التصنيفات
عام

رحلَ اللؤلؤ المنضود.. الآن لم يبقَ أحد..

شغّل هذه الموسيقى (من هنا) واقرأ..

إن سارَ الطيبُ في أرضٍ، تُعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء، لا تعطيهِ.. إلا دخان مداخنها..

مَن يذكر هذه الكلمات؟

شارة بحر الحكايات؟

لم أفعل شيئاً في هالعمر يضر الغير.. لم أفعل شيئاً إلا الخير.. فلماذا أحبس في الحبسِ، ولماذا أبعد عن نفسي.. وأنا لا أطلب إلا أن أحيا، كحياة الطير..

بحر الحكايات.. كان يا مكان.. أحلام كبيرة..

الشمس تشرق من جديد؛ عندما كانت مرام تكتب.. وكان باب الحزن مفتوح على باب الفرح.. الحزن متل الفرح.. بيبكي وبيقوي!

أغاني صباح فخري..

قلعة حلب الحقيقية..

العملاق في زمن العمالقة..

من الصعب أن يكون هناك أحدٌ مكانهُ..

فلو أتينا بإنسان من جمهورية الكونغو وأريناه صورته، لن يحتاج للكثير حتى يعرفه..

سيقول فوراً..

هذا صباح فخري..

شكلهُ..

اسمهُ..

كنيته..

طول قامته..

الرجل يجسّد كل صفاتهِ ببراعة ليكون هو نفسه!..

تلك الأيام كانت أيامهُ..

تلك الأيام كانت دافئة.. أيام لها رائحة يمكنك أن تشمها.. أيام مُختلفة بشكل يجعل إمكانية مقارنتها مع أي فترة ثانية محاولة باهتة..

باهتة كضوء مصباح يتدلى من سقف محطة قطار مهجورة..

تلك الفترة غير القابلة للمقارنة..

سوريا 2004..

تذكرني بكلمات الشاعر جون ملتون، صاحب الملحمة الشهيرة.. عندما قال:

«مهما كبرت.. سيبقى ذهنك حبيس فترة زمنية معينة، لن تستطيع أن تغادرها ولا أن تغادرك.»

أعتقد أنها سوريا 2004.

مهما كبرت..

ومشى عداد السنين متبختراً..

2010..

و2020..

و30..

و50..

وحتى 70.. إن كُتبت لنا أعماراً كثيرة..

لا أعتقد أن هناك فترة ستكون مثلها..

شبيهة أو تقترب؟ ربما..

لكنها ليست مثلها..

غريب كيف أن الإنسان يُسجن في حدود تواريخ معينة، ما هي إلا “مقولات زمنية” بلغة كانط. فالشمس لا تشرق، والأيام لا تأتي ولا تذهب، وليس هناك مفهوم ساعة ولا دقيقة أو ثانية.

كل هذه مقولات زمنية اخترعها الإنسان لكي يُقنن العالم من حوله..

كي يضبطه ضمن كلمات..

كلمات توصّف التكرار الرتيب اليومي لمجرياته..

غريب جداً كيف امتلكته هذه التوصيفات.. فأحبها.. وباتت تثير شجونه..

أحياناً..

وعندما تنتقل بين منشورات الفيسبوك وتغريدات تويتر، وهنا وهناك.. ستجد نبرة من العنصرية الجديدة التي تصفنا نحن بأننا لسنا عرباً.

وأن العرب هم أهل شبه الجزيرة فقط..

الباقي ليسوا كذلك..

هكذا هم..

بلا هوية..

وهنا لا بد من القول أن هذا الكلام خاطئ..

العربي أيها العزيز..

كانت له سمة ملاصقة لهُ تماماً أينما حل..

وهي أنهُ يرتحل..

يقف على الأطلال..

ليس لديه مكان ثابت..

تأتيه قافلة من الصعاليك فتحرق قبيلته وتمشي..

ليبقى وحيداً يرثي نفسه..

ويرثي المكان..

فيُنشد شعراً.. ويبكي دهراً..

لو طبقت هذا الكلام على عالمنا اليوم، لوجدت أننا عرباً مع شهادة الجودة والامتياز..

عرب مع مواصفات الآيزو..

ربما معهم حق.. صحيح، نحن لسنا عرب..

نحن عرب+، كوننا نقف على الأطلال أكثر من غيرنا..

دعني من حمضك النووي منقوص الاوكسجين..

ومن تتابع سلاسل النيكلوتيد لديك..

دعني قليلاً مما يوضع على الرأس من شماغ أو عمامة أو عقال..

نحن نقف على الأطلال..

دائماً نقف..

أما الآن..

فلم يعد هناك أحد..

ذهب حاتم علي.. ذهبت الأحلام الكبيرة معهُ.. وحتى تلك الصغيرة رحلت..

ذهب صباح فخري.. أخذ لؤلؤه المنضود ورحل.. كأنه بالون من الهيليوم، طار وارتفع بعيداً.. وغاب بين الغيوم..

باتت القاعة فارغة، كصالة أوبرا دخلها عامل النظافة بعد انتهاء سيمفونية عملاقة..

سيمفونية لا يدري شيئاً عن كنهها..

ليكون المكان خاوياً..

ثمّ..

ثم لم يبقَ أحد..

بات كل شيء موحشاً..

خالياً من الطيبين..

الآن تشعر بأنك عربي كأكثر من أي عربيٍ آخر..

*** إن سار الطيب في أرض تعطيه الأرض خزائنها..

أما السيء..

لا تعطيه..

إلا دخان مداخنها.. ***

الكثير من الأطلال هنا وهناك، لتحتار على أية منها تقف..

هل تجازف؟

وتنضم إلى بيئة جديدة.. وقبيلة جديدة.. وعالم جديد لا صعاليك فيه؟

ربما..

الإنسان كائن صغير وهش..

ضعوه في سياقه..

وقارنوه مع مملكة الكائنات الحية بكاملها..

وستدركون مدى هشاشته..

للسلحفاة صندوق عظمي يحميها..

وللأسود بنية عضلية قوية لا تُضاهى أو تقارع..

وللطيور قدرة على التحليق تجعلها في مأمن حتى حين..

أما الإنسان..

فمنذ البداية كان الكائن العاري الضعيف..

ولذلك كان قد أدمن البناء..

وجد نفسه عارياً ضعيفاً، فأراد بناء العالم من حوله حتى يأمن..

ولعل من أسوء ما قد يمر عليه..

أن يعاصر تهدّم ذلك العالم من حوله..

أن يتهدم بفنهِ..

وبانتمائه..

وبرموزه الكبرى..

أن تتزاحم عليه هجمات البكاء، وتكثر طلبات الوقوف على الطلل ضمن صندوق الوارد عنده..

تغير العالم..

وتغير الإنسان..

وتغير كل شيء..

أما الثابت الوحيد الذي نعرفهُ..

هو أننا عرباً..

تريد الدليل؟

نحنُ نقف على الأطلال كثيراً..

أكثر من غيرنا حتى..

التصنيفات
عام

جماعات جنس المولود.. كم أتمنى لهم إجهاضاً موفقاً!

أعي أن الكلام على هذا النمط يعتبر عيب.. وغير أخلاقي، وسيء ويصنف تحت مظلة قلة الذوق والأدب.. لكن لا أعرف لماذا!

عندما أشاهد فيديوهات مِن هذا النمط.. أولئك الذي يضعون صور أجنتهم وأجناسهم على الأهرامات والأبراج وناطحات السحاب.. ويتظاهرون بالاندهاش والصدمة في حالة مكشوفة جداً مِن التمثيل.. لا أعرف لمَ آخذ نظرة سلبية عن هؤلاء الناس.

وأصنفهم تحت خانة مُحدثي النعم..

يمكن تشبيه هكذا حالات، لذلك الغني المترف الذي قد تصادفه في زيارة إحدى العائلات أو الاجتماعات. فيكون جالساً مع مجموعة من الفقراء أو بسطاء الناس. فيبدأ بالتشدق حينها.. بأنه يأكل أفضل الطعام، ويكسب من عمله الملايين. وما إلى هنالك من قلة الأدب الاجتماعية هذه..

لا تتحدث عن ملايينك عندما تكون بين البسطاء!

لا تتحدث عن صحتك المتينة، عندما يكون مَن بجانبك مريض!

هذهِ أبسط درجات الذوق العام!

وبيني وبين نفسي..

وفي جزء داخلي عميق جداً..

جزء راسكولينكوفي، ينبثق مِن الجريمة والعقاب..

أجدهُ يقول.. أتمنى أن يُجهض الطفل ولا تكتمل فرحتهم!

وهنا لا أقصد أحداً بعينه.. إنما كل من يحملون هذه الأفكار.. فالناس يتميزون بإنجازاتهم.. كما يفعل أبطال أولمبياد طوكيو.. لكن فيما يكونوا فيه تافهين، فغالباً هم سيّان دائماً. التفاهة لا تميز أحداً.. هي بوتقة ينصهر الجميع بداخلها.. فيذوبوا..

حسناً حسناً..

صدقوني لو حدث ذلك -إجهاض الطفل- لا تستبعدوا أن يقوموا بإضاءة الاهرامات والابراج وساعة بيغ بن في لندن باللون الأسود!

لا مكان للحزن في عالم الانتباه اليوم..

الجميع جوعى انتباه.. يريدون شد النظر ولو بأي ثمن!

يريد لفت الانتباه، ولو على حساب تسليب الصورة وذبحها!

نحن في عالم فارغ..

عالمٌ سائل.. مشاعره سائلة.. ضحكاته مزيفة.. مشاعر الحزن والسعادة كلها مبتذلة..

أبطالهُ فارغون..

مشاهيرهُ فارغون..

عالمٌ أفضل ما يمكنك فعلهُ فيه، أن تغسل يدك منه..

