التصنيفات
عام

بخصوص جريمة اللا شرف!

مفهوم جداً أن يقتل الإنسان عدوه في ساحة حرب.. جندي يواجهُ جندي.. أن يختنق الإنسان غرقاً في بحر ما وهو يحاول الهروب.. أن يموت الإنسان بسبب رصاصة طائشة.. أن يموت بسبب أرذل العمر وتيه الجسد وضعف الحيلة..

بسبب أمراض القلب وتكدس دهون الطعام وأحزان الأيام في شرايينه..
لكن أن يُقتل بدافع الشرف!
شرف ماذا بالضبط؟
هذا المصطلح من أتعس المصطلحات التي قد تمر على خاطر أي إنسان..

لا يوجد شرف في الجرائم.. الجريمة دائماً بلا شرف، بلا أخلاق، بلا مبادئ.. وما اختراع هكذا مصطلحات إلا لتجميل وترميم الفعل، تلك اللعنة التي أتى بها الشيطان ميكافيلي قائلاً أنّ الغايات تبرر الوسائل. فلو كانت غايتك نبيلة -أن تقتل قريبتك الصغيرة الضعيفة- حين إذِ يمكن لجريمتك أن تغدو شريفة!
في حالة قد يستغرب منها القانون ويضحك عليها المنطق السليم، وترمي الأخلاق الإنسانية نفسها من الطابق العاشر لشدة الاستهجان والعجب!
عموماً، ولأن البعض يُريد أن يفهم ما الدوافع المحركة لهكذا أفعال بربرية همجية. يجب أن نفهم طبيعة الذكر -كجنس بيولوجي- لا كجندر اجتماعي.
عبر التاريخ، تقدّم الذكر دائماً بفارق خطوة إلى الأمام عن الأنثى، لسبب بسيط جداً، وهو أنّه يرى فيها دائماً الحاضن.. المستقر النهائي للـ DNA الذي يملكه.
شرّعت غالبية الثقافات وبررت السيطرة الذكرية على الأنثى كونها تملك رحم! أي المكان الحاضن الذي سيستقر فيه DNA.
لذلك، وبشكل عام أيضاً، بالنسبة للذكر -البيولوجي على وجه الخصوص، وبتجريد كامل لأي منحى اجتماعي أو إنساني أو أخلاقي- فإن السيطرة على الأنثى ليس لأنه يريد السطوة ولا تقمّصاً لدور القائد ولا أي شيء آخر. هو فقط يريد السيطرة على الرحم، بلغة ماركسيّة: يريد السيطرة على مركز الإنتاج!.. مما يسمح له بتوليد نسل جديد وتحقيق الرغبة الطبيعية المُلحة في التكاثر.
فلو كان هذا الرحم موجود في ذكر -ولو أن الموضوع مستحيل تخيله قليلاً- لكان أن سيطر عليه أيضاً! كونه هو الضامن للجيل الجديد الذي سيأتي.
هذا كله في الغابات والسهول وكهوف الزمن الغابر..
تمر السنون سريعاً، ليرى الكائن العاقل نفسه قد تحضّر، وغدا في مدن كبيرة ذات أعداد سكانية مرتفعة، ومآوى قد بات مؤمن وسهل الوصول. لم تعد مخاطر العالم السابق موجودة، فكل شيء تغير. ونشأت هيئات مدنيّة جديدة، يمكنها أن تقوم بمهمة المحاسبة والردع والزجر.
لكن عقل الإنسان، لاسيما بعض الأصناف شبه البشرية التي تصر دائماً على الحيونة. لا تنمو كثيراً، ولا تقرأ، ولا تسير في ركب التطور البشري.
فكما بقي الخوف غير المبرر من الأفاعي والعناكب والعقارب في دماغ الإنسان المدني على الرغم من قلة خطر تعرضه لها في عالم المدينة وفرصة موته بحادث مروري أكبر منها، بقيت أيضاً أشياء أخرى في عقله، كالسيطرة العنيفة على أرحام النساء هنا وهناك. حتى لو كانت النتيجة هي قتل صاحبة الرحم نفسه! في حركة قد ينتحر منها عقل الإنسان العاقل المدني، وعقل الإنسان البربري أيضاً!
فالأول يستهجن ذلك بسبب وجود قوانين في المدن الحديثة، والآخر البربري يستغرب ذلك لأنه لم يستطع أن يحمي ما كان ينبغي أن يحميه!
حينها، لا نكون سوى أمام فاجعة كما الفواجع الأخرى التي باتت خبراً عادياً تسمعه في كل يوم.. جريمة لا شرف بداعي الشرف، يعجز عن توصيفها القلب قبل العقل.. كيف يمكن للإنسان أن يفعل هذا؟
مفهوم أن يموت الإنسان في حرب..
في معركة..
في سبيل الله.. والوطن.. والمبدأ..
يا أخي، حتى.. مفهوم جداً أن يموت الإنسان من أجل الشرف.. لكن الشرف الحقيقي وليس الادعاء الهمجي البربري!
مثلاً، لو دخل منزلك لص ليسرقك ويغتصب زوجتك، هنا أنت تصارعت مع اللص وقتلته.. ما الجريمة المُرتكبة؟
هذه جريمة شرف. جريمة شرف يستحق الذكر حينها التكريم من أجلها.
عندما يحمي الإنسان نفسه وعائلته من الأوباش.. لا أن يكون هو الوغد الذي يقتلهم!
الأمر مؤلم نفسياً قبل أن يؤلم جسدياً أقسم لكم، يذكرني بالعبارة الشهيرة التي تقول: لم نمت حينما أطلقوا رصاصة علينا، لقد متنا حينما رأينا وجه مَن أطلق!
لا أعرف ما يجب أن نقول صراحةً..
الأمر ذاته منذُ حادثة إسراء إلى كل المواجع التي حدثت وستحدث..
كل ما نفلعه -أنا وأنت وهي وهم- ما هو إلا مجرد إراحة للضمير بأننا نغضب لهكذا حوادث وننكرها..
لكننا لا نفعل شيئاً..
ولا تبقى لهم سوى الرحمة الإلهية لتتغمدهم.. فإن ضاقت بهم الأرض، ففي السماء متسعٌ أكبر..

التصنيفات
عام

فلسطين.. نقطة فرعون العمياء!

مشكلة فرعون في كل زمان ومكان على اختلاف تمثيلاته أنه أحمق.

نعم، لديه قوة جبارة..

يمتلك أحدث التقنيات..

يسكن في قصر منيف..

يتحالف مع فراعنة آخرين..

نعم، لديه ترسانة إعلامية هائلة.. وتفوق جوي بارز.. وطائرات F35..

لكنه أحمق!

إذ يترك «نقطة عمياء».. تتسرب منها فراشة صغيرة اسمها فلسطين.. لتهز بجناحها الصغير في مكان.. ثم ما إن يتداعى هذا الأثر، ليغدو زلزالاً بعد أن فاض واستفاض!

عندما تأتي النبوءة لفرعون بأن هناك طفل صغير ذكر سيُولد قريباً، فيحطمه ويأخذ عرش مصر.

يجن جنونه..

يأمر بوأد كل ذكر يولد حينها..

خوفاً من ذلك الصغير الذي سيأتي وينهيه..

لكنه يترك ثغرة صغيرة.

نقطة عمياء بسيطة..

تتسلل منها فراشة صغيرة تهز بجناحها..

في تلك اللحظة تحديداً.. وفي قصر فرعون نفسه.. يُولد موسى!

دائماً كانت هكذا..

وستكون هكذا..

بذرة الانهيار تولد في أوج التجبّر والانتصار..

فما بعد القمة العالية هو المنحدر القاسي المحتوم..

في عز الطغيان والتجبر..

لا يترك فرعون طفلاً إلا وقتله خوفاً من تلك النبوءة..

لا يترك فرعون عدواً “خارجياً” إلا ومزقه..

لا يترك فرعون تهديداً محتملاً إلا واشتبك معه..

لا يترك فرعون عالماً قد يشكل تهديداً عليه إلا واغتاله!

لا يترك فرعون خائناً إلا وتحالف معه!

لكن تلك الفراشة الصغيرة تمر..

دائماً كانت كذلك..

في اللحظة التي يبلغ فيه الوغد أوج الطغيان، تُولد بذرة انحطاطه في المكان الذي لم يتوقع منه ذلك!

تُولد في “الداخل”..

في قصره تحديداً!

ليأتي موسى.. يتيماً.. محمولاً في نهر..

بعد قدوم المواساة الإلهية لأمه عندما وضعته في اليم بأن: «لا تخافي ولا تحزني إنا رادوه إليكِ»..

فيذهب موسى يتيماً صغيراً متقوقعاً داخل صندوق خشبي في نهر بارد..

