممارساً هوايته العتيدة في التحليق، وسيزداد عجبهُ أكثر عندما يتسمّر أمام ضابط المطار المسؤول عن عبور المسافرين، ويمد إليه جواز السفر، لينظر إليه بازدراء قائلاً: مرفوض! لا يمكنك العبور!

مهلاً لحظة، ما هو التبرير؟ لماذا؟

هناك خلل في أوراقك الرسمية. ليس لديك حساب بنكي أيها الطير. لا تؤهلك المنطقة الجغرافية القادم منها للعبور إلينا، أنت طير مستنقعات ونحن طيورنا برجوازية. أنت محكوم ومختوم بجغرافيتك. أنا آسف. لا يمكنك أن تعبر أيها الغريب. لا يمكنك دخول ديارنا.

هنا يتعجب هذا الطير ليقول له بالحس الإنساني الذي امتلكه خلال فترة تنكّره بهذا الزي البشري: ولكن أليست بلاد العرب أوطاني؟ من الشام لبغدان؟ ومن نجد إلى يمن؟ إلى مصر فتطواني؟

يرمق ضابط المطارات هذا الإنسان غريب الأطوار دون أن يدرك أنه طير متنكر بمسلاخ بشري. عزيزي أيها الغريب، هذا الأمور حفظناها جميعاً في الصغر ورددناها كثيراً، ولعلي أنا بنفسي قد فعلت ذلك آلاف المرات، فعندما كنت صغيراً، عريفاً للطليعة الأولى، وتدرّجت بالمناصب حتى وصلت لرتبة نائب عريف، فاشتريت من فرحي ألوان حمراء وخضراء وزرقاء ولصقتها على كتفي الأيسر لأشير إلى منصبي الجديد، كنت مثلك تماماً. أؤمن بها. لكني عندما كبرت أدركت مدى هشاشة هذه الأمور، لم تكن سوى أوهام نظرية لا قيمة لها على أرض الواقع. ربما تتعجب أيها الغريب أني أمنعك مِن السفر، لكني أنا نفسي لم أستطع أن أسافر يوماً!

أصبحتُ ما هو أسوء، أصبحت ضابط مطارات، موظف تكمن مهمته في رؤية أحلام العابرين تتكسر هنا مذكرةً إياي بأحلامي. لم أمت مرة، مت بعدد المرات التي يعبر بها الناس هنا. اذهب يا صديقي اذهب، اذهب أيها الغريب، ليس لك مكان هنا، لا إمكانية لك للعبور، ابحث عن مكان آخر يناسبك.

تعجب الطير مِن منطق الكائن العاقل، كيف يمكن لأختام حبرية تُمهر على ورق أن تمنع كائناً آخر من العبور والتحليق؟ على الرغم مِن وجود «مبادئ» تدّعي أن الناس سواسية وأن الأرض كلها لك بإمكانك الذهاب أينما تريد، فأنت عندما تسافر من مكان لآخر لا تستبدل المنزل بكامله، بل حالة أشبه مِن التنقل بين غرفة وأخرى. فأنت ما زلت ضمن نفس «الوطن» الخاص بك، فقط غيّرت مكان الإقامة.

تعجب الطير لكل هذا، وضاقت بهِ نفسه شاعراً أن الزي البشري قد بدأ يضغط عليه أكثر ويخنقه، فانزوى لأحد الغرف الفارغة في المطار، ووقف على أحد النوافذ وطار. بدون جوازات سفر، بدون أختام، بدون حسابات بنكية وتأشيرات. وقف على أحد النوافذ، نظر نحو السماء، وطار دون أن يلوي.

لكن سرعان ما دوّى صوت رصاصة طائشة مِن أحد البنادق، لنجد ذلك الطير قد سقط ميتاً. ربما كانت بندقية صيد أو حتى عادية. هنا الرصاص كثير، المهم أن تأتي بمعنى كي تبرر إطلاقه، دائماً كان القتل شيئاً مشروعاً، الفرق الوحيد هو تسويغه وإجابة سؤال لماذا ومعنى هذا التنفيذ.

سقط الطير دون أي ذنب. ربما كان ضحية محاولة التنكر بزي الإنسان لفترة وجيزة جداً، فكان لا بد أن يمسه شيئاً من أذاه كونهُ أصبح محسوباً علينا لبُرهة. مات الطير يا عُمر. سقط الطير. مات قبل أن يحلّق. سقط في أرض المطار أمام موظف العبور الذي كان يتحدث معه قبل قليل.

لكني سأخبركم بسر صغير لا بد مِن الإفصاح عنه، وهو أن أحد تلك الطيور التي كانت قد اعتادت أن تأكل في بلادنا ولا تجوع، قد أتى إليّ وأخبرني أنه لم يكن يفعل ذلك لأنه يريد الطعام، بل كان يأتي لأنه وجد هذا المكان دافئاً، رأى فيه شيئاً حنوناً لا مثيل له في الأراضي الأخرى.

لا تصدقوا أن الطيور تموت جوعاً، فهي أينما ولت وجهها تجد طعاماً. لذلك يدعي المؤمنون بالقول: ليرزقنا الله كما يرزق الطير، إذ أنّه يحط في أي مكان يريده ويأكل من أي بستان ومن أي صنف دون أن يحاسبه أحد. لا تموت الطيور من الجوع، الطيور تموت عندما تتغير أمكنتها، تموت عندما لا تجد دفئ المكان الذي اعتادت أن تهبط فيه، تموت الطيور عندما يبتعد عنها صاحبها. عندما تجد الجبل لم يعد راغباً في أن تجلس عليه لتستريح. هنا تموت الطيور. لا تموت الطيور من الجوع، بل من التغيير، مِن عدم الألفة، تموت الطيور عندما لا يرغب أحد بها.

ماتت طيورنا يا عُمر. نعم هذا صحيح، إلا أن ما لا يقال أيضاً أننا نحن مَن قتلناها بأيدنا. ولا أعرف ما الذي يتبقى عندما تخلو سماءنا مِن طيورها؟ ما الذي سننظر إليه عندما نرفع رؤوسنا نحو الأعلى؟

لننعم حينها بأبراج التغطية والكهرباء، وبمصافي النفط وأبخرتها. لننعم بأجهزتنا الذكية وعقول مستخدميها الغبية. لننعم بكل هذا. لم نعد نحتاج طيوراً. أصبحت الحياة أكثر جديةً، أصبح العاقل مشغول في زنزانة حياته الإسمنتيّة التي يُعيد تكرار روتينها يومياً. لم نعد بحاجة لطيور بعد اليوم.

ماتت طيورنا يا عُمر. إلا أننا نحن مَن فعلنا كل هذا. الطيور لا تموت جوعاً، تموت قهراً.

ولا أعرف ما الفائدة من سماء لا طيور فيها. سماء طيورها بلا جوزات سفر. ليس بإمكانها التحليق ولا العبور. سماء طيورها أصبحت مكبلة. سماء قد ماتت طيورها يا عُمر.

التصنيفات
عام

الرابح يبقى وحيداً

لم أحب كرة القدم ولا أتابعها، إذ لا تتعدى معلوماتي عنها قدر معلومات جدتي عن الهندسة النووية، كلانا في الهواء سواء. ولعلَ التبرير لهذا موجود أيضاً، إذ لطالما وجدت في الموهبة شيئاً فردياً لا حدثاً جماعياً، لا يمكن لموهبة أن تكون مُشتركة مع 10 و20 و50 و100 شخص آخر، بقدر ما تكون أحاديّة، وإن أشرت لأسماء لاعبين بعينهم فهذا دليل آخر يضاف للتأكيد؛ فأنت «خصصته» لوحدهِ بالموهبة وليس الفريق بكامله.

بقيَ الرابح في رواية باولو كويلو وحيداً، إلا أنه هنا سيكون خشناً. قد يكون بمفرده أو بين جمعٌ من الناس إلا أن أهم ما فيه هو الجفاف، ولعلَ تركيبة «فنّ الخشونة» أقرب توصيف لمفتاح وسر تألق ذلك الرابح.

النجاح! كل شيء أصبح عن النجاح ومن أجل وصوله، افتح أي متصفح وموقع يَعرض محتوى وستجد عشرات الصفحات تشير إلى النجاح وتدلك عليه، إذ وأنت تأكل وجبة إفطارك تغصّ بموعظة عن النجاح، وأنت تنزل من على درج البيت تعرقلك نصيحة في النجاح وكيفية بلوغه. لكن النتيجة؟ النجاح بعيد، ولعلَ الأمر يتعلّق بتعريفه الزئبقي غير الواضح.

ما هو النجاح أساساً؟ نأخذ التعريف الأساسي المعروف في الأوساط الدراسية، فالنجاح في المقرر الواجب عبوره يتعيّن بتخطّي عتبة محددة؛ أي أن النجاح يعني تجاوز الحد الأدنى من شيء ما، لا سيما في الجانب الدراسي.

نمضي في التعريف أكثر، لو فرضنا أن العلامة التامة في المقرر الدراسي هي 100 وحدّ النجاح 60 وأنتَ نجحت 70. هل يعتبر هذا نجاح أم مجرد «تخطّي» للمادة؟ هنا لا بد من إضافة الجزء الاستكمالي لتعريف النجاح ألا وهو «التميز». بمعنى لا يجب فقط أن تنجح متخطياً عتبة شيء ما، بل يجب أن تنفرد وحدك بذلك التخطي وعليهِ نمضي في مثالنا أكثر. تخيّل أن تنجح متخطياً مقرراً دراسياً معيناً بدرجة 90! لكن بقية طلاب الدفعة جميعهم 90 أيضاً. هل يعتبر هذا نجاحاً؟

نعيد تخيّل المثال بأن تنجح بـ 90 لكن الآن بقية الطلاب إما قد رسبوا أو في حدود دنيا من التخطي. الآن ربما يعتبر هذا نجاحاً.

بإمكاننا صياغة تعريف النجاح إذًا كالتالي:

هو تخطي للحدود الدنيا التي تؤهلك للعبور نحو المرحلة القادمة، إلا أن هذا التخطي وجبَ أن يكون منفردًا؛ أي لا يكفي لكي تنجح أن تعبره فقط، بل يجب أن يتعثر بقية العابرين.

