التصنيفات
عام

روايات مناسبة تحت الفلافل

تقول القاعدة السائدة أن نسبة الروايات في الحصيلة العامة للقراءة لا ينبغي أن تتجاوز الـ 10%. بمعنى أنه من بين كل مئة كتاب تكون 10 منهم روايات. ومن بين كل 10 كتب تُقرأ هناك رواية واحدة فقط.

هذه كانت القاعدة القديمة، هناك أخرى جديدة سأحاول فيما سيكتب تالياً الجدل دفاعاً عنها، بأنهُ لا داعٍ لقراءة الروايات من أساسها، باستثناء قلة قليلة يمكن حصرها في قائمة الأدب العالمي الرصين. عدا ذلك -خصوصاً أننا نعيش في زمن روايات أدب الرعب- فيمكن القول أن الروايات أصبحت فائدتها الوحيدة هي الوضع تحت الفلافل والطعمية وغيرها مما يُقلى من طعام، حتى تمتص الزيت كالإسفنجة ويكون لها نفع ملموس.

من الفروقات الجوهرية بين الإنسان العاقل -الذي يدّعي زوراً أنهُ كذلك- وبين الحاسوب، أن الحاسوب لا يقضي عمره في تفاهة وهراء الجنس البشري فيما يتعلق بالعلاقات الاجتماعية، والمقدمات، واللف والدوران الساذج دون الانخراط في الموضوع.

الحاسوب يتبادل معلومات -وفقط معلومات- بدقة وسرعة كبيرة، زوّدني بمعلومة لأعالجها فوراً، الحاسوب لا يقول للحاسوب للآخر «صباح الخير» أو «كيف الحال». لا، بل يدخل في صلب الموضوع مباشرةً. متبادلاً فقط معلومات ومعالجاً لها، ولهذا خلال سنوات بسيطة من عصر هذا الحاسوب تمكن من اكتساح الإنسان في عديد من المجالات والقائمة على الطريق فلا تزال في أولها.

من المهم التفريق بين البيانات Data وبين المعلومات Information. ولفهم ذلك نطرح مثال درجات حرارة الطقس. عندما تُسجل حرارة الطقس ضمن أرشيف ما دون إطلاع عليها تكون حينها بيانات Data. لكن بمجرد أن ألقى الإنسان نظرة عليها تصبح معلومة Info. ويمكن القول أيضاً أن مصطلح المعرفة Knowledge هو الخبرة المطولة الحكيمة في التعامل مع المعلومات.

يحتاج الإنسان للمعلومات أكثر من حاجته لأي شيء آخر. المشكلة الروائية تكمن في مخاطبة العواطف وبناء حس إنساني داخل كل فرد وهذا جميل بالطبع، لكنهُ في حدود دنيا وكثرته قد تؤدي بصاحبهِ -أو بصاحبتها بنسبة أكبر- لحالة فيضان عاطفي سيّال تنجم عنه شخصية لا واقعية، وإنسانية بشكل زائد عن اللزوم.

لو أردنا تقسيم آلية تفكير الإنسان فيمكننا وضعها في سياقين اثنين، الأول هو قسم «المعالجة الفكرية العُليا» متمثلاً بالدماغ واستطاعته من تحليل ومحاكاة، ثانياً وهو الأهم جداً قسم «التخزين والأرشفة».

متى يُلعن الكائن العاقل وتُقلب حياته جحيماً؟

عندما يكون قسم المعالجة المركزي (الذكاء الوراثي) لديه قوي وضخم ومتطور إلا أن قسم التخزين (القراءة وإدخال المعلومات والبيانات) لديه يكون فارغاً تماماً! الأمر شبيه جداً بحاسوب متطور يملك معالج من أحدث طرازات شركة إنتل، لكنه لا يوجد لديه قرص صلب «هارد ديسك» حتى يعالج هذا المعالج بياناته ويحاول استخدامها.

لكن على عكس الحاسوب الذي يمكن أن يُطفئ إن لم يكن هناك معلومات للمعالجة، فإن الإنسان غالباً ما يميل لشيء آخر يجعلهُ شخصية بشعة وصعبة التعامل، وهو استخدام هذا الذكاء في معالجة الحياة الاجتماعية، ومشاكل فلان وعلان وما تقوله فلانة وعلانة، مما يقلبهُ لشخصية غريبة غالباً ما تكون منفّرة.

الإنسان بحاجة لمعلومات وبيانات أكثر من حاجته للحس الإنساني العميق لأن هذا الحس سيُكتسب بطريقة أو بأخرى، وأعتقد أن منظومة الأسرة، والمدرسة، وحتى التربية الدينية بفرعها القيمي.. بوصفهم أماكن «للغرس» كفيلة بأن تزرع هذا الحس وفي وقت مبكر حتى، لذلك لا داعٍ لمحاولة اكتسابه في مواطن الروايات التي يغلب عليها لطابع الرديء كما نرى.

استغرق فيكتور هوغو 15 سنة لإنهاء روايته العالمية البؤساء، لكنها في النهاية خرجت نصاً عملاقاً مازال يعيش إلى الآن. أما الآن فالأدب الروائي لا يصلح لشيء، خصوصاً أدب الرعب وأدب العناوين الرنانة كما في عنوان هذه التدوينة.

روايات تُكتب في سنة واحدة. تذهب لترى كاتبتها / كاتبها ضمن الـ Goodreads فتجد أنهُ في عام 2017 لديه رواية، و2018 هناك رواية، و2019 هناك رواية، و2020 هناك رواية. وهكذا بشكل انشطاري.

ما هذا العمق الروائي ها هنا؟ مَن هذا الراوي الخارق الذي ينتج كل سنة رواية؟

ناهيك طبعاً عن عدم وجود مرجعيات يمكن التقييم من خلالها، لربما باستثناء البوكر هي التي تحاول سد هذه الثغرة.

كما ينبغي التذكير أن قراءة الأدب تكون محصورةً بلغتهِ الأصلية، بمعنى لا يمكنني قراءة الأدب الروسي ودوستويفسكي إلا بالروسية، ما نقرؤه هو «الأدب العالمي المترجم». صحيح أن النبرة تصل بشكل ما، لكن تبقى كذائقة أدبية موطّنة فقط في اللغة الأم. وقد وصفَ أحد الأدباء الإسبان حالة قراءة الأدب المترجم بالقول: كأن يدخل الإنسان للاستحمام وهو يرتدي معطفاً! هذا هو الأمر الشبيه بقراءة الأدب بغير لغته الأم، الاستحمام مرتدياً معطفاً!

وعلى رأي الشاعر الإنجليزي الشهير الكسندر بوب، فإن العواطف هي أشد العواصف. وكما قال شيرلوك المحقق الفظ، فإن العاطفة هي خلل يُتواجد عند أصحاب الموقف الخاسر، ومثلما صرّح فيلسوف المطرقة نيتشه فإن العواطف وما يختلجها من مثل وقيم ما هي إلا صناعة العبيد حتى يمنعون السادة من تحطيمهم والخلاص منهم.

في جميع الأحوال يبدو أن هناك ذم تجاه الموضوع، ولعل قدح الرواية أو حصرها في سياقات محدودة يقوم في جزء كبير منه بسبب ارتكانها على هذا الجزء الهش من الإنسان، وهذا طبعاً إن أجادت الرواية في نقل ذلك وكانت رصينة كالبؤساء أو الكونت دي مونت كريستو، فكيف يكون الحال أساساً عندما تفشل في ذلك؟ فتخرج لنا النتيجة النهائية كخلطة شعورية سيّالة مُخرجة بشكل سيء على جميع الأصعدة.

في النهاية، قد يسأل سائل لماذا الاهتمام المقابل بالمعلومات لهذه الدرجة؟

في الحقيقة، لأن كل شيء في هذه الدنيا هو معلومات! (حتى لو أن أحداً لم يصرّح بذلك).

عندما يُطلب منك في سوق العمل ورقة الخبرات، ما المقصود بكلمة «خبرة». الخبرة هي تتالي مرور ضخم جداً لمعلومات على الموظف المطلوب، بالتالي عندما يمر هذا الكم الكبير من المعلومات أمامك، وتقوم بمعالجتها وحل مشاكلها فإن الخبرة تتكون لديك.

أليست هذه معلومات؟

في المدرسة والجامعة، بناءً على ماذا كانت التقييمات؟ أليس حفظ المعلومات وتذكر المعلومات!

أفهم أن الرغبة في «عيش الحياة بكل ألوانها» هي حالة أصيلة في الجنس البشري، لكن ينبغي التذكر أن نقطة الافتراق ما بين الكائن العاقل وما بين بقية كائنات مملكة الحياة كانت عندما بدأ باستخدام نظام المنطق والسببية والوعي الذاتي. غير ذلك من التعاطف وحتى التعاون والعلاقات الاجتماعية موجودة عند الشمبانزي وقطعان الذئاب حتى.

لذلك ليست شيئاً يُعول عليه كثيراً، بل عامل رديف.

ثم إن القول بأولوية المعلومات مهم لأن الإنسان حتى لو أراد عازماً فعل ذلك، فإنه لن يستطيع. بمعنى التشديد على أهميتها مفيد لأن غالباً ما سيُطبق 80% منها أساساً، بالتالي وكتحصيل حاصل سيبقى هناك هامش يضع فيه الإنسان العاقل ما يريد من مشاعر وأحاسيس وروايات رديئة.

أختم بمثال ذو طابع مخل بالأدب لكنه مهم لإيصال الفكرة النهائية.