يدخل قصر فرعون في عام قتل الذكور.. لتكون بذرة نهاية فرعون قد وُلدت!..

«هناك رجلٌ بمفرده، بدون أسرة، بدون أطفال، بدون اللّه… هو يبني جحافل لكنَّه لا يبني أمَّة. يتم إنشاء الأمَّة من قبل الأسر، والدين، والتقاليد: تتكوَّن الأمَّم من قلوب الأمهات، وحكمة الآباء، وفرحة الأطفال وحماسهم. إنَّ الحداثة التي تبتلع الجميع، والتي تحترم الكرامة الإنسانيَّة والهيكل القديم لعرقنا، تضع نفسها في مكان كلِّ شيء آخر.

والإنسان الذي بمفرده، يدمج نفسه فيها بأكملها، ليس لديه إلهُ يُكرِّمه ولا أسرة يحفظها ولا ماضٍ يتشاور معه.»

فيلهلم الثاني، قيصر ألمانيا.

هي إذاً نقطةٌ عمياء..

بوابة صغيرة جداً يعتريها الأمل..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتكسر القوانين المتعارف عليها وموازين القوى..

من هذه النقطة الصغيرة جداً..

تتسرب أدعية الأمهات.. وصرخات الأرامل..

رباط المجاهدين.. وثبات المخلصين..

من هذه النقطة العمياء التي ينساها فرعون، يدخل موسى ليطأ عرشه..

فتهز فراشة فلسطين جناحها..

وتبدأ الحركة الجدلية الهيغلية..

ويتغير التاريخ..

ويمشي للأمام..

فإذا بالأسطورة الفرعونية بأرض الميعاد تتهاوى..

وإذا بمَن يمتلك أفضل تفوق جوي..

وأفضل وسائل دفاع..

وسلاح ردع..

ومفاعل نووي..

ومواقع إباحية..

ومَن يدعي أن الحمص والشاورما هي لهُ وليست عربية!

وأفضل تحالف مع سفاسف قريش..

يغدو أضحوكة!

ربما فرعون لن يموت..

ربما سيطول ذلك كثيراً كان أم قليلاً..

أهم ما في الموضوع.. هو تبيان أن فرعون قد أصبح “مسخرة”..

وأنه مجرد فقاعة تبنيها وسائل التواصل وشركات الإعلام “ومعابد آمون” وغيرهم من المنتفعين..

ففي النهاية، لن يقتل فرعون سوى موسى الذي وُلد في “الداخل”..

في قصره..

لتكون بذرة الأفول قد زرعت في النقطة العمياء التي غفل عنها ولم يرها..

تلك النقطة التي تحتضن أدعية الكثيرين..

ويمر منها التاريخ بحركته الجدلية الشهيرة..

فيتغير كل شيء!

تلك النقطة لا تسع سوى لفراشة صغيرة..

تمر عبرها فتغلق للأبد…

تُصر على أن تهز بجناحها لتحدث زلزالاً!

فراشة صغيرة متعبة ومحاصرة ومجوّعة..

فراشة صغيرة عنيدة رغم كل شيء..

فراشة صغيرة اسمها فلسطين!

التصنيفات
عام

عندما يموت أحدهم في هذا الزمن

هناك خياران..

إما أن يكون من «جماعتنا».. إنساناً طيباً خيراً نرى فيه الصدق والإخلاص.. فنحزن عليه ليكون الألم هو سيد الموقف.

أو.. أن يكون مَن يموت مُخالفٌ لنا وليس من طرازنا وعلى نفس أهواءنا..

ولأبالغ في التوجّه أكثر.. سأقول أنّه عدونا أيضاً!

ما المتوقع حدوثه؟

لا شيء..

لأن موت الأشرار -وفقاً لمَن يعتقد أنهم أشرار- سيكون دليلاً على هيبة تحقق العدّل في هذه الدنيا.. في هذه الحياة الأرضية البائسة.

ليس هناك سوى هذان الخياران..

عندما نخسر الطيبين نحزن عليهم.. وعندما نخسر الأشرار نستشعر هيبة الموت عندما يحقق عدلهُ فيهم!

هذا الكلام لا يعيه مَن يؤمن بمفاهيم من نمط “فطس / هلك / نفق”.. إلخ. من هذه المصطلحات التي تدل على هبوط في سلم الضمير بضع درجات نحو الأسفل..

الأمر مُتعلّق بمدى أخلاقية كل فرد وكيف ينظر للإنسان الآخر بوصفهِ إنساناً قبل أن يختلف مع ذلك الإنسان من أصله!

لو هناك أمنية ينبغي أن ننشدها جميعاً ونرجو تحقيقها، فهي أن تمنحنا الأيام خصماً شريفاً.

خصماً يمتلك أدنى مقومات النزاهة في المقارعة والمجادلة..

يكاد يكون الخصم الشريف رفاهية وترف في زمن وسائل التواصل هذا..

قبل أن أختم هذه التدوينة السريعة المستعجلة أريد أن أقول وأوضح أن الشر و”الناس السيئين” مفهوم نسبي يعتمد على نقطة تمركز صاحبه الفكرية..

بمعنى..

الأشرار الذين تعتقد أنهم أشرار.. لا يعتقدون هم أنفسهم أنهم أشرار، بل يمارسون الخير ويسعون لتحقيقه مثلما تفعل أنت تماماً. نادراً ما يكون هناك إنسان يعي الشر ويعرف أنه شر ويقوم بفعله!

حتى النازية نفسها كانت فكرة لتحسين الجنس البشري.. فهي بعيون روّادها فكرة جيدة تهدف لتطوير البشرية لا إبادتها.

فالسوء وجهة نظر.. تختلف باختلاف المنطقة الجغرافية واللسان المحكي والقالب الفكري المتبع.

فهدئ من روعك يا صديق.. وكفى كسراً في عظام الموتى..

التصنيفات
عام

كلمة الشيطان الأخيرة!

ولو كانت الدنيا جزاءً لمحسنٍ.. ما سقى الله فيها شربة ماءٍ لظالمِ..

فلقد جاع فيها الأنبياء كرامةً.. وقد شبعت بها بطون البهائمِ!

أحياناً.. وبدافع فقدان الأمل والعجز عن العمل.. يتخلى الإنسان عن أبطال عالمه المُعاصر -إن وجدوا- وينسحب إلى رموزه القدامى..

لكثرةٍ في المسوخ المُشاهدة أو لحنينٍ إلى ماضٍ قديمٍ سحيق..

ينسحب الإنسان ويعود إلى الوراء..

وعندما نعود للماضي وأهرامه الكبرى.. لا بد أن نذكر أنبياءنا؛ أشقاء إبراهيم وإخوته وأولاده..

تميّز الابراهيميون عن غيرهم بالبعد الإنساني الكبير في شخصية النبي..

عكس الإغريق المتفلسفين والفراعنة القدماء والبابليون تحت أشعة الشمس.. الذين يمنحون أنبيائهم وآلهتهم صفات خارقة للطبيعة.. يركز الإبراهيميون على البعد الإنساني.. على الجانب البشري في شخصية النبي..

فذلك كان تاجراً، وهذا كان راعياً.. والآخر خياطاً..

ولا ننسى صاحب الحوت.. الذي خرج مغاضباً فظن أن لن نقدر عليه فنادى في الظلمات!

مزّقت المُصاب فؤاد أيوب..

أعمى الحنين عيون يعقوب..

أكلت جدران البئر الباردة جلد النبي يوسف..

أما زكريا فقد قُسِم وهو مختبأ داخل الشجرة..

لم يهنئ أحداً منهم..

جميعهم حُوربوا.. فحاربوا!

وقفوا ضد أهليهم وزوجاتهم وأولادهم.. ولعل في قصة نبينا محمد وعمه أبو طالب الذي رباه خير دليل على ذلك..

كان محمد يبكي كثيراً على عمه.. لكنه لم يؤمن!

لماذا يا عمي لماذا؟ لماذا لا تقولها وتُريحني؟ لماذا لا تؤمن يا عمي لماذا؟

لم يستطع أبو طالب أن يؤمن.. ولم يستطع محمد أن ينقذ عمه..

كل هذا في سبيل ماذا؟

في سبيل عالم قادم! في سبيل أشياء يتكفل الزمن بتحقيقها ولا يمكن إفهام الناس حينها بها.

لا يمكن ذلك..

آمن يا عمي.. آمن.. ليتك آمنت يا عمي.. ليتك قلتها..

ننسحب إلى الماضي لنرى ما فعله هؤلاء الأبطال في “دنياهم” لنجدهم بشكل شبه جماعي إما مهاجرون أو مطاردون، أو وسطهم الاجتماعي حاقد عليهم..