من جانب آخر بعيداً عن الدراسة، نذهب إلى أنبياء العصر الجديد، بيل غيتس، وارن بافيت، مارك زوكربيرغ، جاك دورسي، ستيف جوبز… الخ. هؤلاء جميعهم مِصداق لتعريف النجاح بأنه التميز وليس فقط تخطي الحدود الدنيا، إذ يجب أن تكون وحدك مَن يتخطى ذلك الحد لا مع جيش من الرفقاء المساندين، ولعلَ هذا ما يفسر تقريباً لمَ جميع هؤلاء المشاهير كانوا كائنات خشنة بعلاقات اجتماعية سيئة، وستيف جوبز وحده مثال بارز في هذا. فالقمة كما يُقال لا تتسع للكثير، وكلما صعدت خطوة للأعلى كلما اضطررت لتترك صديقاً مُحباً قريباً وراءك.

قد يسأل أحدهم ويتعجب لكن بيل غيتس يقرأ الكتب ويشارك قائمته كل سنة! في الحقيقة نعم، لكن هذا بعدما أنتهى من مشروعه التجاري وأكمله. لو عدنا إلى بيل غيتس ومارك زوكربيرغ في فترة دراستهم وإنشاء شركاتهم، فيمكننا شبه أن نجزم أنهم لم يقرأوا حرفاً. القراءة التي يمارسها الآن جميع هؤلاء المشاهير هي رفاهية تحسين الصورة لا أكثر.

قد يبقى الرابح وحيداً، إلا أنه يستدعي مسبقاً أن يكون -مشروع الرابح- إنساناً خشناً. الاستجابة العاطفية الشعورية لكل شيء دليل ضعف أكثر من كونها دليل تعاطف ورقّة. أنت تبكي مع صديقك في عزاء والده، تبكين مع صديقتك في مصابها، هذه أمور لطيفة إنسانية.

إلا أن العالم في الخارج بارد ولا يُراعي مشاعرنا. العالم في الخارج خشن، مليء بالانتصارات الحزينة التي تعيشها وحيداً كأنك جيش مهزوم، ومهما تكوّرت وانطويت على نفسك لن يتحوّل إلى رحم أم دافئ بل سيبقى كما هو. لذلك كن دائماً متوقعاً أن ترى منه الخشونة رغم طيب قلبك. كن دائماً مستعداً لأن تحارب في معركة استنزاف بطيئة مجهدة معه. كن دائماً جاهزاً لأن تربح. وأهم من هذا كله، كن دائماً على استعداد لأن تبقى وحيداً!

التصنيفات
عام

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة

أمسك أي شاب لا يتجاوز عمره الـ 18 عاماً واسأله عن وجهة النظر السياسية والخريطة العالمية السائدة للهيمنة، وستجده يسهب في الكلام والشرح وكيف أن فلان يدعم فلان وأنّ علان يدعم علان، وكيف أن المحور الفلاني يعارض المحور العلاني، ويبقى يثرثر ويثرثر حتى تراه احتد في غضبه وبدأت لتور -جمع لتر- اللعاب تتطاير في الهواء بلا رقيب أو حسيب، متحولًا خلال لحظات إلى قاموس من الشتائم.

غريب جداً أليس كذلك! شاب بهذا العمر، لماذا يتراكم في عقله كل هذا الأسى والصور والمحاور العالمية التي لن تفيده في حياته لا من قريب ولا من بعيد؟

كان أستاذ التاريخ لدينا وهو واحد من أفضل المدرسين الذي مروا علينا وكنا قد أحببنا التاريخ بسببه، يقول أنّ مشكلة الشاب والطفل العربي أنه يُعطي السياسة حيّزًا كبيرًا من تفكيره. فالفرق بين الشاب هنا والشاب هناك. أنه هناك لا يدلي بصوته إلا كل 5 سنوات في وقت الانتخابات، فالأمر لا يشكل جوهرًا مهماً في حياته اليومية. أما هنا فاسأل أي شخص وستجده يُعطيك خريطة ليس لبلده فحسب، بل خريطة السياسة العالمية ولا أبالغ بهذا أبداً.

إلا أن المشكلة تقبع في مكان آخر، إذ هزمونا في مجال بعيد الصلة نوعاً ما. كانت هزيمتنا الأولى على مقاعد الدراسة، في جوانب العلم. الخطأ الأوّل هو الذي اُرتكبَ في فترة الطفولة حينما دُرّس الصغار، عندما كانوا ألواحاً طينيّة مرنة بإمكان الجميع أن يرسموا فيها ما يشاؤون، إلا أنهم رسموها بطريقة بشعة، فجفت بشكل زائد، وكانت لوحاً خشناً بدون أية تعابير.

هزيمتنا الأولى كانت على مقاعد الدراسة، في المدارس، عندما أقنعونا أن العلم هو ما يُدرس هنا فقط ما عداه أشياء لا قيمة لها. دون أن ندري أن العلم المدرسي / الجامعي هو علم «مهني» يهدف لمنحك مهنة في المستقبل لا عقل. ولعل هذا ما يفسره قولبة الجامعة والمدرسة بشكلها الحالي الأكاديمي لحظة انطلاق الثورة الصناعية واستشعار نقص في العمال والمتخصصين، فقامت الجامعات بفعل ذلك من أجل انتاج أفراد صالحين للعمل. فميثاق نشوئها لا يتعهد بمنح العقل بل الوظيفة، ولعلَ هذا ما يفسر رؤية الكثيرين من أصحاب الشهادات بأحوال فكرية يُرثى لها.

هُزمنا على مقاعد الدراسة عندما حصروا الأهمية في الأفرع العليا لا السفلى، دون أن ندري بأن الأمر لا يتعدى كونه ترتيب لما هو مُربح أكثر وأشد طلباً في سوق العمل -مصداق آخر لموضوع أن التعليم هدفهُ المهنة والتوظيف- فكلما اتجهنا نحو الفرع الدراسي الأعلى كلما زادت كمية المردود الذي ستحصلهُ.

وهلم جرًا لغيرها من سلبيات طرق التعليم منذ بدايتها وإلى لحظتنا الحاضرة.

في هذه الأرض التي نحيا عليها هنا. يوجد ألف خارطة طريق مُقترحة للخروج لكن ويا للعجب لا أحد يخرج من مكانه! تسأل البعض فيقول لك الجواب هو الدين، تمسكوا بالدين يُحل كل شيء. تسأل آخر يقول لك الحداثة، تمسكوا بالحداثة والتحرر فيُنظّم كل شيء بدوره. تسأل أحدهم فيجيبك بالجنس. تسأل آخر فيجيبك بالكسل والزهد والتعفف. تلتفت يميناً فتراهم يقولون أنّ الحل يكمن في الرجوع للماضي. تستدر يسارًا تجدهم يقولون أنّ الحل يكمن بقطع الصلة مع الماضي.

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة ما هو الحل الأمثل، فضلًا عن الحديث عنه وحصره بنفسه فقط. ما أعرفه أن كل ما يجري ما هو إلا تراكمات لصدمة أوليّة كانت في الصغر. تراكمات كانت قد توحّشت تحت تأثير فوضى الفراشة لتصل إلى إعصار في اليوم الحالي. ما حدث ما هو إلا تداعي حر لما جرى على مقاعد الدراسة، حيث كانت هزيمتنا الأولى هناك، ومن بعدها بدأت الحكاية بكاملها.

التصنيفات
عام

ماذا لو وُلِدت خروفاً؟

عندما ألّف الكاتب الروماني العدمي «إميل سيوران» كتابه «مثالب الولادة» كان قد ذكرَ قصة السبب الدافع لخطّه ذلك العمل، بأنه قد عانى في أحد الأيام من بعض الصراعات والضغوطات وغيرها مما يكتنف وينغّص هذه الحياة، فعاد إلى المنزل وسألته أمه عن حالهِ مُجيباً بنبرة من الأسى والبؤس. لترد أمه حينها: لو أعرف أنك ستغدو هكذا لما كنت قد أنجبتك!

وهنا تماماً، لمعت فكرة جديدة في ذهن سيوران، صاباً فيها جام غضبه على الولادة وما يليها مِن عواقب وتراكمات سلبية لا تتبع إلا للحدث الأوّل ألا وهو الإنجاب، مُلخصاً كل أفكاره بالقول:

«مِن أجل لذة لا تتعدى 7 ثواني، يُولد إنسان ليُعاني 70 سنة».

ولأن الجدل حول فائدة ولادتنا من عدمها بدون جدوى، إذ دائماً ما ينتهي إلى طرفين متقوقعين في زواياهم، سأستبدل بماذا لو لم نولد، بماذا لو ولدت كائنًا آخرًا، ماذا لو وُلدتُ خروفاً على وجه التحديد.

نحن البشر بما نطلق على أنفسنا مِن مسميات أننا كائنات عاقلة، بارعون جدًا في صناعة المعاني لما نفعله، حذقون جدًا في تبرير الآلام والمآسي وما سيحصل مُقبلًا وقبيلًا. ولعلَ هذا ما أدى لنجاتنا وبقاءنا بشكل أو بآخر، إذ كنا دائماً «مُحترفي وجود» ولدينا بضاعة معنوية وجودية قادرة على تبرير كل شيء والوقوف على الحِكم التي تعتمل في داخلها، لكن للخروف قصة أخرى، وحكاية مُخالفة.

تخيّل أنك وُلِدتَ خروفاً! هذا يختم على رأسك بدمغة القدر أنك لن تموت موتًا فيزيولوجيًا عاديًا إنما في أحد المسالخ داخل بطون أحدهم. قلة هم الخراف الذين يموتون بشكل طبيعي بسبب الكهولة وارتفاع ضغط الدم والسكري، إذ تموت الغالبية الساحقة بسبب القتل والإجهاز المُباشر.