العملية الجنسيّة عند الإنسان.. ما هي؟

يسميها البعض «ممارسة الحب». وآخرين «عقد زواج» وأشياء كثيرة. لكن لو أزلت كل هذه الطقوس والتأويلات ستجد شيئاً مهماً يربض في داخلها، وهو «محاولة تبادل معلومات».

إذ يتواجد في رأس كل نطفة ذكرية نواة صغيرة تحوي بداخلها الـ DNA الذي يشكل البذرة المعلوماتية لشيفرة الإنسان القادمة، وهذا الحمض النووي يكون على هيئة جذور كيميائية شهيرة تُعرف بالـ ACGT. وعند المرأة وبويضتها الأمر ذاته.

العملية الجنسية في جذرها هي «تبادل معلوماتي». أشبه ما تكون بوضع USB ضمن الحاسوب كي ينقل بعض الملفات الهامة. ولأن هذه العملية مهمة جداً في سياق البقاء واستمرار النوع، يحصل الإنسان على مكافئة ضخمة مع كل مرة يحاول تنفيذها، سواءً نجح أم فشل بذلك.

لكن الدماغ البشري -تحديداً القشرة المخية Cortex- أداة «اصطلاحية» بشكل مخيف. لذلك لا بد من اصطلاح وتأويل كل عملية حتى ينظم الإنسان وجوده من خلالها. بدءاً من مصطلحات «شروق وغروب الشمس» التي لا معنى لها لأن الشمس لا تتحرك بل الأرض والكواكب هي مَن تدور. وليس انتهاءً بحياته الشخصية وكل ما يعتريها.

لماذا المعلومات؟

كل حياتنا معلومات، بدءًا من أصغر مرحلة وهي مرحلة النطفة والبويضة، مروراً بالمدرسة والجامعة ومن ثم العمل والخبرات، وحتى الموت والتحلل.

الفرق الوحيد هو اختلاف الاصطلاحات التي يطلقها الدماغ لإعطاء تلك المعلومات معنى يفهمهُ.

التصنيفات
عام

الواقعية.. الصفة الأهم لتحقيق المكاسب

عندما تذهب للطبيب بغية تحديد ما يعتمل في داخلك من اضطرابات.. يحاول جاهداً تقصّي الأعراض والعلامات في محاولة لتشخيص المرض، وتعتبر هذه المرحلة الواقعية -مرحلة التشخيص- هي الأهم والتي بناءً عليها تُوضع خطة العلاج لتبدأ فيما بعد سلسلة التعافي.

لكن.. ماذا لو فشلَ الطبيب في تشخيص المرض من أصله؟ ماذا لو لم يكن الطبيب واقعياً ولم يرَ العلامات والأمارات الواضحة الدالة على المشكلة؟ ماذا لو آثرَ أن يكون مثالياً؟ ويوهم نفسهُ ألا شيء يحدث وكل شيء على ما يرام بينما العكس هو الصحيح!

هنا يكون الطبيب فاشلاً، يعيش في عالم المثل.. لأنه لم يرَ العالم بأمراضه وبلاءاته كما هو.. بل رآه كما يريد أن يراه!

هنا كان الطبيب مثالياً.. هنا كان الطبيب لا واقعياً!

مدحاً في الواقعية وأولئك الذين يرون الحقائق المرة حتى لو آلمتهم.. تشخّص الطبيبة النفسية «لورين ألوي Lauren Alloy» صفة مهمة لدى المصابين بمرض الاكتئاب؛ اسمتها «الواقعية الاكتئابية Depressive Realism» وهو مصطلح يشير لأولئك المصابين بالاكتئاب -كأفراد- ويكونون أكثر ميلاً لامتلاك صفة الواقعية، ورؤية العالم كما هو لا كما يشتهون أن يرونه.

لنوضح الفكرة قليلاً نضرب المثال التالي.. لو أتينا بمجموعتين من المتطوعين وقسمناهم لقسمين متساويين، ومن ثم عرضنا قصة ما كي يرونها، مع الأخذ بعين الاعتبار أن أفراد القسم الأول أصحاء في حين أن القسم الثاني مصابين بالاكتئاب.

مَن برأيكم أكثر فرصة لأن يرى القصة كما هي؟ أن يتلقى القصة دون بهارات أو منكهات وملونات؟ لو كان جوابك المجموعة المصابة بالاكتئاب فهو صحيح، وهذا هو مفهوم الـ Depressive Realism. فهؤلاء الأفراد المنعزلون هم الأكثر إمكانيةً لرؤية الواقع كما هو، ولهذا هم نفسهم وبشكل ما لو وُضعوا -في المكان والزمان والسياق المناسب- تزيد فرصة نجاهم بشكل ملحوظ نظراً لوجود قدرة على التقييم الواقعي لديهم، وبالتالي تحقيق نجاح في الوسط العاملين به.

على الرغم من أن الاكتئاب مرض حقيقي مُشخص، إلا أن مثل هكذا مفاهيم قد تشير لفكرة أنه في بعض الجوانب -لا سيما فيما يتعلق برؤية الوقائع- يكون مرضى الاكتئاب هم الأصحاء، في حين بقية العالم هم المرضى؛ إذ يكونوا مصابين بمرض يمكننا تسميته جُزافاً اضطراب الرؤية الجمالية الفصامية الملونة للعالم!

يؤكّد على هذه الفكرة -أن النجاح من نصيب من يدركون الواقع كما هو- المؤلف روبرت غرين صاحب سلسلة السطوة الشهيرة. إذ يقول أن هناك صفتان مهمتان للربح والنجاح في أي مجال تريده.. أول صفة هي الواقعية؛ أن ترى العالم والأشياء من حولك كما هي لا بعدستك الشخصية الموجّهة مسبقاً. أما الصفة الثانية فهي «اعتناق الملل» والقدرة على المواظبة وممارسة نشاطات يوميّة مُملة لفترات طويلة.

يوافق روبرت غرين أيضاً إنسان عاش قبله بحوالي 500 سنة تقريباً، وهو الداهية الشهير نيكولا ميكافيلي صاحب الكتاب ذائع الصيت الأمير..

بماذا نصحَ ميكافيللي ملك فلورنسا لورينزو عندما أهداه كتاب الأمير؟

نصحهُ أن يكون واقعياً في التعامل مع الرعية، وشدد على أهمية عدم التعامل بالمثل والقيم العليا وما «يطمح الناس إليه» بقدر التعامل مع «ما هم كائنيه بالفعل».. التعامل مع الإنسان كما هو لا كما يريد ويسعى لأن يكون!

أي التعامل مع الإنسان ككائن طبيعي بحت.. الأولوية القصوى لديه للغرائز البدائية وقاعدة هرم ماسلو، أما المثل العليا والأخلاق هي «منكّهات» موجود على ألسنة الناس الذي يعيشون في «أمان وجودي للغرائز البدائية».. ولهذا لا ينبغي أن يُلتفت إليها من الأساس.

نصيحة ميكافيللي هذه كانت ثمينة جداً وفعّالة.. ولهذا يعتبر هو أول رجل مؤسس لعلم جديد سُميَ «علم السياسة العملية».

من جانب آخر تماماً.. لدينا مواقع المحتوى بكاملها على الإنترنت، تخيل مثلاً لو أنك تمتلك موقعاً وفجأة تنخفض الزيارات للنصف! هل يمكنك أن تتجاهل ذلك وتقول ليس هناك شيء يحصل؟ هذه جناية وضرب من ضروب الغباء، فالأرقام لا تكذب أبداً!

أن تكون واقعياً يعني أن ترى العالم كما هو.. حالة من النضج الفكري، أن ترى العالم بمشاكله وآفاته وأعبائه. وبالتالي أن تكون أكثر قدرة وتأهباً لأن ترى خطة التعافي وطريقة الحل كونك من الأساس تبصر المشكلة بدقة. فمعظم مشاكل العالم ومشاكلنا الشخصية هي مشاكل «تشخيصية».. مشاكل طبيب أبله يقنع نفسه أنه غير مصاب بمرضٍ عضال بينما هو يعيش مراحله الأخيرة!

ينبغي التفريق ما بين الواقعية والتشاؤم، فهي لا تعني رؤية النصف الفارغ من الكأس إنما رؤية الكأس كما هو؛ بشقيه الفارغ والممتلئ. حينها فقط يمكن تقدير الموقف بحيادية، وجعل التحركات التابعة أكثر دقة وأصالة.

قد تختلف وتتبعثر صفات النجاح والناجحين.. قد تتشعب وتتنوع طرق «الربح» فيما تفعلهُ من عمل، سواءً كنت كاتباً أو طبيباً أو مهندساً أو معلماً أو ناقداً فنياً.. إلا أن أهم صفة حجزت مكانها في هرم الصفات الرئيسة المؤهبة للربح والنجاح هي الواقعية.. الواقعية الشجاعة الدافعة لرؤية الأحداث كما هي لا كما نريد مُسبقاً أن تكون.

ولنتذكر دائماً أن المثل مكانها الداخل الوجداني، وأن العقل هو مركز التفكير.. فإن قلبت الآية حدث الاختلاط، فكنت مثالياً في فكرك، وقلبك وضميرك مرتعاً لأفكار لا يستطيع إدراكها أبداً..