لم يكن نبياً ما مُرتاحاً..

أبدع الإغريق في صناعة الآلهة والأنبياء الخارقين.. بينما الإبراهيميون -وهذا سر انتشارهم العالمي- أن أنبيائهم كانوا أناساً عاديين..

وربما العكس، كانت متاعبهم أكبر بكثير من الناس العاديين حتى..

لا يوجد نبي جاءه الوحي في فندق خمس نجوم، وبلغه لقومه، فاستشعروا السعادة وآمنوا وانتهت الحكاية بشكل جميل!

لا يمكن.. ولو أنه جميل كسيناريو خيالي تمليه مخيّلة الإنسان الحالم رغبةً في عالم مثالي جميل بلا صدام.. لكن الإنسان ليس هكذا..

الإنسان يصطدم.. الإنسان بحاجة للقرقعة كي يصنع طحيناً..

بحاجة لأن يؤلم كسر البيض في حال أراد صناعة العجة..

في مقابل كل إنجاز هناك تضحية.. وفي مقابل كل تضحية عديدٌ من الآلام تحصل!

لكنها تبقى في إطار عام لما يمكن تسميته بتركيب “الحياة الدنيا”.

هناك حياتان.. تلتهمنا كحيتان!

ربما لم يعد الكثير يؤمنون بهم.. لكنهما موجودتان سواءً كموضوع قائم بذاته أو في عقول المؤمنين بهم فقط.. موجودتان كـ “حديث” تاريخي، بغض النظر عن وجودهم كـ “حدث” تاريخي أم لا..

هناك حياتان.

الأولى..

تلك التي تبدأ ليلة خميس عندما تلتقي نطفة عمياء مع بويضة ثقيلة الظل فتتمسك بها كأنها أسطوانة أوكسجين أخيرة في مستشفى يطفح بمرضى الربو وكورونا، في قرية نائية لا يعبأ بها أحد..

هذه الحياة..

التي تبدأ بعويل وتنتهي بعويل..

أصر جميع كبار العقول في فلك التاريخ على تسميتها بالدنيا أو شيء ما قريب من هذا اللفظ. نظراً لدنوها وانحطاطها ومدى قربها من تراب الأرض.

ثم أتت النظرية الطبيعية لتؤكد ذلك أيضاً..

وها هو تشارلز داروين يُقر بالأصل الحيواني للإنسان.. ليتلقى الكائن المغرور جرحاً في صميم نرجسيته المضخمة.

حيوان؟

هناك نسب مع القرد؟

لا فرق سوى بعض الوظائف الدماغية المتطورة؟

دائماً ما كنت أعتقد أن المشكلة مع التطور لم تكن يوماً مع الأصل الحيواني بقدر ما هي النرجسية البشرية نفسها!

بمعنى..

لو كان التطور يقول أنّ للإنسان نسب مشترك مع الفهود والنمور والأسود لما اعترض الكائن العاقل كثيراً بل العكس ربما فرح!

فهو لو أراد أن يمتدح شجاعة أحد لقال أنهُ كالأسد!

المشكلة هي مع القرد..

المشكلة أن الإنسان النرجسي المغرور لا يعجبه القرد.. وكأنه يقول لتشارلز داروين: يا رجل أما وجدت كائناً آخر أفضل من القرد تنسبني إليه!

عدا ذلك.. فإن الدين نفسه يقر بالأصل الحيواني للإنسان أو لنسميه الأصل الأرضي للإنسان!

إذ غالباً ما يصف الإنسان بصفات سلبية.. وأنه كائن بحاجة لأن يتبع طريقاً معيناً حتى ينجو..

وهذا جوهر فكرة “الاستخلاف” الإلهي في الأرض.

غير ذلك.. سيكون مجرد فرد في سلسلة طبيعية تتصارع من أجل البقاء على هذه الأرض..

فرد يلهيه التكاثر حتى يزور المقابر!

فرد إذا أنعم الله عليه نأى بجانبهِ! وإذا مسه الشر فهو ذو دعاءٍ عريض!

هذه الحياة هي “الدنيا”.. هي السفلى.. هي الواطئة..

اسمها واضح.. وعنوانها واضح.. وطبيعتها واضحة.. ومَن يربح فيها واضح.. نفسهم في كل عصر وزمان ومكان..

دائماً كانوا نفسهم..

التغييرات فقط في أسمائهم.. وأشكالهم.. والشعارات التي يرفعونها.. بينما هم نفسهم.. يركبون دوائر التاريخ نفسها.. ينتظمون في صفوف الشر ذاتها..

إننا نعرفهم.. ونعرف أشكالهم وألوانهم وأسماء سياراتهم ولوحاتها..

يملؤون الدنيا ظلماً وجورا.. كما يملأها من يقف قبالتهم قسطاً وعدلا..

ليربحوا مرة.. ويخسروا مرات..

هذه هي الدنيا.. متخمةً بهم، وهم متخمون بها!

أما شقيقتها الأخرى المجهولة.. البعيدة القريبة..

فهي الحياة الآخرة..

دار النهاية..

دار الخلود..

مكان تصحيح ورقة الامتحان..

غرفة المدير..

الدار التي لم يؤمن بها الكثير.. ويعولون في ذلك على خوف مَن يؤمن بها..

تؤمن بالآخرة؟ ألا تعلم أن الآخرة هي اختراع بشري لمداراة خوف الإنسان من العدم.. ألا تعلمون هذا يا أيها البسطاء!

هكذا يقولون.. وهكذا يرفضون الحياة الآخرة.. فإن كانت الدنيا هي المنطلق.. فإن الآخرة هي المستقر..

إن أردنا نقد الكلام السابق فيما يتعلق بخوف الإنسان فهو بسيط..

وهو موافقته!

نعم أنا خائف.. ماذا يعني؟

خوف الإنسان لا يعني أن ما يتبناه غير صحيح.. على العكس، خوف الإنسان هو مصداق صحتهِ.

فخوف الأم عند مرض طفلها لم يكن يوماً ما مصداقاً لعدم وجود حبها له!

خوف الإنسان من أن تكون هذه الحياة الواطئة هي كل شيء مصداق وجود الآخرة..

الإيمان بنقص الإنسان وخوفه وعدم كماله هو عين قوته.. لأن ادعاء العكس يتعارض مع قوانين الطبيعة نفسها قبل معارضة قوانين السماء!

لا سيما أن التاريخ يخبرنا أن قوائم الأمم الكبرى والحضارات ودفع عجلة التاريخ نحو الأمام كانت مليئة بأسماء هؤلاء “الخائفين”!

غريب جداً..

كيف هؤلاء الخائفون يحركون الدنيا ويموتون أكثر من غيرهم؟

بينما أولئك الأقوياء غير الخائفين نجدهم أحرص الناس على حياة!

كان أحد العجائز من أصحاب اللحى البيضاء؛ أولئك الرجال الصالحين الأتقياء.. يرد بجوابٍ على سؤال..

لماذا الناس تكره الآخرة؟ حتى أولئك الذين يؤمنون بها؟ لم يرفضون العبور ويستصعبونه..

كانت الإجابة..

لأنهم يذهبون من دار العمران إلى دار الخراب خاصتهم..

لأنهم يعلمون أن تلك الدار “غير عامرة”.. كونهم لم يفعلوا شيئاً في حياتهم من أجلها..

لهذا يرفضون..

لأنهم يعرفون أنهم سيتركون المكان العامر، لذلك المكان الخرب الذين تناسوا بنائه..

أما بالنسبة لمن لم يؤمن بها أصلاً وليس من استصعب عبورها..

فلربما الدماغ وآلية عمله هو من يقف حائلاً أمام ذلك..

هناك آلية دماغية دفاعية تسمى التحجير أو التغريف “Compartmentalization”.

هذه الآلية يمكن تشبيهها لبناء غرف داخل الدماغ من أجل حفظ المعلومات المهمة المرتبطة ببعضها البعض..

مثال..

والدك أسمه أحمد.. شكله كذا طوله كذا..

رباك لمدة 40 سنة..

عشت معه غالبية لحظات حياتك..

هذه كلها معلومات عصبية مخزنة في الدماغ ومرتبطة مع بعضها البعض..

لنفترض أن أحمد لم يكن والدك..

وبعد مرور سنين سحيقة أتى أحدهم وقال لك وأثبت ذلك بالدليل القاطع.

الجواب ورد الفعل منك سيكون الرفض..

ليس لأنك ترفض ذلك.. بل لأن دماغك يرفض!

تلك المعلومات المرتبطة ببعضها بشدة عن الوالد أحمد وكيف عاش معه مختلف لحظات حياته تكون متواجدة داخل الدماغ بما يشبه الغرف والحجر.. مُحاطة بسور عتيد. كونها ذات ارتباط وثيق مع بعضها.