لكن حتى بعد الموت، لا يُترك الخروف بحال سبيلهِ. يُؤخذ صوفه لتُصنع منه الملابس. وقرون أولاد عم الخراف تُباع بدورها. بالنسبة للحومهم فهي السبب الأساس الدافع للاستهداف، إذ يؤكل كل شيء فيه حرفياً. ابتداءً من اللحم الأحمر والعضلات، انتقالاً إلى الأمعاء واللسان وحتى الأمخاخ، وليس انتهاءً بخِصى الخروف وقلبه. كل شيء فيه يؤكل وتُصنع الصندويشات منه. ربما فقط عيون الخروف لم أسمع أن شيئًا ما يُفعل بها، وأحداً ما يأكلها، فلعلها تنجو بذلك.

فهذا هو ملخص رحلة الخروف التعيسة. يُولد في حظيرة، يُسمَّن حتى يكبر، ثم يموت ذبحاً. وحتى بعد موته لا يرتاح إذ يقوموا بفرمه وسلخه وتحويله لكل شيء، فلا يبقى فيه شيئاً ولا يَذر.

ما أريد أن أعرفه، كيف يبرر الخروف كل هذه المعاناة؟ ما المعاني التي يعطيها لنفسه حتى يستمر بمسيره الشاق؟

أن تولد خروفاً وتعلم أنك محبوس ضمن حظيرة، تدرك أنك تُغذّى وتُسمَّن حتى تكون ذبيحة ثمينة مرتفعة السعر، حينها تباع بعلاقات تجارية نفعيّة. بعدها تذبح بسكين حادة، يُصفّى دمك ببطء. تُسلخ. يؤخذ الصوف وتصنع منه الملابس. بقيّة لحومك تؤكل. أمعاءك تحشى بالأرز وتُطبخ. أعضاءك الداخلية وقلبك يؤكل. كل شيء فيك يتم هضمه ومضغه وطحنه.

دون التطرّق لموضوع الحليب الذي يخرج منك لأنه يؤخذ خلال حياتك لا موتك. إذ هو أمرٌ مفروغ منه مُسبقاً.

لكن حينها تداركت نفسي بالتذكّر أنّ الخروف لا يملك معاني كونه لا يملك عقلاً كبيرًا ولا قدرة التفكير التي تجعله يعي ما الذي يجري من حوله سوى بحدود ضئيلة جدًا، إذ هذه هي ملكة الكائن العاقل المغرور وحده. إلا أنه تبقى هناك معضلة فلسفية تناقش حاليًا في أوساط ما يعرف بفلسفة تحرير الحيوان التي يقودها «بيتر سينغر». إذ يتعلّق الأمر بإحداث الألم بالكائن الأخر وليس «وعيهُ» فقط لفكرة ما يجري.

هل يشعر الخروف بالألم؟ نعم. إذًا أنتهى، أنت تؤذيه. سواءً كان يعرف ما يجري أو لا لم يعد مهمًا، طالما أنه يتألم فهذا أمر سلبي سيء. وإن كانت المشكلة فقط في الوعي فلماذا لا يأكل الكائن العاقل الأجنة البشرية؟ هي لا تدرك ما الذي يجري أيضًا ولا تفكّر، إلا أنها كما الخرفان تماماً، تشعر بالألم، ولعل هذا هو المقياس كما يراه فيلسوف أخلاقيات الحيوان بيتر سينغر معتمداً على رؤية سابقهِ «جيرمي بينثام».

بعد كل هذا، ماذا لو ولدت خروفاً؟

لا أعرف صراحةً. لو كنت خروفاً بتفكير كائن عاقل لكانت كارثة، لكن ربما سأتكيف صانعاً لنفسي معنى يبرر كل الفوضى والمآسي الحاصلة. أما لو كنت خروفاً بتفكير خروف فالأمر سيكون سهلاً، خصوصاً أني لا أملك من التفكير ما يجعلني أتخيل وأتوقع السكين وهي على رقبتي في أحد الأيام القادمة، لذلك سأعيش حياتي لحظياً مستمتعاً بكل جذاذة عشب آكلها وكل قطرة ماء أشربها.

التصنيفات
عام

في حياة موازية

لطالما كنت أؤمن أن الإنسان وكل الأشياء الأخرى قائمة على الثنائيات. لو تأملنا في الحياة قليلاً، لوجدنا فيها الخير والشر، الجميل والقبيح، الحلو والمر، الطويل والقصير، القريب والبعيد، الدافئ والبارد، مَن يحب ومَن يكره. إذ ستمرّ على ديمومة شبه كاملة مِن ثنائيات تتصارع، أحيانًا بعنف وأحيانًا أخرى بلين، لا يغلب بعضها بعضاً، بقدر ما تمنح المعاني للقصص التي نرويها لأنفسنا مواساةً أو عزاءًا.

وإن أردنا أخذ المقارنة لمستوى بعيد فحتى الفلسفات العدمية تُقر بهذه الثنائية وتصرّح أن الوجود ما هو إلا حالة ابتكرها العدم كي يفهم نفسه ويَعيها.

الإنسان بشكل ما، يخضع لهذه الثنائيات أيضاً. تأمّل فيه جيدًا وستجد لديه دماغ واحد لكنه مؤلّف من نصفي كرتين مُخيتين. تأمل في وجهه وسترى عينان. تأمل في ذراعيه ستجدهم اثنتان. تأمل في رئتيه، تراها ثنائية. تأمل في قلبه، مضخة الدم مُسببة المشاكل على الدوام. ستجده مؤلفًا مِن بطينين وأذينتين. حتى قلبه وعقله الواحد ككل، إلا أنهما أيضاً قائمان على التثنية، يحتويانها على الرغم من أنهم لا يمثلانها بشكل عام.

أعتقد أنه لا يوجد إنسان ذكر وإنسان أنثى. نعم، هناك كائن حالته العضوية البيولوجية ذكر أو أنثى، هذا شيء واقع يهمه في خطته المستقبلية إن أراد التكاثر. لكن فكّر أبعد من ذلك، أنت، أنا، هي، هم. جميعنا نمتلك نفس الصيغة، جميعنا أتينا من نصف أنثوي ونصف ذكري. أي أننا بشكل ما نحوي الاثنان بداخلنا على الرغم من حالتنا العضوية الظاهرة، إلا أن تكويننا يدخل في تركيبه جزءان متساويان تماماً، جزء ذكري وآخر أنثوي.

جميعنا بداخله أنثى وذكر معاً، إلا أن النسب الهرمونية هي مَن تختلف في سبيل تحقيق الهدف العضوي التكاثري للإنسان. عندها إما ترتفع هرمونات البروجسترون وشقيقه الآخر فتكون الحالة العضوية أنثى. أو أن تنخفض الهرمونات الأنثوية وترتفع الذكورية (التستوستيرون) فنجد أن عضويّة الكائن غدت ذكراً قادراً على التكاثر والإنجاب.

لكن لو عدنا للأصل المكّون فهو واحد، ذكر وأنثى معاً. داخلنا الاثنان جنباً إلى جنب، التعبير العضوي هو مجرد وسيلة تكاثرية فقط، آلية القفل والمفتاح التي لطالما شُرحت لنا. فلكل شيء يجب أن يكون نقيض مُعاكس إلا أن هذا لا يعني التضاد. مثل القلب تماماً. بطين أيمن وآخر أيسر إلا أنهما كلاهما القلب نفسه.

فكّرت الأساطير الإغريقية القديمة بهذا الموضوع وقالت أنّ الإنسان عندما خلقه زيوس كبير آلهة الأولمب كان ذو شكل مزدوج، رجل وامرأة ملصقان مع بعضهما. 8 أطراف ورأسين. إلا أن هذا الكائن قد عصى الإله زيوس وطغى في الأرض فسادا، فعاقبه بأن قسمه إلى نصفين، ذكر وأنثى مُستقلين. ويكون بشكل ما، هدف الحياة لهذا الكائن أن يلتقي بنصفه الآخر ويعيد الاندماج معهُ.

ربما شعرَ الإغريق بذلك الأمر لكنهم لم يستطيعوا ضبطه بشكل دقيق، فألفوا حينها القصص والحكايا. إلا أنها تبقى تدور في الحدس نفسه. كائن واحد رغم تضاد ثنائيتاه. ودائماً ما يسعى نصف الثنائية الأول لإيجاد نقيضه الآخر التائه.

مِن جانب آخر، أحد الثنائيات المُتواجدة بقوّة على الساحة هي ثنائية المعنى والعدم، السعادة والألم. ولعل هذه المُتناقضات تلخص مَسعى الإنسان بكامله منذ رفع رأسه منتصباً نحو السماء بعد سني طويلة من الانبطاح، ليفكر حينها بكل شيء يقرّبه من السعادة ويجنبه الألم. كل ما يُعطيه المعنى ويشغله عن فراغ العدم. إذ تدور دراما الكائن العاقل كلها حول هذه النقطة.

إلا أنه بإمكاننا القول أنّ السؤال عن المعنى هو سؤال خاطئ لا بد من التوقف عن طرحه. مَن يقول ما معنى الحياة شبيه بمن يقول ما معنى فرشاة الأسنان أو معنى جهاز تخطيط ضربات القلب. لا يمكن أن تسأل بما معنى، لأن السؤال نفسه ملغوم ومشحون. فعندما تسأل «ما معنى» فأنت مُسبقاً تفترض وجود معنى. وهذا غير مُتسق. لا معنى لفرشاة الأسنان إنما لها «وظيفة» تؤديها مِن وجهة نظر مراقب خارجي. بينما بالنسبة للفرشاة نفسها، فلا أستطيع أن أقول إلا أنها تتكيف وفق قوانين التراكم الطبيعي لتمنح نفسها قصة سعيدة تعطيها معنى للوظيفة التي تؤديها ليس إلا.