اقرأ أيضاً: لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

التصنيفات
عام

العدو الذي يستحم بشامبو سنان

في كتاب لماذا تتحارب الأمم «Why Nations Fight» وجد مؤلفهُ -المنظّر السياسي الأمريكي ريتشارد ليبو- نقلاً عن الاستقصاءات والاطلاعات التي جرت بُعيد فترة الحرب العالمية الثانية، أنا غالبية الجنود لم يكونوا يفضلون توجيه إطلاق النار بشكل مباشر على الجنود الآخرين الأعداء، كانت أيديهم ترتجف من ذلك الفعل.. وكانوا يفضلون إطلاق رشقات غير مباشرة أو غير قاتلة بشكل صريح.

وهذه فكرة لو أردت تعميمها قد تكون صادمة وغير مفهومة.

جندي في مجابهة.. يقاتل ضمن معركة.. في سياق حرب بكاملها.

لماذا لا يطلق النار بشكل مباشر على الآخر؟ أو لماذا يتردد في فعل ذلك؟

كان الجواب على يد علماء الاجتماع، حيث وجدوا أن الجنود يفعلون ذلك في حالة اعتقادهم أن مَن أمامهم مساويين لهم تماماً، إنسان لا يختلف عنهم في شيء. أما الجنود الذين كانوا يقاتلون ويقتلون بشكل مباشر وصريح، هم الذين يعتقدون أن مَن أمامهم كائنات أدنى منهم وأحط درجة على سلم الإنسان كجنس بشري.

بمعنى..

لا يمكن للجندي أن يقتل جندياً آخراً مصوّباً عليه بشكل مباشر، إلا عندما يؤمن بمبدأ وأيدولوجيا أن هذا الجندي الذي أمامه أحط قدراً منه وأدنى درجة كإنسان.

وهذا قد يختلف تبعاً للعقائد والأيديولوجيا.

وغالباً كلمات على نمط.. مؤمن / مهرطق / خائن.. كافية لأن تهبط بك درجات على سلم الإنسانية، وبالتالي تعطي تبريراً لمحترفي القتل أن يوجهوا البندقية نحوك.

لهذا..

أحد أبرز العقائد الشرسة خلال الحرب العالمية الثانية وهي النازية ابتكرت مفهوماً أيدولوجياً سمته الـ Positive Christianity حيث حصرت الإيمان في العرق الآري فقط. أي البيض الطوال أصحاب الوجوه الشمالية والنتوءات الوجنية البارزة. عدا ذلك لن يقبل منك.

ولهذا كان الجنود الألمان يمارسون نوعاً من الاستعلاء العرقي الكامل.. حيث الغجري يُقتل، والأعراق الدنيا تذهب لأفران الحرق، ومَن يمارسون نفس عقيدتهم لكن ليسوا آريين أيضاً هم أقل درجة!

قد يسأل سائل.. كيف كان جنود الحرب العالمية يطلقون النار بشكل غير مباشر وسقط قرابة 50 مليون ضحية في الحرب العالمية؟

معظم من سقطوا كانوا نتيجة القصف العشوائي.. خصوصاً أن الحرب العالمية كانت بيئة خصبة لاستخدام كافة الأسلحة الغبية وغير الموجهة، والتي غالباً كانت أسراب من الطائرات التي تقصف من الأعلى، فيموت البشر والحجر.. الأخضر واليابس.

ما أريد قوله أن الإنسان حالياً، يفتقر لمفهوم العداوة الشريفة، يفتقر لمفهوم أن يملك عدواً مخالفاً لكنه عدو يملك أقل مقومات النزاهة.

نبرة تَسقيط العدو أخلاقياً لمجرد أنهُ «عدو» أمر غير صائب.

يمكن للعدو أن يبقى عدواً، لكنه بالفعل يُحب أطفالهُ ويواظب على الاستحمام، ولا يخون زوجته أو يسرق جاره.

التخنّدق في جبهة ومحاربة الآخرين حق أيدولوجي للجميع، لكن جعل العدو المُخالف أدنى قيمة فقط لأنه عدوّك، هو حالة غير صحيحة.

يذكرني هذا بأيام المدرسة عندما كنا أطفالاً نتشاجر، فأول ما كان يقال حينها عندما تشتبك مع أحدهم: يا مقمّل.. متهماً الطفل الصغير الآخر المعادي بأنه مصاب بالقمل، وبحاجة لشامبو سنان المخصص في القضاء عليهم!

لماذا؟

ألا يمكن أن يكون عدوي وضدي ولا أطيقه، لكنه نظيف ويستحم؟ لماذا يجب أن يكون عدوي سيء في الوقت نفسه وبشكل إجباري؟ -لاحظوا هنا كيف يخلق الدماغ التبريرات، تقرين العدو دائماً مع السوء فكرة مُحببة للدماغ، لأنها تقنع صاحبها أنه هو الطرف الأخلاقي وأن الآخر يستحق المعاداة.

قد تكون كلمة مقمّل وشامبو سنان محض نكتة بالنسبة للأطفال.. لكن عندما تكبر وتجد أن حروب العالم وأيدلوجياته المتنوعة باتت ترى من نفس العدسة والمنظار، فحينها تدرك مدى الانحطاط الذي وصل إليه الجنس البشري.

الإنسان في طبيعته كائن محايد إلى درجة كبيرة تعجنه البيئة الإجتماعية كما تشاء، وهي النظرية المعروفة بالورقة أو الصفحة البيضاء Blank Slate. لكنه كي يجهز على الإنسان الآخر المُخالف بحاجة لمُبرر.

مبرر كان يقول أنه مصاب بالقمّل أيام الصبا..

أما عندما كبر، اختلق حجج أخرى ليداري طفولته ومراهقته المتأخرة..

حجج تجعل الإنسان الآخر أقل قدراً وأحط قيمة..

وهو ما يعطي انتفاخاً ذاتياً وهمياً بالأخلاقية وتنظيف العالم من الشر..

ليكون هو ضحية عقائد فاسدة، ومَن أمامه ضحية مَن آمن بعقائد فاسدة أيضاً.. حينها لا يدري القاتل فيما قتلَ، ولا المقتول فيما قُتل!

اقرأ أيضاً: بدأ العالم يتقيّأ

التصنيفات
عام

كوكتيل سريع البلع من العنصرية

يحكي لي صديقي إحدى المواقف التي حصلت مع قريبهِ في برلين عن العنصرية، عندما كان يمشي في أحد الشوارع ليلاً ليجد متسكعاً كبيراً في السن وهو مخمور، ليتمتم عنهُ بضع عبارات عنصرية تهينه بأنه عبارة عن: «يهودي شرق أوسطي».

إلا أنهُ في مَعرض رد الصديق على هذا الموقف لم يكن مُنزعج سوى من كلمة «يهودي» بمعنى أنه لم يتأثر كثيراً مما قاله ذلك السكير من تمييز عنصري وقح، كان حزنه فقط من مناداته لهُ باليهودي. وهذا ما يمكننا أن نسميه هنا بدورنا «عنصرية العنصرية» حينما يغدو ضحية العنصرية نفسهُ عنصرياً.

لا يخفى على أحد ما يجري حالياً في العالم، موضوع أوكرانيا واللجوء نحو أوروبا مرةً أخرى.

إلا أن مشهد المراسلين وهم يفرزون الناس إلى أصحاب عيون زرق وشقر وآخرين ليسوا كذلك، هو أمر لا بد من الحديث عنه.

ولعلَ من تأثر كثيراً بهذا الفرز بوصفهِ عنصرية وقحة وتعرّي للغرب «وخرافة الإنسانية» هو مبالغة لا داعٍ لها.

هناك فرق بين مفهوم العنصرية ومفهوم عدم الألفة..

أريد أن أطرح سؤالاً بريئاً جداً، هل يقبل عالمنا -واعذرني عن تعريف وشرح كلمة عالمنا وماذا تعني- قبول مليون لاجئ يهودي من أصحاب البشرة السمراء؟ مليون لاجئ يهودي من أثيوبيا؟ أي مجموعة من اللاجئين الذين هم من دين آخر ولون آخر؟

لا أعتقد ذلك..

لماذا هذه المقارنة؟

المقارنة هنا لتوضيح نقطة هامة وهي «عدم الألفة». 

الإنسان عندما يميل لمَن يشبهه يكون بدافع الألفة لا العنصرية. العنصرية هي اتخاذ إجراءات إقصائية بناءً على هذه الاختلافات البيولوجية والثقافية الموجودة، ولعل ما جرى في الولايات المتحدة في القرن الماضي أبرز مثال على العنصرية، عندما كانت الحمامات مُنقسمة لسود وبيض.

أما أن الإنسان يفضل مَن يشبهونه فهذه ليست عنصرية، هذه ألفة.

أنت نفسك تتزوج مَن يشبهك.

وتصاحب مَن يشبهك.

وتوظف في العمل مَن يشبهونك.

ودعنا نمشي في الموضوع إلى خطوات أبعد، عندما تدرس في الجامعة ضمن مدينة أخرى غير مدينتك، غالباً أصدقائك في تلك المدينة هم الطلاب الذين مَن مدينتك نفسها!

لماذا؟ هل أنت عنصري أيها الطالب؟ 

لا لست كذلك.. لكنها طبيعة بشرية أن يألف الإنسان مَن يشبهونه.

عودةً إلى الحدود الأوكرانية، هناك مشاهد مختلطة من العنصرية وعدم الألفة والتحيز والنازية ربما، لكن توضيحنا كان لا بد منهُ لمَن يشتكي وينوح كثيراً على مفاهيم الإنسانية التي هُدرت وفق تعبيره على زيف انكشاف الغرب اللآنساني. فالإنسان دائماً هكذا بغض النظر إن كان غربياً أو شرقياً أو باذنجانةً حتى.