عالمٌ نجومه هم الفنانون والشخصيات التي لا قيمة لها.. وهنا كنت دائماً أستغرب؟

لماذا يطلق على الفنان لقب نجم؟

هو فنان.. نعم..

ممثل.. نعم..

لاعب كرة قدم.. نعم!

لكن أن تقول عنه نجم.. حطّ كثيراً من شأن هذه الكلمة ذات القيمة الكبيرة!

ربما بدلاً من ذلك، يجب أن تستخدم هذه الكلمة للإشارة للأب والأم.. والدائرة القيمة لدى كل إنسان.. فمثلاً يُقال:

توفيت نجمة الطالب الفلاني.. أي توفيت والدته.

وتوفي نجم السيد فلان.. أي توفي أباه.

لكن ليس لتلك الشخصيات المائعة جائعة الانتباه.. هؤلاء ليسوا نجوم. هؤلاء وجوم قد يكون كثيراً عليهم!

العالم فيه من المآسي ما يجعلك تعكف عن الاحتفال بأي شيء صدقني.. عندما ترى أخبار حرائق البلدان ومجاعتهم وسوء أحوالهم.. تستحي من إظهار الفرحة بشؤونك الشخصية.. وإن أردت إظهارها، فلتفعلها على استحياء ضمن وسطك الضيق العائلي الحميم..

عودةً إلى كل أولئك اليوتيوبريون ثقلاء الظل كُثراء المتابعين أودّ القول..

لكم الحق في الإعلان عن لحظات سعادتكم.. لكن لنا الحق أيضاً أن نطالب برؤية لحظات تعاستكم!

ففي هذا العالم هناك قسمان..

قسمٌ مسحوق.. وقسم يعيش في الأعلى..

وكما عودتنا الشُحن الكهربائية.. بأن الموجب يعشق التواجد مع السالب، ويتنافر مع مشابهه الموجب.. فإن مكوثناً معكم سيكون طويلاً..

لأن العالم يحب هذه الحالة الشديدة من التناقض والتنافر..

لذلك نطالب بلحظات ألمكم كما تجعلون نرى لحظات سعادتكم..

مَن يدري ربما يستجيبون؟

ويرفعون لنا فيديو.. أو حالة.. وستوري.. عن دموعهم وهي تنزل وكيف يبكون..

ويضعون لنا فيديو جديد على اليوتيوب، ليقولوا فيه..

لقد ماتت أمي اليوم.. ضعوا لايك واشتركوا في القناة واعملوا سبسكرايب!

مات أبي..

مات ولدي..

اعملوا سبسكرايب، حتى تصلكم آخر أخبار الوفاة.. وتذكروا أني حزين وبائس وأبكي وتنهمر دموعي.. كما وضعت في الستوري على الانستغرام.. لم تروها؟

إذاً اذهبوا وشاهدوها!

في عالم الانتباه لا قيمة لمشاعرك.. ولا لحزنك.

مشاعرك قيمة فقط عندما تأتي بالمشاهدات ويكون لها متابعين..

عدا ذلك كل المشاعر خاوية..

بدءاً من فقد الأولاد، وحتى الجنود الذين يسقطون في الحروب ولا يدري بهم أحدا..

لم يعد لهذهِ الأشياء معنى..

قدرنا أن نعيش في هذه المرحلة..

مرحلة الاغتراب..

نحنُ في عالم السيولة..

عالمٌ قد بات خاوياً..

أو كما قالها غسان كنفاني منذ زمن بعيد.. عالمٌ ليس لنا!

التصنيفات
عام

أن تكون النحّات والصخرة معاً!

الجامعة بشعة.. ولا أحد يُحب الجلوس لساعات مُطوّلة مُقلّباً الصفحات، دارساً السطور..

القراءة عملية مُرهقة وتحتاج لوقت فراغ.. لا سيما عندما تتمرس بها، فتتطلب منك الكثير من الإجهاد والتفكير والحملقة في جدران المنزل..

الذهاب للنادي والتمرّن بشكل يومي أمر مُتعب.. هو تحطيم للألياف العضلية بشكل فيزيائي حقيقي.. كيف يكون شيئاً جميلاً؟

أن تكون لطيفاً مع الجميع.. إرهاقٌ نفسيٌ بحق. وقد يضر بك على المدى البعيد..

وهلم جراً على هكذا أمثلة، مِن مفاهيم الألم والبؤس.. إلا أن لجوردن بيترسون -طبيب النفس الكندي الشهير- رؤيا أخرى يُلخصها بالقول:

«لا يطلب غالبية البشر السعادة، إنما يرغبون بحياة فيها مِن المعاني ما يُبرر الآلام فقط!».

بمعنى.. لا أحد يرفض الألم، على العكس ربما يحبونه حتى.. كونه هو الحالة الأساسية الافتراضية الـ Default للإنسان، كما أنشد أبو نواس شعرهُ قائلاً: تعجبينَ مِن سقمي! صحتي هي العَجبُ!

إنما يرفضون الألم غير المُبرر؛ ذلك الذي يكون بلا داعٍ.. دون سبب أو نتيجة!

فالجامعة يزول همها وألمها لتبقى الشهادة! فتُعينك -ولو قليلاً- على الانخراط في سوق العمل!

وعندما تمنحك القراءة فكراً مُستنيراً، تتلاشى ساعات الإجهاد الطويلة من الحملقة في سطور الكتب!

وفي اللحظة التي تحصل بها على جسم صحي يَشدُّ أزرك مواجهاً إرهاصات الحياة، لا يبقى لإرهاق النادي والتمرين معنى!

وعندما يحبك الجميع وتكون خفيفاً كأنك ورقة صفاف على جدول من الماء العذب، تنساب بهدوء.. يصبح عدم الخوض في جدالات الناس ومهاتراتهم أمراً مهماً!

حينها تتبخر كل الآلام السابقة، وتذوب كأنها بالون من الهيليوم، طار وارتفع بين الغيوم، ثم انزوى وغاب في الأفق..

فالإنسان بحاجة لهذا المفهوم ويَنشدُه ضمنياً، إلا أنه يستحي مِن المُجاهرة بهِ، كحُب المراهقين الخجول..

فالألم هو وجه العملة الآخر للمعنى، أن تكون بلا آلام يعني أنك كتحصيل حاصل بلا معاني، بلا أية مساعي..

وكأنك سفينة بالمرفأ.. مُرتاحة؟ نعم. لكن ليس لكي ترسو خُلقت السفنُ!

حينها لا معنى لوجودها أساساً!

الألم موجود.. نشعر به ويشعر بنا.. يطلبنا بعنف، ونطلبهُ على استحياء.. يعود كل ذلك إلى إنسانية الإنسان، حينها تتضاعف المعايير، ليكون هو الصخرة والنحات معاً! أنتَ الناحت والمنحوت به.. هو جزءٌ مِن تركيبنا. واستشعاره مجرد دليل على تحركاته التي تحصل، كحركة الجنين في بطن أمّه، حركته دليل المعاني؛ تلك التي تستعد كي تطفو على السطح! وتظهر..

من ناحية أخرى.. لا بد من القول أنّ إنسان العصر الحديث أصبح ناعماً جداً ومرهف الأحاسيس، لدرجة أنه يقضم حبة العنب على ست دفعات من شدة لطافته ورهافة كيانه. وهذا خاطئ..

أو ليس خاطئاً، بقدر ما هو غير طبيعي، لا يتناسب مع طبيعة الإنسان نفسها..

جميعنا درسنا منذ الصف الأول أن هناك نوعين فقط من الخلايا.. خلايا نباتية / خلايا حيوانية.

الإنسان ينتمي للصنف الثاني، ففي النهاية هو كائن طبيعي. يتحرك بقوانينها وينضبط بإيقاع عقاربها.

حينها لا يمكن للكائن العاقل أن يتصرف بنعومة مفرطة.. عندما يدخل الأرنب الغابة لا بد أن يتصرف كأسد.. سلوك الأرانب وسط الثيران والفهود والنمور لا يسوى قشرة بصلة..

فعلى الإنسان أحياناً أن يكون خشناً، ليس لا أخلاقياً أو سيئاً، لكن أن يملك أدنى مقومات الفهم التي تؤهلهُ لإدراك صعوبة الحياة، وأن النعم لا تدوم، ولا بد من أن تخشوشن قليلاً!

فسلوك قضم حبة العنب على ست دفعات لا ينفع في غابة الحياة هذه..

«الطريقة الوحيدة لمواجهة الخيبات المتوالية، هي أن يعشق المرء فكرة الخيبة نفسها، فإذا أفلح المرء في ذلك، صار لا يفاجئه شيء، ليغدو سامياً فوق كل ما يحصل، ويصير تلك الضحية التي لا تقهر!» -رسول العدم، اِميل سيوران.

رحم الله الجواهري حينما قال، لم يبقَ عندي ما يبتزهُ الألمُ! لكن الآن الوضع تغيّر، ولم يعد استجداء الحزن أمراً جيداً، فهي طبيعة الحياة أن تكون هكذا؛ مخلوقاً في كَبَد! فوقوع الألم أمر محتوم، المهم أن تعي مُسبقاً أهمية حدوثه وأنه هو الافتراض أساساً.

حينها سيبقى عندك الكثير لكي يبتزهُ الألم! والمواجهة لن تنتهي مِن الشوط الأوّل أبداً..

وكما قال أحد الصالحين، لا تدعو الله أن يهبك ألماً أقل، إنما أن يعطيك ظهراً قوياً، حينها لن يضرك ثقل هذا العالم وكثرة أعبائه! على العكس، ربما تغدو قوياً لدرجة أنك تصبح حمّالاً للآلام..