ولندقق هنا قليلاً على كلمة سعادة لأنها كلمة صعبة الضبط وضبابية إلى حد بالغ. قل لي الآن أو عرّف المصطلح، ما هي السعادة؟ الضحك. بإمكاننا أن نضحك في اليوم عشرات المرات والقلب يقطر دماً، لا علاقة لها بالضحك. إذاً ماذا؟ قد يندهش البعض لمعرفة أن السعادة لفظة ومفهوم فلسفي تتعلق بعيش حياة الفضيلة والمعرفة كما عرفها سقراط، تلك الحياة «اليودايمونيّة Eudaimonia». السعادة مفهوم فلسفي أقرب ما يكون للمثال. أما أبعد ما يمكن للإنسان أن يُقارب بهِ السعادة هو مفهوم المتعة، والتي ما هي روابط عصبية ونواقل كيميائية هنا وهناك. والتي غالباً ما تكون ذات تأثير قصير الأمد غير طويل الدوام. لذلك مَسعى الإنسان مع السعادة صراع أبدي، ولعلَه لن ينتصر فيه يوماً، والسعيد بشكل ما هو مَن لم يفكر فيه مُعتقدًا أن المتعة الافتراضية الممنوحة له هي نفسها السعادة.

لذلك قال نيتشه أحد الجمل المركّزة في وصف الحياة:

«لا تُمنح الحياة سوى قيمة جمالية»

بمعنى أن القيمة الوحيدة التي بإمكانك أن تراها هي الجمال. عدا ذلك كله نسبي وغير مطلق ومجرد محاولات واهنة للتبرير. لطالما كنت أقف مندهشاً أمام توجهات الناس التي تسبب الصراع، لا سيما تلك السياسية والدينية على وجه الدقة. مثلاً ترى إنسان على رأي وتوجه معين ينتف رأس الآخر المخالف له. يا رجل! أمن كل عقلك تفعل هذا؟! كلاكما بالنسبة للمراقب الخارجي بنفس مستوى التقوقع. إذ يرى كلاكما أنّ الآخر هو الأخرق الذي لا يفهم. كلاكما متعصب للمنطقة و«المحور» الذي تنتميان إليه. ولأزيد من معلوماتكم، كلاكما أبناء البيئة والتنشئة، بمعنى لو كنت أنت محله وبنفس نشوئه وتعليمه وأسرته وما تعرّض له نفسياً من أذى لكوّنت نفس موقفه. ولو كان هو مكانك بنفس مستواك التعليمي والاجتماعي… الخ، لكوّن نفس رأيك.

«أبرز علامات الخداع ألا تعلم أنك مخدوع وتعتقد أنك مُحق بالمطلق، لأن المحق الحقيقي دائمًا يضع هامشاً للخطأ ولا يعتقد بالفوز التام، بل بالترجيح».

ثمّ يعتقد الجميع ببؤس مؤلم أنهم هم يكوّنون أفكارهم وآرائهم. يا صديقي أنت ابن البيئة والمنطقة والمدينة والحالة الاجتماعية التي أنت فيها. لذلك نجد على طول التاريخ تقريباً أن الفقير يكون ثورياً شرساً بينما الغني المترف مع الحكومات. نعم هناك اختلافات وشذوذات لكنها صغيرة لا تعارض الخط العام. لذلك لا تتمسك بآرائك كثيراً فهي ليست آرائك، بل أنت رأي لها.

«عندما كان يُسأل فيلسوف المنطق بيرتراند راسل عن رأيه في مسألة ما. يقول للسائل هل تريد رأيي اليوم أم البارحة أم غدا؟! في كناية وسخرية من أن الإنسان يغيّر مواقفه على الدوام تبعاً لزاوية النظر التي يرى منها وثقب الباب الذي يُطل على العالم مِن خلاله».

نفس الأمر مع المواضيع الأخلاقية، فما تعتقده أخلاقياً هنا قد يكون الشر عينه في مكان آخر. عدا طبعاً الأخلاقيات البيولوجية التي تحافظ على النوع البشري بشكل عام من نمط: (لا تقتل لأنها تضر بالنوع ككل. أو مثلاً لا تمارس الجنس بدون زواج لأنها ستؤدي مثلاً لأولاد بلا عوائل وبالتالي تفكيك الأسر التي تعتبر لبنة قيام مجتمع الإنسان.. الخ). أما الأخلاقيات الأخرى فجميعها نسبية. ولا يمكنك إلا أن تُشده بمَن يعتقد أن أخلاقياته عابرة للزمان والمكان. أي عبور هذا يا عزيزي؟ الأخلاقيات مفهوم نسبي. يكفي لتدرك ذلك معرفة أن التجديف بحق الإله رع أيام الفراعنة كان أكبر إهانة وقلة أخلاق، أين رع الآن وأين مَن يبتعونه؟ انتهى. لقد كان مفهوماً نسبياً وفقاً للنظام الخيالي الذي أتفق عليه الجميع تلك الفترة كما يقول يوفال هراري. انتهت القصة كلها ولم يبقَ منها سوى تاريخ بسيط يذكر في الكتب من باب التنويه ليس إلا. ولعل الأفن قد يكون في أحد تعاريفه هو الاعتقاد بالاطلاقية على وجهات نظر نسبية واضحة.

«متى يتوقف الإيمان بكيان معيّن؟ عندما ينصرف المؤمنون عن تلاوة قصته. مايزال رع موجودًا كما بعل وزيوس وغيرهم، إلا أن المؤمنين بهم قد انصرفوا عنهم فاندثرت قصتهم واضمحلت».

التصنيفات
عام

بخصوص سارة حجازي

مثل الكثيرين الذين لا ندري أخبارهم إلا عندما يرحلون لم اسمع بسارة حجازي إلا لحظة وفاتها، كحالة ريم البنا مثلًا، لم أعرفها وأعرف أنها عانت من السرطان لفترة طويلة سوى في اليوم الذي ماتت فيه. ولعلَ هذا ما تفعله بنا الميديا الجديدة بشكل عام، إذ تظهر لك تريندات قد لا تكون في سياق حياتك إلا أن شهرتها والجدل حولها يفرض عليك رؤيتها. لأجل هذا لا يحق لي أن أتحدث عن سارة كشخص بل سأتحدث عما حولها بشكل عام.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أحترمه أيضًا. سارة ومن قبلها إسراء غريب وجورج فلويد وكثر يسقطون يوميًا أفرادًا أو في حوادث موت جماعية تُرى على الشاشات تحت أسباب عديدة. خدّرت كل هذه الوقائع شعورًا عميقًا في التعاطف لا أعرف لماذا. أصبح الأمر لا يتعدَ كونه خبرًا يُعرض أمامنا ثم نشارك في الهاشتاغات ونتضامن ونغيّر الصور الشخصية، ويتصارع الناس في التعليقات ويضحكون على تعليقات المُعارضين ويتعاطفون مع المؤيدين، ثم يُنسى كل شيء. أصبح الموت حدثًا رتيبًا، حدثًا تشاهده في الصفحة الرئيسية على فيسبوك فتتعاطف معه لمدة 2 ثانية ثم تنتقل للمنشور القادم الذي غالبًا سيكون نكتةً ما مُضحكة، ولربما من بعدها تضع قلب لصورة صديقك وصديقتك الشخصية. وكل شيء يمضي…

ثمّ أني أرى أن هناك جمالية في الموت تكمن في الموت الهادئ، بمعنى أن يرحل الإنسان بصمت بدون إحداث أي جلبة. هذا الوجود الصاخب بالكلام والقيل والقال شكل من أشكال العبودية، ولعلَ الطريق الوحيدة نحو الخلاص تكمن في أن ينساك الجميع، في أن يغيب ذكرك وتنعم بالهدوء الأبدي، كما قال محمود درويش في قصيدته: «فأشهدُ أنني حيٌ وحرٌ حين أنسى».

للبعض حقٌ في النسيان، حقٌ في الذبول غير الفوضوي. لذلك أرى في بعض الحوادث شيء أقرب ما يمكن تسميته للـ «التسويق بالموت».

خصوصًا أن هناك الملايين يسقطون هنا وهناك كل يوم، تخيلوا أن 1.5 مليون إنسان سنويًا يموت بسبب الجوع في هذا الكون المُنضبط بدقة لأجلنا. هل تعرف اسم أحدهم؟ هل تدري عنهم شيئًا؟ عن أحلام ذلك الطفل الصغير؟ لا، هم يرحلون بصمت. حتى رفاهية التسويق لأنفسهم لا يملكونها. هم يمضون بهدوء، ينزون كالبالونات التي تعلو نحو السماء وسرعان ما تغيب بين الغيوم.

«أصبحت المعاني التي بين أيدينا رديئة لدرجة لا يمكن تصورها. هل تريد رؤية توجهك الفكري؟ إذًا اذهب للصفحة الشبيهة بمعتقداتك واعمل لها اعجاب وشارك محتواها واكتب التعليقات التي تحصد عشرات أفعال الاعجاب. هل تريد توجه مُعادي لك؟ اذهب إلى صفحتهم واترك تعليقًا وستجد عشرات ردات فعل الضحك تنهال عليك، وهكذا. الجميع متقوقع في جماعته وصفحاته وجحور عقائده، بغض النظر عمَن محق ومَن مخطئ، إلا أنهم مجرّد شحنات إيجابية وسلبية تتعارك، فلا يكون الناتج سوى الفناء معًا».

عبدالرحمن! ماذا؟ ماتت إسراء غريب تعال لنتضامن. عبدالرحمن! ماذا؟ مات جورج فلويد تعال لنشارك بهاشتاغ حياة السود تهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مجموعة من الناس المعارضين لنا، تعال نضحك عليهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مات مجموعة من أقربائنا من نفس المنهج، تعال لنحزن عليهم ونندب ونلطم. وهلم جرًا على مثيل هذا التكرار. فبالرغم من أن حالات التضامن قد زادت بسبب سهولة التواصل السائدة إلا أن المعنى قد فقد روحه وابتذل إلى أقصى الدرجات.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أرى له تأثيرًا كما السابق. سواءً كان الذي يموت معي أو ضدي. سواءً كان أقرب أقربائي أو ألد أعدائي. أصبح الموت حدثًا عابرًا. عابرًا جدًا. عابرًا لدرجة قد تستوقف نفسك قليلًا وتتساءل: هل هو الذي أصبح عابرًا، أم أنت نفسك قد تغيرت لتصبح عابرًا؟

ولعله من عدالة هذه الحياة أننا جميعًا ماضين إليه بشكل أو بآخر، هل تعلم ما هو الشيء المميز في عام 2100؟ أننا -في أحسن الأحوال والتقديرات- سنكون أنا وأنت وهم جميعًا قد تبخرنا ومتنا، جميعنا قد رحل ولم يبقَ هناك شيء سوى السكون، إذ سحبت علينا الذكرى ذيول النسيان وتركتنا.