مِن ناحية أخرى، لا بد من القول أيضاً أن مفهوم الهجرة والنزوح هو مفهوم طبيعي -بمعنى موجود في الطبيعة وليس بمعنى عادي- لدى جميع الكائنات الحية على الرغم مِن قسوته، فالطيور والنوارس وأسراب الفيلة تهاجر في كل موسم بحثاً عن الدفء والمكان الأفضل والطعام الأوفر. فهو سلوك طبيعي على الأقل لدى الكائنات الحية الدُنيا.

المشكلة أن الإنسان يعيش حالياً فيما يسمى «مجتمعات وفرة» فهو ليس بحاجة للهجرة لكي يحصل على الطعام، بل يمكنه شراؤه متى أراد. وليس محتاجاً للنزوح كي يستدفئ في المناطق القريبة من خط الاستواء في أوقات الشتاء الباردة بل يمكنه تشغيل المدفأة حتى لو كان في القطب الشمالي.

أي أن الإنسان هيّأ بيئتهُ بشكل كامل لتحمّل مُختلف الظروف كي لا يهاجر، وهذه سمة ظاهرة جداً في مجتمعات الوفرة الحديثة التي نعيشها.

النقطة الحرجة حالياً، أن مفهوم الهجرة السائد هو مفهوم استثنائي، إما بدافع الحرب أو بدافع النجاة من مخاطر محدودة عالمياً.

بالتالي، مشهد الهجرة نفسه خاطئ وغير طبيعي، فالمطالبة بوجود عدالة على بوابات مشهد أساساً استثنائي، مُطالبة غير مُتسقة. على الرغم من الانحياز السلبي الواضح Negativity Bias -مفهوم انحياز وسائل الإعلام لنقل الخبر السلبي لا الإيجابي- وهنا نطرح تساؤلاً هاماً:

عندما يسمح حرس الحدود للاجئين ملونين بالدخول، هل تنقل وسائل الإعلام ذلك؟ وتقول انظروا سمحوا لهم بالدخول!

هم فقط ينقلون الخبر السلبي، خبر أنهم «يتعنصرون» عليهم ويفرزونهم.

لذلك أعتقد أن هناك موجة انفعال لا أهمية لها، وهذا ليس مدحاً لإنسانيتهم المزعومة، لأني أميل لتبني نظرية المسيري في أهمية نزع المركزية عن الغرب الذي يعتقد نفسه محتكر حصري للقيم المتمثلة بالحرية والعدالة والمساواة وغيرها.

وهنا دعني أخبرك شيئاً مهماً، هم ليسوا مِن مناصري القيم ولا محتكري مركزيتها، الفكرة فقط أن لديهم سيولة في كل شيء، ولا يوجد إنتماء لأي شيء، فقاموا بتعريف هذا «اللا إنتماء» على أنه قيمة للتسامح والحرية.

فهدئ مِن روعك قليلاً، واعلم أن ديدن الإنسان هو نفسه منذ البداية، الاختلاف فقط في أن الإنسان نسي أو انشغل في السعي ضمن حياته، ومع كل حرب أو موجة هجرة جديد تطوف مثل هكذا مواقف على السطح.

العنصرية دائماً موجودة، النقطة الحاسمة هي ألا يُتخذ إجراءات بناءً عليها.

غير ذلك يمكن تسميته كعدم ألفة أو ميل، وهو أمر طبيعي إلى حد كبير، تطبقهُ أنت في حياتك الشخصية قبل أن تطبقه الثقافات والأمم الأخرى.

اقرأ أيضاً: الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية

التصنيفات
عام

جميعنا في البداية رائع!

قراءة كتاب جديد أشبه ما تكون بتذخير بندقية وتلقيم مدفع، نكون حينها مندفعين جداً للتعبير عن الفكرة الجديدة والمبدأ غير مطروق الباب الذي قد وجدناه بين ثنايا الكتاب، ولعلَ النفوس الرزينة هي تلك التي تتمهل ولا تحكم أو تتبنى فوراً، فكل شيء في البداية رائع، ونحن جميعنا في البداية رائعين أيضاً، إلا أن الخطوة للخلف قليلاً لا بد منها!

فعلى الطريقة اليابانية، لولا إنحناء قوس السهم وتراجعه للخلف قليلاً لعجز عن الانطلاق نحو الأمام بقوة! ولعلَ الإنسان وأفكاره وما يتبناه كذلك السهم أيضاً..

خصوصاً، أن الضوء الساطع والمُبهر في البداية ما هو إلا عمى مؤقت، يجعلك تعجز عن إبصار الأشياء الصحيحة في موضعها، وتتخبط هنا وهناك لترى بقعةً سوداء أينما وليت وجهك.

وتقريباً يحدث هذا بشكل شبه يومي في زمن السوشيال ميديا والضوضاء المرافق لها، فلن ينقضي يوم أو أسبوع وشهر حتى تشهد خبراً عن الجريمة الفلانية، والحادث المروع الذي فرّ سائقه، والسرقة التي حدثت دون أن يدري بها أحدا.. ولا بد حينها مِن التهافت السريع للتبني أو الشجب والاستنكار.

ولو أننا تعلمنا درساً في السنين الماضية، فهو أن لا أهمية لردات أفعالنا تجاه أي شيء. المواساة عمرها لم تفيد بناء منزل مُتهدم أو إحياء مَن مات ودفن تحت التراب.

المواساة لا تفعل شيء..

إلا أن ضوضاء السوشيال مثيرة للحنق، لدرجة أنها تجبرك على الحديث تحت تهديد ووعيد مِن مقصلة «الفرز الأخلاقي» والختم بالسوء..

لهذا.. فإن أفضل ما يُقال في هذا الزمن:

في الضوضاء والصخب، لا يُسمع الصوت العاقل أبداً، فهو أشبه بإنسان رزين يتكلم بهدوء بين فريقين مِن المتخاصمين الذين يخورون كالأبقار، لذلك لا داعٍ للانخراط في هذا الجو الرديء، ودع مَن يخورون على بعضهم يمارسون أفعالهم بهناء، ريثما يتعبوا وتخور قواهم..

و”سيبك” ممَن يتغنى على الدوام بعبارة: «أدنى درجات الجحيم لأولئك الذين يقفون على الحياد في المواقف الأخلاقية». لأن المواقف الأخلاقية باتت في عصر السيولة خاصتنا تختلف وفقاً لأسمك وعنوانك وليس لكينونتها الذاتيّة!

أي.. عرّف لي «المواقف الأخلاقية» قبل أن تطلب مني الالتزام بها! لأنه يبدو أن ليس هناك موقفاً موحداً تجاه ما هو أخلاقي وما هو لا!

ثم لا تجبر أحداً على تبني «موقف أخلاقي فرعي» دون أن يكون «الموقف الأخلاقي الجذري» غير مطبق عليه.. لأن هذا سيكون ضرباً من الجنون! وأشبه بمحاولة لقتل بعوضة بينما المستنقع يرتع ويمرح بالقاذورات!

أخلاقي في الأوراق.. لكنه ليس أخلاقي الجذع! في التفاصيل لا في الأسس!

في زمن السوشيال ميديا..

ولو كان عمرك فرضاً الآن 20 سنة..

ولو فرضنا أنه مع كل أسبوع هناك جريمة أو حادث مروع أو شيء ما، فأنت شهرياً لديك 4 حالات تضامن وتبني، وسنوياً لديك 48 حالة. ولو فرضنا أنك عشت لحدود الثمانين، فإن لديك 2880 حالة تبني وصراع إسبرطي في السوشيال ميديا من أجلها، وهذا برأيي المتواضع تلف غير مُهم للأعصاب، فلو سلّمنا بنظرية الكاتب الذي قيلَ أنه انتحر متناولاً السم، ديل كارنيجي، في قوله دع القلق وابدأ الحياة، فلا بد مِن القول أن هناك أهمية ليس تجاهل القلق وحسب، بل القضايا الأخلاقية وأن تبدأ الحياة!

أي.. دع القضايا الأخلاقية وابدأ الحياة!

لأن الأخلاق الآن أشبه ما تكون بشماعات لأيدلوجيات بعينها، حيث يصبح التضامن واجباً لتأكيد الانتماء وليس قصداً وطلباً للأخلاق في ذاتها!

دع القلق وابدأ الحياة…

دع الأخلاق المزيفة والتضامن الدون كيشوتي وابدأ الحياة..

وردد دائماً مقولة نيكولاس غوميز دافيلاً: «في زمن باتت وسائل الإعلام تعرض حماقات يومية لا حصر لها، بات الرجل المثقف يعرف بما يتجاهله لا بما يعرفه!».

ولعلنا نفعل كما قال دافيلا..

خصوصاً أن مثل هكذا استهلاكات يوميّة باتت تعبث في بِنية الدماغ الخاصة بنا. فمن المعروف في فلسفة اللغة أنها تساهم في إعادة تشكيل الدماغ ولربما صناعة فكره بكامله، ولهذا قال هايدغر كلمة هزّت المجتمع في القرن الماضي مُلخصاً القضية: «يبدو في النهاية، أن اللغة هي مَن يتكلمنا، لا نحن مَن يتكلم اللغة!».

بمعنى..

عندما تعوّد نفسك على لغة مُعينة فإن عقلك تلقائياً يفكر من خلالها ويتخذها كنسق وبراديغم فكري، ولهذا يعتبر مَن يتكلمون عدّة لغات بشكل ما أوسع أفقاً وأطلق فكراً، إلا أن اللغة «الترينديّة» اليومية Trending القائمة على شذرات مُتفرقة وخليط غير متجانس من المواضيع المتعلقة بالعلوم والفنانين والمشاهير والجرائم وقضايا السيئين، ستؤدي في النهاية لتحويل دماغ المُتلقي لمستودع نفايات غير متجانسة لا يملك انتباه تجاه أي شيء.