في حال تعرض هذه النظام العصبي لخطر، الدماغ نفسه يحارب المسبب لكي يحمي الدماغ نفسه من الانهيار!

لأن تلك الحقيقة -أن أحمد ليس والده- قد تتسبب بتغييرات عنيفة داخل الدماغ على النطاق العصبي، هذه التغييرات لا تتطلب فقط “خروج من منطقة الراحة” إنما أشبه ما يمكن وصفه بضرب قنبلة نووية داخل منطقة الراحة!

لذلك يختصر الطريق من أوله ويكون الحل الأفضل هو الإنكار والغضب والرفض..

أعتقد أن الحياة الآخرة كذلك.. ومن لا يؤمن بها ذات الأمر..

لأن مجرد وجودها تهديد لغرف دماغية بنيت على نظام مخالف..

بنيت على أنه لا يوجد شيء.. وأن العدم سيبتلعنا، ومن نجى من الدنيا الواطئة نجى ومن ربح ربح ومن مات ومات..

وفي النهاية نموت ونحيا ولا يهلكنا سوى الدهر!

كل هذا يهدد تلك الغرف..

ليطفو سؤالاً على السطح..

ماذا لو كنت أنا المخطئ؟

لا أحد يعلم الجواب إلا صاحبه..

وما بين الدنيا والآخرة.. أمم وحضارات وأديان وتقاليد وقوميات.. وتاريخ مليء بالأفراح والأتراح..

قصص عظيمة رويت.. وأخرى تنتظر دورها في سيناريوهات المؤلف..

لكن إلى ذلك الحين..

حين تأتي بعض آيات ربك.. لا ينفع نفس إيمانها كانت قد آمنت من قبل..

تنزل تلك الآية ذاتها..

الآية التي خاطبت محمد في مشهد احتضار عمه الذي أحبه ورعاه بعد وفاة أبيه.. لكنه لم يقولها.. لم يؤمن..

لتقول لهُ: “إنك لا تهدي من أحببت”..

أما لنا فقد قالت شيئاً آخراً إضافياً..

قالت..

هذه حياتكم الدنيا.. حياتكم الواطئة.. رديئة الجودة.. منتهية الصلاحية..

لا تتوقعوا الكثير منها.. عيشوها نعم.. كونوا جيدين فيها نعم.. تعلموا وساهموا في إفادة البشرية من حولكم، نعم..  لكن لا تتوقعوا فيها الكثير.. فلو كانت هي المركز لما سقى الله فيها شربة ماءً لظالم!

لتقول لنا تلك الآية..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لا نهدي من أحببنا..

أننا في هذا الدنيا الواطئة لن نمنع أصدقائنا من السفر ولن ننجح في إقناع المطارات بعدم أخذهم..

أننا في هذه الدنيا الواطئة لن نحمي المقربين من أن يموتوا.. ولن نمنع من كرهنا من ألا يموتوا.. أن يعمروا طويلاً طويلا..

لتقول لنا أن العدل الذي سعينا قد لا يحدث..

وأن الحب الذي نشدنا قد لا يكون..

وأن للقدر مشيئة أخرى.. وتلك هي ركيزة الإيمان.. أن تؤمن بالقدر.. خيره وشره..

هذه دنياكم..

الدنيا التي رفضت الأديان محبتها كثيراً كونها “لعب ولهو وزينة مفرقعة.. وتكاثر بالبنين وتفاخر بالأموال”..

الدنيا التي رفضت الطبيعة منحها سمة سوى أنها “حيوانية” يعتريها التطاحن العنيف لأجل البقاء..

الدنيا التي وصف حضارتها التي هي ذروة سنامها، عقل ويل ديورانت الفذ بأنها مجرد “قشرة رقيقة من المدنية” على بركان هائل من البربرية الحيوانية..

الدنيا التي تفتح التلفاز ووسائل الاخبار لترى شيئاً من أخبارها فتطرح على نفسك سؤالاً: لم كل هذا السوء؟ لم كل هذا يحدث؟

إن كانت الدنيا هي الوحيدة الموجودة في تصورك للوجود، فيا ويل الإجابة التي ستخطر على بالك حينها..

أما إن كنت من أصحاب الإيمان.. فستعلم أنها مجرد بوابة، اختبار سريع انتقائي يهدف لفرز بعض الناس لا أكثر..

والجميل في هذا الاختبار..

أن حتى اللادينيون يؤمنون به..

لكن مع رفض عنصر “الدسم الإلهي” ووجود صاحب اختبار -راجع فكرة التغريف في الأعلى- بل يؤمنون أن الحياة محاكاة وأنها أشبه ما تكون بمسلسل “WestWorld” أو نيو في ثلاثية الماتريكس..

في مرحلة ما سيُسحب القابس من رأسه ويستيقظ من الحلم!

حينها سيرى الحقيقة..

ليكون بصره اليوم حديد!

إنهم يقفزون للإيمان كما نقفز نحن تماماً..

الفرق أنهم لا يحبذون وجود العنصر الإلهي، كونه يترتب عليه تغييرات دماغية كبرى.. وما ادعاء العقلانية في هكذا محاكاة ميتافيزيقة إلا الآلية الدماغية التحجيرية السابقة ذاتها! كونها تتطلب منهم إعادة هيكلة مرعبة.. فيعكفون..

لماذا هذا؟

ما الهدف من الاختبار؟ لماذا كل هذا يجري؟

لا يمكن الإجابة..

لو تمكّن الإنسان من الإجابات لحصل على العلم الكامل.. وأغلقت الفجوة بينه وبين الإله.. فأصبح إلهاً ونُزعت منه رخصة الإنسانية..

إنها الدنيا..

ساحة اللعب ورقعة الشطرنج التي حلف فيها الشيطان وتوعد بعزة الله أن يغوينا أجمعين..

وها هو يأتينا كما قال..

من بين أيدينا..

ومن خلفنا..

وعن شمائلنا..

وعن أيماننا..

ذلك إلى يوم يبعثون..

إلى النهاية..

فإما أن نسقط فيها وندنو منها.. فننحط.. ويربح الشيطان..

أو نرتفع.. ليخسر صاحب القرنين..

يمكن أن تعيش فيها بقوة.. وأن تكون جيداً.. وأن تحترم القوانين.. وتساعد العجائز في عبور الطرقات..

لكن تذكر دائماً غرابتها.. ولا يُلهيك الأمل..

وهذا ليس سلوك نبوياً دينياً فحسب.. بل سلوك أصحاب المعارف العليا كلهم..

بدءاً من الامبراطور العظيم أوريليوس.. وحتى العبد الحالم ابيكتيتوس..

جمعتهم فلسفة واحدة.. هي الرواقية..

وفرقتهم حالات اجتماعية لم يؤمنوا بها بل تعالوا عليها!

فحفظ التاريخ كلاهما..

فذاك عبد وهذا إمبراطور.. لكنهما في ميزان التاريخ سيان!

وليس انتهاءً بفيتغنشتاين الذي خطّ كتابه عن اليقين في خندق الحرب العالمية.. مروراً بتولستوي صاحب الأراضي التي باعها ليساعد الفقراء ويموت في النهاية على سكة القطار بعد أن أصبح “على الحديدة” قولاً وفعلاً!

إنها الدنيا..

لن يحدث فيها ما أحببت ولا مع من أحببت..

أعوام الحزن ستكون كثيرة..

أبو طالب سيموت أكثر من مرة ولن يستطيع محمداً في داخلك أن ينقذه!

فاحرص على تذكر أنك لا تهدي مَن تشاء!

دار الخراب..

لو كانت جزاءً لمحسنٍ لما سقى الله منها شربة ماء لظالم.

لكن الأنبياء..

والعباقرة..

وأولو العزم..

وأصحاب الفكر..

جاعوا.. وحزنوا.. ولم يسعدوا..

كل هذا تكرماً..

لأن مَن سيشبع -ليس من سيأكل- هو ذلك الذي وقع في فخ الشيطان.. فدنا وتدنى.

وخسر رهاناً كبيراً في مواجهة خصم قديم..

خصم رفض السجود للإنسان بدافع الكبر..

خصم لم يحبنا ولم نحبه..

خصم في النهاية لن يقول سوى جملة واحدة عندما تكون الحسرة قد وقعت، معلنةً انتهاء اللعبة لتبدأ شارة النهاية بالظهور..

سيقول:

ما كان لي عليكم من سلطان إلا أن دعوتكم فاستجبتم لي..

فلا تلوموني ولوموا أنفسكم!