أما بالنسبة لسارة فحالتها ليست جديدة، هناك حالة أهم منها أيضًا بسبب إنجازاته، وهو العبقري عالم الحواسيب آلان تورينغ الذي أنقص من مدة الحرب العالمية سنوات عدّة بسبب كسره لشيفرة الإينجما النازية. ما الذي حدث به؟ مات بسبب تداعيات علاجه للمثلية كونه كان مثليًا أيضًا في بريطانيا التي كانت قوانينها تلك الفترة تمنع ذلك.

صدقوني أنا تعبت، تعبت من التضامن، مللت من هذا التكرار الساخر للأحداث، مللت من فرص التسويق للبعض لمجرد أنهم يعيشون الآن في عصر الميديا بينما آخرين لا يدري عنهم أحد شيئًا. أصبحت حوادث الموت في هذا العالم بلا قيمة موضوعيّة. إذ لا تكسب قيمتها بالنسبة لأصحابها سوى إن كان الميت من نفس الميول والصنف والجنس. أما المخالف فليمت ويحترق ويفنى، لذلك فقدَ الموت معناه وأصبح حالة كبيرة من السخرية. مَن هو أشر أشرار العالم الحاليين الآن بالنسبة لك؟ حتى لو يمت غدًا لم يعد لموته معنى.

هذا العالم بلغ أوجه في مدى تسخيف كل المعاني، لدرجة أننا أصبحنا عابرين حول كل شيء.

التصنيفات
عام

نازيّة الحواضن الاجتماعية

لم يعد البعض مِن مقدمي المحتوى على يوتيوب وفيسبوك وأشباههم يملكون مُجرد متابعين أو روّاد لما يصنعون، إنما أصبح هناك نوع من الحواضن الاجتماعية العنيفة. حالة أشبه بأدولف هتلر ومن حوله جيش نازي يتلقى الأوامر (المحتوى) بدون أن يُسائل أو يناقش. فقط تلقَ ونفذ بدون أي مجادلات. فغدت حينها مواقع التواصل الجديدة تلك ساحة لصناعة حركات نازية جديدة يقودها أفراد لا يملكون متابعين Followers فقط، إنما يوجّهون آلات إعجاب وتعليق وشن بلاغات على المخالفين. مُتعدين بذلك مرحلة المؤثرين، غادينَ أقرب ما يكونوا للمسيطرين أنصاف الآلهة الذين لا يُنقدون ولا يخطئون.

في الحقيقة، نحن محظوظون جدًا أننا عشنا في هذا الزمن الحديث الحيوي. زمن رؤية كل شيء من أي بقعة تقطنها في العالم. لأننا استطعنا أن ندرك كيفيّة صناعة تلك الهالات الاستعلائية حول معظم الشخصيات الكبيرة التي اشتهرت عبر التاريخ، من خلال مُقارنتها مع ما يحصل في يومنا الحالي واسقاطه عليها. والتي تبيّن لنا الآن أنها قد تكون شخصيات بلهاء لا وزن حقيقي لها، إلا أن الحاضنة الاجتماعية ساهمت في إعلاء شأنها. خصوصًا في تلك الأيام التي لم تشهد اختراع الكاميرا وسهولة التواصل. فلا شك أن الحاضنة في وقتها كانت أكثر عنفًا ومركزيًة مِن الآن.

لنتخيل مثلًا أن سقراط بُعِثَ بيننا الآن في هذا الزمن، ما الذي سيحدث لهُ؟ أول شيء هو أن الفيسبوك سيحظره لأنه أنتهك قوانينه الرديئة. خصوصًا أن تهمة سقراط الحقيقية التي أدت لإعدامه كانت «افساد شباب أثينا». نتخيل الآن سقراط يحمل أفكاره الجديدة المتمردة وينزل إلى أسواق الفيسبوك واليوتيوب ليعرضها. ما الذي سيحدث؟ لن تجد حوله أحد. شخص بدون حواضن اجتماعية تداعب مخيلات الحشود وأوهامها بل هو أساسًا جاء ليهدم هذه الحواضن، لذلك سيكون وحيدًا وسيتم إعدامه، إلا أنه كان ذو حظ جميل ونجا من ذلك كونه لم يعش في هذا الزمن.

الموهبة والفكر يا أعزائي شيء فردي جدًا. لن تجد كتاب من تأليف مدينة أو قرية كاملة. بل ستجدون مدن وقرى وجماعات بأكملها تُساق إلى الحروب. لماذا؟ لأن الأفعال الهمجية تغلب على طابع الجماعات. بينما الأفكار والتوجهات العليا تميل للأفراد والعدد القليل. فاجتماع الناس دليل سوء أكثر من كونه دليل إيجاب.

«حقيقة أنّ رأيًا ما مقبول على نطاق واسع ليست دليلًا على عدم سخافة هذا الرأي. في الواقع، في ظل النظرة القائلة بسخافة الغالبية العظمى من الجنس البشري، الرأي المقبول على نطاق واسع مرجّح أكثر ليكون رأيًا أحمق وليس معقولًا». بيرتراند راسل

ومع قدوم الإعلام الجديد والاستقطاب العنيف المشحون لكل طرف نحو «هتلره الخاص» نرى بوضوح كيف تتحرك هذه الحواضن الاجتماعية وتُساق بدون أي تفكير أو مناقشة. ولعلها شيء إيجابي أكثر من كونها سلبي. لأنها أتاحت للكثيرين فرصة النظر بشمولية أكثر للتاريخ وإدراك كيف تمت صناعة الهالات العظيمة حول شخصيات عادية مُستغلين فرصة عدم وجود كاميرات لتوثق ذلك. فهم لم يتعدون كونهم شيئًا مهمًا، إلا أنه الحاضنة الاجتماعية هي من زادت شأنهم.

الحذاقة والتفكير حدث نخبوي آحادي، بينما لا تملك الجماعات إلا الفوضى. لذلك صديقك كائن رائع جدًا حينما تكون وحيدًا معهُ تسأله عن شيء ما. بينما عندما يجتمع مع ثلة أصدقائه ينقلب إلى شخصية الوغد وربما قد يستخدم أسرارك الشخصية كمزحات اجتماعية لإعلاء هالته في المجلس المنعقد. ذلك لأنه فقد عنصره الفردي الخاص وانحل في بوتقة الجماعة، فأصبح سلوكهُ أرعنًا كسلوكها.

التصنيفات
عام

اِحترم أحلامك

عندما نتحدث عن أحلامنا الصغيرة التي رسمناها كبالونات حائمة نتركها تطير نحو الأعلى، وسرعان ما تذوب ببطء بين الغيوم. لا بد أن نتخيل شيئاً ما لطيفاً، زوارق صغيرة من ورق تطفو على الماء أو طائرة كرتونية صغيرة يحملها طفل ويلعب بها في ضوء شعاع شمسي بمكان ما مجهول من بقاع هذا العالم. أو أي شيء يحمل هذا المدلول البريء البسيط. وكأن الأحلام لا يجب أن يكون لها سوى تصوّر رقيق، تصورّ ملوّن ناعم تملؤه البراءة وتُفعمه الياسمينات برائحتها.

لطالما آمنت بعكس هذا وصدقت أن الصيغة الشعورية للحلم أمر رديء ومثالي يقتصر على التفكير الطفولي لدى صاحبهِ، وعندما أسمع وأرى كلمة حلم، كان لابد أن يخطر على بالي شيء أقرب للآلة الحاسبة وجداول المواعيد وقوائم ما ينبغي فعله، معادلات من الدرجة الثانية ومجاهيل وجب حلها واكتشاف قيمتها على أرض الواقع.

إذ رأيت في الأحلام صيغًا رياضية قابلة للتفكيك. لا بد أن يكون لها جداول وأوقات ومعايير محددة مسبقًا. الحلم الذي يملك صيغة حلم هو حلم فعلاً! لاحظوا أن اللغة هنا متواطئة ضد الخيال، فتصف كلمة حلم لتعبّر عن شيء غير قابل للتطبيق، أو ممكن لكن بصعوبة كبيرة فيُقال: «ولا بالأحلام»! لذلك لم أقبل هذا أبداً، كنت أحترم أحلامي، أحترمها كثيراً ولا أريد التفريط بها، لذلك حوّلتها إلى صيغ رياضية مجدولة كي أبقيها على قيد الحياة، كي أمنحها الأوكسجين اللازم، كي لا ينفذ منها وأضطر أن أضعها على منفسة الندم، كي تبقى تطير كبالونة وردية تغيب بين الغيوم وتنزوي.

فلو كنت مكان مارتن لوثر كينغ الذي حرر السود لعدّلت خطابه قليلاً، واستبدلت عبارة لدي حلم الشهيرة التي قالها بعبارة: «لدي خطة يجب أن تنفذ».

لكنك تكبر. تنضج أيها الطفل. لتدرك أن النمو يترافق مع الإيمان بالمحدودية وعدم إمكانية أن تصبح شيئًا كثيرًا. إذ يؤمن الصغير أنه سيصبح طيارًا ورائدًا للفضاء وراكبًا للأمواج عندما يكبر. تؤمن الطفلة بأنها ستصبح من جميلات سبيستون وأفضل صغيراتها. يؤمنون بصيغ عفوية لأحلامهم. يؤمنون أنه بإمكانهم. يؤمنون أنه باستطاعتهم فعل أي شيء. فأنهار الأمنيات لن توقفها السدود ولن تكبح طريقها المعترضات. لكنهم يكبرون، يكبرون بقسوة. ليصبح الطفل رجلًا كبيرًا يصطحب أولاده للسينما.

