التصنيفات
عام

في حياة موازية

لطالما كنت أؤمن أن الإنسان وكل الأشياء الأخرى قائمة على الثنائيات. لو تأملنا في الحياة قليلاً، لوجدنا فيها الخير والشر، الجميل والقبيح، الحلو والمر، الطويل والقصير، القريب والبعيد، الدافئ والبارد، مَن يحب ومَن يكره. إذ ستمرّ على ديمومة شبه كاملة مِن ثنائيات تتصارع، أحيانًا بعنف وأحيانًا أخرى بلين، لا يغلب بعضها بعضاً، بقدر ما تمنح المعاني للقصص التي نرويها لأنفسنا مواساةً أو عزاءًا.

وإن أردنا أخذ المقارنة لمستوى بعيد فحتى الفلسفات العدمية تُقر بهذه الثنائية وتصرّح أن الوجود ما هو إلا حالة ابتكرها العدم كي يفهم نفسه ويَعيها.

الإنسان بشكل ما، يخضع لهذه الثنائيات أيضاً. تأمّل فيه جيدًا وستجد لديه دماغ واحد لكنه مؤلّف من نصفي كرتين مُخيتين. تأمل في وجهه وسترى عينان. تأمل في ذراعيه ستجدهم اثنتان. تأمل في رئتيه، تراها ثنائية. تأمل في قلبه، مضخة الدم مُسببة المشاكل على الدوام. ستجده مؤلفًا مِن بطينين وأذينتين. حتى قلبه وعقله الواحد ككل، إلا أنهما أيضاً قائمان على التثنية، يحتويانها على الرغم من أنهم لا يمثلانها بشكل عام.

أعتقد أنه لا يوجد إنسان ذكر وإنسان أنثى. نعم، هناك كائن حالته العضوية البيولوجية ذكر أو أنثى، هذا شيء واقع يهمه في خطته المستقبلية إن أراد التكاثر. لكن فكّر أبعد من ذلك، أنت، أنا، هي، هم. جميعنا نمتلك نفس الصيغة، جميعنا أتينا من نصف أنثوي ونصف ذكري. أي أننا بشكل ما نحوي الاثنان بداخلنا على الرغم من حالتنا العضوية الظاهرة، إلا أن تكويننا يدخل في تركيبه جزءان متساويان تماماً، جزء ذكري وآخر أنثوي.

جميعنا بداخله أنثى وذكر معاً، إلا أن النسب الهرمونية هي مَن تختلف في سبيل تحقيق الهدف العضوي التكاثري للإنسان. عندها إما ترتفع هرمونات البروجسترون وشقيقه الآخر فتكون الحالة العضوية أنثى. أو أن تنخفض الهرمونات الأنثوية وترتفع الذكورية (التستوستيرون) فنجد أن عضويّة الكائن غدت ذكراً قادراً على التكاثر والإنجاب.

لكن لو عدنا للأصل المكّون فهو واحد، ذكر وأنثى معاً. داخلنا الاثنان جنباً إلى جنب، التعبير العضوي هو مجرد وسيلة تكاثرية فقط، آلية القفل والمفتاح التي لطالما شُرحت لنا. فلكل شيء يجب أن يكون نقيض مُعاكس إلا أن هذا لا يعني التضاد. مثل القلب تماماً. بطين أيمن وآخر أيسر إلا أنهما كلاهما القلب نفسه.

فكّرت الأساطير الإغريقية القديمة بهذا الموضوع وقالت أنّ الإنسان عندما خلقه زيوس كبير آلهة الأولمب كان ذو شكل مزدوج، رجل وامرأة ملصقان مع بعضهما. 8 أطراف ورأسين. إلا أن هذا الكائن قد عصى الإله زيوس وطغى في الأرض فسادا، فعاقبه بأن قسمه إلى نصفين، ذكر وأنثى مُستقلين. ويكون بشكل ما، هدف الحياة لهذا الكائن أن يلتقي بنصفه الآخر ويعيد الاندماج معهُ.

ربما شعرَ الإغريق بذلك الأمر لكنهم لم يستطيعوا ضبطه بشكل دقيق، فألفوا حينها القصص والحكايا. إلا أنها تبقى تدور في الحدس نفسه. كائن واحد رغم تضاد ثنائيتاه. ودائماً ما يسعى نصف الثنائية الأول لإيجاد نقيضه الآخر التائه.

مِن جانب آخر، أحد الثنائيات المُتواجدة بقوّة على الساحة هي ثنائية المعنى والعدم، السعادة والألم. ولعل هذه المُتناقضات تلخص مَسعى الإنسان بكامله منذ رفع رأسه منتصباً نحو السماء بعد سني طويلة من الانبطاح، ليفكر حينها بكل شيء يقرّبه من السعادة ويجنبه الألم. كل ما يُعطيه المعنى ويشغله عن فراغ العدم. إذ تدور دراما الكائن العاقل كلها حول هذه النقطة.

إلا أنه بإمكاننا القول أنّ السؤال عن المعنى هو سؤال خاطئ لا بد من التوقف عن طرحه. مَن يقول ما معنى الحياة شبيه بمن يقول ما معنى فرشاة الأسنان أو معنى جهاز تخطيط ضربات القلب. لا يمكن أن تسأل بما معنى، لأن السؤال نفسه ملغوم ومشحون. فعندما تسأل «ما معنى» فأنت مُسبقاً تفترض وجود معنى. وهذا غير مُتسق. لا معنى لفرشاة الأسنان إنما لها «وظيفة» تؤديها مِن وجهة نظر مراقب خارجي. بينما بالنسبة للفرشاة نفسها، فلا أستطيع أن أقول إلا أنها تتكيف وفق قوانين التراكم الطبيعي لتمنح نفسها قصة سعيدة تعطيها معنى للوظيفة التي تؤديها ليس إلا.

ولندقق هنا قليلاً على كلمة سعادة لأنها كلمة صعبة الضبط وضبابية إلى حد بالغ. قل لي الآن أو عرّف المصطلح، ما هي السعادة؟ الضحك. بإمكاننا أن نضحك في اليوم عشرات المرات والقلب يقطر دماً، لا علاقة لها بالضحك. إذاً ماذا؟ قد يندهش البعض لمعرفة أن السعادة لفظة ومفهوم فلسفي تتعلق بعيش حياة الفضيلة والمعرفة كما عرفها سقراط، تلك الحياة «اليودايمونيّة Eudaimonia». السعادة مفهوم فلسفي أقرب ما يكون للمثال. أما أبعد ما يمكن للإنسان أن يُقارب بهِ السعادة هو مفهوم المتعة، والتي ما هي روابط عصبية ونواقل كيميائية هنا وهناك. والتي غالباً ما تكون ذات تأثير قصير الأمد غير طويل الدوام. لذلك مَسعى الإنسان مع السعادة صراع أبدي، ولعلَه لن ينتصر فيه يوماً، والسعيد بشكل ما هو مَن لم يفكر فيه مُعتقدًا أن المتعة الافتراضية الممنوحة له هي نفسها السعادة.

لذلك قال نيتشه أحد الجمل المركّزة في وصف الحياة:

«لا تُمنح الحياة سوى قيمة جمالية»

بمعنى أن القيمة الوحيدة التي بإمكانك أن تراها هي الجمال. عدا ذلك كله نسبي وغير مطلق ومجرد محاولات واهنة للتبرير. لطالما كنت أقف مندهشاً أمام توجهات الناس التي تسبب الصراع، لا سيما تلك السياسية والدينية على وجه الدقة. مثلاً ترى إنسان على رأي وتوجه معين ينتف رأس الآخر المخالف له. يا رجل! أمن كل عقلك تفعل هذا؟! كلاكما بالنسبة للمراقب الخارجي بنفس مستوى التقوقع. إذ يرى كلاكما أنّ الآخر هو الأخرق الذي لا يفهم. كلاكما متعصب للمنطقة و«المحور» الذي تنتميان إليه. ولأزيد من معلوماتكم، كلاكما أبناء البيئة والتنشئة، بمعنى لو كنت أنت محله وبنفس نشوئه وتعليمه وأسرته وما تعرّض له نفسياً من أذى لكوّنت نفس موقفه. ولو كان هو مكانك بنفس مستواك التعليمي والاجتماعي… الخ، لكوّن نفس رأيك.

«أبرز علامات الخداع ألا تعلم أنك مخدوع وتعتقد أنك مُحق بالمطلق، لأن المحق الحقيقي دائمًا يضع هامشاً للخطأ ولا يعتقد بالفوز التام، بل بالترجيح».

ثمّ يعتقد الجميع ببؤس مؤلم أنهم هم يكوّنون أفكارهم وآرائهم. يا صديقي أنت ابن البيئة والمنطقة والمدينة والحالة الاجتماعية التي أنت فيها. لذلك نجد على طول التاريخ تقريباً أن الفقير يكون ثورياً شرساً بينما الغني المترف مع الحكومات. نعم هناك اختلافات وشذوذات لكنها صغيرة لا تعارض الخط العام. لذلك لا تتمسك بآرائك كثيراً فهي ليست آرائك، بل أنت رأي لها.

«عندما كان يُسأل فيلسوف المنطق بيرتراند راسل عن رأيه في مسألة ما. يقول للسائل هل تريد رأيي اليوم أم البارحة أم غدا؟! في كناية وسخرية من أن الإنسان يغيّر مواقفه على الدوام تبعاً لزاوية النظر التي يرى منها وثقب الباب الذي يُطل على العالم مِن خلاله».

نفس الأمر مع المواضيع الأخلاقية، فما تعتقده أخلاقياً هنا قد يكون الشر عينه في مكان آخر. عدا طبعاً الأخلاقيات البيولوجية التي تحافظ على النوع البشري بشكل عام من نمط: (لا تقتل لأنها تضر بالنوع ككل. أو مثلاً لا تمارس الجنس بدون زواج لأنها ستؤدي مثلاً لأولاد بلا عوائل وبالتالي تفكيك الأسر التي تعتبر لبنة قيام مجتمع الإنسان.. الخ). أما الأخلاقيات الأخرى فجميعها نسبية. ولا يمكنك إلا أن تُشده بمَن يعتقد أن أخلاقياته عابرة للزمان والمكان. أي عبور هذا يا عزيزي؟ الأخلاقيات مفهوم نسبي. يكفي لتدرك ذلك معرفة أن التجديف بحق الإله رع أيام الفراعنة كان أكبر إهانة وقلة أخلاق، أين رع الآن وأين مَن يبتعونه؟ انتهى. لقد كان مفهوماً نسبياً وفقاً للنظام الخيالي الذي أتفق عليه الجميع تلك الفترة كما يقول يوفال هراري. انتهت القصة كلها ولم يبقَ منها سوى تاريخ بسيط يذكر في الكتب من باب التنويه ليس إلا. ولعل الأفن قد يكون في أحد تعاريفه هو الاعتقاد بالاطلاقية على وجهات نظر نسبية واضحة.

«متى يتوقف الإيمان بكيان معيّن؟ عندما ينصرف المؤمنون عن تلاوة قصته. مايزال رع موجودًا كما بعل وزيوس وغيرهم، إلا أن المؤمنين بهم قد انصرفوا عنهم فاندثرت قصتهم واضمحلت».