تحمل آلام الناس الآخرين، وتخففها عنهم.. مَن يدري؟ ماذا لو كنا أقوى مما نعتقد بكثير؟

كعروة بن الزبير مثلاً..

الذي فقد ابنه في طريق السفر، ومن ثم أصيبت قدمهُ فاضطر إلى قطعها، ليرفع يديه إلى السماء ويقول..

اللهم لك الحمد.. كان لي أطراف أربعة فأخذت واحداً وأبقيت لي ثلاثة، فاللهم لك الحمد! فلئن أخذت فلقد أبقيت، وإن كنت قد ابتليت فلطالما عافيت، فلك الحمد على ما آخذت وعلى ما عافيت، اللهم إني لم أمشِ بها إلى سوءٍ قط..

أترون؟

هذا ليس ألم.. إنما آلام!

لك عندما يكون هناك ظهراً كبيراً تستند عليه، أليس ذلك بكافٍ حينها؟..

الحياة منذ بدايتها هكذا.. منذ اللحظة الأولى، ألم الولادة والانسلاخ من الكيس الأمنيوسي الجميل داخل بطن الأم.. وحتى ألم الموت والنزول في بطن الأرض. فنحن بين البطون نتدرّج ونلهو..

كان بالإمكان أن تبقى.. دافئاً شارباً نائماً، في أقصى درجات الإشباع..

لكن ليس لهذا خُلقت السفنُ..

الإنسان كالعنقاء، يُولد في اللهيب..

في اللحظة التي يموت بها، يُبعث مُجدداً..

مِن الصعب أن يموت الإنسان.. يمكن أن يقتلوا فيهِ كل شيء إلا روحهُ! وصدق مَن قال.. هاك إنسانٌ مُترفٌ في قصر ينتحر، وهاك إنسانٌ آخر في كوخ بسيط يعيش أجمل أيام حياته! الفارق بينهما كان أن الأول روحهُ مُمزقة، في حين أن الثاني يسند ظهره على قوّة كبرى!

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب ظهراً أقوى..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب معاني أكثر..

لا تطلب ألماً أقل.. اطلب كوب قهوة واستعد لجولة جديدة قادمة..

الدراسة عمرها لم تكن عملية جميلة.. والقراءة شيء مُمل يحتاج هدراً كبيراً للوقت.. والعمل مزعج ومرهق.. لكن هذه الأمور تقع في كفة الميزان المقابلة للمعاني. تسديد حساب لا بُد منه، كما تشتري البقالة وتُحاسب، شراءك المعاني، لا بُد أن يُدفع بعملة الألم!

وما حركتها إلا دليل على أن هذا الإنسان حي.. فكل شيء يتحرك. بدءًا من عقارب الساعة وحتى خلايا الإنسان نفسه..

فلو جرحت يدك، لانطلقت فيالق من الخلايا المناعية لمنطقة الجرح لتخوض اشتباكات عنيفة مع الميكروبات والالتهاب الحاصل..

ماذا لو تلك الخلايا لم تتحرك؟ ماذا لو شعرت بالكسل؟ ماذا لو كان لديها اتصال هاتفي مُهم ولم تأتِ؟

حينها “لا تنتظرها” فلن تأتِ!

كل شيء يتحرك..

وحركته دليل حيويته ونبض الروح فيه..

لذلك الإغريق القدماء أطلقوا على الرب لقب المحرك الأول.. لأن كل شيء حركة، فلا بد من مطلق أول لشرارة الحركة تلك.. فهو الثابت الأول! الثابت الذي لا يتحرك! لكنه يُحرك كل شيء!

ولهذا طقوس الحج..

والصلوات..

والذكر..

وحتى الرقص..

وكل شيء روحاني آخر..

كانت حركة..

كانت انسجاماً مع إيقاع هذه الموجة الكونيّة!

لا تطلب السعادة.. اطلب حياتاً فيها من المعاني ما يُبرر الآلام!.. لا تطلب ألماً أقل، اطلب ظهراً أقوى!.. وقل دائماً أنه بقي الكثير كي يبتزهُ الألمُ! ورحمة الله عليك يا جواهري!

هناك صعوبة.. نعم..

إذ أنت النحّات والصخرة معاً، ومن الصعب للإنسان أن يتحرك بهذه السهولة!

لكنه يستحق..

ولهذا كان الجنس السائد على ظهر هذا الكوكب الصغير..

الكائن الذي استطاع أن يفهم كل شيء..

ليس فقط هكذا..

استطاع أن يُغيّر كل شيء..

بدءًا من جريان الأنهار وحرارة الشمس، وحتى أصغر ما فيه..

ولا يوجد فشل، أكبر من أن يُغيّر ما حوله، وينسى أن يُغيّر نفسه!

فماذا ستجني؟ وماذا ستكسب؟

لو ربحت العالم وخسرت نفسك؟..

التصنيفات
عام

الحياة كفلتر: عن أهميّة أشكالنا!

يقول جعفر عبدالكريم، في برنامجه الشهير شباب توك مخاطباً إحدى الضيفات عندما كانت تسرد حديثها عن الشكل والبدانة وما إلى هنالك.. ليقاطعها جعفر مستهجناً ومستنكراً قائلاً بلكنته اللبنانية المعروفة: “مش لازم تتقبلي حالك متل ما أنتي؟”.

أي أن المواصفات المثالية للجمال لم تعد موجودة، والإنسان بشكل عام والأنثى بشكل خاص، يجب أن يتقبلوا أنفسهم كما هم.

فسواءً كنت جميلاً أم قبيحاً..

طويلاً أو قصيراً..

أبيضاً أم أسمراً..

غير مهم أبداً..

لم يعد هناك معيار للجمال، و”فلاتر” الناس أصبحت مرهقة ويجب أن نتخلص منها.

فالحياة يجب أن تكون “بلا فلتر” وأشكالنا غير مهمة، ويجب أن نتصالح مع أجسادنا أياً كانت ما تكون.

بدايةً يجب أن نقول أن هناك جزء من الكلام السابق صحيح، فالمعايير المرهقة أصبحت مرهقة فعلاً! لكن هناك جزء آخر خاطئ ينبغي الإشارة إليه.

تاريخياً… تلازم الجمال مع صفة أكثر أهميةً منه وهي الصحة! بمعنى.. الجمال ما هو إلا مجرد قشرة رقيقة تحتوي داخلها مفهوم كبير واسع هو صحة الجسد ورشاقته وعمله بشكل متسق!

لذلك، عندما يقول الإنسان أن شيء ما جميل، فهو بشكل غير مباشر كناية عن صحته!

فلا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب أن لون عيونه ليست زرقاء! لأن هذه صفة وراثية تولد مع الإنسان!

ولا أحد سيأتي ليتنمر على أحدهم بسبب طول / قصر قامته! لأن هذه أيضاً صفة وراثية! ولا دخل للإنسان في اختيارها!

لكن البدانة حصراً -إن لم تكن لديك أمراض في الغدد أو شيء ما مرضي- هي عبارة عن “اختيار” مسبق!

وتُشير ضمنياً إلى الخطيئة القاتلة التي تحدث عنها دانتي اليجيري وهي “الشراهة”!

لذلك..

تقبل نفسك إن لم تكن طويلاً..

تقبل نفسك إن لم تكن بعيون خضراء..

تقبل نفسك إن لم تكن خفيف الظل..

تقبل نفسك في كل شيء..

لكن في البدانة حصراً.. لا يجب أن تتقبل نفسك.. ليس لأنك غير جميل. لا لا!

لأن البدانة غير صحية!

لأن البدانة تقتل صاحبها تدريجياً بأمراض القلب والأوعية. ولهذا عبر الزمن كانت مستهجنة وتعتبر “غير جميلة”!

ولو أردنا أن نُحضر التبرير في لماذا هناك “هَبّة وموجة عالمية” في الدعوة لتقبل النفس كما هي -ببدانتها تحديداً- فهو التفسير الرأسمالي كالعادة!

فالعالم الآن يعيش في حالة استعمالية استهلاكية ولا شيء آخر… وبما أن نيتشه أعلن موت القيمة العليا منذ قرن مضى، هذا يعني أن كل شيء أصبح قابلاً للتفاوض! كون القيم العليا ماتت وكل شيء بات على الأرض، ومن ضمن ذلك أيضاً شكل الناس! وحق جسدك عليك!

لا سيما عندما تكون نسبة البدانة في العالم مرتفعة جداً، وفي الولايات المتحدة تقريباً من 50 – 60% هم ليسوا فوق الوزن المطلوب فحسب، إنما بدناء!

حينها.. ولكي يستمر الكائن العاقل في حلقة الفأر الاستهلاكية.. لا بد من خلق “قيم” ومعايير جديدة، من نمط “تقبل نفسك” كما أنت!

إذ أنّ شركات الملابس والمسؤولين عن جعل المستهلك يدفع ما فوقه وتحته، وجدوا أن هذه المعايير والموديل الممشوقات في الإعلانات، جعلت من الناس تتراجع عن الشراء، كونها تخلق فجوة واضحة عما بإمكانهم الوصول إليه.

لذلك كان الحل، هو اختراع قيم جديدة، لتظهر موضة “تقبل نفسك كما أنت”.

وهذا خطر لا بد من الحذر منه والإشارة إليه!..

تقبلوا أنفسكم في كل شيء، لا سيما تلك الأشياء التي لم تختاروها.. بدءًا من الجنسية إلى الاسم إلى الكنية إلى لون البشرة وقياس الطول وحتى كل شيء وراثي جسدي تملكونه!

لكن لا تتقبلوا أنفسكم في الخيارات السيئة وغير الصحية التي تقترفونها! على العكس، قاوموا انفسكم وانحتوها! ابدؤوا وفشلوا! اهدموا وأعيدوا الكرة من جديد! تلك المحاولات بذاتها حيوات جديدة بإمكانكم أن تسعدوا بها!