التصنيفات
عام

حاتم علي.. نهاية زمن الأحلام الكبيرة

لا يمثل حاتم علي فكرة مجرد مخرج وكاتب وممثل عابر.. لا يعني لمَن شاهد إنتاجه أنه «صانع أعمال فنية» وحسب. إنما مرحلة بكاملها.. مرحلة الأحلام الكبيرة.. مرحلة كل شيء ضاق.. ذهبت أمانينا.. أحلامنا.. عصارة روحنا…

التغريبة الفلسطينية… الزير سالم… صلاح الدين… كان حاتم علي انعكاساً للرغبة العربية الحقيقية في أحلام الناس البسيطة.. فالنمط السائد ضمن غالبية المسلسلات أن نجد ريحاً من التصنع، تتمثل بإتيان البطل دائماً في اللحظة الأخيرة، ولحيته مرسومة كزاوية منفرجة… أما مشط مسدسه فلا ينفذ ولا يموت…

أما حاتم فكان مختلفاً، كان دائماً يأخذ “أحلامنا الكبيرة” ويجعلها مسلسلات حية أمام أعيننا..

فلا تشعر بأنك أمام تمثيل وخيال، إنما انعكاس حقيقي للهوية الدافئة في صدرك..

لن يفهم “إنسان الآن” حاتم علي لأن حاتم كان دائماً إنسان “ما قبل وكيف كنا”! لا إنسان ما نحن الآن وكيف أصبحنا… إنسان حاتم علي هو الإنسان العربي بأنقى شكل لهُ.. إنسان رمزه صلاح الدين، يملك أحلاماً كبيرة تمنحه إيماناً راسخاً، دون أن ينسى التعاطف مع الضعفاء في تشريدهم وتغريبهم ونكبتهم الحزينة..

تخيلوا الآن أن يُنتج حاتم علي التغريبة الفلسطينية، ما قيمة ذلك؟ لا شيء. لقد انصرف معظم الناس عن عرض المسرحية وتركوا القاعة خاوية..

ومن دقّة القدر أن حاتم قد رحل في هذه اللحظة المفصلية من عمر كل هذه “الأحلام الكبيرة” التي كان قد رسمها وكنا قد آمنا بها أجيالاً بعد أجيال.

المرحلة القادمة هي مرحلة الأحلام الصغيرة القذرة. مرحلة أن يتم إنتاج مُسلسلات التغريبة الصهيونية. وكيف أن العرب هم الأوغاد الذين احتلوا الأرض وأن عليهم الانسحاب والاعتذار..

تخيلوا أن يُنتج مسلسل التغريبة الفلسطينية الآن، مَن سيتبنى إنتاجه؟ أي قناة ستعرضه؟ هل سيبقى جمهوره بنفس الزخم في تلك الفترة التي كانت؟

يموت المخرج عندما تموت أحلامه.. عندما يرى رواياته ونصوصه قد تُركت.. يموت المخرج عندما تموت الشخصيات التي رسمها.. عندما يُجهز على تلك الأحلام الكبيرة ويصبح الخائن شريفاً والشريف خائناً.

لا يمثل حاتم علي مجرد شخصية فنية عابرة… إنما يمثل “لمّة العائلة” حول المدفئة وهم يشاهدون مسلسلاً يمجد تاريخاً يصف بطلاً كان قد مر في زمن ما… يمثل علي حالة الإيمان بآلام الغير حتى لو تكن تعنيك بشكل مُباشر.. كيف تشردوا وتغربوا وعبروا كل “دروب الآلام” تلك..

كيف نعرف كل ذلك لولا حاتم علي؟

هذا كله انتهى الآن.. أصبحنا تعساء لدرجة أننا ننتظر رؤية القصة الكاذبة تُعرض دون أية دفاعات مُسبقة..

بانتظار الوغد الذي سيأتي ليستبدل التغريبة الفلسطينية بالتغريبة الصهيونية لتُعرض على منصة شاهد دوت نت. بانتظار من سيأتي ليقول أن صلاح الدين كان إرهابياً مستبداً فاغسلوا أيديكم منه.. بانتظار الأوغاد الذين سيأتون ليستبدلوا فتح الاندلس باحتلالها..

بانتظار الذين سيأتون في نهاية الزمان ليستبدلوا أحلامنا الصغيرة بأحلامنا الكبيرة..

لكن..

“أمن قلةٍ نحن يومئذٍ؟”.

“بل أنتم يومئذٍ كثير، لكنكم غثاء، كغثاء السيل”.

طوُيت صفحة جميلة من الدفء والتصالح مع الماضي التي كان يمثلها.. صفحة فيها رائحة الأندلس وصلابة سيف صلاح الدين مع قلوب ممزقة لأناس مهجرين من بيوت أجدادهم..

طُويت صفحة لها رائحة لا يمكن أن ننساها.

أما الآن لنفسح المجال لمَن هم بلا ذاكرة، لمن سقف مشاهداتهم هو مسلسل إسباني يتحدث عن أوغاد يسرقون بنك أو إنتاج ما من نتفليكس هدفه إثبات أن الجميع بلا هوية مُدجنين كالأغنام في حظيرة واحدة تعتريها المساواة والإنسانية الزائفة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة مع وفاة حاتم علي… الآن كل شيء ضاق.. وصلَ زمن الكوابيس الكبيرة والأحلام الصغيرة. زمن لا مكان لصلاح به. زمن نحن السيؤون فيه. زمن يُجرَّف فيه جيل كامل بأفلام ومسلسلات تائهة.

انتهى زمن الأحلام الكبيرة يا حاتم.. أما الآن فهو زمن الأوغاد.

التصنيفات
عام

معارك وهمية

حروب الهاشتاغ، لا تُشبه سوى معارك مِن ورق جنودها لا وجود لهم!
إذ يجعلنا الفيسبوك وتويتر نختصر مشاعرنا عن طريق التفاعل بضغطة زر هنا وتعليق هناك وأحببته لصورة صديق وأغضبني لصورة عدو! والفارق بين لحظة الحب وشرارة الغضب ما هو إلا «لمسة صغيرة» على شاشة الهاتف حتى يتغير المنشور وتنقلب معه المشاعر!
لكننا في الحقيقة، لم نحب ولم نكره ولم نغضب..
يُرضي الفيسبوك وتويتر وهاشتاغاتهم حِسّنا البشري بأننا نتضامن ونتحرّك لكننا في الواقع لا نفعل شيء…
ما الذي كسبه اللبنانيون بعد حدوث نكبتهم الأخيرة من ملايين القلوب واللايكات؟! كم أمّنت وآوت تعليقات الفيسبوك مِن مشردي السودان بعد فيضاناتهم؟!
لا شيء. لا شيء أبداً.
تعلمنا مواقع التواصل كيفيّة إختصار مشاعرنا واختزالها في ضغطات إلكترونية لا فائدة منها. لا فائدة لها سوى أنها تُرضي غرورنا الشخصي بأننا أخلاقيون، نحب الجميع ونتضامن مع الجميع ونقاطع الجميع وأننا لا نترك الآخرين وشأنهم.
لكننا في الحقيقة لا نفعل شيئاً. وإن فعلناه فهو لأنفسنا فقط…

التصنيفات
عام

إجابات أسئلة عبدالله الموسى | جائزة ليبستر

أن تكتب تدوينة وأنت تعلم مُسبقًا أن مَن سيقرأها هم مجموعة مِن المدونين والكتّاب الأفاضل، يفرض شعورًا غريباً من الهيبة لا بد من وجوده. تماماً كأنك مُدرس ومعلم صف يجد نفسه واقفاً قبالة مجموعة من الأساتذة وموجهي التربية كثي الشوارب مُحدبي الكروش، يجلسون أمامه بدلًا من الطلاب المُعتادين، يرمقونه بنظرات الشك والريبة. لكَ حينها أن تتخيل ما هو الشعور وكيف تفكر.

امتثالاً لمبادئ الجائزة، أودّ أن أشكر جميع الأساتذة الأفاضل الذين سبقوني في الكتابة والإجابة على الأسئلة، وكنت قد قرأت ما كتبه عبدالله وهادي وفرزت ويونس. كما أشكر مَن سيتبعني في هذه السلسلة ويجيب على الأسئلة اللاحقة مُكملًا المسير.

جائزة ليبستر هي جائزة يقدمها المدون لمدونين آخرين يهتم بمحتواهم، وتكون فرصة لقرائه كي يتعرفوا على تلك المدونات، لذلك هي ليست جائزة بالمعنى التقليدي الحرفي فلن يكون من ورائها مبلغ مبالي أو تمثال، وشروط الحصول عليها هي التالية:

1. شكر الشخص الذي رشحك ووضع رابط مدونته كي يتمكن الناس من الاطلاع عليها. [شكراً صديقي عبدالله، أتمنى أن تفتح تطبيق تلغرام كي ترى رسائلي الكثيرة التي فوّتها. أرجوك افتح تلغرام يا رجل :)].