وبينما يبكي أولاده في حرقة عند رؤية البطل يموت وانتصار الشرير، يقهقه هو بخيلاء الكبير الناضج الذي فهم كل شيء. فيقول لهم: لا تحزنوا يا أولاد هذا مجرد تمثيل! نعم، لقد كبر. لم يعد يؤمن بالإمكانية والاستطاعة والأحلام التي يؤمن بها أطفاله، إمكانية العبور من عالم الخيال لعالم المادة. إمكانية اختراق الممثلين للقصة الحقيقية وتحوّل ذاك الفيلم إلى شيء فعلي. لم يعد يؤمن أبدًا. بات محدودًا جدًا يعلم أن كل شيء كذب وتمثيل وأنه ليس بالإمكان إلا أسوء مما كان.

كبر ذلك الطفل وبات يؤمن أن كل تلك الأشياء كانت أوهام وأن الأهم هو دراسة الطب والصيدلة كي يؤمّن مستقبلهُ. فيدرس الطب. لينضج ويكبر موفياً بوعده في دراسته، لكن الحياة لم توفِ بوعدها بمنحهِ مستقبلًا مؤمّنًا، إذ غدت حياة بلا مستقبل. حياة تعيش فيها الماضي والحاضر ولربما المستقبل البعيد حتى الذي تدركه عند المشيب، إلا أن المستقبل الحيوي السعيد سيكون أمرًا صعبًا بعيد المنال.

تجنبًا لهذا السيناريو المؤلم، وبما أن الطفل هو الصفحة البيضاء بلغة ستيفن بينكر التي نرسمها كما نريد، والتي كما قالها أرسطو أحد المرات: «اعطوني طفلًا صغيرًا وسأرجعه لكم محاربًا كبيراً»، كناية عن إمكانية قولبة الطفل بالطريقة التي تريدها. أريد أن أقول للأطفال جميعًا أن حافظوا على أحلامكم. تمسكوا بها جيدًا. الإنسان في أحد تعاريفه هو الكائن الخيّال، الذي يستطيع التخيّل. فمثًلا لو أمسكنا قردًا وسعينا لإقناعه بترك موزة اليوم في سبيل أكل طرد كامل من الموز في الغد لن يفهم، هو يسعى لتحقيق لذات لحظية سريعة. بينما الإنسان لا. الإنسان يستطيع أن يتخيل طرد موز في الغد، لذلك كان دائمًا الكائن صاحب الخيال، الكائن صاحب الأحلام.

لذلك الآن أقول: عزيزي الطفل، تمسك بها، تمسك بأحلامك، تمسك بخيالك، وحتى تمسك بأوهامك إن أردت، المهم أن تتمسك بشيء!

إلا أنك يجب أن تتخلى عن أحلامك كي تتمسك بها وتحافظ عليها. ولفعل ذلك يجب أن تحول أحلامك لروتين يومي ممل. لا يجب أن تحافظ عليها كبالونة تسبح بين الغيوم. لا لا. يجب أن تعطيها جدولًا مملًا من المهام التراكمية الصغيرة. يجب أن تجعلها شيئًا يمارس يوميًا أثناء ذهابك لرمي سلة القمامة في الحاوية أو عند انتقاء البطاطا عند بائع الخضار.

اِحترم أحلامك وأعطها مواعيد محددة مُنتهية. جميعنا في الكلام سواسية. جميعنا في القدرة على الحلم عملاقة بإمكاننا بناء قلاع من خيال دون أن يكون لها أي وجود في عالم الواقع. قلة هم مَن يقومون بالتطبيق الحقيقي. لذلك احترم أحلامك وحولها لخطط ذات جدول مهام يومي، حينها تتحقق بشكل تراكمي مع الزمن.

إن أردت أن تحقق أحلامك يجب عليك أن تحترمها، وإن نشدت احترامها فأوّل ما عليك فعله هو التخلي عن صيغتها البريئة مُحوّلًا إياها لمخطط قابل للتوظيف في الحياة ذات الأربع والعشرين ساعة الرديئة.

ما هي نسبة الناس الذين يتحملون الملل لمسافات طويلة؟ قليل جدًا. ربما لا يتعدون 5%. وهذه هي نسبة الناجحين في العالم، لا تتعدَ نفس ذلك الرقم (5%). لأن من أهم خطوات تحقيق الأحلام والنجاح، هو بناء روتين يومي قائم على تحمل الملل لمسافات طويلة ريثما تجهز الصورة النهائية للحلم والخطة.

يعتقد الناس كما في السينما أن هناك رقاقة توضع في الرأس فتتعلم بثانية واحدة اللغة الألمانية وبناء المشاريع الصعبة والانجاز. هذا غير صحيح. الحلم مفهوم تراكمي يحتاج لبيئة واقعية مبنية على خطوات صغيرة مملة وجب تنفيذها. ولعلَ هذا السبب في أن معظم الناس يخيبون في تنفيذ أحلامهم، لأنهم احتفظوا بها كصور بلاغية بريئة ولم يحولوها لمشاريع حقيقية قابلة للإنشاء.

لذلك عزيزي الطفل أو حتى الكبير الذي لا يزال يملك تلك البذرة الرقيقة في داخله. احترم أحلامك. احترم أحلامك واجعلها حبة الطماطم الأكبر التي تنتقيها كل يوم. اجعلها روتين يومي تنفذه عند الوقوف في طابور شراء الخبز وتسديد الفواتير. اجعلها شيء عملي بإمكانك رؤيته دائمًا ولمسه وتحسسه والاطمئنان عليه.

يؤمن الناضجون بالمحدودية وأن كل شيء كذب وأوهام. إلا أن الطفل لا يزال يملك صفحته البيضاء، الصفحة التي تخبره أنّ بإمكانه واستطاعته أن يفعل. ولعل هذه الإمكانيات والاستطاعات لن تنجح إلا إذا تداخلت بعنف مع الواقع اليومي. لذلك قم بـ «وقعنة أحلامك» وإنجازها.

أحلامنا لا تعرف حدودًا، لن تقف في وجهها السدود. ولا تتذرّع بأن السدود التي تعترضك كبيرة لأن هذا هو ديدن الحياة والتاريخ منذ بدايتهم، السدود دائمًا كانت موجودة. إلا أنّ في وجودها حافزًا إضافيًا لمواجهتها وتخطيها.

فعكسًا لما قال مارتن لوثر سأقول: أنا لا أملك أحلام، أنا أملك خطط عليّ تنفيذها الآن. لماذا خطط وليس أحلام؟ لأنه باختصار شديد، أنا أحب أحلامي واحترمها، أحبها لدرجة عدم التخلي عنها، لدرجة أني سأحولها لروتين يومي ممل قابل للتطبيق كي أراها تكبر أمامي يومًا ما.

التصنيفات
عام

رسالة إلى أحمد الغندور: لا تقع في الفخ!

مثلما حُبِسَ الفنان المصري اللطيف محمد سعد في شخصية «اللمبي» ومثلما أبدع هيو لوري في دور الطبيب «غريغوري هاوس». وكالجميع الذين نجحوا بشكل باهر في أنماط محددة وشخصيات بعينها، إلا أنها في بعض الأحيان تنقلب عليهم وبالًا ساجنةٍ إياهم ضمن إطار ونمط واحد فلا يسمح لهم الخروج بعدها أبدًا. يقف الغندور أمام فخ بإمكانه اجتنابه باكرًا، فخ سقط فيه الكثيرين من قبل.

مع نهاية سلسلة الدحيح اللطيفة التي ظهرت على قناة Aj+، تُطوى فترة زمنية حافلة بالأسلوب الرشيق والمواضيع الممتعة. إلا أنه مع نهايتها فرصة عظيمة من جهة، قد تكون فخًا لا يستطيع أحمد الغندور رؤيته من أخرى.

مَكمن الفخ هو بقاء الغندور فقط ضمن شخصية الدحيح. صراحةً الغندور شاب مبدع نقطة تميّزه الكبرى هي أسلوبه لا محتواه. فلو قدّم محتوى عن أي شيء حرفيًا مع نفس أسلوبه فسينجح. نعم، صحيح أنه عُرفَ بالمحتوى العلمي المعرفي المنوّع. لكن هناك الكثيرين الآن يفعلون ذلك. إلا أن للدحيح نقطة قوّة أخرى وهي أسلوبه. ولعلَ الفخ القادم يكمن في حبس نفسه ضمن إطار شخصية الدحيح أولًا، وضمن المحتوى العلمي ثانيًا.

أعتقد أن نهاية تعاقده مع القناة السابقة فرصة جميلة. لربما تجعله يقوم بسلسلة جديدة مختلفة. مثلًا محتوى فلسفي بأسلوب مميز. أو محتوى شبيه بسرد قصص معينة بطريقة كوميدية. أو شيء ما على نمط ما كان يفعله باسم يوسف. أو شيء من هذا القبيل. نقد اجتماعي، فلسفي أيًا كان. المهم هو ألا يفعل كما فعل محمد سعد، عندما حبس نفسه في شخصية واحدة ونمط واحد فلم يستطع الخروج منها فيما بعد.

خصوصاً أن هذا المحتوى – العلمي – يصل إلى نقطة معينة محددة لا يعد هناك فيها شيء جديد ليُطرح، ويبدأ حينها التكرار والابتذال. فتنهال الانتقادات من كل حدبِ وصوب مدعيةً بعدم التحديث أو رداءة ما يتم تقديمه.

فلو قرأ الغندور هذا المقال. ولو أراد أن يسمع مُراجعة مختلفة لما يقدمه فهي ألا يقع في الفخ الذي وقع فيه كثيرون. فخ أن يحبس نفسه ضمن إطار النمط الواحد. نوّع قليلًا. قدّم شخصية بقالب آخر. وإن لم تنجح فعد لشخصية الدحيح والنمط العلمي. إلا أني أرى أن نقطة قوّة الغندور هي أسلوبه. وأعتقد أن أسلوبه كافٍ بشكل كبير للتطرق لعدة أنماط أخرى سواءً علمية أو كوميدية أو فلسفية أو حتى سردية قصصية.