على النطاق الكبير، ومن زوايا أخرى..

عقل الإنسان يميل جداً للبصريات، لدرجة أن حوال 80% وأكثر من المعلومات التي يعالجها الدماغ يومياً وتأتي من الحواس، هي معلومات بصرية!

لذلك القول المبالغ به بعدم أهمية الشكل، غير صحيح علمياً قبل أن يكون اجتماعياً! والغالبية يعرفون أن ادعاء العكس مجرد كلام نظري مثالي، يتحطم أمام أقرب صخرة واقع تعيشها!

الإنسان يهتم بالمظاهر والأشكال، ولا عيب بذلك! النقطة الفارقة المهمة ألا تكون هذه الشكليات هي كل شيء فيغدو الكائن العاقل “شكلانيّاً” فارغاً!

يذكرني هذا بمثال مهم وهو عندما كان يأتي طالب جديد أيام المدرسة مثلاً..

تخيل الحالتين:

الأولى: أنك سمعت من أحدهم -بشكل سماعي- أن هناك طالب جديد أتى اسمه علي!

الثانية: أنك رأيت بشكل مباشر الطالب علي وهو يأتي إلى الصف!

في الحالة الأولى غالباً أنت لن تأخذ أي فكرة ولا تقييم ولا أي شيء عن علي لأنك لم تره، لكن في الحالة الثانية، فوراً ستأخذ وجهة نظر وتقييم سريع وربما ستقول: “ماحبيتو، ما ارتحتلوا” وغيرها من المصطلحات، رغماً من أنك لم تكلمه حتى! فقط من المعلومات البصرية التي قدمها دماغك لك!

من ناحية أخرى، وحتى لا يحزن أحد..

لا يوجد أحد يمكن تصنيفه بأنه غير جميل أو بشع على الإطلاق!

لماذا؟

لنفترض أن الجمال الكامل هو الرقم 90. وأن بلوغ هذا الرقم يعني أن الإنسان في الحدود المثالية.

الجمال الشكلي، يمكن تلخيصه بثلاث طبقات، تشكل كل طبقة منه 30 نقطة.

الطبقة الاولى هي الطبقة الوراثية: الصفات التي أخذتها من أبويك، ولا دخل لك في اختيارها.

الطبقة الثانية هي العضلات: هذه تكون لك وبإمكانك التحرك بها كما تشاء.

الطبقة الثالثة هي الملابس: ولك الحرية أيضاً في فعل ما تشاء بها!

لو أردنا إجراء عينة سريعة من الطبقات السابقة، يمكن أن نقول أن الغالبية الساحقة من الناس هم في المدى من متوسطي الجمال وأكثر! فلا وجود لما هو دون ذلك إلا قليلاً ونادراً جداً.

مثلاً..

بالنسبة للطبقة الوراثية، هل وُلدت ومعك عيب خلقي؟ هل ولدت ولديك ورم في وجهك؟ بلا فتحة أنف؟ منقوص الحاجب؟ هل أنت أقصر من 130 سم؟ أطول من 210؟

إن كان الجواب لا، فأنت إذاً من العاديين والجيدين وربما ستأخذ نسبة 20.

الطبقة الثانية هي العضلات، ولنفترض أنك من فحول النادي وملتزم بنظام صحي جميل وتحقق رقم 30 هنا.

الطبقة الثالثة للملابس، ولنفترض أنك تتأنق وتنظف نفسك ولا تبدو مهلهلاً، ولنعطيك 25.

حينها ستكون نسبتك 75 من 90!

فالأمر جيد في غالبية الأحوال يا صديق، والنسبة الأكبر من “الشكل” تقع في حيز القدرة على التغيير والعمل، فهناك عضلات يجب أن تنمو، ودهون يجب أن تذوب، وملابس يجب أن تُكوى وأظافر يجب أن تقص!

حينها أنت ستكون جميلاً مثل الآخرين!

هناك جمال خارق نعم، لكنه يكون في غالبية أحواله “امتيازات وراثية” ضمن الطبقة الأولى.. أولئك الذين يولدون بأطوال قياسية وعيون جذابة وغيرها.

وهؤلاء نفسهم، لو لم يضبطوا الطبقة الثانية والثالثة، لغدو في حالة سيئة أيضاً!

الدافع لقول هذا الكلام معرفة أن فرصنا في الحياة متساوية أو قريبة من ذلك، لا سيما أولئك الذين يتمتعون بتقدير سيء للذات ويجلدون أنفسهم على الدوام..

أنتم جميلون صدقوني!

لكن ليس كما قال جعفر!

ليس أن تتقبلوا أنفسكم كما أنتم بأنظمتكم الصحية الرديئة!

لأن الجمال في جزء كبير منه هو “انعكاس” لصحة الجسم، وليس فقط امتيازات وراثية!

الذي يقول أنك أنت بشع لأن عيونك ليست ملونة، لك الحق أن تضربه بالحذاء، لأن لون عيونك لم تختره ولا دخل لك فيه!

لكن عندما ترى وزنك في خطر، ويقول لك أحدهم تقبل نفسك كما أنت بشحومك الثلاثية، فخذ الحذاء السابق واضرب به رأسه وقل لا سأغير نفسي للأفضل!

«إنهُ لمِن العار، أن يموت الإنسان، دون أن يرى القدرة والجمال الرهيب الذي يُمكن لجسده أن يكون عليه» -سقراط

وكمثال آخر على أن “الجمال” أو الذي يُسوق له على أنه جمال، ما هو إلا انعكاس بشكل ما للصحة. لنأخذ مثلاً السيكس باك أو عضلات المعدة التي يُتحدث عنها كثيراً.

ألم تفكروا من أين تبزغ أهميتها لا سيما عند الذكور؟ (نقصان الدهون لدرجة ظهورها عند الإناث قد يكون يشكل خطر على صحتها، لذلك تكون أكبر عند الذكور).

سبب أهميتها أنها تعطي انطباعاً عن مدى “صحة الذكر” وقدرته على الانخراط في العملية الجنسية!

أطلق العنان قليلاً للخيال -قليل الأدب- الموجود في رأسك وفكر لبُرهة!

الذكر عموماً خلال ممارسته لتلك العملية -التي يراها كأسعد شيء في الوجود- كيف سيتحرك؟ ما هو أهم شيء سيتحرك فيه؟ أليس خصره؟ أليس منطقة الحوض تلك؟ منطقة عضلات المعدة؟

أهمية هذه العضلات تنبع من هنا تماماً!

كونها تعطي انطباعاً عن صحة جسم الشريك وقدرته على فعل الأفاعيل، وأن لديه قوّة كامنة فيها!

بينما لو كان هناك ميكرويف من الدهون داخل كرشه، اترك لك المخيلة قليلة الأدب نفسها، كي ترشدك لكيف سيتمكن من الحركة ويؤدي ما يجب عليه أن يؤديه!

الشكل ليس كل شيء نعم، لكن لا تهمله..

الحياة المفلترة جميلة، ومن المهم أحياناً أن نهذب صفاتنا، في النهاية الإنسان كائن طبيعي، ولديه جوانب سلبية في كل شيء.. مداراتها بالأخلاق والاهتمام بالنفس ومظهرها من الداخل والخارج أمر محبب، وكل شيء يقع في حدود استطاعة الإنسان في التغيير نحو الأفضل فلنغيره!

فتلك بدايات جديدة، وحيوات أخرى تنتظرنا.

وفي النهاية، الكل جميل.. وما الكلام السابق إلى لمن يُعنون كثيراً بهذه الفكرة على وجه الخصوص، ولكي أبين خطأ شائع في الفترة الأخيرة، يتعلق بتقبل النفس كما هي!

خصوصاً عندما يكون في ذلك خطر على صحة الإنسان نفسه!

التصنيفات
عام

بخصوص جريمة اللا شرف!

مفهوم جداً أن يقتل الإنسان عدوه في ساحة حرب.. جندي يواجهُ جندي.. أن يختنق الإنسان غرقاً في بحر ما وهو يحاول الهروب.. أن يموت الإنسان بسبب رصاصة طائشة.. أن يموت بسبب أرذل العمر وتيه الجسد وضعف الحيلة..

بسبب أمراض القلب وتكدس دهون الطعام وأحزان الأيام في شرايينه..
لكن أن يُقتل بدافع الشرف!
شرف ماذا بالضبط؟
هذا المصطلح من أتعس المصطلحات التي قد تمر على خاطر أي إنسان..