في زمن السوشيال ميديا، أصبح التدفق الفكري Flow أمر بعيد المنال إلا أعن أصحاب الإرادات القوية جداً والنابهين، حيث تجمع لك وسائل التواصل خلائط غير متجانسة من صور أصدقائك الشخصية، وفيديوهات عن الفن والغناء، ومن ثم مواضيع علمية واكتشافات جديدة. وهذا بالضبط يحطم جوهر التفكير لدى الإنسان، لأنه يمنعه من التدفق في سياق ومجال مُحدد، ويجعله مُشتتاً بين عدة أشياء غير مترابطة -ما علاقة صورة صديقك الشخصية مع خبر عن إحدى الفنانات؟- هذا بالضبط ما تفعله خوارزميات الميديا، الاعتياد على أشياء غير متجانسة وغير مرتبطة ببعض.. وحدهم أصحاب العقول العليا مَن يقفزون فوق هكذا خلائط هجينة.

اللغة تساهم في تغيير العقل..

واللغة الترينديّة اليومية التي تبنتها السوشيال ميديا، تساهم في تغيير العقل.

لم تقتنع؟

دعنا نطرح السؤال التالي..

مَن منكم في هذا الزمن لديه استعداد للجلوس وقراءة كتاب من 400 صفحة؟

لا أحد، وإن وُجد فالعدد قليل جداً..

ولعلك تجد نتائج مثل هكذا توجهات قد بدأت تظهر في عالمنا.. فلم يعد هناك أسماء كبيرة تجترح مجالات علمية وفلسفية وفكرية ضخمة كما كان في السابق..

أين الذين يبتكرون مدارس نفسيّة جديدة كفرويد؟ مَن لديهم ثقل فيزيائي ضخم كهايزنبرغ أو مدام كوري؟ أين العتاة في مجالات الكيمياء كما القرن الماضي؟

انتهى..

العالم الآن يعيش على أكتاف الذين عاشوا في المرحلة الجوهرية السابقة في القرن العشرين، حيث كان هناك صناعة لكنها لم تتغول إلى حد تسطيح ومَكننة الإنسان، وحيث كان هناك تقدم تقني، لكنه ليس بشراسة ذلك الذي نعيشه اليوم.

الآن هناك إنتخاب وانتقاء جديد، فمَن يستخدم التقنية لا ذلك الذي يجعلها تستخدمه ليصبح عقله مستودعاً تريندياً يعجز فيه ربما عن قراءة 100 صفحة وليس كتاباً، هو مَن سينجو.

لذلك..

لا تصدقوا مَن يقولون لا تقفوا على الحياد في الأزمات الأخلاقية..

أخلاق السوشيال ميديا ليست أخلاق..

لن أتبنى شيء..

أنتم تريدون تبني أرائكم المسبقة..

وبمجرد مضي الأيام وتحرّك رحاها، تُنسى كأي شيء آخر.. وتعودون لحياتكم اليومية..

كل شيء في البداية لديه وهج رائع يحفزك لأن تكتب وتناقش وتضخ قيمك هنا وهناك..

خصوصاً أن الأمر سهل، ولا يتطلب سوى أن تفتح صفحة الفيسبوك الخاصة بك أو تويتر وتنشر..

ليصفق الناس..

ويشدوا الجمهور طرباً..

وتغدو رائعاً..

في النهاية ما هو إلا وهج مؤقت..

يضر عقلنا قبل أن يضر أي شيء آخر..

لتجد بعد فترة ليست بالطويلة. أن معظم أفكار رأسك باتت تريندات لا تسمن ولا تغني مِن جوع، وأن معظم أفكارك لم تصل لمرحلة النضج الذي يؤهلها لأن تكون أي شيء.

أفكار مُبتسرة غير ناضجة قائمة على تصفيق السوشيال ميديا، تنتهي بمجرد تغيير خوارزميات الفيسبوك ومعدلات انتشارها..

في زمن بات يعرض فيها الجميع حماقات لا حصر لها، بات المثقف يعرف بما يتجاهل لا بما يقرأ أو يتبنى!

الجميع في البداية رائع ومُتحفز.

جميعنا في البداية رائع ويريد «نفي التهمة عن نفسه» وتبني الموقف الأخلاقي..

جميعنا يريد أن يقلق..

ومما علمتنا أياه الأمم المتحدة وبان كي مون مسبقاً، أن القلق لا أهمية له في أي شيء.

أقلق حتى تشبع، لن يتغير العالم..

بل يكرر نفسه في حلقة مِن العود الأبدي في تناوب مستمر ما بين الصعود والهبوط..

ولعلَ التمرد الوحيد في هذه الحلقة هو أن يفكر الإنسان..

ببطء..

وهدوء..

ورزانة وعدم استعجال أصبح من الصعب على إنسان التريند الدارج حالياً الالتزام بها!

يرغب الجميع في البدايات الرائعة..

بدءًا من الطفل عندما يضغط على زر Restart ليُعيد اللعبة من جديد يعتريه أملاً آخراً في الفوز!

جميعنا في البداية رائعين.

المحك ومربط الفرس الأخلاقي الحقيقي، أن تبقى رائعاً حتى النهاية!

لا أن تكون مجرد دمية ماريونيت تحركها خيوط التريند وخوارزميات انتشار السوشيال الميديا.

أن تكون رائعاً بحق ينبع مِن الداخل، لا أن تكون رائعاً كتحصيل حاصل لتفاعلات السوشيال ميديا!

أن تكون رائعاً غرضاً لا عَرضاً!

التصنيفات
عام

لو كان هناك إهانة للمرأة فهي هذه الصورة!

لمَن لا يعرف، فهذه الصورة نشرت في الفترة الماضية كتقليد للصورة القديمة التي تحوي مجموعة من العلماء الذكور في ظل وجود عالمة واحدة فقط وهي ماري كوري. أما الآن فالعالم تغير والأحوال الاجتماعية تطورت، فرجحت كفة الميزان للجانب الآخر، وكانت الصورة الجديدة المؤلفة بشكل كامل من نساء ماعدا رجل واحد! في إشارة لدور المرأة الكبير في الوسط العلمي.. فكان حينها لا بد من طرح سؤال لا بد منه فعلاً: هل هذه الصورة انتصار أم إهانة للمرأة؟

لو كان الجواب هو الأوّل فأعتقد أنها للأسف فعلت العكس تماماً..

لا بد من الإشارة أولاً لأن مثل هكذا مواقف فرصة سهلة جداً للذكور المصابين بعقدة نابليون؛ وهي عقدة تصيب الرجل قصير القامة الذي يولد ويدرك أنه ضعيف مقارنةً مع الذكور الآخرين فيحاول فرض هيمنة على النساء لكونه «ذكراً»، لذلك لو كنت تعتقد أنه في الكلام التالي هناك مناصرة لأفكار الذكورية النابليونية المريضة فسيخيب ظنك، فعلى الرغم من عدم استساغتي لمصطلح «النسوية» لكن الدفاع عن المرأة وقضيتها أمر منتهي لأي إنسان يحمل في عقله دماغاً بدل سطل الدهان.

«أعتقد أن سبب وجود حركات ذكورية من أنصار الحبة الحمراء Red Pill وأشباهها، ناجم بشكل ما عن وجود نمط من النسوية فاشل في التعبير عن وجهة نظره، وهو غالباً ما يُشار إليه بالفتيات أصحاب الشعر الملون والقِرط داخل الأنف، والكثير من الـ Shares والمشاركة في الهاشتاغات».

لماذا عدم تقبل مصطلح «النسوية»؟

يجيب على هذا التساؤل في سياق آخر الفيلسوف -هو يرفض أن يسمى كذلك، ويقول أنه مفكر فقط- المغربي الجميل الطيب بوعزة في سياق حديثه عن الليبرالية قائلاً: لا أحد ضد الحرية أو المساواة أو العدالة، وغيرها من القيم التي ترفعها الليبرالية! هذه قيم جميلة وأخلاقية، لا يعارضها عاقل. نحن ضد «احتكار» هذه الأفكار من قبل أيدلوجيات بعينها، بحيث يصبح ليس بإمكانك أن تناصر العدالة إلا إن كنت مناصراً لهم!

لماذا لا يمكنني أن أكون مع العدالة والمساواة لكن من بوابة أخرى؟ لماذا فقط من بوابتهم؟ ويا للمصادفة هي البوابة الاستعمارية ذاتها والخواجة الأبيض نفسه؟

هذه هي فكرتي عن مصطلح النسوية أيضاً، وأفضّل هنا شيء قريب من تركيبات «قضية المرأة أو نضالها»، أكثر من المصطلح السابق.

عودةً إلى فكرة الصورة، وعلى الرغم من أنها رمزية وواضح أنها كذلك.. إلا أنها تشكّل إهانة أكثر من كونها تعزيز لحضور المرأة.. لأنها تشبه تماماً ما يحدث مع الأطفال في المدرسة أو في العائلة عندما يُكرّم أحدهم بشهادة تفوق لسلوكه الجيد. فيحصل على مرحى أو هدية.

حينها يبدأ الطفل والأخ الصغير بالبكاء والعويل لأنه لم يأخذ هدية مثل أخوه الكبير!

هنا من أجل ألا يحزن ذلك الطفل.. يشتري الأهل أو المعلم هدية له من باب مسايرته! دون أن يفعل مثلما فعل!