التصنيفات
عام

بخصوص سارة حجازي

مثل الكثيرين الذين لا ندري أخبارهم إلا عندما يرحلون لم اسمع بسارة حجازي إلا لحظة وفاتها، كحالة ريم البنا مثلًا، لم أعرفها وأعرف أنها عانت من السرطان لفترة طويلة سوى في اليوم الذي ماتت فيه. ولعلَ هذا ما تفعله بنا الميديا الجديدة بشكل عام، إذ تظهر لك تريندات قد لا تكون في سياق حياتك إلا أن شهرتها والجدل حولها يفرض عليك رؤيتها. لأجل هذا لا يحق لي أن أتحدث عن سارة كشخص بل سأتحدث عما حولها بشكل عام.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أحترمه أيضًا. سارة ومن قبلها إسراء غريب وجورج فلويد وكثر يسقطون يوميًا أفرادًا أو في حوادث موت جماعية تُرى على الشاشات تحت أسباب عديدة. خدّرت كل هذه الوقائع شعورًا عميقًا في التعاطف لا أعرف لماذا. أصبح الأمر لا يتعدَ كونه خبرًا يُعرض أمامنا ثم نشارك في الهاشتاغات ونتضامن ونغيّر الصور الشخصية، ويتصارع الناس في التعليقات ويضحكون على تعليقات المُعارضين ويتعاطفون مع المؤيدين، ثم يُنسى كل شيء. أصبح الموت حدثًا رتيبًا، حدثًا تشاهده في الصفحة الرئيسية على فيسبوك فتتعاطف معه لمدة 2 ثانية ثم تنتقل للمنشور القادم الذي غالبًا سيكون نكتةً ما مُضحكة، ولربما من بعدها تضع قلب لصورة صديقك وصديقتك الشخصية. وكل شيء يمضي…

ثمّ أني أرى أن هناك جمالية في الموت تكمن في الموت الهادئ، بمعنى أن يرحل الإنسان بصمت بدون إحداث أي جلبة. هذا الوجود الصاخب بالكلام والقيل والقال شكل من أشكال العبودية، ولعلَ الطريق الوحيدة نحو الخلاص تكمن في أن ينساك الجميع، في أن يغيب ذكرك وتنعم بالهدوء الأبدي، كما قال محمود درويش في قصيدته: «فأشهدُ أنني حيٌ وحرٌ حين أنسى».

للبعض حقٌ في النسيان، حقٌ في الذبول غير الفوضوي. لذلك أرى في بعض الحوادث شيء أقرب ما يمكن تسميته للـ «التسويق بالموت».

خصوصًا أن هناك الملايين يسقطون هنا وهناك كل يوم، تخيلوا أن 1.5 مليون إنسان سنويًا يموت بسبب الجوع في هذا الكون المُنضبط بدقة لأجلنا. هل تعرف اسم أحدهم؟ هل تدري عنهم شيئًا؟ عن أحلام ذلك الطفل الصغير؟ لا، هم يرحلون بصمت. حتى رفاهية التسويق لأنفسهم لا يملكونها. هم يمضون بهدوء، ينزون كالبالونات التي تعلو نحو السماء وسرعان ما تغيب بين الغيوم.

«أصبحت المعاني التي بين أيدينا رديئة لدرجة لا يمكن تصورها. هل تريد رؤية توجهك الفكري؟ إذًا اذهب للصفحة الشبيهة بمعتقداتك واعمل لها اعجاب وشارك محتواها واكتب التعليقات التي تحصد عشرات أفعال الاعجاب. هل تريد توجه مُعادي لك؟ اذهب إلى صفحتهم واترك تعليقًا وستجد عشرات ردات فعل الضحك تنهال عليك، وهكذا. الجميع متقوقع في جماعته وصفحاته وجحور عقائده، بغض النظر عمَن محق ومَن مخطئ، إلا أنهم مجرّد شحنات إيجابية وسلبية تتعارك، فلا يكون الناتج سوى الفناء معًا».

عبدالرحمن! ماذا؟ ماتت إسراء غريب تعال لنتضامن. عبدالرحمن! ماذا؟ مات جورج فلويد تعال لنشارك بهاشتاغ حياة السود تهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مجموعة من الناس المعارضين لنا، تعال نضحك عليهم. عبدالرحمن! ماذا؟ مات مجموعة من أقربائنا من نفس المنهج، تعال لنحزن عليهم ونندب ونلطم. وهلم جرًا على مثيل هذا التكرار. فبالرغم من أن حالات التضامن قد زادت بسبب سهولة التواصل السائدة إلا أن المعنى قد فقد روحه وابتذل إلى أقصى الدرجات.

لم أعد أفهم الموت، لم أعد أرى له تأثيرًا كما السابق. سواءً كان الذي يموت معي أو ضدي. سواءً كان أقرب أقربائي أو ألد أعدائي. أصبح الموت حدثًا عابرًا. عابرًا جدًا. عابرًا لدرجة قد تستوقف نفسك قليلًا وتتساءل: هل هو الذي أصبح عابرًا، أم أنت نفسك قد تغيرت لتصبح عابرًا؟

ولعله من عدالة هذه الحياة أننا جميعًا ماضين إليه بشكل أو بآخر، هل تعلم ما هو الشيء المميز في عام 2100؟ أننا -في أحسن الأحوال والتقديرات- سنكون أنا وأنت وهم جميعًا قد تبخرنا ومتنا، جميعنا قد رحل ولم يبقَ هناك شيء سوى السكون، إذ سحبت علينا الذكرى ذيول النسيان وتركتنا.

أما بالنسبة لسارة فحالتها ليست جديدة، هناك حالة أهم منها أيضًا بسبب إنجازاته، وهو العبقري عالم الحواسيب آلان تورينغ الذي أنقص من مدة الحرب العالمية سنوات عدّة بسبب كسره لشيفرة الإينجما النازية. ما الذي حدث به؟ مات بسبب تداعيات علاجه للمثلية كونه كان مثليًا أيضًا في بريطانيا التي كانت قوانينها تلك الفترة تمنع ذلك.

صدقوني أنا تعبت، تعبت من التضامن، مللت من هذا التكرار الساخر للأحداث، مللت من فرص التسويق للبعض لمجرد أنهم يعيشون الآن في عصر الميديا بينما آخرين لا يدري عنهم أحد شيئًا. أصبحت حوادث الموت في هذا العالم بلا قيمة موضوعيّة. إذ لا تكسب قيمتها بالنسبة لأصحابها سوى إن كان الميت من نفس الميول والصنف والجنس. أما المخالف فليمت ويحترق ويفنى، لذلك فقدَ الموت معناه وأصبح حالة كبيرة من السخرية. مَن هو أشر أشرار العالم الحاليين الآن بالنسبة لك؟ حتى لو يمت غدًا لم يعد لموته معنى.

هذا العالم بلغ أوجه في مدى تسخيف كل المعاني، لدرجة أننا أصبحنا عابرين حول كل شيء.

التصنيفات
عام

نازيّة الحواضن الاجتماعية

لم يعد البعض مِن مقدمي المحتوى على يوتيوب وفيسبوك وأشباههم يملكون مُجرد متابعين أو روّاد لما يصنعون، إنما أصبح هناك نوع من الحواضن الاجتماعية العنيفة. حالة أشبه بأدولف هتلر ومن حوله جيش نازي يتلقى الأوامر (المحتوى) بدون أن يُسائل أو يناقش. فقط تلقَ ونفذ بدون أي مجادلات. فغدت حينها مواقع التواصل الجديدة تلك ساحة لصناعة حركات نازية جديدة يقودها أفراد لا يملكون متابعين Followers فقط، إنما يوجّهون آلات إعجاب وتعليق وشن بلاغات على المخالفين. مُتعدين بذلك مرحلة المؤثرين، غادينَ أقرب ما يكونوا للمسيطرين أنصاف الآلهة الذين لا يُنقدون ولا يخطئون.

في الحقيقة، نحن محظوظون جدًا أننا عشنا في هذا الزمن الحديث الحيوي. زمن رؤية كل شيء من أي بقعة تقطنها في العالم. لأننا استطعنا أن ندرك كيفيّة صناعة تلك الهالات الاستعلائية حول معظم الشخصيات الكبيرة التي اشتهرت عبر التاريخ، من خلال مُقارنتها مع ما يحصل في يومنا الحالي واسقاطه عليها. والتي تبيّن لنا الآن أنها قد تكون شخصيات بلهاء لا وزن حقيقي لها، إلا أن الحاضنة الاجتماعية ساهمت في إعلاء شأنها. خصوصًا في تلك الأيام التي لم تشهد اختراع الكاميرا وسهولة التواصل. فلا شك أن الحاضنة في وقتها كانت أكثر عنفًا ومركزيًة مِن الآن.

لنتخيل مثلًا أن سقراط بُعِثَ بيننا الآن في هذا الزمن، ما الذي سيحدث لهُ؟ أول شيء هو أن الفيسبوك سيحظره لأنه أنتهك قوانينه الرديئة. خصوصًا أن تهمة سقراط الحقيقية التي أدت لإعدامه كانت «افساد شباب أثينا». نتخيل الآن سقراط يحمل أفكاره الجديدة المتمردة وينزل إلى أسواق الفيسبوك واليوتيوب ليعرضها. ما الذي سيحدث؟ لن تجد حوله أحد. شخص بدون حواضن اجتماعية تداعب مخيلات الحشود وأوهامها بل هو أساسًا جاء ليهدم هذه الحواضن، لذلك سيكون وحيدًا وسيتم إعدامه، إلا أنه كان ذو حظ جميل ونجا من ذلك كونه لم يعش في هذا الزمن.

الموهبة والفكر يا أعزائي شيء فردي جدًا. لن تجد كتاب من تأليف مدينة أو قرية كاملة. بل ستجدون مدن وقرى وجماعات بأكملها تُساق إلى الحروب. لماذا؟ لأن الأفعال الهمجية تغلب على طابع الجماعات. بينما الأفكار والتوجهات العليا تميل للأفراد والعدد القليل. فاجتماع الناس دليل سوء أكثر من كونه دليل إيجاب.

«حقيقة أنّ رأيًا ما مقبول على نطاق واسع ليست دليلًا على عدم سخافة هذا الرأي. في الواقع، في ظل النظرة القائلة بسخافة الغالبية العظمى من الجنس البشري، الرأي المقبول على نطاق واسع مرجّح أكثر ليكون رأيًا أحمق وليس معقولًا». بيرتراند راسل

ومع قدوم الإعلام الجديد والاستقطاب العنيف المشحون لكل طرف نحو «هتلره الخاص» نرى بوضوح كيف تتحرك هذه الحواضن الاجتماعية وتُساق بدون أي تفكير أو مناقشة. ولعلها شيء إيجابي أكثر من كونها سلبي. لأنها أتاحت للكثيرين فرصة النظر بشمولية أكثر للتاريخ وإدراك كيف تمت صناعة الهالات العظيمة حول شخصيات عادية مُستغلين فرصة عدم وجود كاميرات لتوثق ذلك. فهم لم يتعدون كونهم شيئًا مهمًا، إلا أنه الحاضنة الاجتماعية هي من زادت شأنهم.

الحذاقة والتفكير حدث نخبوي آحادي، بينما لا تملك الجماعات إلا الفوضى. لذلك صديقك كائن رائع جدًا حينما تكون وحيدًا معهُ تسأله عن شيء ما. بينما عندما يجتمع مع ثلة أصدقائه ينقلب إلى شخصية الوغد وربما قد يستخدم أسرارك الشخصية كمزحات اجتماعية لإعلاء هالته في المجلس المنعقد. ذلك لأنه فقد عنصره الفردي الخاص وانحل في بوتقة الجماعة، فأصبح سلوكهُ أرعنًا كسلوكها.