2. الإجابة على الأسئلة المطروحة عليك من قبل المدوّن (تم).

3. رشح مدونين آخرين واطرح عليهم بعض الأسئلة (في الأسفل).

4. نبه المدونين الذين قمت بترشيحهم ليشاركوا (على تويتر).

5. اكتب قواعد المسابقة وضع شعارها في منشورك أو مدونتك (هنا).

السؤال الأول: كيف بدأت رحلتك التدوينية؟

أول احتكاك حقيقي مع التدوين كان في عام 2014 مع مقال اسمهُ تفاحات ثلاث غيرت البشرية. كنتُ حينها أشاهد مقطع فيديو يروي فيه صاحبه أن جُل التغيرات المهمة التي ضربت البشرية كانت ناتجة عن تفاحة. فها هو النبي آدم، وها هو نيوتن. تفاحةٌ حرمت الجنس البشري بكامله من الجنة. وأخرى علمته سر هبوط الأشياء نحو الأسفل.

فيما بعد رأيت خبراً عن ستيف جوبز وآبل وأن هذه «التفاحة» تغيّر البشرية وتكتسح العالم. فربط عقلي التفاحات الثلاث مع بعضها وكانت التدوينة الأولى على مجلة أراجيك.

السؤال الثاني: موقف جميل حصل معك مُرتبط بالتدوين، أو كان التدوين أحد أسبابه؟

عصرت مُخي لأقصى درجة لكن دون جدوى. لم أجد جواباً لهذا السؤال. لا يوجد هكذا مواقف قد حصلت.

السؤال الثالث: هل ساعدك التدوين في طريقة عرض أفكارك؟

حاول أن تفكّر بلون ما غير موجود في قائمة الألوان المعروفة. هل تستطيع؟ لا. حاول أن تفكر بفكرة ما بدون لغة أو كلمات. هل بالإمكان فعل ذلك؟ لا. لماذا؟ لأن اللغة أساساً هي واحدة التفكير. فلو كانت واحدة التوتر الكهربائي هي الفولط، فإن واحدة التفكير هي اللغة.

لدينا مثلاً المستطيل وهو رباعي الأضلاع، لدينا المربع وهو كسابقه، لدينا الدائرة، لدينا المثلث. لنفرض الآن لدينا شكل هندسي مكون من 50 ضلع! ما هي وجهة النظر تجاهه؟ عدم التعريف. سنقول عنه أنه مجرد شكل هندسي. لكن لماذا؟ -هنا مربط الفرس- لماذا هذا الشكل مجهول بالنسبة لنا؟ السبب هو أننا لا نملك في «لغتنا» وصفاً ومصطلحاً له كي يعرفه.

للأمر حتى أساس عصبي وليس مجرد نظرية معلقة في الهواء. لا يمكن للإنسان التفكير بدون لغة، بالتالي هي النافذة التي يطل مِن خلالها على باحات الفهم المختلفة. للتوضيح أكثر سأضرب مثالاً:

نطوّر المثال السابق ونتخيل أن طفلاً تعلم في مدرسته مذ كان صغيراً أن المثلث يملك 3 أضلاع والمربع والمستطيل أربعة والدائرة منحنية. وأن الشكل ذو الأضلاع الخمسين اسمه مثلاً: «شاكوش». حينها سيكون هذا الشكل عنده معتاداً ومألوفاً. لأن «لغته» قد وصفته بمصطلح، وبالتالي أصبح معرّفاً بالنسبة له.

نجيب الآن على السؤال، هل ساعدك التدوين في عرض أفكارك؟

نعم، بشكل كبير.

اللغة بشكلها الحر المخزن في الدماغ تكون فوضوية، اخضاعها وضبطها وتنسيقها يقوم التدوين بفعله على أكمل وجه. ولهذا نجد معظم المفكرين الكبار هم مؤلفين وكتّاب بالضرورة. نادرًا ما نجد مفكرًا لا يكتب، مفكر شفوي مثلاً!

ولو أردنا أخذ الموضوع لنطاق أكبر بكثير نقول:

لماذا أساساً لم يبدأ الإنسان بناء حضارته إلا عندما تعلم الكتابة؟ ماذا كان يفعل قبل ذلك؟

للتدوين أثر كبير جداً، الكتابة نفسها أطلقت شرارة حضارة الإنسان بشكل ما.

السؤال الرابع: هل لديك طقوس وروتين خاص في الكتابة؟

البساطة.

حينما يكون لدي شيء لأكتبه أفتح المدونة وأكتبه وأضع صورتي عندما كنت في الصف الأول كصورة بارزة لهُ كما في هذه التدوينة، عندما كنت أعقد «الفولار» تحت الجوزة كيلا تسقط للأسفل وتضيع.

وعندما ليس لدي شيء لأقوله لا أفعل. أعتقد أن الإجبار على انتاج شيء ما خصوصاً في مجال التدوين يُقلل من قيمة المحتوى الناتج أو على الأقل يُجهض من إبداعيته.

السؤال الخامس: تقييمك للمحتوى العربي على الانترنت اليوم بشكل عام.

غير مُلم بكامل المحتوى العربي، كما أني أعتقد أن الإجابة على مثل هكذا سؤال تتطلب وضع مخطط دقيق لمتى بدأ المحتوى يظهر وما هو تواتر دعمه والمجالات التي يغطيها ومن ثم نقيسها طبقاً للزمن والدعم الذي كان قد تلقاه. لذلك أرى الأمر صعباً نوعاً ما. خصوصاً أن علاقتي بهذا الوسط هو أن أكتب مقالاً وتدوينةً ثم أخرج. لذلك لا أعتقد أني أملك المفاتيح اللازمة لتقييم الصورة الكاملة.

لكن بشكل عام ودون دخول في تفاصيل كثيرة، أعتقد أن تعداد المواطنين الذي يقرؤون باللغة العربية حوالي 420 مليون. أكثر موقع يتم الدخول إليه -فرضاً- 50 مليون زيارة شهرياً، جُلها من محركات البحث.

عن أي محتوى نتحدث؟

الغالبية لا يقرأ. وإن قرأوا فهم يأتون من محركات البحث التي دائماً على غرام مع مواضيع (كيف أفعل كذا وكيف أفعل مذا).

السؤال السادس: ما هي آخر لعبة جربتها وما رأيك بها؟

أحب الألعاب الاستراتيجية التي تكون أنت فيها المتحكم العام والقائد الأعلى للجيش، هذه الألعاب تُرضي غرورنا الشخصي بحب السيطرة. كما في لعبة جينيرال زيرو أور، رغم أني لا ألعبها إلا قليلاً.

إضافةً لألعاب فلاش التي كانت موجودة في «السيديات» القديمة من إنتاج أفندي وصباهي، كانت تأتي في حزمة مع برامج أخرى كما في برامج المجموعة الرائدة، وكييف، والبرق 2 و3.

إنترو إقلاع البرق 3 كنت أراه معجزة بحد ذاته، وهو حاسوب يتلولب ويتحرك بشكل جميل ثم يبدأ العَرض.

أحب لعبة السمكة التي تأكل الأسماك Feeding Frenzy إضافةً للعبة فلاش باربي التي تكون شبه عارية وأنت تقوم بإلباسها، كانت متواجدة بقوة أيضاً تلك الأيام.

السؤال السابع: آخر كتاب قرأته وما رأيك به؟

ليس كتاب إنما مجلة. هذه صورتها.

اشتريتها من أحد البسطات الصغيرة متعددة المهام، حيث يبيع صاحبها البزر والبسكويت والطرابيش -إحدى أنواع «المخدرات الطعامية» المتواجدة بقوة في الفترة الأخيرة- ويقوم بتجليد الهويات الشخصية والبطاقات النقابية. ومن ضمن ما يعرضه قائمة الكتب والمجلات التي تصدر عن الهيئات الرسمية التي لا يشتريها أحد.

رأيي هو الحزن. عندما اقرأ هكذا مقالات ونصوص محكمة، وأرى أن أصحابها دكاترة ويحملون شهادات من موسكو وأماكن بعيدة. أقول بيني وبين نفسي لماذا لا يطورون هؤلاء الأفاضل من أنفسهم؟ لماذا لا يسجلون على الشبكة وينشؤون حسابات وينشرون هكذا عناوين رصينة هنا؟

صدقاً أخجل من نفسي. عندما أرى هكذا كتابات تدفن في مجلات لا يقرأها أحد.

***

هذا كان كل ما في جعبتي، آمل ألا أكون قد أطلت حد الملل، ولا أوجزت حد الخلل. كل الشكر لقراءتكم ولهذه الجائزة وأصحاب فكرتها.