الصورة فعلت نفس الأمر تماماً! فقط من باب المسايرة!

لماذا؟

لأن هناك الكثير من آلهة العلم الذين على قيد الحياة الآن (روجر بنروز – آلان غوث – ليونارد ساسكيند – ديفيد غروس) وغيرهم غير موجودين في الصورة!

روجر بنروز يحمل جائزة نوبل!

روجر بنروز معه لقب فارس Sir!

آلان غوث الأمر ذاته، اشتغالاته في قضية تضخم الكون وما إلى هنالك..

أتفهم لو كانت الصورة نصف بنصف مثلاً! 50% ذكور 50% إناث أو ثلاثة أرباع بربع، (أي رقم عشوائي يشير فعلاً لصدق ذلك، وأن فعلاً هناك هيمنة للنساء في الوسط العلمي). لكن صراحةً وجود رجل واحد وعلى نفس المقعد الخاص بماري كوري، هو مناكفة طفولية، تهين المرأة أكثر من أن تحترمها!

لذلك وفي ظل سيادة هذا النمط، احترم جداً التأصيل الثقافي لآراء النضال “المرآتي”.. شخصيات على شاكلة جوديث بتلر، بيتي فريدان، وناعومي وولف، وسابقاً دي بفوار، وجون ستيوارت ميل.. إلخ. من الذين لهم ثقل نظري لا مجرد صور وعبر!

لأن مثل هكذا صورة تقلب الطاولة وتهينها أكثر من أن تعزز حضورها.. كما تعطي الكرة على طبق من ذهب لذكور عقد نابليون للكلام!

فمثلاً.. أبرز ما يمكن أن يقولونه تعقيباً على هذه الصورة هو التالي:

“حبيبتي.. أرينا نفسك في قوائم جوائز نوبل لا في الصورة التي بإمكان أي أحد التقاطها”.

هذا مثال سريع خطر على رأسي..

الفكرة الهامة هي التخلص من عقلية حشر النفس في أي «شغلانة» لمجرد أن الذكور فيها..

لأن التفكير العلمي والعلماء أنفسهم أساساً في طور الأفول!

صدقي أو لا تصدقي!

الآن لم يعد الفكر العلمي مهماً! وبالتالي هكذا صور لم تعد ذات شأن حتى لو كانت للذكور أيضاً في القرن الـ21!

خمّني لماذا؟

لأن الآن الفكر السائد هو التقني الغائي!

بمعنى لو أردنا التفكير بعقلية «حشر النفس في أي شيء ذكوري» فقط لإثبات وجود إناث فيه، فإن الحاجة الآن ماسة للدخول في المجال التقني، لأنه هو المسيطر، لأن المجال العلمي ودّع الحلبة منذ زمن!

مارك زوكربيرغ، بيل غيتس، جاك دورسي، ستيف جوبس، لاري بيج، إيلون ماسك.. إلخ من قوائم التقنية التي كلها ذكور.. لو أردنا التفكير بعقلية الصورة في الأعلى فيجب الهرولة لأخذ صورة مع ثلة الـ Big tech لا مع ثلة العلماء!

أخيراً..

أريد أن أشير لأن أبرز من كتب في قضية نضال المرأة -وهو نضال شرعي ومهم وكل من قرأ شذرة تاريخ يعرف أن هناك اضطهاد وظلم قد حصل ويحصل- هو العبقري الكبير جون ستيوارت ميل؛ الذي شارك شخصياً في صياغة الدستور الإنجليزي المعروف للمملكة المتحدة، وذلك من خلال كتابين مهمين جداً هما «مقالات عن الحرية On Liberty» و«استعباد النساء».

قرأتهم منذ أكثر من سنتين وخلال قراءتي لهم كنت أسال نفسي سؤالاً واحداً، ما الجديد؟ لماذا كل هذه الضجة حول هذا الرجل وكتاباته؟

ثم تذكرت أن هذه الكتب نشرت في منتصف القرن التاسع عشر، أي حوالي 1850. حينها ندرك مدى ثقل هذه الكتابات! التي قد تكون ثقيلة لمن يعيش في هذا اليوم فكيف لذلك الزمن!

الصورة رمزية، واضح جداً أنها كذلك.. لكنها تهين المرأة أكثر من أن تناصرها، وتصورها على أنها فقط تريد المنافسة وإثبات الوجود لمجرد إثبات الوجود حتى لو خرجت عن السياق نفسه! فالعالم الآن تقني وحريٌ بها أن تنافس الذكور في البيغ تيك لو أردنا اتباع هذا المنهج في التفكير! وليس العلماء الذين بات نجمهم يأفل شيئاً فشيء!

مَن يثق بنفسه لا يحتاج لأن يثبت للقاصي والداني، هو يؤمن بما لديه ويمشي دون أن يلوي! فامشِ دون أن تلوي!

التصنيفات
عام

رحلَ اللؤلؤ المنضود.. الآن لم يبقَ أحد..

شغّل هذه الموسيقى (من هنا) واقرأ..

إن سارَ الطيبُ في أرضٍ، تُعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء، لا تعطيهِ.. إلا دخان مداخنها..

مَن يذكر هذه الكلمات؟

شارة بحر الحكايات؟

لم أفعل شيئاً في هالعمر يضر الغير.. لم أفعل شيئاً إلا الخير.. فلماذا أحبس في الحبسِ، ولماذا أبعد عن نفسي.. وأنا لا أطلب إلا أن أحيا، كحياة الطير..

بحر الحكايات.. كان يا مكان.. أحلام كبيرة..

الشمس تشرق من جديد؛ عندما كانت مرام تكتب.. وكان باب الحزن مفتوح على باب الفرح.. الحزن متل الفرح.. بيبكي وبيقوي!

أغاني صباح فخري..

قلعة حلب الحقيقية..

العملاق في زمن العمالقة..

من الصعب أن يكون هناك أحدٌ مكانهُ..

فلو أتينا بإنسان من جمهورية الكونغو وأريناه صورته، لن يحتاج للكثير حتى يعرفه..

سيقول فوراً..

هذا صباح فخري..

شكلهُ..

اسمهُ..

كنيته..

طول قامته..

الرجل يجسّد كل صفاتهِ ببراعة ليكون هو نفسه!..

تلك الأيام كانت أيامهُ..

تلك الأيام كانت دافئة.. أيام لها رائحة يمكنك أن تشمها.. أيام مُختلفة بشكل يجعل إمكانية مقارنتها مع أي فترة ثانية محاولة باهتة..

باهتة كضوء مصباح يتدلى من سقف محطة قطار مهجورة..

تلك الفترة غير القابلة للمقارنة..

سوريا 2004..

تذكرني بكلمات الشاعر جون ملتون، صاحب الملحمة الشهيرة.. عندما قال:

«مهما كبرت.. سيبقى ذهنك حبيس فترة زمنية معينة، لن تستطيع أن تغادرها ولا أن تغادرك.»

أعتقد أنها سوريا 2004.

مهما كبرت..

ومشى عداد السنين متبختراً..

2010..

و2020..

و30..

و50..

وحتى 70.. إن كُتبت لنا أعماراً كثيرة..

لا أعتقد أن هناك فترة ستكون مثلها..

شبيهة أو تقترب؟ ربما..

لكنها ليست مثلها..

غريب كيف أن الإنسان يُسجن في حدود تواريخ معينة، ما هي إلا “مقولات زمنية” بلغة كانط. فالشمس لا تشرق، والأيام لا تأتي ولا تذهب، وليس هناك مفهوم ساعة ولا دقيقة أو ثانية.

كل هذه مقولات زمنية اخترعها الإنسان لكي يُقنن العالم من حوله..

كي يضبطه ضمن كلمات..

كلمات توصّف التكرار الرتيب اليومي لمجرياته..

غريب جداً كيف امتلكته هذه التوصيفات.. فأحبها.. وباتت تثير شجونه..

أحياناً..

وعندما تنتقل بين منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر، وهنا وهناك.. ستجد نبرة من العنصرية الجديدة التي تصفنا نحن بأننا لسنا عرباً.

وأن العرب هم أهل شبه الجزيرة فقط..

الباقي ليسوا كذلك..

هكذا هم..

بلا هوية..

وهنا لا بد من القول أن هذا الكلام خاطئ..

العربي أيها العزيز..

كانت له سمة ملاصقة لهُ تماماً أينما حل..

وهي أنهُ يرتحل..

يقف على الأطلال..

ليس لديه مكان ثابت..

تأتيه قافلة من الصعاليك فتحرق قبيلته وتمشي..

ليبقى وحيداً يرثي نفسه..

ويرثي المكان..

فيُنشد شعراً.. ويبكي دهراً..

لو طبقت هذا الكلام على عالمنا اليوم، لوجدت أننا عرباً مع شهادة الجودة والامتياز..

عرب مع مواصفات الآيزو..

ربما معهم حق.. صحيح، نحن لسنا عرب..

نحن عرب+، كوننا نقف على الأطلال أكثر من غيرنا..

دعني من حمضك النووي منقوص الاوكسجين..

ومن تتابع سلاسل النيكلوتيد لديك..

دعني قليلاً مما يوضع على الرأس من شماغ أو عمامة أو عقال..

نحن نقف على الأطلال..

دائماً نقف..

أما الآن..

فلم يعد هناك أحد..

ذهب حاتم علي.. ذهبت الأحلام الكبيرة معهُ.. وحتى تلك الصغيرة رحلت..