التصنيفات
عام

اِحترم أحلامك

عندما نتحدث عن أحلامنا الصغيرة التي رسمناها كبالونات حائمة نتركها تطير نحو الأعلى، وسرعان ما تذوب ببطء بين الغيوم. لا بد أن نتخيل شيئاً ما لطيفاً، زوارق صغيرة من ورق تطفو على الماء أو طائرة كرتونية صغيرة يحملها طفل ويلعب بها في ضوء شعاع شمسي بمكان ما مجهول من بقاع هذا العالم. أو أي شيء يحمل هذا المدلول البريء البسيط. وكأن الأحلام لا يجب أن يكون لها سوى تصوّر رقيق، تصورّ ملوّن ناعم تملؤه البراءة وتُفعمه الياسمينات برائحتها.

لطالما آمنت بعكس هذا وصدقت أن الصيغة الشعورية للحلم أمر رديء ومثالي يقتصر على التفكير الطفولي لدى صاحبهِ، وعندما أسمع وأرى كلمة حلم، كان لابد أن يخطر على بالي شيء أقرب للآلة الحاسبة وجداول المواعيد وقوائم ما ينبغي فعله، معادلات من الدرجة الثانية ومجاهيل وجب حلها واكتشاف قيمتها على أرض الواقع.

إذ رأيت في الأحلام صيغًا رياضية قابلة للتفكيك. لا بد أن يكون لها جداول وأوقات ومعايير محددة مسبقًا. الحلم الذي يملك صيغة حلم هو حلم فعلاً! لاحظوا أن اللغة هنا متواطئة ضد الخيال، فتصف كلمة حلم لتعبّر عن شيء غير قابل للتطبيق، أو ممكن لكن بصعوبة كبيرة فيُقال: «ولا بالأحلام»! لذلك لم أقبل هذا أبداً، كنت أحترم أحلامي، أحترمها كثيراً ولا أريد التفريط بها، لذلك حوّلتها إلى صيغ رياضية مجدولة كي أبقيها على قيد الحياة، كي أمنحها الأوكسجين اللازم، كي لا ينفذ منها وأضطر أن أضعها على منفسة الندم، كي تبقى تطير كبالونة وردية تغيب بين الغيوم وتنزوي.

فلو كنت مكان مارتن لوثر كينغ الذي حرر السود لعدّلت خطابه قليلاً، واستبدلت عبارة لدي حلم الشهيرة التي قالها بعبارة: «لدي خطة يجب أن تنفذ».

لكنك تكبر. تنضج أيها الطفل. لتدرك أن النمو يترافق مع الإيمان بالمحدودية وعدم إمكانية أن تصبح شيئًا كثيرًا. إذ يؤمن الصغير أنه سيصبح طيارًا ورائدًا للفضاء وراكبًا للأمواج عندما يكبر. تؤمن الطفلة بأنها ستصبح من جميلات سبيستون وأفضل صغيراتها. يؤمنون بصيغ عفوية لأحلامهم. يؤمنون أنه بإمكانهم. يؤمنون أنه باستطاعتهم فعل أي شيء. فأنهار الأمنيات لن توقفها السدود ولن تكبح طريقها المعترضات. لكنهم يكبرون، يكبرون بقسوة. ليصبح الطفل رجلًا كبيرًا يصطحب أولاده للسينما.

وبينما يبكي أولاده في حرقة عند رؤية البطل يموت وانتصار الشرير، يقهقه هو بخيلاء الكبير الناضج الذي فهم كل شيء. فيقول لهم: لا تحزنوا يا أولاد هذا مجرد تمثيل! نعم، لقد كبر. لم يعد يؤمن بالإمكانية والاستطاعة والأحلام التي يؤمن بها أطفاله، إمكانية العبور من عالم الخيال لعالم المادة. إمكانية اختراق الممثلين للقصة الحقيقية وتحوّل ذاك الفيلم إلى شيء فعلي. لم يعد يؤمن أبدًا. بات محدودًا جدًا يعلم أن كل شيء كذب وتمثيل وأنه ليس بالإمكان إلا أسوء مما كان.

كبر ذلك الطفل وبات يؤمن أن كل تلك الأشياء كانت أوهام وأن الأهم هو دراسة الطب والصيدلة كي يؤمّن مستقبلهُ. فيدرس الطب. لينضج ويكبر موفياً بوعده في دراسته، لكن الحياة لم توفِ بوعدها بمنحهِ مستقبلًا مؤمّنًا، إذ غدت حياة بلا مستقبل. حياة تعيش فيها الماضي والحاضر ولربما المستقبل البعيد حتى الذي تدركه عند المشيب، إلا أن المستقبل الحيوي السعيد سيكون أمرًا صعبًا بعيد المنال.

تجنبًا لهذا السيناريو المؤلم، وبما أن الطفل هو الصفحة البيضاء بلغة ستيفن بينكر التي نرسمها كما نريد، والتي كما قالها أرسطو أحد المرات: «اعطوني طفلًا صغيرًا وسأرجعه لكم محاربًا كبيراً»، كناية عن إمكانية قولبة الطفل بالطريقة التي تريدها. أريد أن أقول للأطفال جميعًا أن حافظوا على أحلامكم. تمسكوا بها جيدًا. الإنسان في أحد تعاريفه هو الكائن الخيّال، الذي يستطيع التخيّل. فمثًلا لو أمسكنا قردًا وسعينا لإقناعه بترك موزة اليوم في سبيل أكل طرد كامل من الموز في الغد لن يفهم، هو يسعى لتحقيق لذات لحظية سريعة. بينما الإنسان لا. الإنسان يستطيع أن يتخيل طرد موز في الغد، لذلك كان دائمًا الكائن صاحب الخيال، الكائن صاحب الأحلام.

لذلك الآن أقول: عزيزي الطفل، تمسك بها، تمسك بأحلامك، تمسك بخيالك، وحتى تمسك بأوهامك إن أردت، المهم أن تتمسك بشيء!

إلا أنك يجب أن تتخلى عن أحلامك كي تتمسك بها وتحافظ عليها. ولفعل ذلك يجب أن تحول أحلامك لروتين يومي ممل. لا يجب أن تحافظ عليها كبالونة تسبح بين الغيوم. لا لا. يجب أن تعطيها جدولًا مملًا من المهام التراكمية الصغيرة. يجب أن تجعلها شيئًا يمارس يوميًا أثناء ذهابك لرمي سلة القمامة في الحاوية أو عند انتقاء البطاطا عند بائع الخضار.

اِحترم أحلامك وأعطها مواعيد محددة مُنتهية. جميعنا في الكلام سواسية. جميعنا في القدرة على الحلم عملاقة بإمكاننا بناء قلاع من خيال دون أن يكون لها أي وجود في عالم الواقع. قلة هم مَن يقومون بالتطبيق الحقيقي. لذلك احترم أحلامك وحولها لخطط ذات جدول مهام يومي، حينها تتحقق بشكل تراكمي مع الزمن.

إن أردت أن تحقق أحلامك يجب عليك أن تحترمها، وإن نشدت احترامها فأوّل ما عليك فعله هو التخلي عن صيغتها البريئة مُحوّلًا إياها لمخطط قابل للتوظيف في الحياة ذات الأربع والعشرين ساعة الرديئة.

ما هي نسبة الناس الذين يتحملون الملل لمسافات طويلة؟ قليل جدًا. ربما لا يتعدون 5%. وهذه هي نسبة الناجحين في العالم، لا تتعدَ نفس ذلك الرقم (5%). لأن من أهم خطوات تحقيق الأحلام والنجاح، هو بناء روتين يومي قائم على تحمل الملل لمسافات طويلة ريثما تجهز الصورة النهائية للحلم والخطة.

يعتقد الناس كما في السينما أن هناك رقاقة توضع في الرأس فتتعلم بثانية واحدة اللغة الألمانية وبناء المشاريع الصعبة والانجاز. هذا غير صحيح. الحلم مفهوم تراكمي يحتاج لبيئة واقعية مبنية على خطوات صغيرة مملة وجب تنفيذها. ولعلَ هذا السبب في أن معظم الناس يخيبون في تنفيذ أحلامهم، لأنهم احتفظوا بها كصور بلاغية بريئة ولم يحولوها لمشاريع حقيقية قابلة للإنشاء.

لذلك عزيزي الطفل أو حتى الكبير الذي لا يزال يملك تلك البذرة الرقيقة في داخله. احترم أحلامك. احترم أحلامك واجعلها حبة الطماطم الأكبر التي تنتقيها كل يوم. اجعلها روتين يومي تنفذه عند الوقوف في طابور شراء الخبز وتسديد الفواتير. اجعلها شيء عملي بإمكانك رؤيته دائمًا ولمسه وتحسسه والاطمئنان عليه.

يؤمن الناضجون بالمحدودية وأن كل شيء كذب وأوهام. إلا أن الطفل لا يزال يملك صفحته البيضاء، الصفحة التي تخبره أنّ بإمكانه واستطاعته أن يفعل. ولعل هذه الإمكانيات والاستطاعات لن تنجح إلا إذا تداخلت بعنف مع الواقع اليومي. لذلك قم بـ «وقعنة أحلامك» وإنجازها.

أحلامنا لا تعرف حدودًا، لن تقف في وجهها السدود. ولا تتذرّع بأن السدود التي تعترضك كبيرة لأن هذا هو ديدن الحياة والتاريخ منذ بدايتهم، السدود دائمًا كانت موجودة. إلا أنّ في وجودها حافزًا إضافيًا لمواجهتها وتخطيها.

فعكسًا لما قال مارتن لوثر سأقول: أنا لا أملك أحلام، أنا أملك خطط عليّ تنفيذها الآن. لماذا خطط وليس أحلام؟ لأنه باختصار شديد، أنا أحب أحلامي واحترمها، أحبها لدرجة عدم التخلي عنها، لدرجة أني سأحولها لروتين يومي ممل قابل للتطبيق كي أراها تكبر أمامي يومًا ما.

التصنيفات
عام

رسالة إلى أحمد الغندور: لا تقع في الفخ!

مثلما حُبِسَ الفنان المصري اللطيف محمد سعد في شخصية «اللمبي» ومثلما أبدع هيو لوري في دور الطبيب «غريغوري هاوس». وكالجميع الذين نجحوا بشكل باهر في أنماط محددة وشخصيات بعينها، إلا أنها في بعض الأحيان تنقلب عليهم وبالًا ساجنةٍ إياهم ضمن إطار ونمط واحد فلا يسمح لهم الخروج بعدها أبدًا. يقف الغندور أمام فخ بإمكانه اجتنابه باكرًا، فخ سقط فيه الكثيرين من قبل.

مع نهاية سلسلة الدحيح اللطيفة التي ظهرت على قناة Aj+، تُطوى فترة زمنية حافلة بالأسلوب الرشيق والمواضيع الممتعة. إلا أنه مع نهايتها فرصة عظيمة من جهة، قد تكون فخًا لا يستطيع أحمد الغندور رؤيته من أخرى.

مَكمن الفخ هو بقاء الغندور فقط ضمن شخصية الدحيح. صراحةً الغندور شاب مبدع نقطة تميّزه الكبرى هي أسلوبه لا محتواه. فلو قدّم محتوى عن أي شيء حرفيًا مع نفس أسلوبه فسينجح. نعم، صحيح أنه عُرفَ بالمحتوى العلمي المعرفي المنوّع. لكن هناك الكثيرين الآن يفعلون ذلك. إلا أن للدحيح نقطة قوّة أخرى وهي أسلوبه. ولعلَ الفخ القادم يكمن في حبس نفسه ضمن إطار شخصية الدحيح أولًا، وضمن المحتوى العلمي ثانيًا.