أما ترشيحاتي للجائزة، فهم الأفاضل التاليين: محمد حبشمحمد بعيو.

وهذه هي الأسئلة:

1. كيف بدأت رحلتك في عالم الكتابة والتدوين؟ هل أنت نادم؟

2. نصيحة -غير سرية- اكتشفتها في عالم الكتابة وكانت قد أفادتك خلال الرحلة؟

3. ما رأيك في التدوين باللغة الإنجليزية؟

4. ما رأيك في الترجمة بشكل عام؟ هل كل مُترجم هو مدوّن بالضرورة؟

5. هل تحب الكتابة والتدوين وترى فيها نشاطاً مُحبباً، أم مجرد روتين يومي أصبح لزاماً عليك ممارسته بحكم ظروف معينة؟

التصنيفات
عام

براءة ذمة هرمونية

براءة ذمة هرمونية

الاستشهاد بهرمون «التستوستيرون» للقول أنّ الرجل عنيف بطبيعته وعدواني بشكل عام هو تمامًا كاقتناص آية: «ويل للمصلين» مِن مكانها.

عام 2016، قام الباحث الفرنسي «Jean-Claude Dreher» في مركز ليون للدراسات بتجربة على عينة مِن الذكور لاستقصاء مدى تأثير هرمون التستوستيرون في ردود أفعالهم. قسّمَ المجموعة لجزئين، الأوّل أعطيَ حقنة تستوستيرون إضافيّة أما الآخر لم يُعطى شيء.

بعدها تم قياس ردود الأفعال مِن خلال وضع مبلغ مِن المال بجانبهم والطلب منهم اتخاذ إجراء (إما أن يعطوا المال كجائزة، أو يحرموه كعقاب) بناءً على قصة تعرض أمامهم لشخص آخر.

كانت النتيجة أن الذكور المحقونين بجرعات إضافية مِن الهرمون أبدوا ردة فعل أعنف ولم يعطوا المال بعكس الذكور غير المحقونين بجرعات إضافية مِن التستوستيرون.

إذاً، الذكور أصحاب التستوستيرون الأعلى عنيفين وعدوانين؟

لا. هنا يتم اقتناص الدراسات والأبحاث لصالح توجهات وأيديولوجيات بعينها.

أظهرت الدراسة أن الذكور -المحقونين بالتستوستيرون أيضًا- أبدوا ردود فعل بإعطاء المال أكثر في حال كانت القصة التي تُعرض عليهم تستحق الثناء. بمعنى أن زيادة الهرمون في أجسامهم لم تساهم فقط في العدوانية إنما ساهمت أيضاً في فيض المكافئة في حال القيام بفعل حميد. أي أن التستوستيرون لا يسبب العنف إنما «المبالغة والتطرّف» سواءً المبالغة السلبيّة كعقاب وأذى، أو مبالغة إيجابية كمنح المال والتقدير.

لذلك عندما نضع هذه المبالغة ضمن سياقها الكامل دون اجتزاء نخرج بالاستنتاج التالي؛ يميل الذكور أصحاب التستوستيرون العالي للتطرّف بالفعل وهذا يترتب عليه:

أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة بالأذى) وبالتالي الأكثر عنفًا وغالبية نزلاء السجون والمجرمين هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مبالغة في التفكير المجرّد) لذلك نرى أن أكثر الفلاسفة هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة في الاندفاع والتضحية بالنفس والموت) وبالتالي يكون 97% مِن ضحايا الحروب وجنودها هم ذكور (صحيح). أن يكون الذكور أكثر (مُبالغة بالقيام بالفعل) وبالتالي تكون نسبة الانتحار عند الذكور 4 أضعاف من الإناث على الرغم مِن أن نسبة الاكتئاب تكون أكبر عند الإناث.

الفكرة ليست في أن الذكر عنيف، إنما أنه مُبالغ متطرف. سواءً تطرف إيجابي أو تطرف سلبي. مع الأخذ بعين الاعتبار أن هذا التطرّف لدى الحالات المحقونة بهرمون إضافي وليس الحالات العادية. الدراسة أجريت بين عينة ذكور وذكور آخرين. ليس ذكور وإناث!

لنفهم القصة أكثر، ننظر لمنحنى غاوس كما في الصورة البارزة للتدوينة.

السواد الأعظم مِن الناس -ذكور وإناث- يقعون ضمن وسط المنحنى، لا تظهر التباينات إلا عند تفلطح المنحنى في الجوانب (ما بعد الـ +3 وما قبل الـ -3) بلغة أسهل: قامت الدارسة بحقن «جرعة إضافية» مِن التستوستيرون بالتالي هي جرعة غير طبيعية. غالبية الذكور في الطبيعة هم عاديي التستوستيرون لذلك الحالة المتطرفة (المجرم العنيف / الفيلسوف رثّ الهيئة) هي الشاذة عند تسطّح المنحنى مِن الجوانب وليس الحالة العامة السائدة.

فالقول أنّ الذكر أداة قتل بيولوجية ادعاء خاطئ لأن الدراسة أجرت المقارنة بين ذكور وذكور آخرين. التطرّف كان لدى المحقونين بكمية غير طبيعية أصلًا. مِن السذاجة أن يتم أخذ نتيجة عينة غير طبيعية وتعميمها على جنس كامل. ثم يُقال: الذكر عنيف بطبعه.

لذلك عندما يتم إسقاط هذه الفكرة على ظاهرة سائدة بشكل كبير في المجتمع كالتحرش، لا يمكن أن نختصر الأمر على أن «طبيعة الذكر هكذا» لأن أساسًا ارتفاع نسبة الهرمون مقصورة على حالات ضئيلة بينما التحرش أمر سائد جداً. اللهم إلا إن كنا نعتقد أن 90% مِن حالات التحرش في المجتمع يقوم بها 0.5% مِن الذكور فائري الهرمونات، وهذا طبعًا منطق خاطئ في الاستدلال.

هكذا ظواهر سببها الجوهري ثقافي لا بيولوجي. لأن مَن يقوم بها نفسه في الوطن العربي على سبيل المثال عندما يذهب للنرويج ويرى ثقافة أخرى بعقاب آخر يُلجم عن فعلهِ.

فكرة الاعتماد على بيولوجيا الإنسان لتبرير تصرفاته عفا عليها الزمن، لأن آبراهام ماسلو عندما وضع هرم الاحتياجات لم يضع في قاعدته سوى الطعام والشراب والتنفس… الخ مِن الأساسيات التي بدونها يموت الكائن. نعم، هذه لا يتخلى عنها الإنسان. أما القول أنّ الذكر عنيف بطبعه لأن بيولوجيّته تهيّئه لذلك، تماماً كالقول أنّ الأنثى لا تصلح لمجالات الـ STEM لأن ميولها النفسية والبيولوجية لا تهيئها لذلك!

بلغة أقل دبلوماسيةً: مُجرد التسليم بأن الذكر هو ذئب وكائن عنيف وأداة قتل بيولوجية هذا يعني التسليم على الجانب المقابل أن الأنثى مجرد «مَفرخة» للأطفال لا أكثر.

الإنسان كائن عاقل، عقل في اللغة العربية تعني «المُحدد» لذلك يُقال في الخليج عما يوضع حول رؤوسهم «عِقال» لأنه يقوم بتحديد الرأس وإحاطته. يمتلك الإنسان عقل يمكّنه مِن تحديد غرائزه وتصريفها بشكل سلس مُتسق. فحتى لو البيولوجيا تهيئ الكائن لفعل شيء ما بعينه هذا ليس مبررًا إطلاقًا لأن العقل موجود في الجسم، ولأنه يستهلك ربع موارد الأوكسجين الواردة إلى الإنسان.

أن نقوم بالسلوك اعتمادًا فقط على ما تمليه علينا كيمياء أجسامنا فهذا ارتداد كبير نحو الأصول الحيوانية، وإهمال لمركز محاكمة مهم جدًا في جسم الإنسان يُطلق عليه لقب الدماغ.

وإن أردنا ترك ملاحظة أخيرة قبل أن ننهي، فهي التذكير بأنّ الحضارة والمدنيّة بكاملها تعتبر تطرّف فكري. لذلك قال الهراري في كتابه العاقل: «التاريخ الحضري أمر محدود جدًا قام به ثلة من الناس بينما كانت الغالبية الساحقة تحمل قدور الماء وتنقلها». بمعنى أن الحضارة هي صناعة مَن هم بعد الـ +3 على المنحنى. الحضارة هي نتاج المتطرفين فكريًا، لأن الحالة الطبيعية للإنسان أن يسرح في الطبيعة مُلبيًا غرائزه الأوليّة فقط.