ذهب صباح فخري.. أخذ لؤلؤه المنضود ورحل.. كأنه بالون من الهيليوم، طار وارتفع بعيداً.. وغاب بين الغيوم..

باتت القاعة فارغة، كصالة أوبرا دخلها عامل النظافة بعد انتهاء سيمفونية عملاقة..

سيمفونية لا يدري شيئاً عن كنهها..

ليكون المكان خاوياً..

ثمّ..

ثم لم يبقَ أحد..

بات كل شيء موحشاً..

خالياً من الطيبين..

الآن تشعر بأنك عربي كأكثر من أي عربيٍ آخر..

*** إن سار الطيب في أرض تعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء..

لا تعطيه..

إلا دخان مداخنها.. ***

الكثير من الأطلال هنا وهناك، لتحتار على أية منها تقف..

هل تجازف؟

وتنضم إلى بيئة جديدة.. وقبيلة جديدة.. وعالم جديد لا صعاليك فيه؟

ربما..

الإنسان كائن صغير وهش..

ضعوه في سياقه..

وقارنوه مع مملكة الكائنات الحية بكاملها..

وستدركون مدى هشاشته..

للسلحفاة صندوق عظمي يحميها..

وللأسود بنية عضلية قوية لا تُضاهى أو تقارع..

وللطيور قدرة على التحليق تجعلها في مأمن حتى حين..

أما الإنسان..

فمنذ البداية كان الكائن العاري الضعيف..

ولذلك كان قد أدمن البناء..

وجد نفسه عارياً ضعيفاً، فأراد بناء العالم من حوله حتى يأمن..

ولعل من أسوء ما قد يمر عليه..

أن يعاصر تهدّم ذلك العالم من حوله..

أن يتهدم بفنهِ..

وبانتمائه..

وبرموزه الكبرى..

أن تتزاحم عليه هجمات البكاء، وتكثر طلبات الوقوف على الطلل ضمن صندوق الوارد عنده..

تغير العالم..

وتغير الإنسان..

وتغير كل شيء..

أما الثابت الوحيد الذي نعرفهُ..

هو أننا عرباً..

تريد الدليل؟

نحنُ نقف على الأطلال كثيراً..

أكثر من غيرنا حتى..

التصنيفات
عام

جماعات جنس المولود.. كم أتمنى لهم إجهاضاً موفقاً!

أعي أن الكلام على هذا النمط يعتبر عيب.. وغير أخلاقي، وسيء ويصنف تحت مظلة قلة الذوق والأدب.. لكن لا أعرف لماذا!

عندما أشاهد فيديوهات مِن هذا النمط.. أولئك الذي يضعون صور أجنتهم وأجناسهم على الأهرامات والأبراج وناطحات السحاب.. ويتظاهرون بالاندهاش والصدمة في حالة مكشوفة جداً مِن التمثيل.. لا أعرف لمَ آخذ نظرة سلبية عن هؤلاء الناس.

وأصنفهم تحت خانة مُحدثي النعم..

يمكن تشبيه هكذا حالات، لذلك الغني المترف الذي قد تصادفه في زيارة إحدى العائلات أو الاجتماعات. فيكون جالساً مع مجموعة من الفقراء أو بسطاء الناس. فيبدأ بالتشدق حينها.. بأنه يأكل أفضل الطعام، ويكسب من عمله الملايين. وما إلى هنالك من قلة الأدب الاجتماعية هذه..

لا تتحدث عن ملايينك عندما تكون بين البسطاء!

لا تتحدث عن صحتك المتينة، عندما يكون مَن بجانبك مريض!

هذهِ أبسط درجات الذوق العام!

وبيني وبين نفسي..

وفي جزء داخلي عميق جداً..

جزء راسكولينكوفي، ينبثق مِن الجريمة والعقاب..

أجدهُ يقول.. أتمنى أن يُجهض الطفل ولا تكتمل فرحتهم!

وهنا لا أقصد أحداً بعينه.. إنما كل من يحملون هذه الأفكار.. فالناس يتميزون بإنجازاتهم.. كما يفعل أبطال أولمبياد طوكيو.. لكن فيما يكونوا فيه تافهين، فغالباً هم سيّان دائماً. التفاهة لا تميز أحداً.. هي بوتقة ينصهر الجميع بداخلها.. فيذوبوا..

حسناً حسناً..

صدقوني لو حدث ذلك -إجهاض الطفل- لا تستبعدوا أن يقوموا بإضاءة الاهرامات والابراج وساعة بيغ بن في لندن باللون الأسود!

لا مكان للحزن في عالم الانتباه اليوم..

الجميع جوعى انتباه.. يريدون شد النظر ولو بأي ثمن!

يريد لفت الانتباه، ولو على حساب تسليب الصورة وذبحها!

نحن في عالم فارغ..

عالمٌ سائل.. مشاعره سائلة.. ضحكاته مزيفة.. مشاعر الحزن والسعادة كلها مبتذلة..

أبطالهُ فارغون..

مشاهيرهُ فارغون..

عالمٌ أفضل ما يمكنك فعلهُ فيه، أن تغسل يدك منه..

عالمٌ نجومه هم الفنانون والشخصيات التي لا قيمة لها.. وهنا كنت دائماً أستغرب؟

لماذا يطلق على الفنان لقب نجم؟

هو فنان.. نعم..

ممثل.. نعم..

لاعب كرة قدم.. نعم!

لكن أن تقول عنه نجم.. حطّ كثيراً من شأن هذه الكلمة ذات القيمة الكبيرة!

ربما بدلاً من ذلك، يجب أن تستخدم هذه الكلمة للإشارة للأب والأم.. والدائرة القيمة لدى كل إنسان.. فمثلاً يُقال:

توفيت نجمة الطالب الفلاني.. أي توفيت والدته.

وتوفي نجم السيد فلان.. أي توفي أباه.

لكن ليس لتلك الشخصيات المائعة جائعة الانتباه.. هؤلاء ليسوا نجوم. هؤلاء وجوم قد يكون كثيراً عليهم!

العالم فيه من المآسي ما يجعلك تعكف عن الاحتفال بأي شيء صدقني.. عندما ترى أخبار حرائق البلدان ومجاعتهم وسوء أحوالهم.. تستحي من إظهار الفرحة بشؤونك الشخصية.. وإن أردت إظهارها، فلتفعلها على استحياء ضمن وسطك الضيق العائلي الحميم..

عودةً إلى كل أولئك اليوتيوبريون ثقلاء الظل كُثراء المتابعين أودّ القول..

لكم الحق في الإعلان عن لحظات سعادتكم.. لكن لنا الحق أيضاً أن نطالب برؤية لحظات تعاستكم!

ففي هذا العالم هناك قسمان..

قسمٌ مسحوق.. وقسم يعيش في الأعلى..

وكما عودتنا الشُحن الكهربائية.. بأن الموجب يعشق التواجد مع السالب، ويتنافر مع مشابهه الموجب.. فإن مكوثناً معكم سيكون طويلاً..

لأن العالم يحب هذه الحالة الشديدة من التناقض والتنافر..

لذلك نطالب بلحظات ألمكم كما تجعلون نرى لحظات سعادتكم..

مَن يدري ربما يستجيبون؟

ويرفعون لنا فيديو.. أو حالة.. وستوري.. عن دموعهم وهي تنزل وكيف يبكون..

ويضعون لنا فيديو جديد على اليوتيوب، ليقولوا فيه..

لقد ماتت أمي اليوم.. ضعوا لايك واشتركوا في القناة واعملوا سبسكرايب!

مات أبي..

مات ولدي..

اعملوا سبسكرايب، حتى تصلكم آخر أخبار الوفاة.. وتذكروا أني حزين وبائس وأبكي وتنهمر دموعي.. كما وضعت في الستوري على الانستغرام.. لم تروها؟

إذاً اذهبوا وشاهدوها!

في عالم الانتباه لا قيمة لمشاعرك.. ولا لحزنك.

مشاعرك قيمة فقط عندما تأتي بالمشاهدات ويكون لها متابعين..

عدا ذلك كل المشاعر خاوية..

بدءاً من فقد الأولاد، وحتى الجنود الذين يسقطون في الحروب ولا يدري بهم أحدا..

لم يعد لهذهِ الأشياء معنى..

قدرنا أن نعيش في هذه المرحلة..

مرحلة الاغتراب..

نحنُ في عالم السيولة..

عالمٌ قد بات خاوياً..

أو كما قالها غسان كنفاني منذ زمن بعيد.. عالمٌ ليس لنا!

التصنيفات
عام

أن تكون النحّات والصخرة معاً!

الجامعة بشعة.. ولا أحد يُحب الجلوس لساعات مُطوّلة مُقلّباً الصفحات، دارساً السطور..

القراءة عملية مُرهقة وتحتاج لوقت فراغ.. لا سيما عندما تتمرس بها، فتتطلب منك الكثير من الإجهاد والتفكير والحملقة في جدران المنزل..

الذهاب للنادي والتمرّن بشكل يومي أمر مُتعب.. هو تحطيم للألياف العضلية بشكل فيزيائي حقيقي.. كيف يكون شيئاً جميلاً؟

أن تكون لطيفاً مع الجميع.. إرهاقٌ نفسيٌ بحق. وقد يضر بك على المدى البعيد..

وهلم جراً على هكذا أمثلة، مِن مفاهيم الألم والبؤس.. إلا أن لجوردن بيترسون -طبيب النفس الكندي الشهير- رؤيا أخرى يُلخصها بالقول:

«لا يطلب غالبية البشر السعادة، إنما يرغبون بحياة فيها مِن المعاني ما يُبرر الآلام فقط!».