أعتقد أن نهاية تعاقده مع القناة السابقة فرصة جميلة. لربما تجعله يقوم بسلسلة جديدة مختلفة. مثلًا محتوى فلسفي بأسلوب مميز. أو محتوى شبيه بسرد قصص معينة بطريقة كوميدية. أو شيء ما على نمط ما كان يفعله باسم يوسف. أو شيء من هذا القبيل. نقد اجتماعي، فلسفي أيًا كان. المهم هو ألا يفعل كما فعل محمد سعد، عندما حبس نفسه في شخصية واحدة ونمط واحد فلم يستطع الخروج منها فيما بعد.

خصوصاً أن هذا المحتوى – العلمي – يصل إلى نقطة معينة محددة لا يعد هناك فيها شيء جديد ليُطرح، ويبدأ حينها التكرار والابتذال. فتنهال الانتقادات من كل حدبِ وصوب مدعيةً بعدم التحديث أو رداءة ما يتم تقديمه.

فلو قرأ الغندور هذا المقال. ولو أراد أن يسمع مُراجعة مختلفة لما يقدمه فهي ألا يقع في الفخ الذي وقع فيه كثيرون. فخ أن يحبس نفسه ضمن إطار النمط الواحد. نوّع قليلًا. قدّم شخصية بقالب آخر. وإن لم تنجح فعد لشخصية الدحيح والنمط العلمي. إلا أني أرى أن نقطة قوّة الغندور هي أسلوبه. وأعتقد أن أسلوبه كافٍ بشكل كبير للتطرق لعدة أنماط أخرى سواءً علمية أو كوميدية أو فلسفية أو حتى سردية قصصية.

لذلك، وبإيجاز شديد بعد نهاية سلسلة الدحيح السابقة. أتمنى ألا يقع الغندور في هذا الفخ، فخ الشخصية الواحدة والنمط الواحد. بعدها لا يستطيع الخروج منه أو عندما يخرج تسلّط عليه سهام النقد بأنه لم يعد كما كان أو تغير أو أصبح شيئًا ما. لذلك من البداية، نوّع في المجالات ولا تحبس نفسك سياق بعينه.

نقطة قوتك هي الأسلوب وليس المحتوى، والأسلوب القوي باستطاعته تأدية أي محتوى طالما وُجدت الموهبة والوقت.

التصنيفات
عام

شجاعة الانسحاب: «يلي خدتوا محبوبي محبوبي»

«انقعوه واشربوا ميته… واشربوا ميته». أو تلك العبارة اللطيفة التي لطالما كنت أحب ترديدها في عديد مِن المناسبات: قُل لمن أغلق الأبواب في وجوهنا أننا سنعود، وأننا سنشتري المبنى وأبوابه!

نعم خذوه. نعم خذوها. نعم أوصدوا الأبواب وضعوا عليها الأقفال الثقال. لكن العودة قريبة. خصوصًا إن كان يسبقها ذلك الانسحاب البطولي الذي مارسه جميع العظماء. انسحاب نبي الإسلام قبل قدومه بالدين في غار حراء. انسحاب موسى اليهود في جبله قبل أن يكتب الألواح. انسحاب البطل الذي يغادر في أول الفيلم ومن ثم تراه يرتد قدومًا في المشهد الأخير لينقذ الحدث بأكمله.

الانسحاب العظيم الذي تعرفونه جميعًا وتعجزون عن توصيفه وضبطه بالكلمات. الانسحاب الذي يسبقه انكسار ويعقبهُ انتصار!

يُحدّثنا الجميل «فيكتور فرانكل» في كتابه المُحزن «الإنسان يبحث عن معنى» الذي أرّخ بهِ حياتهُ عندما كان مُعتقلًا في مُعسكر «أوشفيتز» النازي في بولندا، وبعدما ذاق الويلات والمرارات، عندما قُتِلَ جميع أفراد عائلته ولم يبقَ سوى زوجته التي تبيّن له فيما بعد أنه فقدها أيضًا. في تلك اللحظة التي تحوّل بها من أستاذ طبيب في جامعة فينا إلى مُجرد سجين هزيل يحمل خرقة بالية تغطي جسده ورقم 104/119 يعرّف شخصهُ بدلًا من اسمه الحقيقي فيكتور. يحدثنا بعد كل هذا عن أنه حاول اكتشاف معنى للحياة مِن خلال طرحه سؤالًا استنكاريًا على السجناء ليدرك بأجوبتهم حافزًا يدفع للاستمرار.

كان السؤال: لماذا لا تنتحرون؟

أهّب جواب هذا التساؤل لإنشاء المدرسة النمساوية الثالثة في علم النفس التي قادها فرانكل نفسه. والتي اتفق على عنونتها بمدرسة العلاج بالمعنى Logotherapy مُفتتحًا إياها بالعبارة التي ساقها في كتابه نفسه عندما قال:

«أن تعيش يعني أن تعاني. لكن كي تبقى، يجب عليك أن تجد معنى في المعاناة!»

كل إنسان لديه معنى يدافع عنه وعن وجوده. قد تختلف أنت معه فيه أو قد تتفق إلا أنه يشكّل مركزًا في حياته، وطالما أنه معنى لا يسيء للأخلاق – لفظًا أو ضمناً – ومعنى غير مؤذي – الأذى فعل ضار تجاه أي إنسان تحت مسمى غير مبرر – فمسموح له فعل ما يشاء به واعتناقه لأبد الآبدين.

فمثلًا يكمن المعنى لدى البعض في الدين. وطالما أنه معنى لا يسيء للأخلاق ولا يفرض الأذى فلصاحبه الحرية باعتناقه متى شاء. نفس الأمر بالنسبة للإلحاد. هل معناك في الحياة غير أخلاقي؟ أي أنك تشتم وتتلفظ بالسوء وما إلى هنالك؟ هل معناك يقرر الأذى؟ إذا كان لا فلك الحرية به أيضًا. البعض معناه العلم، هل هو معنى غير أخلاقي؟ يفرض الضرر؟ إذا لا فلك الحرية به متى شئت.

نفس الأمر بالنسبة أيضًا لجميع المعاني التي تختارها في حياتك. طالما أنها لا تسبب أذى أخلاقي لمن حولك، ولا تضر ولا ترهب بها أحد فلك الحرية بامتلاكها حتى لو لم يتفق من حولك معها. طالما أنك لا تؤذي أحدًا ففعل ما شئت. المهم أن يكون هناك معنى، لأنه من وجهة نظري، أجد أهم المهددات السلبية لعصرنا الحاضر الذي نعيش به هو مفهوم العدمية. أي مفهوم عدم وجود معنى تتمركز حوله. عدم وجود معيار في ذاته لأي شيء، بل التأكيد على الوصف النسبي لكل ما يُرى فقط.

كل هذا الاستطراد فقط كي نعود لمقدمتنا التي بدأنا منها. عندما سلبوا منكِ أو منكَ مُحبيكم. اللحظة التي كنت تعتقد بها أنها «هي» كانت المعنى، وأنه «هو» كان المبتغى. لكنه أُخذ بعيدًا عنكم فغاب الهدف وسادت العدمية، ودخلت بعدها الأيام في ترتيب بغيض من الأسى.

في الحقيقة لا يحق لي كثيرًا أن أطلق أحكامًا عامة وقاسية في هذا الجانب لأني أعلم مدى حساسيته لدى الكثيرين، لذلك دائمًا ما أقول أنّي فقط أعبر عن مجرّد رأي لا أكثر، قد تتفق معه أو تختلف، فهو غير ملزم لأحد. إلا أني أحب أن أشاركه معكم لعلكم تجدون به شيئًا مفيدًا.

أحد الأسباب المهمة في قوّة الصدمة الانكسارية للفتاة والشاب بعد خوض أول تجربة شعورية تجاه أي أحد. تعود لتمركز المعنى بشكل شبه كامل حول الطرف الآخر. فيصبح عندها الأوّل مجرّد دمية عرائس تتحرك ضمن خيوط مهمتها تقديم تنازلات فقط! وهذا أمر استنزافي يدمر الطرفين ويمزق الأواصر بينهم. لاسيما أن مفاهيم كالحب والزواج مختلفة عن بعضها ويقع كل منها في وادي مختلف عن الآخر.

«لكي تتخلص من حب الفتاة التي تهيم بها، قم بتزوجها فقط».

كلا المفهومين اقطاب متعاكسة ونادرًا ما يتم الجمع بهم. حسنًا لا أعرف إن كانت وجهة النظر التي سأتكلم بها مألوفة أم قاسية أم شيء آخر. لكني أريد أن أقولها أيًا كان الصدى الناتج عنها.

يكون الحب غالبًا صدامي غرائزي ولا يهدف إلى أي نتيجة مؤسسية. عكس الزواج تمامًا الذي يكون مبني على أسس متوافقة منسجمة من أبعاد مختلفة، وتهدف لتحقيق نتائج محددة بدقّة أيضًا. مِن هذا المنطلق يمكنك أن تدرك لمَ جميع الشرائع الدينية، وما قبل الدينية حتى كتلك التي سادت في سومر وآشور وأثينا، وفي بعض الفلسفات أيضًا. تحرم وتضع الضوابط على مفهوم الجنس خارج إطار الزواج. لأن الهدف الرئيس منه هو إنشاء عائلة. فبمجرد ممارسة الجنس بدون زواج غالبًا ستكون النتيجة أولاد بدون عوائل ومشردين تائهين في الطرقات. لذلك أصبح مفهوم الزواج مرتبط دائمًا بتحقيق نتيجة حضرية. مع الاعتماد طبعًا على النظم الوليدة الأخرى التي استلمت راية الموضوع، لاسيما الدين والفلسفات والتشريعات القديمة كحمورابي مثلًا. فهدفه الأول دائمًا كان وما زال هو الأسرة والإنجاب والتربية.

من جهة أخرى مُخالفة تمامًا، يأتيك الحب وليدًا فهو لا يتعدَ عمره الـ 500 سنة كما يستقر في أذهاننا الهوليودية، كإنقاذ للمحبوبة وباقة زهور، ونظرات دافئة وما إلى هنالك.

الحب من جميع نظراته الأولى والأخيرة والمتوسطة عكس الزواج يكون غير هادف أبدًا، أي أنه ليسَ محكوم بالنتائج. فمفهوم بناء الأسرة التي يؤسس عليها الزواج نفسه، شبه غائب أو لا يأخذ بالحسبان في الحب وعند القرار بالدخول إليه.

فعلى سبيل المثال، أحد الاحصائيات البسيطة التي تناولت المجتمع الأمريكي كونه الأكثر انفتاحًا في هذا المجال وبإمكاننا أن نستقرأ بعض الملاحظات منه، تبين أنه قبل القيام بالخطوبة والزواج ولقاء الشريك الحقيقي المنشود. كان الرقم من 7 – 8 شركاء هو المتوسط لمن ستقيم معهم علاقات قبل الدخول الجدي بالموضوع لإنشاء أسرة.

لو أخذنا مواقف أولئك الشبان وحاولنا أن نحاكي ظروفهم، فغالبًا أنت ستحب كل شريك ستقابله لكن فيما بعد ستجد أنها لن تكون هي المطلوبة! ولا هو المختار! فالحب كمقدمة لم يصلح أبدًا في تحقيق الزواج كنتيجة هنا. ليس لمرة ولا مرتين ولا ثلاث بل 7 و8 مرات! فالموضوع نعم موجود ويشكّل عاملًا يدخل في تشكيل الوجهة العامة، لكن ليس سببًا وحيدًا كافيًا ولا جوهريًا محوريًا يصح أن تضعه معنى للزواج بعينهِ، فكيف تضعه كمعنى للحياة بأكملها!