لذلك، وبإيجاز شديد بعد نهاية سلسلة الدحيح السابقة. أتمنى ألا يقع الغندور في هذا الفخ، فخ الشخصية الواحدة والنمط الواحد. بعدها لا يستطيع الخروج منه أو عندما يخرج تسلّط عليه سهام النقد بأنه لم يعد كما كان أو تغير أو أصبح شيئًا ما. لذلك من البداية، نوّع في المجالات ولا تحبس نفسك سياق بعينه.

نقطة قوتك هي الأسلوب وليس المحتوى، والأسلوب القوي باستطاعته تأدية أي محتوى طالما وُجدت الموهبة والوقت.

التصنيفات
عام

شجاعة الانسحاب: «يلي خدتوا محبوبي محبوبي»

«انقعوه واشربوا ميته… واشربوا ميته». أو تلك العبارة اللطيفة التي لطالما كنت أحب ترديدها في عديد مِن المناسبات: قُل لمن أغلق الأبواب في وجوهنا أننا سنعود، وأننا سنشتري المبنى وأبوابه!

نعم خذوه. نعم خذوها. نعم أوصدوا الأبواب وضعوا عليها الأقفال الثقال. لكن العودة قريبة. خصوصًا إن كان يسبقها ذلك الانسحاب البطولي الذي مارسه جميع العظماء. انسحاب نبي الإسلام قبل قدومه بالدين في غار حراء. انسحاب موسى اليهود في جبله قبل أن يكتب الألواح. انسحاب البطل الذي يغادر في أول الفيلم ومن ثم تراه يرتد قدومًا في المشهد الأخير لينقذ الحدث بأكمله.

الانسحاب العظيم الذي تعرفونه جميعًا وتعجزون عن توصيفه وضبطه بالكلمات. الانسحاب الذي يسبقه انكسار ويعقبهُ انتصار!

يُحدّثنا الجميل «فيكتور فرانكل» في كتابه المُحزن «الإنسان يبحث عن معنى» الذي أرّخ بهِ حياتهُ عندما كان مُعتقلًا في مُعسكر «أوشفيتز» النازي في بولندا، وبعدما ذاق الويلات والمرارات، عندما قُتِلَ جميع أفراد عائلته ولم يبقَ سوى زوجته التي تبيّن له فيما بعد أنه فقدها أيضًا. في تلك اللحظة التي تحوّل بها من أستاذ طبيب في جامعة فينا إلى مُجرد سجين هزيل يحمل خرقة بالية تغطي جسده ورقم 104/119 يعرّف شخصهُ بدلًا من اسمه الحقيقي فيكتور. يحدثنا بعد كل هذا عن أنه حاول اكتشاف معنى للحياة مِن خلال طرحه سؤالًا استنكاريًا على السجناء ليدرك بأجوبتهم حافزًا يدفع للاستمرار.

كان السؤال: لماذا لا تنتحرون؟

أهّب جواب هذا التساؤل لإنشاء المدرسة النمساوية الثالثة في علم النفس التي قادها فرانكل نفسه. والتي اتفق على عنونتها بمدرسة العلاج بالمعنى Logotherapy مُفتتحًا إياها بالعبارة التي ساقها في كتابه نفسه عندما قال:

«أن تعيش يعني أن تعاني. لكن كي تبقى، يجب عليك أن تجد معنى في المعاناة!»

كل إنسان لديه معنى يدافع عنه وعن وجوده. قد تختلف أنت معه فيه أو قد تتفق إلا أنه يشكّل مركزًا في حياته، وطالما أنه معنى لا يسيء للأخلاق – لفظًا أو ضمناً – ومعنى غير مؤذي – الأذى فعل ضار تجاه أي إنسان تحت مسمى غير مبرر – فمسموح له فعل ما يشاء به واعتناقه لأبد الآبدين.

فمثلًا يكمن المعنى لدى البعض في الدين. وطالما أنه معنى لا يسيء للأخلاق ولا يفرض الأذى فلصاحبه الحرية باعتناقه متى شاء. نفس الأمر بالنسبة للإلحاد. هل معناك في الحياة غير أخلاقي؟ أي أنك تشتم وتتلفظ بالسوء وما إلى هنالك؟ هل معناك يقرر الأذى؟ إذا كان لا فلك الحرية به أيضًا. البعض معناه العلم، هل هو معنى غير أخلاقي؟ يفرض الضرر؟ إذا لا فلك الحرية به متى شئت.

نفس الأمر بالنسبة أيضًا لجميع المعاني التي تختارها في حياتك. طالما أنها لا تسبب أذى أخلاقي لمن حولك، ولا تضر ولا ترهب بها أحد فلك الحرية بامتلاكها حتى لو لم يتفق من حولك معها. طالما أنك لا تؤذي أحدًا ففعل ما شئت. المهم أن يكون هناك معنى، لأنه من وجهة نظري، أجد أهم المهددات السلبية لعصرنا الحاضر الذي نعيش به هو مفهوم العدمية. أي مفهوم عدم وجود معنى تتمركز حوله. عدم وجود معيار في ذاته لأي شيء، بل التأكيد على الوصف النسبي لكل ما يُرى فقط.

كل هذا الاستطراد فقط كي نعود لمقدمتنا التي بدأنا منها. عندما سلبوا منكِ أو منكَ مُحبيكم. اللحظة التي كنت تعتقد بها أنها «هي» كانت المعنى، وأنه «هو» كان المبتغى. لكنه أُخذ بعيدًا عنكم فغاب الهدف وسادت العدمية، ودخلت بعدها الأيام في ترتيب بغيض من الأسى.

في الحقيقة لا يحق لي كثيرًا أن أطلق أحكامًا عامة وقاسية في هذا الجانب لأني أعلم مدى حساسيته لدى الكثيرين، لذلك دائمًا ما أقول أنّي فقط أعبر عن مجرّد رأي لا أكثر، قد تتفق معه أو تختلف، فهو غير ملزم لأحد. إلا أني أحب أن أشاركه معكم لعلكم تجدون به شيئًا مفيدًا.

أحد الأسباب المهمة في قوّة الصدمة الانكسارية للفتاة والشاب بعد خوض أول تجربة شعورية تجاه أي أحد. تعود لتمركز المعنى بشكل شبه كامل حول الطرف الآخر. فيصبح عندها الأوّل مجرّد دمية عرائس تتحرك ضمن خيوط مهمتها تقديم تنازلات فقط! وهذا أمر استنزافي يدمر الطرفين ويمزق الأواصر بينهم. لاسيما أن مفاهيم كالحب والزواج مختلفة عن بعضها ويقع كل منها في وادي مختلف عن الآخر.

«لكي تتخلص من حب الفتاة التي تهيم بها، قم بتزوجها فقط».

كلا المفهومين اقطاب متعاكسة ونادرًا ما يتم الجمع بهم. حسنًا لا أعرف إن كانت وجهة النظر التي سأتكلم بها مألوفة أم قاسية أم شيء آخر. لكني أريد أن أقولها أيًا كان الصدى الناتج عنها.

يكون الحب غالبًا صدامي غرائزي ولا يهدف إلى أي نتيجة مؤسسية. عكس الزواج تمامًا الذي يكون مبني على أسس متوافقة منسجمة من أبعاد مختلفة، وتهدف لتحقيق نتائج محددة بدقّة أيضًا. مِن هذا المنطلق يمكنك أن تدرك لمَ جميع الشرائع الدينية، وما قبل الدينية حتى كتلك التي سادت في سومر وآشور وأثينا، وفي بعض الفلسفات أيضًا. تحرم وتضع الضوابط على مفهوم الجنس خارج إطار الزواج. لأن الهدف الرئيس منه هو إنشاء عائلة. فبمجرد ممارسة الجنس بدون زواج غالبًا ستكون النتيجة أولاد بدون عوائل ومشردين تائهين في الطرقات. لذلك أصبح مفهوم الزواج مرتبط دائمًا بتحقيق نتيجة حضرية. مع الاعتماد طبعًا على النظم الوليدة الأخرى التي استلمت راية الموضوع، لاسيما الدين والفلسفات والتشريعات القديمة كحمورابي مثلًا. فهدفه الأول دائمًا كان وما زال هو الأسرة والإنجاب والتربية.

من جهة أخرى مُخالفة تمامًا، يأتيك الحب وليدًا فهو لا يتعدَ عمره الـ 500 سنة كما يستقر في أذهاننا الهوليودية، كإنقاذ للمحبوبة وباقة زهور، ونظرات دافئة وما إلى هنالك.

الحب من جميع نظراته الأولى والأخيرة والمتوسطة عكس الزواج يكون غير هادف أبدًا، أي أنه ليسَ محكوم بالنتائج. فمفهوم بناء الأسرة التي يؤسس عليها الزواج نفسه، شبه غائب أو لا يأخذ بالحسبان في الحب وعند القرار بالدخول إليه.

فعلى سبيل المثال، أحد الاحصائيات البسيطة التي تناولت المجتمع الأمريكي كونه الأكثر انفتاحًا في هذا المجال وبإمكاننا أن نستقرأ بعض الملاحظات منه، تبين أنه قبل القيام بالخطوبة والزواج ولقاء الشريك الحقيقي المنشود. كان الرقم من 7 – 8 شركاء هو المتوسط لمن ستقيم معهم علاقات قبل الدخول الجدي بالموضوع لإنشاء أسرة.

لو أخذنا مواقف أولئك الشبان وحاولنا أن نحاكي ظروفهم، فغالبًا أنت ستحب كل شريك ستقابله لكن فيما بعد ستجد أنها لن تكون هي المطلوبة! ولا هو المختار! فالحب كمقدمة لم يصلح أبدًا في تحقيق الزواج كنتيجة هنا. ليس لمرة ولا مرتين ولا ثلاث بل 7 و8 مرات! فالموضوع نعم موجود ويشكّل عاملًا يدخل في تشكيل الوجهة العامة، لكن ليس سببًا وحيدًا كافيًا ولا جوهريًا محوريًا يصح أن تضعه معنى للزواج بعينهِ، فكيف تضعه كمعنى للحياة بأكملها!