اقرأ أيضاً: لو كان هناك إهانة للمرأة فهي هذه الصورة!

التصنيفات
عام

بعد 1442 عام مِن الهجرة

لم يتغير الكثير… مازلنا نعيش على نفس الخريطة في البقعة ذاتها. نرتدي نفس الملابس ونحتر تحت أشعة شمسنا القديمة على ظلال الرمال التي لم تتحرك منذ تلك الفترة. لم تتغير الكثير مِن الأشياء، ما زال كل شيء جاهليًا رغم بعض التغييرات التي حدثت. هناك واي فاي وإنترنت وأمازون ويوتيوب لكن الروح جاهلية؛ فهي لم تهاجر بل ثبتت في مكانها. بقيت ساكنةً كما تركناها قبل 1442 سنة مِن الآن.

هاجر الجسد، لكن مَا سكن الجسد لم يتحرّك قط… هاجر النبي وحده، أما نحن فقد بقينا مكاننا، لم نخرج مِن مكّة بعد…

شكّلت المدينة مُمثلةً بالعالم الآخر والفرصة الثانية، أملاً في البداية مِن جديد، أملاً في الاقناع، أملاً في أن تنجح هناك. إذ غالباً تأتي الهجرة بمنافع كونها أمر طبيعي، فالطيور تهاجر سنوياً وحسب الفصول. ولعلَ لنا فيما تفعله قدوةً بعدم التعلّق المبالغ به بالمكان والعشّ الذي نقطنه. فالطيور تترك عقاراتها ودكاكينها ولا تبقى. ترى في أي مكان يتواجد رزقها فتطير إليه. بهذه البساطة. ومِن ثم تعود حينما يتحسن المناخ ويعتدل الطقس.

المشكلة أن هجرة الإنسان ثقيلة، الإنسان كائن مكّبل جدًا، مليء بالأقفال. يحتاج إلى الكثير مِن الرسميات حتى يعبر. وإلى أين؟ في كثير من الأحيان ستجد ملاذه الجديد مجهولاً. هجرة بلا وجهة. هجرة إنسان يهرب مِن الموطن لا إنسان يقصد المُرتحل. كمن يركب قطارًا حتى يخرج مِن الحي، وليس ليصل إلى محطة ما.

لم يهاجر إنساننا قبل 1442 سنة ولم يهاجر اليوم. دائمًا كان يقع في الخطأ نفسه، أنه يحب المكان، يتعلّق به. المكان الذي يرفضه كثير مِن الأحيان. لكن ذلك التشبث المؤذي كما في العلاقات السامة لم يسمح له أبدًا. تلك الطبيعة العاطفية التي ميّزت إنساننا الرملي الذي لطالما وقفَ على أطلال أماكنه حتى بعد دمارها.

دائماً لم يستطع، منذ بداية نشأته وإلى الآن. كان يحب المكان. يحب الأطلال. يحب هذه الديار… حتى لو تركته تلك المحبوبة الخيالية التي كان يُجبر في مقدمة أشعاره أن يكتب عنها إلا أنه لم يستطع إلا أن يقف على أطلالها، أن يبدأ بها المعلقة وأن يُنهي بها كل القوافي..

قد لا تكون بلادنا أجمل البلاد، لأن هناك بالتأكيد بلدانًا أجمل، ولكن في الأماكن الأخرى أنت غريب وزائد، أما هنا، إن كل ما تفعله ينبع من القلب ويصب في قلوب الآخرين، وهذا الذي يقيم العلاقة بينك وبين كل ما حولك، لأن كل شيء هنا لك، التفاصيل الصغيرة التي تجعل الانسان يحس بالانتماء والارتباط والتواصل. – عبدالرحمن منيف

لو أردنا نقد كلام المنيف هنا فسيكون بالتفريق بين مفهوم الارتباط والانتماء وبين مفهوم التكبيل. هناك فرق بين أن تحب الانتماء وأن تُجبر على الانتماء لأنك مُكبل بأقفال تمنعك مِن السفر، وجوازات لا تُختم على شبابيك المطارات، وسفارات كانت قد أغلقت أبوابها، ونظرات دونية لك يا قاطن العالم الثالث بني اللون. هذه البلاد جميلة وتغوي ساكنها ليحبها فعلاً، لكن أليس مِن الحب ما قتل؟

لو نظرنا بعين فاحصة في حضارات التاريخ لوجدنا أنها غير قابلة للتكرار أبداً. بمعنى أنها تأتي لمرة واحد ثم ترحل، لذلك دائمًا ما يتم تشبيه الحضارة بأنها كالعجوز التي تحمل حقائباً، في كل فترة زمنية تجلس في مكان ثم تمضي. وهكذا هي حضاراتنا البشرية. لا تموت، إنما تنتقل مِن مكان لآخر، والأهم من هذا أنها لا تكرر مكان جلوسها مرتين.

أين هي الحضارة اليونانية؟ انتهت. أين هي الحضارة الفرعونية؟ انتهت. أين هي الحضارة العربية الإسلامية؟ انتهت. أين هي الحضارة الفارسية؟ غادرت منذ زمن طويل. ولم تتكرر أي واحدة منهم ولن تتكرر.

سبب ذلك أن المؤسسون الأوائل كانوا يملكون شيء يمكن تسميته بنشوة الأمل. نشوة البداية الجديدة. نشوة الهجرة. لذلك كان يؤسسون، ولذلك كانوا يفتحون بما يفعلونه آفاقًا جديدة. أما الآن فقد أصبحت هذه الحضارات عبئًا على أصحابها، فتجد مَن يؤمن بها يريد استرجاعها مِن باب الواجب وحفظ ماء الوجه أمام صفحات التاريخ وليس لأنه يملك أملاً بها. ليس لأنه يريد أن يهاجر.

يا مَن تسافر عبر الزمن لتقفز 1442 سنة إلى الأمام فتجد نفسك في عالمنا اليوم غريباً، أريد أن أخبرك أننا ما زلنا في مكاننا. لم يهاجر أحد منا. مازلنا في نفس المكان. على ذات الأطلال، ننشد أشعارًا على مساكن لم تعد موجودة وآثار عجوز تحمل حقائبها كانت قد جلست ها هنا. يا مَن يسافر عبر الزمن نحن لم نهاجر. هاجر الجميع ولم نهاجر نحن.

لو هناك أمنية صغيرة أتوق لحدوثها بحق ستكون إمكانية أن يمتلك الإنسان قدرة على رؤية الأزمنة بعد وفاته. أن ترى ماذا سيحدث بعد 1000 سنة أو قبل ذلك. أن تسافر روحك عبر الزمن لتنتقل وترى ماذا جرى. كيف تغير المكان وساكنيه؟

نحن، أنا وأنتِ وهو وهم. مسجونون في نطاق زمني لن يتعدى عام 2100 في أقصى حالاته. لن نرى ما سيحدث في 2220 ولا 2340 ولا 2500 ولا حتى 3020. ولن نرى قطعاً ما هو قبل بل سمعنا به. لذلك أعتقد أنه مِن اللطيف جدًا أن يحوز الإنسان هذه الإمكانية؛ رؤية كيف سار المسار ومشت الطرقات على حيوات سائريها في النهاية. ماذا جرى وماذا حدث؟ هل هاجروا أم بقوا في أماكنهم؟

لكن هذا ليس بين أيدينا، وليس بالإمكان شراء الأمنيات بمجرّد تخيلها. ما بين أيدينا هو الآن و1442 عام مِن الهجرة التي لم نفعلها نحن. إنما بقينا في نفس النقطة. مازلنا واقفين. أصبحنا غرباء، كالمتسول في صالة سينما فاخرة بعد انتهاء العرض.

لربما كان البقاء مقصوداً، إنها المكوّنات الجوهرية في دماء مَن يسكنون هنا، الوقوف على الطلل. أن يرى المكان متهدماً فينشد شعرًا يرثي حاله وهو يجلس في ركن بيت لم يعد له وجود. لم يكن عدم الهجرة خسارةً ولا جبناً. كان عادةً. كان تقليدًا. كان دفاعاً عن ذاكرتنا الجمعية.

هاجر نبينا والجميع لكننا نحن بقينا في مكاننا. لا زلنا نعيش جاهليتنا لكن مع كهرباء وواي فاي ويوتيوب ومصحات العلاج النفسي.

الآن بعد 1442 عام من ذلك الحدث. بقينا وحدنا تحت تلك الشمس تحيط بنا الرمال من كل الجوانب. لا شيء سوى طلل يرثي حالنا ونرثي لحاله.

هاجر النبي وحده، أما نحن فقد بقينا…

التصنيفات
عام

الكذبة التي نعيشها

يوجد ترجمة عربية داخل الفيديو، شغلها قبل أن تبدأ المشاهدة.