أعتقد أن الأمر والمجال الوحيد الذي يصح أن تكون فيه سيّالًا بهذا الموضوع هو الكتابة والأدب لأن اللغة تحتمل الكثير من العواطف والمشاعر، لكن عندما يخرج الموضوع وراء ذلك فسامحني إن كان الكلام قاسيًا، هذا يدل على شخصية ضعيفة تتمتع بتقدير متدني للذات.

فلانة تحب فلان الطويل الجميل سريع البديهة صاحب القلب الرقيق. جميل جدًا، لكن هل هذا يعني الزواج والارتباط؟ هل هذا يعني تأسيس أسرة ومن ثم أطفال؟ قد يشكل عاملًا لكن في حالات كثيرة سيكون الجواب لا. يتطلب الزواج توافق أكبر من مجرد انسجام عاطفي بين الطرفين. يتطلّب توافق مادي له علاقة بالطبقة، فغالبًا لن تجد مَن يسكنون القصور يتزوجون مَن يسكنون القبور والعكس صحيح. الأمر موجود في المسلسلات التركية فقط. هناك شذوذات نعم. لكن تبقى قليلة لذلك سميت شذوذات. وأنا آسف إن كنت قاسيًا في كلامي لكن هذا هو الواقع.

هناك توافق فكري / ثقافي وجب تواجده أيضًا. صدقني أنتَ لا تريد أن تربي أطفالك على يد فتاة بلهاء لا تصلح أن تكون أمًا. صدقيني أنكِ لا تريدين الارتباط بمعتوه كثير الأموال ميسور الحال لكنه كالحمار يضرب أبناءه كأنهم أبقار! هذا الرجل يجب إبادته لا الزواج منه.

أحيانًا قد يكون للجانب الديني أيضًا دور في الموضوع، لا سيما أن الشائع هو مفهوم الزواج الديني وليس المدني في بلادنا. فالتوافق الديني أمر مهم لإتمام معاملاتك الحكومية قبل المعاملات الاجتماعية حتى. أنتِ لا دينية غير مؤمنة بخرافات زوجك. أو أنتَ متديّن لا يعجبك سلوك زوجتك المنفتح جدًا وما إلى هنالك من توجهات.

واختلافات وتوافقات أخرى لها علاقة ربما مَن سيعمل داخل البيت ومَن خارجه. وهل كلانا يعمل أم كلانا لا يعمل؟ وما إلى هنالك من أسئلة كثيرة، لدرجة أن السابقون لم يخطئوا عندما قالوا أنّ الزواج مسؤولية، فهو بالفعل كما ترون مسؤولية يترتب عليها الكثير من الأسئلة والأجوبة وليس مجرد اقتحام شعوري يعصف بك فلا تدري ما تقول.

لو أردت أن ألخّص نقطتي فهي ببساطة كالتالي: يشكل الحب في بعض الأحيان عاملًا صغيرًا قد يؤدي مع حزمة عوامل أخرى لتحقيق الزواج والظفر به. لكن النسبة الكاسحة دائمًا ما تبوء بالفشل ولا يكون عاملًا فاصلًا أبداً.

فمثلًا أتمنى للجميع الذين أحبوا وسيحبوا في المستقبل أنهُ عند اعترافهم وانسجامهم مع أحدٍ ما أن يبادلهم الطرف الآخر نفس المشاعر. لماذا؟ هنا مربط فرسنا، لأنه في تلك اللحظة وعندما يحصل كل طرف على مبتغاه العاطفي منه تبدأ الأسئلة الجدية بالظهور. تبدأ الأبعاد الأخرى التي ذكرتها قبل قليل بفرض نفسها بقوة.

من جانب آخر، أعتقد أن أحد مفاتيح الحب اللطيفة هو التكامل وليس التناسخ. ماذا سأستفيد من شريك معتوه نسخة أخرى مني يؤكد كل ما أنا عليه مُسبقاً؟

«بينت أحد الإحصاءات التي تناولت سجلات الأزواج الأمريكيين أن هناك نسبة كبيرة تميل للارتباط بمن يشابهها بحروف الاسماء وتواقيت وأشهر الميلاد. فلو اسمه جون يتزوج من جنيفر، وهكذا…».

لا شيء، التفسير الوحيد هنا أنك كائن أناني تريد إنسان آخر يحمل نفس صفاتك ليس إلا. الإنساني والنادر وجوده هو التكامل. مثلًا هي تحب الرسم، وأنت لا تطيقه وتفضل التوجهات العملية لكنك «تكسر على أنفك بصلة» وتذهب معها للمعرض وتساعدها فيما ترسم. أنت هنا إنسان نبيل.

هي لا تحب دين أم الرياضة. وأنت إنسان مدمن على الدوري النيجيري. هنا هي أيضًا «ستكسر على أنفها بصلة» وتشاهد الدوري معك فقط لأنها تحبك. هي هنا إنسانة رقيقة لا تقدر بثمن.

إن غضضنا الطرف على رائحة البصل التي كسرت على الأنوف السابقة، فالأمر المنصرم وحده غير كافٍ. فلو خرج لي أحد المتحمسين وقال، أنا مستعد لأضحي بكل شيء في سبيل أن أكون مع شريكتي التي أحبها. سأقول له أذهب وأفعل، سأصفق له احترامًا لشجاعته وحماسته لكني سأذكره فيما بعد سيحصل من السنين.

فبعدما يخفت ذلك الصدى الرهيب من العواطف. سنة، سنتين، ثلاثة. يأتي الأطفال. يدرك حينها في عجز مصروفه وحده عن العمل، وأنه أخطأ عندما اختار فتاة لا تعمل. ويدرك الخطأ الثاني في مدى تدني ثقافتها أو ثقافته. هي تضرب الأولاد أو هو مَن يضربهم. يُدرَك هنا مدى التسرع في الاختيار العشوائي العاطفي الأرعن دون أخذ هكذا اعتبارات مهمة في الحسبان.

يمكنك أن تضيف اختلاف التوجه الديني للمعادلة، أو السياسي، أو أي توجه آخر مهم.

هنا فقط يعي الجميع مدى فداحة الخطأ الذي لم ينبههم به أحد والذي يتجسد بالتالي: وجود الحب شرط غير ملزم أبدًا لنجاح الزواج. وفي حال وجوده سيشكل عاملًا إضافيًا للدعم رفقة عوامل أخرى تم التأكد منها. لكنه وحده لن يؤدي إلى شيء سوى مصاعب لا بأس بها ستظهر عندما تخفت فورة الهرمونات والعواطف وتبدأ الحقائق الصلبة بالظهور.

لاحظوا أعزائي أني أتكلّم عن الموضوع من منظور مجتمع عربي بحت. فلو أخذنا من وجهة نظر غربية لوهلة لتأكّدت الفكرة أكثر، فمع إضافة عامل «ممارسة الجنس» مع كل شريك. غالبًا سيصبح مفهوم الزواج عندها بلا فائدة، وهذا ما يرجعنا للمقدمة التي بدأنا بها أن الزواج هو نظام هادف لتكوين أسرة. أي أن لديه هدف واضح يتجه إليه. أما الحب فهو اندفاع غريزي غير مبرر. ولا يهدف في المنظور القريب على الأقل لأي نتيجة مؤكدة.

تخيل أنك أحببت ومارست الجنس. غالبًا سينتهي الحب في أرضه حينها. لماذا؟ لأن الدافع معروف يا أعزائي. أنا هنا لا أنفي الإخلاص أبدًا، على العكس أنا دائماً أصدق وسأصدق مشاعر الناس فيما تعلق بعواطفهم الخاصة وصراحةً أحترم ذلك الجانب الطيب في الإنسان، لكن عندما نأتي للحقائق ولعالم الواقع فالأمر مختلف ويتطلب وقفة عقلانية مع النفس. فمذ متى كانت الحقائق تعبأ بمشاعرنا؟ والحب أيضًا كذلك.

إن اجتمع الحب مع التوافق والانسجام (الاجتماعي / الديني / الفكري / …الخ). فاسمح لي أن اهنئك باختيارك الجيد وبمدى حظكِ السعيد في الأمر. لكن في معظم الحالات هذا لن يحصل. لأن الأول شعور غالبًا يكون طائشًا فلا مكان للعقل به. إلا إن كان هدفكم من العملية بأكملها هو مجرد لذة لحظية فهذا مبحث آخر لا يزال يناقش في الأوساط الفكرية، فأبواب من نمط تخريب المجتمع وهدم لبنة الأسرة، والمتعة الفردية إن سادت، ستكون الحضارة في طريقها للزوال، ولعلَ هذا ما سيحدث.

لكن في حالتنا على الأقل لا يزال الأمر باكرًا، لذلك وجب النصح وقول بعض الكلام.

فأولئك الذين أخذوا محبوبي ليأخذوه وليحلّقوا معه بعيدًا بعيدا… هي مجرد أوهام تضرب بسرعة نادرًا ما تترافق مع انسجام كامل، فلو قال لك أنه يحبك لكانت هناك عراقيل ستظهر ولن تكتشفها إلا قبل فوات الأوان، ولن تعرفيه يا عزيزتي إلا عندما تتكوّر بطنك وتنتفخين وتقولين في سرّك: فلتنزل اللعنة على تلك الساعة التي تزوجت بها هذا الحمار بداعي الحب.

نعم، هو عامل مساعد لكنه غير ملزم وبالإمكان تحقيق الهدف المؤسسي بدونه. فوجوده لوحده غير كافٍ أبدًا لتحقيق النتائج المرجوة. إلا أن كنت عبثيًا عدميًا صاحب فلسفة فردية وساعي وراء لذات لحظية فهذا أمر مختلف تماماً. يمكنك حتى حينها أن تفرغ طاقتك المكبوتة في أقرب وكر لفعل السوء دون الحاجة لعبور طريق الحب والزواج من أصله.

عالمٌ معقد هي عواطف الإنسان وسلوكياته. لكنها برغم كل شيء تبقى إنسانية وصادقة في معظمها، ولعلَ هذا ما يدفعني لأن أكتب عنها. وما يدفعك أنت للقراءة أيضًا. إنها النزعة الإنسانية، النزعة الأصيلة الموجودة في كلانا.

التصنيفات
عام

الجميع كاذب، لا أحد ضد العنصرية

مأساة هي وفاة جورج فلويد، خصوصًا أنه أظهر لنا أن كل العالم ضد العنصرية، حتى تلك البؤر التي قد نعتقد لوهلة أنها مُتشددة حد النخاع، تبيّن معنا أنها ليست كذلك وأنها مع حقوق السود أكثر من السود أنفسهم، ولعل هذه فاتحة شر أكثر من كونها فاتحة خير.

في الحقيقة، هذا العالم مَبني على قانون كبير يُسمى «قانون همزة الوصل». أتذكر تلك الهمزة الشهيرة التي تلفظ ولا تكتب؟ نفس الشيء تمامًا لكن بعد قلبها للعكس. فمن العاديّ أن تؤمن بما تريد من عنصرية وتطرف وشذوذ وأي شيء، إلا أنه لا يجب عليك أن تقولها صراحةً (اكتبها وآمن بها لكن لا تلفظها). فالذي يقول أنّه عنصري -مَن يُسلّم بالتفاوت وليس الذي يؤذي الناس لأنه عندها يُسمى مجرم وليس عنصري فقط- على الأقل هو إنسان صادق لا شيء لديه ليخفيه، بينما الآخر الشرير هو الذي يصدق بها لكنها لا يستطيع قولها كون القانون يردعه. كهمزة الوصل تمامًا، يعلم أنها موجودة لكنه لا يستطيع أن يلفظها خوفًا من العقاب.