لا يوجد شرف في الجرائم.. الجريمة دائماً بلا شرف، بلا أخلاق، بلا مبادئ.. وما اختراع هكذا مصطلحات إلا لتجميل وترميم الفعل، تلك اللعنة التي أتى بها الشيطان ميكافيلي قائلاً أنّ الغايات تبرر الوسائل. فلو كانت غايتك نبيلة -أن تقتل قريبتك الصغيرة الضعيفة- حين إذِ يمكن لجريمتك أن تغدو شريفة!
في حالة قد يستغرب منها القانون ويضحك عليها المنطق السليم، وترمي الأخلاق الإنسانية نفسها من الطابق العاشر لشدة الاستهجان والعجب!
عموماً، ولأن البعض يُريد أن يفهم ما الدوافع المحركة لهكذا أفعال بربرية همجية. يجب أن نفهم طبيعة الذكر -كجنس بيولوجي- لا كجندر اجتماعي.
عبر التاريخ، تقدّم الذكر دائماً بفارق خطوة إلى الأمام عن الأنثى، لسبب بسيط جداً، وهو أنّه يرى فيها دائماً الحاضن.. المستقر النهائي للـ DNA الذي يملكه.
شرّعت غالبية الثقافات وبررت السيطرة الذكرية على الأنثى كونها تملك رحم! أي المكان الحاضن الذي سيستقر فيه DNA.
لذلك، وبشكل عام أيضاً، بالنسبة للذكر -البيولوجي على وجه الخصوص، وبتجريد كامل لأي منحى اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي- فإن السيطرة على الأنثى ليس لأنه يريد السطوة ولا تقمّصاً لدور القائد ولا أي شيء آخر. هو فقط يريد السيطرة على الرحم، بلغة ماركسيّة: يريد السيطرة على مركز الإنتاج!.. مما يسمح له بتوليد نسل جديد وتحقيق الرغبة الطبيعية المُلحة في التكاثر.
فلو كان هذا الرحم موجود في ذكر -ولو أن الموضوع مستحيل تخيله قليلاً- لكان أن سيطر عليه أيضاً! كونه هو الضامن للجيل الجديد الذي سيأتي.
هذا كله في الغابات والسهول وكهوف الزمن الغابر..
تمر السنون سريعاً، ليرى الكائن العاقل نفسه قد تحضّر، وغدا في مدن كبيرة ذات أعداد سكانية مرتفعة، ومآوى قد بات مؤمن وسهل الوصول. لم تعد مخاطر العالم السابق موجودة، فكل شيء تغير. ونشأت هيئات مدنيّة جديدة، يمكنها أن تقوم بمهمة المحاسبة والردع والزجر.
لكن عقل الإنسان، لاسيما بعض الأصناف شبه البشرية التي تصر دائماً على الحيونة. لا تنمو كثيراً، ولا تقرأ، ولا تسير في ركب التطور البشري.
فكما بقي الخوف غير المبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب في دماغ الإنسان المدني على الرغم من قلة خطر تعرضه لها في عالم المدينة وفرصة موته بحادث مروري أكبر منها، بقيت أيضاً أشياء أخرى في عقله، كالسيطرة العنيفة على أرحام النساء هنا وهناك. حتى لو كانت النتيجة هي قتل صاحبة الرحم نفسه! في حركة قد ينتحر منها عقل الإنسان العاقل المدني، وعقل الإنسان البربري أيضاً!
فالأول يستهجن ذلك بسبب وجود قوانين في المدن الحديثة، والآخر البربري يستغرب ذلك لأنه لم يستطع أن يحمي ما كان ينبغي أن يحميه!
حينها، لا نكون سوى أمام فاجعة كما الفواجع الأخرى التي باتت خبراً عادياً تسمعه في كل يوم.. جريمة لا شرف بداعي الشرف، يعجز عن توصيفها القلب قبل العقل.. كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟
مفهوم أن يموت الإنسان في حرب..
في معركة..
في سبيل الله.. والوطن.. والمبدأ..
يا أخي، حتى.. مفهوم جداً أن يموت الإنسان من أجل الشرف.. لكن الشرف الحقيقي وليس الادعاء الهمجي البربري!
مثلاً، لو دخل منزلك لص ليسرقك ويغتصب زوجتك، هنا أنت تصارعت مع اللص وقتلته.. ما الجريمة المُرتكبة؟
هذه جريمة شرف. جريمة شرف يستحق الذكر حينها التكريم من أجلها.
عندما يحمي الإنسان نفسه وعائلته من الأوباش.. لا أن يكون هو الوغد الذي يقتلهم!
الأمر مؤلم نفسياً قبل أن يؤلم جسدياً أقسم لكم، يذكرني بالعبارة الشهيرة التي تقول: لم نمت حينما أطلقوا رصاصة علينا، لقد متنا حينما رأينا وجه مَن أطلق!
لا أعرف ما يجب أن نقول صراحةً..
الأمر ذاته منذُ حادثة إسراء إلى كل المواجع التي حدثت وستحدث..
كل ما نفلعه -أنا وأنت وهي وهم- ما هو إلا مجرد إراحة للضمير بأننا نغضب لهكذا حوادث وننكرها..
لكننا لا نفعل شيئاً..
ولا تبقى لهم سوى الرحمة الإلهية لتتغمدهم.. فإن ضاقت بهم الأرض، ففي السماء متسعٌ أكبر..

التصنيفات
عام

فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!

مشكلة فرعون في كل زمان ومكان على اختلاف تمثيلاته أنه أحمق.

نعم، لديه قوة جبارة..

يمتلك أحدث التقنيات..

يسكن في قصر منيف..

يتحالف مع فراعنة آخرين..

نعم، لديه ترسانة إعلامية هائلة.. وتفوق جوي بارز.. وطائرات F35..

لكنه أحمق!

إذ يترك «نقطة عمياء».. تتسرب منها فراشة صغيرة اسمها فلسطين.. لتهز بجناحها الصغير في مكان.. ثم ما إن يتداعى هذا الأثر، ليغدو زلزالاً بعد أن فاض واستفاض!

عندما تأتي النبوءة لفرعون بأن هناك طفل صغير ذكر سيُولد قريباً، فيحطمه ويأخذ عرش مصر.

يجن جنونه..

يأمر بوأد كل ذكر يولد حينها..

خوفاً من ذلك الصغير الذي سيأتي وينهيه..

لكنه يترك ثغرة صغيرة.

نقطة عمياء بسيطة..

تتسلل منها فراشة صغيرة تهز بجناحها..

في تلك اللحظة تحديداً.. وفي قصر فرعون نفسه.. يُولد موسى!

دائماً كانت هكذا..

وستكون هكذا..

بذرة الانهيار تولد في أوج التجبّر والانتصار..

فما بعد القمة العالية هو المنحدر القاسي المحتوم..

في عز الطغيان والتجبر..

لا يترك فرعون طفلاً إلا وقتله خوفاً من تلك النبوءة..

لا يترك فرعون عدواً “خارجياً” إلا ومزقه..

لا يترك فرعون تهديداً محتملاً إلا واشتبك معه..

لا يترك فرعون عالماً قد يشكل تهديداً عليه إلا واغتاله!

لا يترك فرعون خائناً إلا وتحالف معه!

لكن تلك الفراشة الصغيرة تمر..

دائماً كانت كذلك..

في اللحظة التي يبلغ فيه الوغد أوج الطغيان، تُولد بذرة انحطاطه في المكان الذي لم يتوقع منه ذلك!

تُولد في “الداخل”..

في قصره تحديداً!

ليأتي موسى.. يتيماً.. محمولاً في نهر..

بعد قدوم المواساة الإلهية لأمه عندما وضعته في اليم بأن: «لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ»..

فيذهب موسى يتيماً صغيراً متقوقعاً داخل صندوق خشبي في نهر بارد..

يدخل قصر فرعون في عام قتل الذكور.. لتكون بذرة نهاية فرعون قد وُلدت!..

«هناك رجلٌ بمفرده، بدون أسرة، بدون أطفال، بدون اللّه… هو يبني جحافل لكنَّه لا يبني أمَّة. يتم إنشاء الأمَّة من قبل الأسر، والدين، والتقاليد: تتكوَّن الأمَّم من قلوب الأمهات، وحكمة الآباء، وفرحة الأطفال وحماسهم. إنَّ الحداثة التي تبتلع الجميع، والتي تحترم الكرامة الإنسانيَّة والهيكل القديم لعرقنا، تضع نفسها في مكان كلِّ شيء آخر.

والإنسان الذي بمفرده، يدمج نفسه فيها بأكملها، ليس لديه إلهُ يُكرِّمه ولا أسرة يحفظها ولا ماضٍ يتشاور معه.»

فيلهلم الثاني، قيصر ألمانيا.

هي إذاً نقطةٌ عمياء..

بوابة صغيرة جداً يعتريها الأمل..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتكسر القوانين المتعارف عليها وموازين القوى..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتسرب أدعية الأمهات.. وصرخات الأرامل..

رباط المجاهدين.. وثبات المخلصين..

من هذه النقطة العمياء التي ينساها فرعون، يدخل موسى ليطأ عرشه..

فتهز فراشة فلسطين جناحها..

وتبدأ الحركة الجدلية الهيغلية..

ويتغير التاريخ..

ويمشي للأمام..

فإذا بالأسطورة الفرعونية بأرض الميعاد تتهاوى..

وإذا بمَن يمتلك أفضل تفوق جوي..

وأفضل وسائل دفاع..

وسلاح ردع..

ومفاعل نووي..

ومواقع إباحية..

ومَن يدعي أن الحمص والشاورما هي لهُ وليست عربية!

وأفضل تحالف مع سفاسف قريش..

يغدو أضحوكة!

ربما فرعون لن يموت..

ربما سيطول ذلك كثيراً كان أم قليلاً..

أهم ما في الموضوع.. هو تبيان أن فرعون قد أصبح “مسخرة”..

وأنه مجرد فقاعة تبنيها وسائل التواصل وشركات الإعلام “ومعابد آمون” وغيرهم من المنتفعين..

ففي النهاية، لن يقتل فرعون سوى موسى الذي وُلد في “الداخل”..

في قصره..

لتكون بذرة الأفول قد زرعت في النقطة العمياء التي غفل عنها ولم يرها..

تلك النقطة التي تحتضن أدعية الكثيرين..

ويمر منها التاريخ بحركته الجدلية الشهيرة..

فيتغير كل شيء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة..

تمر عبرها فتغلق للأبد…

تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً!

فراشة صغيرة متعبة ومحاصرة ومجوّعة..

فراشة صغيرة عنيدة رغم كل شيء..

فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

التصنيفات
عام

عندما يموت أحدهم في هذا الزمن

هناك خياران..

إما أن يكون من «جماعتنا».. إنساناً طيباً خيراً نرى فيه الصدق والإخلاص.. فنحزن عليه ليكون الألم هو سيد الموقف.

أو.. أن يكون مَن يموت مُخالفٌ لنا وليس من طرازنا وعلى نفس أهواءنا..