أعتقد أن الأمر والمجال الوحيد الذي يصح أن تكون فيه سيّالًا بهذا الموضوع هو الكتابة والأدب لأن اللغة تحتمل الكثير من العواطف والمشاعر، لكن عندما يخرج الموضوع وراء ذلك فسامحني إن كان الكلام قاسيًا، هذا يدل على شخصية ضعيفة تتمتع بتقدير متدني للذات.

فلانة تحب فلان الطويل الجميل سريع البديهة صاحب القلب الرقيق. جميل جدًا، لكن هل هذا يعني الزواج والارتباط؟ هل هذا يعني تأسيس أسرة ومن ثم أطفال؟ قد يشكل عاملًا لكن في حالات كثيرة سيكون الجواب لا. يتطلب الزواج توافق أكبر من مجرد انسجام عاطفي بين الطرفين. يتطلّب توافق مادي له علاقة بالطبقة، فغالبًا لن تجد مَن يسكنون القصور يتزوجون مَن يسكنون القبور والعكس صحيح. الأمر موجود في المسلسلات التركية فقط. هناك شذوذات نعم. لكن تبقى قليلة لذلك سميت شذوذات. وأنا آسف إن كنت قاسيًا في كلامي لكن هذا هو الواقع.

هناك توافق فكري / ثقافي وجب تواجده أيضًا. صدقني أنتَ لا تريد أن تربي أطفالك على يد فتاة بلهاء لا تصلح أن تكون أمًا. صدقيني أنكِ لا تريدين الارتباط بمعتوه كثير الأموال ميسور الحال لكنه كالحمار يضرب أبناءه كأنهم أبقار! هذا الرجل يجب إبادته لا الزواج منه.

أحيانًا قد يكون للجانب الديني أيضًا دور في الموضوع، لا سيما أن الشائع هو مفهوم الزواج الديني وليس المدني في بلادنا. فالتوافق الديني أمر مهم لإتمام معاملاتك الحكومية قبل المعاملات الاجتماعية حتى. أنتِ لا دينية غير مؤمنة بخرافات زوجك. أو أنتَ متديّن لا يعجبك سلوك زوجتك المنفتح جدًا وما إلى هنالك من توجهات.

واختلافات وتوافقات أخرى لها علاقة ربما مَن سيعمل داخل البيت ومَن خارجه. وهل كلانا يعمل أم كلانا لا يعمل؟ وما إلى هنالك من أسئلة كثيرة، لدرجة أن السابقون لم يخطئوا عندما قالوا أنّ الزواج مسؤولية، فهو بالفعل كما ترون مسؤولية يترتب عليها الكثير من الأسئلة والأجوبة وليس مجرد اقتحام شعوري يعصف بك فلا تدري ما تقول.

لو أردت أن ألخّص نقطتي فهي ببساطة كالتالي: يشكل الحب في بعض الأحيان عاملًا صغيرًا قد يؤدي مع حزمة عوامل أخرى لتحقيق الزواج والظفر به. لكن النسبة الكاسحة دائمًا ما تبوء بالفشل ولا يكون عاملًا فاصلًا أبداً.

فمثلًا أتمنى للجميع الذين أحبوا وسيحبوا في المستقبل أنهُ عند اعترافهم وانسجامهم مع أحدٍ ما أن يبادلهم الطرف الآخر نفس المشاعر. لماذا؟ هنا مربط فرسنا، لأنه في تلك اللحظة وعندما يحصل كل طرف على مبتغاه العاطفي منه تبدأ الأسئلة الجدية بالظهور. تبدأ الأبعاد الأخرى التي ذكرتها قبل قليل بفرض نفسها بقوة.

من جانب آخر، أعتقد أن أحد مفاتيح الحب اللطيفة هو التكامل وليس التناسخ. ماذا سأستفيد من شريك معتوه نسخة أخرى مني يؤكد كل ما أنا عليه مُسبقاً؟

«بينت أحد الإحصاءات التي تناولت سجلات الأزواج الأمريكيين أن هناك نسبة كبيرة تميل للارتباط بمن يشابهها بحروف الاسماء وتواقيت وأشهر الميلاد. فلو اسمه جون يتزوج من جنيفر، وهكذا…».

لا شيء، التفسير الوحيد هنا أنك كائن أناني تريد إنسان آخر يحمل نفس صفاتك ليس إلا. الإنساني والنادر وجوده هو التكامل. مثلًا هي تحب الرسم، وأنت لا تطيقه وتفضل التوجهات العملية لكنك «تكسر على أنفك بصلة» وتذهب معها للمعرض وتساعدها فيما ترسم. أنت هنا إنسان نبيل.

هي لا تحب دين أم الرياضة. وأنت إنسان مدمن على الدوري النيجيري. هنا هي أيضًا «ستكسر على أنفها بصلة» وتشاهد الدوري معك فقط لأنها تحبك. هي هنا إنسانة رقيقة لا تقدر بثمن.

إن غضضنا الطرف على رائحة البصل التي كسرت على الأنوف السابقة، فالأمر المنصرم وحده غير كافٍ. فلو خرج لي أحد المتحمسين وقال، أنا مستعد لأضحي بكل شيء في سبيل أن أكون مع شريكتي التي أحبها. سأقول له أذهب وأفعل، سأصفق له احترامًا لشجاعته وحماسته لكني سأذكره فيما بعد سيحصل من السنين.

فبعدما يخفت ذلك الصدى الرهيب من العواطف. سنة، سنتين، ثلاثة. يأتي الأطفال. يدرك حينها في عجز مصروفه وحده عن العمل، وأنه أخطأ عندما اختار فتاة لا تعمل. ويدرك الخطأ الثاني في مدى تدني ثقافتها أو ثقافته. هي تضرب الأولاد أو هو مَن يضربهم. يُدرَك هنا مدى التسرع في الاختيار العشوائي العاطفي الأرعن دون أخذ هكذا اعتبارات مهمة في الحسبان.

يمكنك أن تضيف اختلاف التوجه الديني للمعادلة، أو السياسي، أو أي توجه آخر مهم.

هنا فقط يعي الجميع مدى فداحة الخطأ الذي لم ينبههم به أحد والذي يتجسد بالتالي: وجود الحب شرط غير ملزم أبدًا لنجاح الزواج. وفي حال وجوده سيشكل عاملًا إضافيًا للدعم رفقة عوامل أخرى تم التأكد منها. لكنه وحده لن يؤدي إلى شيء سوى مصاعب لا بأس بها ستظهر عندما تخفت فورة الهرمونات والعواطف وتبدأ الحقائق الصلبة بالظهور.

لاحظوا أعزائي أني أتكلّم عن الموضوع من منظور مجتمع عربي بحت. فلو أخذنا من وجهة نظر غربية لوهلة لتأكّدت الفكرة أكثر، فمع إضافة عامل «ممارسة الجنس» مع كل شريك. غالبًا سيصبح مفهوم الزواج عندها بلا فائدة، وهذا ما يرجعنا للمقدمة التي بدأنا بها أن الزواج هو نظام هادف لتكوين أسرة. أي أن لديه هدف واضح يتجه إليه. أما الحب فهو اندفاع غريزي غير مبرر. ولا يهدف في المنظور القريب على الأقل لأي نتيجة مؤكدة.

تخيل أنك أحببت ومارست الجنس. غالبًا سينتهي الحب في أرضه حينها. لماذا؟ لأن الدافع معروف يا أعزائي. أنا هنا لا أنفي الإخلاص أبدًا، على العكس أنا دائماً أصدق وسأصدق مشاعر الناس فيما تعلق بعواطفهم الخاصة وصراحةً أحترم ذلك الجانب الطيب في الإنسان، لكن عندما نأتي للحقائق ولعالم الواقع فالأمر مختلف ويتطلب وقفة عقلانية مع النفس. فمذ متى كانت الحقائق تعبأ بمشاعرنا؟ والحب أيضًا كذلك.

إن اجتمع الحب مع التوافق والانسجام (الاجتماعي / الديني / الفكري / …الخ). فاسمح لي أن اهنئك باختيارك الجيد وبمدى حظكِ السعيد في الأمر. لكن في معظم الحالات هذا لن يحصل. لأن الأول شعور غالبًا يكون طائشًا فلا مكان للعقل به. إلا إن كان هدفكم من العملية بأكملها هو مجرد لذة لحظية فهذا مبحث آخر لا يزال يناقش في الأوساط الفكرية، فأبواب من نمط تخريب المجتمع وهدم لبنة الأسرة، والمتعة الفردية إن سادت، ستكون الحضارة في طريقها للزوال، ولعلَ هذا ما سيحدث.

لكن في حالتنا على الأقل لا يزال الأمر باكرًا، لذلك وجب النصح وقول بعض الكلام.

فأولئك الذين أخذوا محبوبي ليأخذوه وليحلّقوا معه بعيدًا بعيدا… هي مجرد أوهام تضرب بسرعة نادرًا ما تترافق مع انسجام كامل، فلو قال لك أنه يحبك لكانت هناك عراقيل ستظهر ولن تكتشفها إلا قبل فوات الأوان، ولن تعرفيه يا عزيزتي إلا عندما تتكوّر بطنك وتنتفخين وتقولين في سرّك: فلتنزل اللعنة على تلك الساعة التي تزوجت بها هذا الحمار بداعي الحب.

نعم، هو عامل مساعد لكنه غير ملزم وبالإمكان تحقيق الهدف المؤسسي بدونه. فوجوده لوحده غير كافٍ أبدًا لتحقيق النتائج المرجوة. إلا أن كنت عبثيًا عدميًا صاحب فلسفة فردية وساعي وراء لذات لحظية فهذا أمر مختلف تماماً. يمكنك حتى حينها أن تفرغ طاقتك المكبوتة في أقرب وكر لفعل السوء دون الحاجة لعبور طريق الحب والزواج من أصله.

عالمٌ معقد هي عواطف الإنسان وسلوكياته. لكنها برغم كل شيء تبقى إنسانية وصادقة في معظمها، ولعلَ هذا ما يدفعني لأن أكتب عنها. وما يدفعك أنت للقراءة أيضًا. إنها النزعة الإنسانية، النزعة الأصيلة الموجودة في كلانا.