وحتى تعلم مدى عنصرية هذا العالم، راقب السلوك ليس الكلام والتغريدات والتصريحات. لأننا في المظاهر جميعًا سواسية، لكن عندما ننظر إلى الأفعال تنكشف الحقائق وتظهر.

هذه إحصائية مَن تقلتهم الشرطة الأمريكية في السنوات الأخيرة. وكما هو واضح فإنها تقتل الجميع ولا تفرّق. ولعل البيض في سقف القائمة أيضًا. يمكن القول أنّ الإعلام أحيانًا يلعب دورًا في تسليط الضوء على أحداث بعينها لا سيما إن كان بطلها (أقلية – امرأة – طفل). وهذا بحد ذاته نوع من الانحياز يمكن تسميته بـ «عنصرية العنصرية». فالغضب لموت نوع محدد من الناس فقط هو بحد ذاته عنصرية.

منذ مدة، مررت على إحصائية لنسبة الشركاء الذين يتزوّجون من نفس عرقهم. فكانت الأرقام -كلها 90% وما فوق- تُشير لأن الغالبية العظمى تميل لنفس عرقها. البيض يتزوجون البيض. السود مع السود. الآسيويون والآسيويون. العرب مع العرب وهلم جرًا. أي أن التفضيل -بشكل غير واعي- لمن هو في نفس السياق المشابه لنا سواءً سياق بيولوجي لا علاقة لنا فيه أو سياق ثقافي حتى.

لكنه يتجاهل كل هذا مُشددًا على أنه ضد العنصرية مع السود في نفس الوقت الذي يؤمن فيه بأن أهل المدينة أفضل من أهل الريف، ولهجة المدينة الناعمة أرقى من الريفية الخشنة. مع ذلك هو ضد العنصرية. ضدها لكنه لا يزال يؤمن بأن الزبال إنسان رديء وأن المهنة ترفع قوامك الاجتماعي قبل قوام المادة في جيبك. يدرك هذا تمام الإدراك لكنه ضد العنصرية مع السود.

ضد العنصرية لكنه يؤمن أن ابن العاصمة أفضل من أهالي المدن البعيدة، وأن مدينته أفضل من بقيّة المدن وربما الحي الذي يسكن فيه حتى، لكن دعك من كل هذا، هو ضد العنصرية مع السود.

ضد العنصرية ويمقتها إلا أنه يؤمن أن ولادته كذكر تفتح له أبواب السماء بينما الأنثى بشكل ما تكون ناقصة الصلاحيات. مع هذا هو ضد العنصرية مع السود. ضدها وكل مصطلحاته وتشبيهاته وأساليبه اللغوية عنصرية، لكنه بالرغم من ذلك هو ضد العنصرية. هو همزة وصل عنصرية تائهة تنتظر أقرب ألف فارغة حتى تتسلق إليها لتعبّر عن حقدها.

أعتقد أن الإنسان العنصري الصريح غير المؤذي الذي يؤمن فعلًا بالتفاوّت بين البشر، هو إنسان محترم، على الأقل لأنه لا يتعامل معي بمبدأ الوجهين. بينما الذي يكون في وجهك مرآة وفي ظهرك حرباء، هو المزعج.

لا تشارك في الهاشتاغات، لا تكبد نفسك عناء الكتابة، جميعنا عنصريين يا عزيزي. ولأزيدك من الشعر بيتًا فإن من أسباب هيمنة الكائن العاقل وانتشاره الكامل على هذا الكوكب هو أنه مارس العبودية والتفريق بين البشر منذ الأمد، فاستعباد جنسنا لإنسان النياندرتال وإذلاله أصبح شبه مؤكد الآن. تخيّل معي أنه كان هناك في أحد الأزمنة 4 – 6 أصناف شبيهة بالإنسان تعيش على الأرض. إلا أنها كلها انقرضت ولم يبقَ سوى واحد هو المعروف بإنساننا العاقل. لماذا حدث هذا برأيك؟ حاول أن تفكّر قليلًا.

لم يكن يومًا ما الكائن العاقل. كان دائمًا الكائن القاتل العنصري.

الفرق الوحيد الآن أن التوجهات الليبرالية الحديثة جعلت من الجرم أن يصرّح الناس بالعنصرية ومن الواجب كبتها في الداخل فقط، كالفرن الذي يغلي وهو مُغلق. عندها سيحدث الانفجار أمام أوّل طارئة ليظهر الانقسام والشرخ، فتطفو المشاكل على السطح كما يحدث حاليًا في الولايات المتحدة. يا أعزائي، الناس أكلت بعضها في المتاجر خلال أزمة كورونا. تريدون إقناعي الآن أن نفس تلك الكائنات الشرهة تقف ضد العنصرية؟

«معاداة العنصرية هي رفاهية ووهم الإنسان الحديث، لن تجدها تتبخر سوى عندما يُضغط على غرائز الإنسان البدائية، حينها ترى وجهه الحقيقي».

الجميع عنصريون، لا أحد ضدها. ومَن سيكون ضدها سيشهد له سلوكه بأنّه ربما لا يؤذي أحدًا ولا يشتمه بلونه أو بشكله إلا أنه عندما يختار للزواج أو العمل أو أي شيء فإن اختياره سيكون للقرين الشبيه لا لمن يخالفه.

العنصرية شيء قميء، لكنها وجدت وتوجد وستبقى. إذ تسري في أوردة الكائن العاقل. لا تتخيل أنه بهذه السهولة بإمكانه التخلي عنها، هو فقط يُجيد إخفاءها.

التصنيفات
عام

بدأ العالم يتقيّأ

نظرةٌ إلى الولايات المتحدة، تعقبها أخرى إلى الصين وخاصرتها هونغ كونغ، تليها واحدة إلى كوريا الشمالية، ومن ثم النظرة الكبيرة إلى منطقتنا الجميلة التي لا تزال مُشتعلة منذ فجر الثورة الزراعية -12 ألف سنة ماضية- وإلى الآن. ألا وهي منطقة «الشرج الأوسط». لا تجعلنا نعتقد كل هذه النظرات سوى أن العالم دخلَ في مرحلة نهائية يصح أن نسميها بمرحلة «القيء». وأن دورة تاريخيّة على وشك أن تكتمل ومرحلة زمنية على مشارف أن تنقضي.

تتلخّص هذه الإرهاصات الحادثة بأن المرض الذي لطالما اعتملَ في الداخل قد بدأ يخرج من باطن الجسد ليظهر ويعوم على السطح. مثلًا، لطالما كانت العنصرية والتطرّف أمور موجودة إلا أن الفرق أنها مع التوجهات الحديثة -الليبرالية خصوصًا- أصبحت جرمًا كتصريح، أمرًا طبيعيًا كباطن تحتفظ به مع نفسك. في حالة أشبه لكتم صوت المريض أو معالجة أعراض مرض ما دون أن تعالج السبب الدافع لنشوئه. على العكس، ربما كبتها والحرمان منها قد عمّق الشرخ أكثر وزاد كثافتها.

أما الآن فالجميع صريح جدًا. ولا يمكننا سوى أن نشكر وسائل الإعلام في هذه العالم لا سيما تلك المنحازة لأطراف معينة، ولا أحتاج لوضع أمثلة هنا كونَ وسائل الإعلام العربيّة تضرب مثالاً ساطعًا في انعدام الموضوعية. هذه الصراحة الدانية من الوقاحة مُفيدة جدًا لأنها أخرجت المرض الذي في الداخل وسهّلت على المريض أن يتقيأ أمام الجميع. وجُل ما نراه يوميًا ما هو إلا عملية التقيؤ التي تجري.

ما الذي ينبغي علينا أن نفعله؟

لا شيء. لا شيء تمامًا. فقط يجب أن نترك هذا المريض يُخرج كل ما في داخله حتى تنتهي كل تلك الانقباضات العنيفة التي عملت في جوفه لمدة طويلة. يتقيأ ليخرج كل الأطعمة الملوثة التي خلطها مع بعضها دون أن يتساءل عن عاقبة فعله قبل أن ينفذه. دعوه يتقيأ فقط، يتقيأ ليخرج كل ما فيه، يتقيأ حتى يستريح.

«من لم يقرأ التاريخ محكوم عليه تكرار مآسيه» -جورج سانتايانا

تُشير النظرية الأبرز في التاريخ إلى أنه دائرة وأن الأحداث تُكرر بعضها. وأن كل شيء موجود كان ولم يزل. الفرق أنّ بطل القصة التاريخية يصدف أحيانًا ليكون جدك أو أباك أو أنت، إلا أن الحدث يبقى واحدًا عبر الأزمنة مع اختلاف المسميات والأمكنة فقط، فلا شيء جديد فيه. في الحقيقة ينبغي تسمية التاريخ بـ «العلم الكئيب» كونه يعلمك أن دراما الإنسان نفسها نفسها. فصراعاته لم تتغير وما زالت لنفس الأسباب وذات الأهداف والمكاسب والاطماع، منذ 12 ألف سنة وإلى الآن، فقط أسماء الأبطال ومواقعهم وألوان ملابسهم هي مَن تغيرت. أما الأحداث فهي ذاتها منذ أن رفع الكائن العاقل رأسه لأول مرة نحو السماء وإلى الآن.

فلو طبقنا النظرية الدائرية على مثال الإنسان الذي يتقيأ مُتمثلًا بواقعنا المعاصر، نستنتج أن الضرر الأكبر سيكون عمن سيمسح هذا القيء وينظفه. إذ عند فَراغ هذا العجوز المريض طاعن السن من اخراج ما في داخله من سموم لا بد لأحد أن يأتي لينظف ويبدأ من جديد على أرضية طازجة. ولعل هؤلاء هم أصحاب الأسماء البارزة التي تُحفظ في الكتب. إلا أن الدائرة سرعان ما تدور عليهم ليقعوا هم أيضًا كضحية.

إذ يكبر ذلك الذي نظفَ يومًا ليصبح هو العجوز. عندها يبدأ بالتقيؤ فيأتي من كان بعده لينظف ما فعله وهكذا. نفس الدورة تتكرر. الأشخاص فقط يختلفون. أما الأحداث هي هي.

كل ما نراه يوميًا ما هو إلا تشنّجات إنسان مريض بدأ يُخرج ما فيه، دعوه وشأنه، اتركوه، لينزع كل المرض الذي في داخله. بعدها سيستريح، سيجلس مرتاحاً، سيُندب بعض الأشخاص للتنظيف، ولعلهم سيكونون الأرفع أخلاقًا وفهمًا للواجب، حينها يبدأ عالم جديد، يبدأ إنسان سليم معافى.

لكن سرعان ما تدور عليه الدائرة أيضًا، إلا أننا على الأقل نكون قد سَعدنا لمدة لا بأس بها، ولعلَ هنا تكمن الحكمة في كون عمر الإنسان لا يتجاوز متوسطه 70 عامًا. لكي يرى دورة تاريخيّة واحدة لا أكثر. غير ذلك سيشهد تكرارية الأحداث الرتيبة ويستشعر مدى سخافة المأساة التي يعيشها.

التصنيفات
عام

الأمل عملٌ شاق

لم يخطئ الإغريق القدماء عندما سمّوا الأمل بشر الشرور. إذ نادرًا ما نرى فيلسوفًا -يونانيًا أو مُحدثًا- كان قد آمن بأن الحياة جميلة ورغيدة. ولم يذنب محمود درويش عندما أطلق تركيبة «لدغة الأمل الجريح» ليُشير بها إلى أن الأمل أقرب ما يكون لعضّة أفعى توهمنا أحيانًا بأن القادم أفضل. فتكون عندها حالة استثنائية مَرضيّة قد أصابتنا وليست توجّهًا طبيعيًا.