ولأبالغ في التوجّه أكثر.. سأقول أنّه عدونا أيضاً!

ما المتوقع حدوثه؟

لا شيء..

لأن موت الأشرار -وفقاً لمَن يعتقد أنهم أشرار- سيكون دليلاً على هيبة تحقق العدّل في هذه الدنيا.. في هذه الحياة الأرضية البائسة.

ليس هناك سوى هذان الخياران..

عندما نخسر الطيبين نحزن عليهم.. وعندما نخسر الأشرار نستشعر هيبة الموت عندما يحقق عدلهُ فيهم!

هذا الكلام لا يعيه مَن يؤمن بمفاهيم من نمط “فطس / هلك / نفق”.. إلخ. من هذه المصطلحات التي تدل على هبوط في سلم الضمير بضع درجات نحو الأسفل..

الأمر مُتعلّق بمدى أخلاقية كل فرد وكيف ينظر للإنسان الآخر بوصفهِ إنساناً قبل أن يختلف مع ذلك الإنسان من أصله!

لو هناك أمنية ينبغي أن ننشدها جميعاً ونرجو تحقيقها، فهي أن تمنحنا الأيام خصماً شريفاً.

خصماً يمتلك أدنى مقومات النزاهة في المقارعة والمجادلة..

يكاد يكون الخصم الشريف رفاهية وترف في زمن وسائل التواصل هذا..

قبل أن أختم هذه التدوينة السريعة المستعجلة أريد أن أقول وأوضح أن الشر و”الناس السيئين” مفهوم نسبي يعتمد على نقطة تمركز صاحبه الفكرية..

بمعنى..

الأشرار الذين تعتقد أنهم أشرار.. لا يعتقدون هم أنفسهم أنهم أشرار، بل يمارسون الخير ويسعون لتحقيقه مثلما تفعل أنت تماماً. نادراً ما يكون هناك إنسان يعي الشر ويعرف أنه شر ويقوم بفعله!

حتى النازية نفسها كانت فكرة لتحسين الجنس البشري.. فهي بعيون روّادها فكرة جيدة تهدف لتطوير البشرية لا إبادتها.

فالسوء وجهة نظر.. تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية واللسان المحكي والقالب الفكري المتبع.

فهدئ من روعك يا صديق.. وكفى كسراً في عظام الموتى..

التصنيفات
عام

كلمة الشيطان الأخيرة!

ولو كانت الدنيا جزاءً لمحسنٍ.. ما سقى الله فيها شربة ماءٍ لظالمِ..

فلقد جاع فيها الأنبياء كرامةً.. وقد شبعت بها بطون البهائمِ!

أحياناً.. وبدافع فقدان الأمل والعجز عن العمل.. يتخلى الإنسان عن أبطال عالمه المُعاصر -إن وجدوا- وينسحب إلى رموزه القدامى..

لكثرةٍ في المسوخ المُشاهدة أو لحنينٍ إلى ماضٍ قديمٍ سحيق..

ينسحب الإنسان ويعود إلى الوراء..

وعندما نعود للماضي وأهرامه الكبرى.. لا بد أن نذكر أنبياءنا؛ أشقاء إبراهيم وإخوته وأولاده..

تميّز الابراهيميون عن غيرهم بالبعد الإنساني الكبير في شخصية النبي..

عكس الإغريق المتفلسفين والفراعنة القدماء والبابليون تحت أشعة الشمس.. الذين يمنحون أنبيائهم وآلهتهم صفات خارقة للطبيعة.. يركز الإبراهيميون على البعد الإنساني.. على الجانب البشري في شخصية النبي..

فذلك كان تاجراً، وهذا كان راعياً.. والآخر خياطاً..

ولا ننسى صاحب الحوت.. الذي خرج مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات!

مزّقت المُصاب فؤاد أيوب..

أعمى الحنين عيون يعقوب..

أكلت جدران البئر الباردة جلد النبي يوسف..

أما زكريا فقد قُسِم وهو مختبأ داخل الشجرة..

لم يهنئ أحداً منهم..

جميعهم حُوربوا.. فحاربوا!

وقفوا ضد أهليهم وزوجاتهم وأولادهم.. ولعل في قصة نبينا محمد وعمه أبو طالب الذي رباه خير دليل على ذلك..

كان محمد يبكي كثيراً على عمه.. لكنه لم يؤمن!

لماذا يا عمي لماذا؟ لماذا لا تقولها وتُريحني؟ لماذا لا تؤمن يا عمي لماذا؟

لم يستطع أبو طالب أن يؤمن.. ولم يستطع محمد أن ينقذ عمه..

كل هذا في سبيل ماذا؟

في سبيل عالم قادم! في سبيل أشياء يتكفل الزمن بتحقيقها ولا يمكن إفهام الناس حينها بها.

لا يمكن ذلك..

آمن يا عمي.. آمن.. ليتك آمنت يا عمي.. ليتك قلتها..

ننسحب إلى الماضي لنرى ما فعله هؤلاء الأبطال في “دنياهم” لنجدهم بشكل شبه جماعي إما مهاجرون أو مطاردون، أو وسطهم الاجتماعي حاقد عليهم..

لم يكن نبياً ما مُرتاحاً..

أبدع الإغريق في صناعة الآلهة والأنبياء الخارقين.. بينما الإبراهيميون -وهذا سر انتشارهم العالمي- أن أنبيائهم كانوا أناساً عاديين..

وربما العكس، كانت متاعبهم أكبر بكثير من الناس العاديين حتى..

لا يوجد نبي جاءه الوحي في فندق خمس نجوم، وبلغه لقومه، فاستشعروا السعادة وآمنوا وانتهت الحكاية بشكل جميل!

لا يمكن.. ولو أنه جميل كسيناريو خيالي تمليه مخيّلة الإنسان الحالم رغبةً في عالم مثالي جميل بلا صدام.. لكن الإنسان ليس هكذا..

الإنسان يصطدم.. الإنسان بحاجة للقرقعة كي يصنع طحيناً..

بحاجة لأن يؤلم كسر البيض في حال أراد صناعة العجة..

في مقابل كل إنجاز هناك تضحية.. وفي مقابل كل تضحية عديدٌ من الآلام تحصل!

لكنها تبقى في إطار عام لما يمكن تسميته بتركيب “الحياة الدنيا”.

هناك حياتان.. تلتهمنا كحيتان!

ربما لم يعد الكثير يؤمنون بهم.. لكنهما موجودتان سواءً كموضوع قائم بذاته أو في عقول المؤمنين بهم فقط.. موجودتان كـ “حديث” تاريخي، بغض النظر عن وجودهم كـ “حدث” تاريخي أم لا..

هناك حياتان.

الأولى..

تلك التي تبدأ ليلة خميس عندما تلتقي نطفة عمياء مع بويضة ثقيلة الظل فتتمسك بها كأنها أسطوانة أوكسجين أخيرة في مستشفى يطفح بمرضى الربو وكورونا، في قرية نائية لا يعبأ بها أحد..

هذه الحياة..

التي تبدأ بعويل وتنتهي بعويل..

أصر جميع كبار العقول في فلك التاريخ على تسميتها بالدنيا أو شيء ما قريب من هذا اللفظ. نظراً لدنوها وانحطاطها ومدى قربها من تراب الأرض.

ثم أتت النظرية الطبيعية لتؤكد ذلك أيضاً..

وها هو تشارلز داروين يُقر بالأصل الحيواني للإنسان.. ليتلقى الكائن المغرور جرحاً في صميم نرجسيته المضخمة.

حيوان؟

هناك نسب مع القرد؟

لا فرق سوى بعض الوظائف الدماغية المتطورة؟

دائماً ما كنت أعتقد أن المشكلة مع التطور لم تكن يوماً مع الأصل الحيواني بقدر ما هي النرجسية البشرية نفسها!

بمعنى..

لو كان التطور يقول أنّ للإنسان نسب مشترك مع الفهود والنمور والأسود لما اعترض الكائن العاقل كثيراً بل العكس ربما فرح!

فهو لو أراد أن يمتدح شجاعة أحد لقال أنهُ كالأسد!

المشكلة هي مع القرد..

المشكلة أن الإنسان النرجسي المغرور لا يعجبه القرد.. وكأنه يقول لتشارلز داروين: يا رجل أما وجدت كائناً آخر أفضل من القرد تنسبني إليه!

عدا ذلك.. فإن الدين نفسه يقر بالأصل الحيواني للإنسان أو لنسميه الأصل الأرضي للإنسان!

إذ غالباً ما يصف الإنسان بصفات سلبية.. وأنه كائن بحاجة لأن يتبع طريقاً معيناً حتى ينجو..

وهذا جوهر فكرة “الاستخلاف” الإلهي في الأرض.

غير ذلك.. سيكون مجرد فرد في سلسلة طبيعية تتصارع من أجل البقاء على هذه الأرض..

فرد يلهيه التكاثر حتى يزور المقابر!

فرد إذا أنعم الله عليه نأى بجانبهِ! وإذا مسه الشر فهو ذو دعاءٍ عريض!

هذه الحياة هي “الدنيا”.. هي السفلى.. هي الواطئة..

اسمها واضح.. وعنوانها واضح.. وطبيعتها واضحة.. ومَن يربح فيها واضح.. نفسهم في كل عصر وزمان ومكان..

دائماً كانوا نفسهم..

التغييرات فقط في أسمائهم.. وأشكالهم.. والشعارات التي يرفعونها.. بينما هم نفسهم.. يركبون دوائر التاريخ نفسها.. ينتظمون في صفوف الشر ذاتها..

إننا نعرفهم.. ونعرف أشكالهم وألوانهم وأسماء سياراتهم ولوحاتها..