بمعنى.. لا أحد يرفض الألم، على العكس ربما يحبونه حتى.. كونه هو الحالة الأساسية الافتراضية الـ Default للإنسان، كما أنشد أبو نواس شعرهُ قائلاً: تعجبينَ مِن سقمي! صحتي هي العَجبُ!

إنما يرفضون الألم غير المُبرر؛ ذلك الذي يكون بلا داعٍ.. دون سبب أو نتيجة!

فالجامعة يزول همها وألمها لتبقى الشهادة! فتُعينك -ولو قليلاً- على الانخراط في سوق العمل!

وعندما تمنحك القراءة فكراً مُستنيراً، تتلاشى ساعات الإجهاد الطويلة من الحملقة في سطور الكتب!

وفي اللحظة التي تحصل بها على جسم صحي يَشدُّ أزرك مواجهاً إرهاصات الحياة، لا يبقى لإرهاق النادي والتمرين معنى!

وعندما يحبك الجميع وتكون خفيفاً كأنك ورقة صفاف على جدول من الماء العذب، تنساب بهدوء.. يصبح عدم الخوض في جدالات الناس ومهاتراتهم أمراً مهماً!

حينها تتبخر كل الآلام السابقة، وتذوب كأنها بالون من الهيليوم، طار وارتفع بين الغيوم، ثم انزوى وغاب في الأفق..

فالإنسان بحاجة لهذا المفهوم ويَنشدُه ضمنياً، إلا أنه يستحي مِن المُجاهرة بهِ، كحُب المراهقين الخجول..

فالألم هو وجه العملة الآخر للمعنى، أن تكون بلا آلام يعني أنك كتحصيل حاصل بلا معاني، بلا أية مساعي..

وكأنك سفينة بالمرفأ.. مُرتاحة؟ نعم. لكن ليس لكي ترسو خُلقت السفنُ!

حينها لا معنى لوجودها أساساً!

الألم موجود.. نشعر به ويشعر بنا.. يطلبنا بعنف، ونطلبهُ على استحياء.. يعود كل ذلك إلى إنسانية الإنسان، حينها تتضاعف المعايير، ليكون هو الصخرة والنحات معاً! أنتَ الناحت والمنحوت به.. هو جزءٌ مِن تركيبنا. واستشعاره مجرد دليل على تحركاته التي تحصل، كحركة الجنين في بطن أمّه، حركته دليل المعاني؛ تلك التي تستعد كي تطفو على السطح! وتظهر..

من ناحية أخرى.. لا بد من القول أنّ إنسان العصر الحديث أصبح ناعماً جداً ومرهف الأحاسيس، لدرجة أنه يقضم حبة العنب على ست دفعات من شدة لطافته ورهافة كيانه. وهذا خاطئ..

أو ليس خاطئاً، بقدر ما هو غير طبيعي، لا يتناسب مع طبيعة الإنسان نفسها..

جميعنا درسنا منذ الصف الأول أن هناك نوعين فقط من الخلايا.. خلايا نباتية / خلايا حيوانية.

الإنسان ينتمي للصنف الثاني، ففي النهاية هو كائن طبيعي. يتحرك بقوانينها وينضبط بإيقاع عقاربها.

حينها لا يمكن للكائن العاقل أن يتصرف بنعومة مفرطة.. عندما يدخل الأرنب الغابة لا بد أن يتصرف كأسد.. سلوك الأرانب وسط الثيران والفهود والنمور لا يسوى قشرة بصلة..

فعلى الإنسان أحياناً أن يكون خشناً، ليس لا أخلاقياً أو سيئاً، لكن أن يملك أدنى مقومات الفهم التي تؤهلهُ لإدراك صعوبة الحياة، وأن النعم لا تدوم، ولا بد من أن تخشوشن قليلاً!

فسلوك قضم حبة العنب على ست دفعات لا ينفع في غابة الحياة هذه..

«الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها، فإذا أفلح المرء في ذلك، صار لا يفاجئه شيء، ليغدو سامياً فوق كل ما يحصل، ويصير تلك الضحية التي لا تقهر!» -رسول العدم، اِميل سيوران.

رحم الله الجواهري حينما قال، لم يبقَ عندي ما يبتزهُ الألمُ! لكن الآن الوضع تغيّر، ولم يعد استجداء الحزن أمراً جيداً، فهي طبيعة الحياة أن تكون هكذا؛ مخلوقاً في كَبَد! فوقوع الألم أمر محتوم، المهم أن تعي مُسبقاً أهمية حدوثه وأنه هو الافتراض أساساً.

حينها سيبقى عندك الكثير لكي يبتزهُ الألم! والمواجهة لن تنتهي مِن الشوط الأوّل أبداً..

وكما قال أحد الصالحين، لا تدعو الله أن يهبك ألماً أقل، إنما أن يعطيك ظهراً قوياً، حينها لن يضرك ثقل هذا العالم وكثرة أعبائه! على العكس، ربما تغدو قوياً لدرجة أنك تصبح حمّالاً للآلام..

تحمل آلام الناس الآخرين، وتخففها عنهم.. مَن يدري؟ ماذا لو كنا أقوى مما نعتقد بكثير؟

كعروة بن الزبير مثلاً..

الذي فقد ابنه في طريق السفر، ومن ثم أصيبت قدمهُ فاضطر إلى قطعها، ليرفع يديه إلى السماء ويقول..

اللهم لك الحمد.. كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فاللهم لك الحمد! فلئن أخذت فلقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما آخذت وعلى ما عافيت، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوءٍ قط..

أترون؟

هذا ليس ألم.. إنما آلام!

لك عندما يكون هناك ظهراً كبيراً تستند عليه، أليس ذلك بكافٍ حينها؟..

الحياة منذ بدايتها هكذا.. منذ اللحظة الأولى، ألم الولادة والانسلاخ من الكيس الأمنيوسي الجميل داخل بطن الأم.. وحتى ألم الموت والنزول في بطن الأرض. فنحن بين البطون نتدرّج ونلهو..

كان بالإمكان أن تبقى.. دافئاً شارباً نائماً، في أقصى درجات الإشباع..

لكن ليس لهذا خُلقت السفنُ..

الإنسان كالعنقاء، يُولد في اللهيب..

في اللحظة التي يموت بها، يُبعث مُجدداً..

مِن الصعب أن يموت الإنسان.. يمكن أن يقتلوا فيهِ كل شيء إلا روحهُ! وصدق مَن قال.. هاك إنسانٌ مُترفٌ في قصر ينتحر، وهاك إنسانٌ آخر في كوخ بسيط يعيش أجمل أيام حياته! الفارق بينهما كان أن الأول روحهُ مُمزقة، في حين أن الثاني يسند ظهره على قوّة كبرى!

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب ظهراً أقوى..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب معاني أكثر..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب كوب قهوة واستعد لجولة جديدة قادمة..

الدراسة عمرها لم تكن عملية جميلة.. والقراءة شيء مُمل يحتاج هدراً كبيراً للوقت.. والعمل مزعج ومرهق.. لكن هذه الأمور تقع في كفة الميزان المقابلة للمعاني. تسديد حساب لا بُد منه، كما تشتري البقالة وتُحاسب، شراءك المعاني، لا بُد أن يُدفع بعملة الألم!

وما حركتها إلا دليل على أن هذا الإنسان حي.. فكل شيء يتحرك. بدءًا من عقارب الساعة وحتى خلايا الإنسان نفسه..

فلو جرحت يدك، لانطلقت فيالق من الخلايا المناعية لمنطقة الجرح لتخوض اشتباكات عنيفة مع الميكروبات والالتهاب الحاصل..

ماذا لو تلك الخلايا لم تتحرك؟ ماذا لو شعرت بالكسل؟ ماذا لو كان لديها اتصال هاتفي مُهم ولم تأتِ؟

حينها “لا تنتظرها” فلن تأتِ!

كل شيء يتحرك..

وحركته دليل حيويته ونبض الروح فيه..

لذلك الإغريق القدماء أطلقوا على الرب لقب المحرك الأول.. لأن كل شيء حركة، فلا بد من مطلق أول لشرارة الحركة تلك.. فهو الثابت الأول! الثابت الذي لا يتحرك! لكنه يُحرك كل شيء!

ولهذا طقوس الحج..

والصلوات..

والذكر..

وحتى الرقص..

وكل شيء روحاني آخر..

كانت حركة..

كانت انسجاماً مع إيقاع هذه الموجة الكونيّة!

لا تطلب السعادة.. اطلب حياتاً فيها من المعاني ما يُبرر الآلام!.. لا تطلب ألماً أقل، اطلب ظهراً أقوى!.. وقل دائماً أنه بقي الكثير كي يبتزهُ الألمُ! ورحمة الله عليك يا جواهري!

هناك صعوبة.. نعم..

إذ أنت النحّات والصخرة معاً، ومن الصعب للإنسان أن يتحرك بهذه السهولة!

لكنه يستحق..

ولهذا كان الجنس السائد على ظهر هذا الكوكب الصغير..

الكائن الذي استطاع أن يفهم كل شيء..

ليس فقط هكذا..

استطاع أن يُغيّر كل شيء..

بدءًا من جريان الأنهار وحرارة الشمس، وحتى أصغر ما فيه..

ولا يوجد فشل، أكبر من أن يُغيّر ما حوله، وينسى أن يُغيّر نفسه!

فماذا ستجني؟ وماذا ستكسب؟

لو ربحت العالم وخسرت نفسك؟..

اقرأ أيضاً: الرابح يبقى وحيداً

التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!