وليس ببعيد عن تشاؤم الفلسفات وتوجّس الإغريق من البهجة، نجد أن الأديان قد أدلت بدلوها أيضًا، لتفهمنا أن هذه الحياة مقر اختبار ولا رفاهية لك فيها إلا بعد النجاح. أي أنه لا سعادة هنا أيضًا، وما الأمل إلا ملوّنات شخصيّة يرشقها كل فرد منا على حياته ليُعطيها بعض أشكال الفرح والغِبطة.

لكن لو أردنا تجاهل كل ما سبق والنظر إلى النصف الممتلئ من كأس الحياة المهترئ. لماذا نشعر بصعوبة؟ لماذا الأمل عمل مُجهد إلى هذا الحد؟ تكمن إجابة هذا السؤال في قصتين، أولهما بطلها النبي يوسف. أما الثانية فمخرجها هو العبقري كريستوفر نولان. وكلتاهما تعرضان الفكرة ذاتها.

تتحدث قصة النبي يوسف التوراتية الموصوفة بأنها أحسن القصص على الأطلاق، عن معنى أبعد من الهيكل الظاهري الواضح بكثير. إذ تساهم بكسر نمط لطالما امتهنته القصص الأخرى، فعلى العكس من بقية الأنبياء الذين تقوم معاجزهم على خرق فيزيائي واضح لقوانين الطبيعة بحيث يكون الهدف نوعًا من الإبهار البصري، تقوم قصة يوسف على فعل تراكمي يتطوّر باستمرار، فعل يتعدّى حدود اللحظة الحالية بل يُضحي بها لأجل إعطاء فكرة عامة شديدة العمق في النهاية.

فأنت مهما اجتهدت لن تستطيع أن تشق بحرًا. ومهما بلغت قوتك لن تحوّل العصا لأفعى. ومهما تعلمت الغوص فلن تبقى حيًا في بطن الحوت. لكن مع يوسف يحدث العكس تمامًا. قصة يوسف تشكّل نموذج معياري يمكن الوصول إليه. صعب وعالي بعض الشيء، نعم. لكنه قابل للتطبيق. وهذا هو مفتاح أهميتها ونقطة تفرّدها.

ما هو الأسوأ من شعور الفقدان التام الأمل؟ الأسوأ هو وجوده. أن يكون هناك ضوء تراه في نهاية الممر.

نعود بالزمن قليلاً إلى فيلم باتمان «The Dark Knight Rises» عندما تم الحديث عن كيفية صناعة الوحش «بين Bane» وكيف تم إلقاءه في السجن. ذلك بعد أن دخل باتمان نفسه إلى ذات المكان وعانى فيه ما عانى. في نص الحوار السينمائي، كان هناك تساؤل يطرحه أحدهم عن لماذا كان ذلك السجن من أسوء طرق التعذيب الممكن خوضها. هل بالإمكان أن نجيب هنا عن ذلك التساؤل؟

نفس ما ورد في الفيلم تمامًا. أن ذلك السجن يحوي الأمل! ذلك السجن كان يحوي في أعلاه فتحة ضخمة يرون من خلالها النور. كما في بئر يوسف تمامًا، نفس آلية التعذيب. آلية وجود أمل واحتمال قدوم أحدهم.

في الحقيقة، لا يوجد أجمل من شعور الفقدان التام للأمل، على الأقل تعلم ما أنت مُقبل عليه. مثلاً تدخل لغرفة العمليات فيقول لك الطبيب احتمال نجاح العملية 0% أنت ستموت! رائع جدًا! على الأقل أنا سأعرف لأين أمضي. أما الصعب والقاتل أن يقول لك الطبيب هناك احتمال نجاح للعملية 5% فيكون هناك أمل. عندها لا تدري ما تفعل، هل تستسلم للاحتمال الأكبر وتمضي مُتجاهلًا وجود بارقة في النجاة. أم تصب تركيزك على احتمال ضئيل لا تعلم مدى نجاحه مُستدعيًا بذلك كل عبارات التحفيز والاقناع والاقبال على الحياة.

ربما وجود الأمل في أمور بسيطة شيء لطيف (أمل أن تنال درجة مدرسيّة وجامعيّة عالية، أمل أن تسافر، أمل أن تأكل وجبة لذيذة… الخ من نماذج الأمل المعتمدة على إفراز الدوبامين، فيكون الفرح ما هو إلا استجابة كيميائية) لكن هنا الأمل لم يكن جميلاً أبدًا. الأمل هنا كان أداة تعذيب يا صديقي. كان الأمل سجنًا.

من جانبٍ آخر، يصب الأمل في كونه ملوّنًا للحياة وبهارًا لبؤسها. وهو ما تُشير إليه مصطلحات علم النفس بما يعرف بـ: «واقعيّة الاكتئاب Depressive Realism». ولشرحها لا بد من الوقوف على المثال التالي.

هل صدف أن حضرتَ واقعة وقصة معينة أنت وصديق ما؟ ثم رأيت أن صديقك يحكي هذه القصة لأحد آخر. إلا أنه يرويها بطريقة مُختلفة تمامًا وكأنك لم تحضرها فتقول في سرك: تبًا كم يكذب هذا الوغد وأنا كنت معه! في الحقيقة، هو لا يكذب هو يُضيف نعم بهارات لتحسين القصة لكنه في الحقيقة لا يكذب وأنت لا تكذب، الفرق أن كلاكما تريان القصة من منظور مختلف.

ناقشت أحد الدراسات اللطيفة شبيه هذا الأمر، إذ عرّضت مجموعة من المتطوعين لقصة واحدة. ومن ثم طُلبَ منهم أن يقوموا بحكاية هذه القصة لأناس آخرين على انفراد. الطريف في الموضوع أن القصص التي نُقلت كانت جميعها مُختلفة في جزئياتها فكل منهم كان يروي القصة بتفاصيل معينة مع إهمال تفاصيل أخرى. فلا أحد هنا يغش، إنما عقل كل منهم والإنسان بشكل عام يركّز على تفاصيل معينة تعتمد على خلفية كل فرد وإطاره الفكري.

«لكَ أن تتخيل إذًا عندما تروى القصة شفهيًا لجيل آخر ثم الجيل الذي يليه يرويها للذي بعده ثم للذي بعده. من الطبيعي في النهاية أن تجد قصة مُختلفة تمامًا عن القصة الأولى. وهذا ما يدفع بالمناهج العلمية الحديثة في التاريخ على سبيل المثال لاعتماد الدليل الأركيولوجي فقط واستبعاد الدليل الشفهي والقصصي كونهُ لا ميزان للدقة له».

لنفترض مثلًا وجود تجمع جماهيري من الناس. وعلى سطح بناء مُطل على هذا التجمّع يجلس مصوّر ومصمم أزياء ورجل أعمال. سنجد جميعًا أن مصمم الأزياء يدقق على ما يلبسه هؤلاء الناس ويندهش من ألوانهم الفاقعة، أما المصوّر فيرى في تجمعهم فرصة لالتقاط صورة من زاوية لا تتكرر. ورجل الأعمال بإمكانه أن يستغلهم ويرشقهم بإعلانات لمنتجه الذي يريد بيعه صانعًا منهم مستهلكين، فينزل مثلًا إليهم ويقوم ببيعهم عبوات مياه ليبرد عطشهم. وهكذا. إذ يرى الجميع أي مشهد أو فكرة أو موضوع اعتمادًا على خلفيّتهم السابقة وإطارهم الفكري القادمين منه.

الآن نعود لمفهوم واقعية الاكتئاب. وهو يشير إلى أن المصابين بالاكتئاب عرضة لرؤية العالم كما هو بشكل موضوعي حيادي. بينما «المُصابين بمرض الأمل» يرون العالم دائمًا من خلفياتهم الجميلة اللطيفة التي تحتّم عليهم التطلّع للغد والنظر نحو النصف الممتلئ من الكأس، والتي غالبًا ما ستهتز عندما يأتي أوّل وباء أو حرب أو مجاعة. ولعلَ هذا ما دفع الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين لتكون المَولد الرئيس لفلسفات البؤس والعبث والتشاؤم. كونَ الأمل في تلك الفترة كان غائبًا عن الوعي.

«أكثر الناس شجاعةً يعانون من أكثر المآسي ألمًا، وهذا هو تحديدًا سبب إعطائهم الحياة قيمة كبيرة. لأنهم يواجهون الحياة وهي مُدججة بأكثر أسلحتها رعبًا». فريدريك نيتشه

حقكَ إن أردت أن تصادق أحدًا أن تختاره سعيدًا مُبتهجًا، وإن أردت أن تتزوج شخصًا فلا بد لذلك الإنسان أن يكون مُقبلًا على الحياة مُهتمًا بها. حقكم إن أردتم سماعَ حديث أقربائكم أن يكون للأخبار المفرحة أولوية بينما التعيسة في ذيل القائمة ولا تحبيذ للخوض الكثير بها لأنها تجلب البؤس. هذه السلوكيات مُحقة وعادلة ولعلها هي الأسلم والأكثر تكيفًا.

لكن الإطار العام – هنا يجب أن نوجه شكر للمجاعات والحروب والأوبئة لأنها تذكرنا بهذا دائمًا – يفرض أن الأمل والسعادة هي ملوّنات يرشق كل منا حياته بها وأن الحالة في صلبها الموضوعي لا تحتمل فقط الجانب السعيد الإيجابي بل هناك السيء السلبي، فالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس لا يُلغي أبدًا النصف الفارغ بل يفصل صاحبه أحيانًا عن الواقع لدرجة أن يصبح أشبه بما يمكن تسميته بـ «صيّاد أمل» أو «بائع أمل».

نعم، الأمل في غالبه اختيار موفق وإضافة جميلة. إلا أنها تكون لدى البعض رفاهية شديدة، رفاهية ليست بتلك السهولة. خصوصًا إن كنت تجلس في بئر يتمثلُ إليك الأمل فيه على شكل نافذة تراها يوميًا دون أن تستطيع إليها وصولا. عندها لن يكون الأمل إيجابيًا، بل سيكون أمرًا بشعًا، سيكون أداة تعذيب من القرون الوسطى، سيكون سجنًا نازيًا تُحرق فيه يوميًا، سيكون الأمل حينها عملًا شاقًا جدًا.

التصنيفات
عام

عن أراجيك القديمة

ما الذي حدث. لماذا تغيرتم. أين تلك المقالات القديمة. ما هذا المستوى الجديد. أنا آسف لكني سأزيل إعجابي من الصفحة. أنا آسف لكن المستوى لم يكن مثلما عهدناه سابقًا. أنا آسف لا أعرف لماذا لكن يجب أن أقول أنا آسف. وهلم جرًا على تساؤلات تتبع هذا النمط كانت قد ظهرت على امتداد عمر أراجيك وتمحورت عن الفرق والتغيير الحاصل بين أراجيك القديمة التي يمكن وصفها بأراجيك ما قبل 2016 -إن كنت تعرفها فيجب أن تتابع القراءة وإن لم تكن فقد أرحت نفسك من عناء مقارنة كان عقلك سيجريها بشكل إجباري- وأراجيك الجديدة التي يمكن أن نصفها بأراجيك ما بعد 2016.

سأكتب نقاط سريعة بوصفي جرّبت الكتابة لدى أراجيك وما زلت أفعل. أعتقد أنه من حق الناس أن يعرفوا الصورة كاملة ويشرح أحدٌ ما لهم ماذا يجري. أدقق على أن العنوان هو «عن» أراجيك وليس «مِن» وكأني ناطق رسمي. بمعنى أنها وجهة نظر شخصية تحتمل الصواب والخطأ. تحتمل الشفافية وعدمها. تحتمل أن تكون أي شيء. إلا أن أهم ما فيها أنها تعرض وتوضّح لمن لا يعرف كيف تجري الأمور.