يملؤون الدنيا ظلماً وجورا.. كما يملأها من يقف قبالتهم قسطاً وعدلا..

ليربحوا مرة.. ويخسروا مرات..

هذه هي الدنيا.. متخمةً بهم، وهم متخمون بها!

أما شقيقتها الأخرى المجهولة.. البعيدة القريبة..

فهي الحياة الآخرة..

دار النهاية..

دار الخلود..

مكان تصحيح ورقة الامتحان..

غرفة المدير..

الدار التي لم يؤمن بها الكثير.. ويعولون في ذلك على خوف مَن يؤمن بها..

تؤمن بالآخرة؟ ألا تعلم أن الآخرة هي اختراع بشري لمداراة خوف الإنسان من العدم.. ألا تعلمون هذا يا أيها البسطاء!

هكذا يقولون.. وهكذا يرفضون الحياة الآخرة.. فإن كانت الدنيا هي المنطلق.. فإن الآخرة هي المستقر..

إن أردنا نقد الكلام السابق فيما يتعلق بخوف الإنسان فهو بسيط..

وهو موافقته!

نعم أنا خائف.. ماذا يعني؟

خوف الإنسان لا يعني أن ما يتبناه غير صحيح.. على العكس، خوف الإنسان هو مصداق صحتهِ.

فخوف الأم عند مرض طفلها لم يكن يوماً ما مصداقاً لعدم وجود حبها له!

خوف الإنسان من أن تكون هذه الحياة الواطئة هي كل شيء مصداق وجود الآخرة..

الإيمان بنقص الإنسان وخوفه وعدم كماله هو عين قوته.. لأن ادعاء العكس يتعارض مع قوانين الطبيعة نفسها قبل معارضة قوانين السماء!

لا سيما أن التاريخ يخبرنا أن قوائم الأمم الكبرى والحضارات ودفع عجلة التاريخ نحو الأمام كانت مليئة بأسماء هؤلاء “الخائفين”!

غريب جداً..

كيف هؤلاء الخائفون يحركون الدنيا ويموتون أكثر من غيرهم؟

بينما أولئك الأقوياء غير الخائفين نجدهم أحرص الناس على حياة!

كان أحد العجائز من أصحاب اللحى البيضاء؛ أولئك الرجال الصالحين الأتقياء.. يرد بجوابٍ على سؤال..

لماذا الناس تكره الآخرة؟ حتى أولئك الذين يؤمنون بها؟ لم يرفضون العبور ويستصعبونه..

كانت الإجابة..

لأنهم يذهبون من دار العمران إلى دار الخراب خاصتهم..

لأنهم يعلمون أن تلك الدار “غير عامرة”.. كونهم لم يفعلوا شيئاً في حياتهم من أجلها..

لهذا يرفضون..

لأنهم يعرفون أنهم سيتركون المكان العامر، لذلك المكان الخرب الذين تناسوا بنائه..

أما بالنسبة لمن لم يؤمن بها أصلاً وليس من استصعب عبورها..

فلربما الدماغ وآلية عمله هو من يقف حائلاً أمام ذلك..

هناك آلية دماغية دفاعية تسمى التحجير أو التغريف “Compartmentalization”.

هذه الآلية يمكن تشبيهها لبناء غرف داخل الدماغ من أجل حفظ المعلومات المهمة المرتبطة ببعضها البعض..

مثال..

والدك أسمه أحمد.. شكله كذا طوله كذا..

رباك لمدة 40 سنة..

عشت معه غالبية لحظات حياتك..

هذه كلها معلومات عصبية مخزنة في الدماغ ومرتبطة مع بعضها البعض..

لنفترض أن أحمد لم يكن والدك..

وبعد مرور سنين سحيقة أتى أحدهم وقال لك وأثبت ذلك بالدليل القاطع.

الجواب ورد الفعل منك سيكون الرفض..

ليس لأنك ترفض ذلك.. بل لأن دماغك يرفض!

تلك المعلومات المرتبطة ببعضها بشدة عن الوالد أحمد وكيف عاش معه مختلف لحظات حياته تكون متواجدة داخل الدماغ بما يشبه الغرف والحجر.. مُحاطة بسور عتيد. كونها ذات ارتباط وثيق مع بعضها.

في حال تعرض هذه النظام العصبي لخطر، الدماغ نفسه يحارب المسبب لكي يحمي الدماغ نفسه من الانهيار!

لأن تلك الحقيقة -أن أحمد ليس والده- قد تتسبب بتغييرات عنيفة داخل الدماغ على النطاق العصبي، هذه التغييرات لا تتطلب فقط “خروج من منطقة الراحة” إنما أشبه ما يمكن وصفه بضرب قنبلة نووية داخل منطقة الراحة!

لذلك يختصر الطريق من أوله ويكون الحل الأفضل هو الإنكار والغضب والرفض..

أعتقد أن الحياة الآخرة كذلك.. ومن لا يؤمن بها ذات الأمر..

لأن مجرد وجودها تهديد لغرف دماغية بنيت على نظام مخالف..

بنيت على أنه لا يوجد شيء.. وأن العدم سيبتلعنا، ومن نجى من الدنيا الواطئة نجى ومن ربح ربح ومن مات ومات..

وفي النهاية نموت ونحيا ولا يهلكنا سوى الدهر!

كل هذا يهدد تلك الغرف..

ليطفو سؤالاً على السطح..

ماذا لو كنت أنا المخطئ؟

لا أحد يعلم الجواب إلا صاحبه..

وما بين الدنيا والآخرة.. أمم وحضارات وأديان وتقاليد وقوميات.. وتاريخ مليء بالأفراح والأتراح..

قصص عظيمة رويت.. وأخرى تنتظر دورها في سيناريوهات المؤلف..

لكن إلى ذلك الحين..

حين تأتي بعض آيات ربك.. لا ينفع نفس إيمانها كانت قد آمنت من قبل..

تنزل تلك الآية ذاتها..

الآية التي خاطبت محمد في مشهد احتضار عمه الذي أحبه ورعاه بعد وفاة أبيه.. لكنه لم يقولها.. لم يؤمن..

لتقول لهُ: “إنك لا تهدي من أحببت”..

أما لنا فقد قالت شيئاً آخراً إضافياً..

قالت..

هذه حياتكم الدنيا.. حياتكم الواطئة.. رديئة الجودة.. منتهية الصلاحية..

لا تتوقعوا الكثير منها.. عيشوها نعم.. كونوا جيدين فيها نعم.. تعلموا وساهموا في إفادة البشرية من حولكم، نعم..  لكن لا تتوقعوا فيها الكثير.. فلو كانت هي المركز لما سقى الله فيها شربة ماءً لظالم!

لتقول لنا تلك الآية..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لا نهدي من أحببنا..

أننا في هذا الدنيا الواطئة لن نمنع أصدقائنا من السفر ولن ننجح في إقناع المطارات بعدم أخذهم..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لن نحمي المقربين من أن يموتوا.. ولن نمنع من كرهنا من ألا يموتوا.. أن يعمروا طويلاً طويلا..

لتقول لنا أن العدل الذي سعينا قد لا يحدث..

وأن الحب الذي نشدنا قد لا يكون..

وأن للقدر مشيئة أخرى.. وتلك هي ركيزة الإيمان.. أن تؤمن بالقدر.. خيره وشره..

هذه دنياكم..

الدنيا التي رفضت الأديان محبتها كثيراً كونها “لعب ولهو وزينة مفرقعة.. وتكاثر بالبنين وتفاخر بالأموال”..

الدنيا التي رفضت الطبيعة منحها سمة سوى أنها “حيوانية” يعتريها التطاحن العنيف لأجل البقاء..

الدنيا التي وصف حضارتها التي هي ذروة سنامها، عقل ويل ديورانت الفذ بأنها مجرد “قشرة رقيقة من المدنية” على بركان هائل من البربرية الحيوانية..

الدنيا التي تفتح التلفاز ووسائل الاخبار لترى شيئاً من أخبارها فتطرح على نفسك سؤالاً: لم كل هذا السوء؟ لم كل هذا يحدث؟

إن كانت الدنيا هي الوحيدة الموجودة في تصورك للوجود، فيا ويل الإجابة التي ستخطر على بالك حينها..

أما إن كنت من أصحاب الإيمان.. فستعلم أنها مجرد بوابة، اختبار سريع انتقائي يهدف لفرز بعض الناس لا أكثر..

والجميل في هذا الاختبار..

أن حتى اللادينيون يؤمنون به..

لكن مع رفض عنصر “الدسم الإلهي” ووجود صاحب اختبار -راجع فكرة التغريف في الأعلى- بل يؤمنون أن الحياة محاكاة وأنها أشبه ما تكون بمسلسل “WestWorld” أو نيو في ثلاثية الماتريكس..

في مرحلة ما سيُسحب القابس من رأسه ويستيقظ من الحلم!

حينها سيرى الحقيقة..

ليكون بصره اليوم حديد!

إنهم يقفزون للإيمان كما نقفز نحن تماماً..

الفرق أنهم لا يحبذون وجود العنصر الإلهي، كونه يترتب عليه تغييرات دماغية كبرى.. وما ادعاء العقلانية في هكذا محاكاة ميتافيزيقة إلا الآلية الدماغية التحجيرية السابقة ذاتها! كونها تتطلب منهم إعادة هيكلة مرعبة.. فيعكفون..

لماذا هذا؟

ما الهدف من الاختبار؟ لماذا كل هذا يجري؟

لا يمكن الإجابة..

لو تمكّن الإنسان من الإجابات لحصل على العلم الكامل.. وأغلقت الفجوة بينه وبين الإله.. فأصبح إلهاً ونُزعت منه رخصة الإنسانية..

إنها الدنيا..

ساحة اللعب ورقعة الشطرنج التي حلف فيها الشيطان وتوعد بعزة الله أن يغوينا أجمعين..

وها هو يأتينا كما قال..

من بين أيدينا..

ومن خلفنا..

وعن شمائلنا..

وعن أيماننا..

ذلك إلى يوم يبعثون..

إلى النهاية..

فإما أن نسقط فيها وندنو منها.. فننحط.. ويربح الشيطان..

أو نرتفع.. ليخسر صاحب القرنين..

يمكن أن تعيش فيها بقوة.. وأن تكون جيداً.. وأن تحترم القوانين.. وتساعد العجائز في عبور الطرقات..

لكن تذكر دائماً غرابتها.. ولا يُلهيك الأمل..

وهذا ليس سلوك نبوياً دينياً فحسب.. بل سلوك أصحاب المعارف العليا كلهم..

بدءاً من الامبراطور العظيم أوريليوس.. وحتى العبد الحالم ابيكتيتوس..

جمعتهم فلسفة واحدة.. هي الرواقية..

وفرقتهم حالات اجتماعية لم يؤمنوا بها بل تعالوا عليها!

فحفظ التاريخ كلاهما..

فذاك عبد وهذا إمبراطور.. لكنهما في ميزان التاريخ سيان!

وليس انتهاءً بفيتغنشتاين الذي خطّ كتابه عن اليقين في خندق الحرب العالمية.. مروراً بتولستوي صاحب الأراضي التي باعها ليساعد الفقراء ويموت في النهاية على سكة القطار بعد أن أصبح “على الحديدة” قولاً وفعلاً!

إنها الدنيا..

لن يحدث فيها ما أحببت ولا مع من أحببت..

أعوام الحزن ستكون كثيرة..

أبو طالب سيموت أكثر من مرة ولن يستطيع محمداً في داخلك أن ينقذه!

فاحرص على تذكر أنك لا تهدي مَن تشاء!

دار الخراب..

لو كانت جزاءً لمحسنٍ لما سقى الله منها شربة ماء لظالم.

لكن الأنبياء..

والعباقرة..

وأولو العزم..

وأصحاب الفكر..

جاعوا.. وحزنوا.. ولم يسعدوا..

كل هذا تكرماً..

لأن مَن سيشبع -ليس من سيأكل- هو ذلك الذي وقع في فخ الشيطان.. فدنا وتدنى.

وخسر رهاناً كبيراً في مواجهة خصم قديم..

خصم رفض السجود للإنسان بدافع الكبر..

خصم لم يحبنا ولم نحبه..

خصم في النهاية لن يقول سوى جملة واحدة عندما تكون الحسرة قد وقعت، معلنةً انتهاء اللعبة لتبدأ شارة النهاية بالظهور..

سيقول:

ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!

التصنيفات
عام

حاتم علي.. نهاية زمن الأحلام الكبيرة

لا يمثل حاتم علي فكرة مجرد مخرج وكاتب وممثل عابر.. لا يعني لمَن شاهد إنتاجه أنه «صانع أعمال فنية» وحسب. إنما مرحلة بكاملها.. مرحلة الأحلام الكبيرة.. مرحلة كل شيء ضاق.. ذهبت أمانينا.. أحلامنا.. عصارة روحنا…

التغريبة الفلسطينية… الزير سالم… صلاح الدين… كان حاتم علي انعكاساً للرغبة العربية الحقيقية في أحلام الناس البسيطة.. فالنمط السائد ضمن غالبية المسلسلات أن نجد ريحاً من التصنع، تتمثل بإتيان البطل دائماً في اللحظة الأخيرة، ولحيته مرسومة كزاوية منفرجة… أما مشط مسدسه فلا ينفذ ولا يموت…

أما حاتم فكان مختلفاً، كان دائماً يأخذ “أحلامنا الكبيرة” ويجعلها مسلسلات حية أمام أعيننا..

فلا تشعر بأنك أمام تمثيل وخيال، إنما انعكاس حقيقي للهوية الدافئة في صدرك..

لن يفهم “إنسان الآن” حاتم علي لأن حاتم كان دائماً إنسان “ما قبل وكيف كنا”! لا إنسان ما نحن الآن وكيف أصبحنا… إنسان حاتم علي هو الإنسان العربي بأنقى شكل لهُ.. إنسان رمزه صلاح الدين، يملك أحلاماً كبيرة تمنحه إيماناً راسخاً، دون أن ينسى التعاطف مع الضعفاء في تشريدهم وتغريبهم ونكبتهم الحزينة..

تخيلوا الآن أن يُنتج حاتم علي التغريبة الفلسطينية، ما قيمة ذلك؟ لا شيء. لقد انصرف معظم الناس عن عرض المسرحية وتركوا القاعة خاوية..

ومن دقّة القدر أن حاتم قد رحل في هذه اللحظة المفصلية من عمر كل هذه “الأحلام الكبيرة” التي كان قد رسمها وكنا قد آمنا بها أجيالاً بعد أجيال.

المرحلة القادمة هي مرحلة الأحلام الصغيرة القذرة. مرحلة أن يتم إنتاج مُسلسلات التغريبة الصهيونية. وكيف أن العرب هم الأوغاد الذين احتلوا الأرض وأن عليهم الانسحاب والاعتذار..

تخيلوا أن يُنتج مسلسل التغريبة الفلسطينية الآن، مَن سيتبنى إنتاجه؟ أي قناة ستعرضه؟ هل سيبقى جمهوره بنفس الزخم في تلك الفترة التي كانت؟

يموت المخرج عندما تموت أحلامه.. عندما يرى رواياته ونصوصه قد تُركت.. يموت المخرج عندما تموت الشخصيات التي رسمها.. عندما يُجهز على تلك الأحلام الكبيرة ويصبح الخائن شريفاً والشريف خائناً.

لا يمثل حاتم علي مجرد شخصية فنية عابرة… إنما يمثل “لمّة العائلة” حول المدفئة وهم يشاهدون مسلسلاً يمجد تاريخاً يصف بطلاً كان قد مر في زمن ما… يمثل علي حالة الإيمان بآلام الغير حتى لو تكن تعنيك بشكل مُباشر.. كيف تشردوا وتغربوا وعبروا كل “دروب الآلام” تلك..

كيف نعرف كل ذلك لولا حاتم علي؟

هذا كله انتهى الآن.. أصبحنا تعساء لدرجة أننا ننتظر رؤية القصة الكاذبة تُعرض دون أية دفاعات مُسبقة..

بانتظار الوغد الذي سيأتي ليستبدل التغريبة الفلسطينية بالتغريبة الصهيونية لتُعرض على منصة شاهد دوت نت. بانتظار من سيأتي ليقول أن صلاح الدين كان إرهابياً مستبداً فاغسلوا أيديكم منه.. بانتظار الأوغاد الذين سيأتون ليستبدلوا فتح الاندلس باحتلالها..

بانتظار الذين سيأتون في نهاية الزمان ليستبدلوا أحلامنا الصغيرة بأحلامنا الكبيرة..

لكن..

“أمن قلةٍ نحن يومئذٍ؟”.

“بل أنتم يومئذٍ كثير، لكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

طوُيت صفحة جميلة من الدفء والتصالح مع الماضي التي كان يمثلها.. صفحة فيها رائحة الأندلس وصلابة سيف صلاح الدين مع قلوب ممزقة لأناس مهجرين من بيوت أجدادهم..

طُويت صفحة لها رائحة لا يمكن أن ننساها.

أما الآن لنفسح المجال لمَن هم بلا ذاكرة، لمن سقف مشاهداتهم هو مسلسل إسباني يتحدث عن أوغاد يسرقون بنك أو إنتاج ما من نتفليكس هدفه إثبات أن الجميع بلا هوية مُدجنين كالأغنام في حظيرة واحدة تعتريها المساواة والإنسانية الزائفة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة مع وفاة حاتم علي… الآن كل شيء ضاق.. وصلَ زمن الكوابيس الكبيرة والأحلام الصغيرة. زمن لا مكان لصلاح به. زمن نحن السيؤون فيه. زمن يُجرَّف فيه جيل كامل بأفلام ومسلسلات تائهة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة يا حاتم.. أما الآن فهو زمن الأوغاد.

التصنيفات
عام

معارك وهمية

حروب الهاشتاغ، لا تُشبه سوى معارك مِن ورق جنودها لا وجود لهم!
إذ يجعلنا الفيسبوك وتويتر نختصر مشاعرنا عن طريق التفاعل بضغطة زر هنا وتعليق هناك وأحببته لصورة صديق وأغضبني لصورة عدو! والفارق بين لحظة الحب وشرارة الغضب ما هو إلا «لمسة صغيرة» على شاشة الهاتف حتى يتغير المنشور وتنقلب معه المشاعر!
لكننا في الحقيقة، لم نحب ولم نكره ولم نغضب..
يُرضي الفيسبوك وتويتر وهاشتاغاتهم حِسّنا البشري بأننا نتضامن ونتحرّك لكننا في الواقع لا نفعل شيء…
ما الذي كسبه اللبنانيون بعد حدوث نكبتهم الأخيرة من ملايين القلوب واللايكات؟! كم أمّنت وآوت تعليقات الفيسبوك مِن مشردي السودان بعد فيضاناتهم؟!
لا شيء. لا شيء أبداً.
تعلمنا مواقع التواصل كيفيّة إختصار مشاعرنا واختزالها في ضغطات إلكترونية لا فائدة منها. لا فائدة لها سوى أنها تُرضي غرورنا الشخصي بأننا أخلاقيون، نحب الجميع ونتضامن مع الجميع ونقاطع الجميع وأننا لا نترك الآخرين وشأنهم.
لكننا في الحقيقة لا نفعل شيئاً. وإن فعلناه فهو لأنفسنا فقط…