***

بدايةً يجب أن نقول أنّ أراجيك لم تتغير إنما المحتوى وطرائق وصوله هي مَن تغيرت. إذ لم تعد الشروط كما السابق حيث كان إظهار الفيسبوك للمقالات كبير والوصول من محركات البحث أوسع، فلم يكن هناك داعٍ لعملية «تسخيف العناوين» التي هي طبعًا وجهة النظر الأولى لدى مَن يقول بفكرة تدني المحتوى. فالأمر جاء أولًا بسبب تغيير الشروط الحاكمة للموقع وقراءة ما فيه.

ربما لا يعرف كثير من القراء أن النسبة الأعظم من زوّار الموقع هم الذين يأتون من محركات البحث -ذلك الإنسان الذي يفتّش عن كيفية سلق البطاطا على الانترنت- نسبة قليلة جدًا هي تلك التي تأتي من السوشال ميديا أو أولئك القراء المخلصين الذين يزورون الموقع يوميًا لأنهم يمتلكون فكرة مسبقة أن فيه مقالات جيدة وجب قراءتها. فالخطاب الأوّل الذي ينتهجه الموقع بشكل عام في أي مقال ينشره هو أن يكون متناسبًا مع متطلبات البحث. وللأسف وكما تعلمون جميعًا خوارزميات المحركات أصبحت تخصصية جدًا لخدمة المستوى الفكري لذلك الذي يبحث عن كيفية سلق البطاطا عبرها. فالتغيير الحاصل ما هو إلا استجابة لهذه التبدّلات لكي يستطيع الموقع أن يبقى على قيد الحياة.

***

ثانيًا وهو الأهم الواجب توضيحه. أن أراجيك موقع ربحي. أي إنه باختصار شديد يسعى نحو (1): الربح (2): الفائدة والثقافة… والخ. مثلاً، لنتخيّل أنه يوجد في الموقع 100 كاتب وأن كل كاتب لديه مهام محددة شبه يوميّة لخطّ مقالات وتغطية أخبار بعينها. الآن أنت كمدير عام للموقع، من أين يجب أن تأتي بالأموال لكل هؤلاء الكتّاب؟ فكّر معي للحظة. الناس عمومًا قد تعمل بدافع الحب والهواية إلا أنها في مرحلة ما تحتاج لمقابل ما تبذله من مجهود، فمن أين سيأتي به؟

المواقع في هذا نوعان: مواقع ربحيّة متل أراجيك. أي أنها تضع إعلانات وتستقبل الإعلانات من أجل الحصول على دعم وبالتالي الدفع للكتاب وكتحصيل حاصل بقاء الموقع على قيد الحياة. والنوع الثاني من المواقع تلك التي تكون مُتبناة من قبل شبكة إعلامية أو شخص ما غني مُتخم بالأموال. ولكي تستطيع التفريق بينهم اقرأ تاريخ التأسيس والنشأة. بمعنى أنك عندما ترى موقع مثل أراجيك بدأ في 2011 أي أن عمره عشر سنوات إلا قليلا فاعلم أنه فعلًا يصح تسميته بالموقع «الفقير العصامي» وأنّه بنى نفسه بنفسه. أما عندما ترى موقعًا نشأ مثلًا في عام 2017 وفي أسابيع معدودة قفز لأرقام خيالية واحتل مراتب عالية فهو يكون نموذجًا واضحًا للتمويل والدعم.

وهذا ليس أمر سيء ولا عيب أبدًا إنما فقط كي تعرف لماذا تختلف المواقع وتتباين.

***

لا يوجد شيء يُسمى أراجيك. أراجيك مجرّد هيكل خارجي ومنصة. الكتّاب هم عصب الموقع الحقيقي. بالتالي عندما نقول أصبح الموقع رديئًا، سيكون هذا نوعًا من التعميم الخاطئ لأنه من غير الصائب أساسًا أن تقرأ كل شيء يُنشر. بل أن تقرأ في مجال معين أو لكتّاب معينين على الموقع. أما أن تفتح وتطالع كل شيء بدون تمييز فهذه عدم انتقائية سلبية. يمكن تشبيه أراجيك بناطحة سحاب مكوّنة من 100 طابق. في كل طابق يسكن كاتب معيّن. لا تتوقع أن يكون كل طابق شبيه بالآخر. في كل طابق يسكن كاتب معين بتوجهات معينة بأسلوب معين. أن تقف أنت في الأسفل لتقول هذه البناية أصبحت رديئة هو حكم متسرّع. خصوصًا أنك لم تجلس مع كل واحد منهم بل أصدرت حكمًا خارجيًا لأنك وجدت شرفة أحد الطوابق متسخة! ولعلَ هذا ما سيقودنا للنقطة المهمة التالية، ألا وهي الكتاب القدماء. أو الساكنين السابقين لهذا البناء.

***

عن الكتاب القدامى: لن أدهشك كثيرًا عندما ستعرف أن الكتاب القدامى جميعهم لا زالوا موجودين. نعم، فبإمكان أي كاتب أن يضع اسم المستخدم وكلمة المرور ويدخل ويرسل للمراجعة أي مقال يريده. إلا أن ما لا يدركه الكثيرون أن الكتّاب القدامى هم مَن رحلوا. بعضهم قد ترك مهنة الكتابة بكاملها. بعضهم قد صحت له فرصة عمل في موقع أكبر فذهب. بعضهم ما زال يطل بين الفينة والأخرة، وهلم جرًا. الخطأ الذي يعتقده البعض وكأن أراجيك اتخذت أمرًا بطرد الجميع واستبدالهم بدستة من الكتاب الجدد الذين يكتبون عناوين: (لا تفوتها – لا تضيعها – لا تهدرها – ستموت إن لم تدخل وتقرأ – الشيء الوحيد الذي ينقص هذه السلالة هو عبارة استحلفك بالله أن تضغط وتدخل للمقال، هناك مَن تجاهل المقال فأصبح أعمى) وأعتقد أن الوضع يتجه نحو ذلك طالما خوارزميات محركات البحث لا تزال هي الحاكمة.

فجميع الكتاب موجودين وبإمكان الجميع أن ينشر. إلا أني كما قلت أنّهم انتشروا في الأرض وتبعثروا في مناكبها. فلكل كاتب طابق ضمن هذا البناء الأراجيكي الكبير. فماذا يكون ذنب البناء لو هاجر من يسكنه وترك منزله فارغًا؟ صحّت له فرصة جديدة في مكان أفضل. ما الذي ستقول له؟ لا شيء طبعًا.

إلى الآن كنت ناعمًا في الكلام مبررًا لأراجيك أو شارحًا الموضوع بصراحة كما أراه. الآن سأبدأ بذكر نقدي ووجهة نظري الشخصية.

***

فشل أراجيك في صناعة الكاتب: أعتقد أن أراجيك نجحت تمامًا في صناعة «وظيفة الكاتب» لكنها فشلت في صناعة الكاتب نفسه. هي نجحت في صناعة الذي يدخل وينضم فيذهب إلى الفيسبوك ويكتب Started a job at AraGeek. وبعد أن تنتهي مهمته ويترك يكتب Left a job. أي أنها صنعت منه موظفًا لكنها لم تصنع منه كاتبًا.

يُقال أنّ أراجيك هي التي تصنّع الكتاب، وبرأيي الشخصي هذا الأمر خاطئ. تخيّل معي أن كلية الطب يدخل إليها دفعة مكوّنة من 100 طالب. نسبة الذي تخرجوا ونجحوا فيها هم 5! هل بإمكاننا أن نقول أنّ كلية الطب صنعت الطلاب؟ لا. سيكون ذلك فقط عندما تنجح الكلية في تخريج النسبة القصوى منهم وليس العكس. بمعنى عندما ينجح 90% من الطلاب ويفشل 10% هنا نقول أنّ الكلية صنعتهم وأن الفاشلين يحتملون وزرَ أنفسهم.

ما هي نسبة نجاح الكاتب في أراجيك؟ دخل 100 كاتب إلى أراجيك. مَن الذين تخرّجوا بنجاح؟ أعتقد أنهم على أصابع اليد الواحدة. لذلك عبارة أن أراجيك تصنع الكاتب خاطئة. العبارة الصحيحة أن أراجيك تعطي الفرصة لمن لديه بذرة الكاتب -وليس وظيفة الكاتب الذي يبدأ وظيفة ويغادر وظيفة- وهذا البذرة كانت ستنمو في أرضها أو في غيرها. إلا أنها موجودة.

***

عن المقالات والكتب: يمكنك اعتباري من دكّة القدامى في الموقع كوني دخلت في عام 2014 على يد رئيس التحرير عماد وعاصرت الجميع من بعده مرورًا بمحمد وعبدالله وحتى نجوى حاليًا. لذلك هذه السنوات الست في الكتابة تخولني أن أقول بعض الكلام الذي لا بد من قوله.

كتابة المقالات بمجملها شيء محدود للغاية. بمعنى أنّ أحد أهم أسباب تعاسة المحتوى بشكل عام أن القارئ الذكي المثقف ينتظر أن يجد في المقال ما يجده في الكتاب وهذا ظلم كبير. المقال دائمًا محدود ومكثف ومختصر، إضافةً لأنّ هناك ضوابط تحكمه فلا تطلب منه ما هو فوق استطاعته.

فالفرق مثلًا بين قراءة المقالات وقراءة الكتب أن المقالات تعطيك تفكيرًا أفقيًا بينما الكتب تعطيك تفكيرًا عموديًا. أي أنّ قارئ المقالات سيكون مُلمًا بالكثير خصوصًا إذا قرأ 20 مقال في اليوم وفي شتى المجالات، إلا أنه يبقى قارئ غير متخصص بشيء يعوم على الأسطح فقط. لأن المقال مهما كان عميقًا يظل سطحيًا بالنسبة للكتب والقراءة العمودية. تلك التي تركّز على فكرة ما ضمن كتاب وتقتلها بحثًا في حوالي 200 صفحة على الأقل. فيكون عندها الفرق واضحًا.

وحتى على النطاق الغربي في صحف عالمية كالغارديان والتايمز وغيرها من الأسماء الكبيرة. تصفّح مواقعهم وستجد نفس العناوين موجودة لكن بلغة انجليزية. الجميع سواسية تحت هذا الأمر كون المحتوى الشبكي وخوارزمياته هي التي تحكم ذلك بكامله.

بالإمكان اليوم مثلًا أن ترجع العناوين القديمة الرصينة كلها. وألا يتم مخاطبة محركات البحث وأن تناقش الأمور بجدية. لكن في الشهر القادم سيغلق الموقع بسبب الإفلاس لأنه لم يعد بإمكانه دفع ما عليه. هذه هي ظروف المحتوى البائسة ضمن منافسة شرسة وكبيرة. لذلك يجب أن تضع هذا باعتبارك وأن تعرف فقط ما الذي يجري.

وطالما أن أراجيك لم تصل إلى مرتبة مواقع من نمط ثقف نفسك. وتنشر محتوى التخسيس والريجيم وفوائد الشاي الأخضر بعد تناول الفلافل. بالإضافة للانحيازات السياسية والدينية الفجة مثلما تفعل بقية المواقع التي تستقطب الجمهور المتطرف في مواقفه، فالأمر لا يزال سليمًا نوعًا ما.

وتذكر دائمًا أن المقال مهما كان جيدًا وذو عنوان رصين إلا أنه يبقى محدودًا خصوصًا لمَن يقرأ الكتب ولمن له باع كبير في المعرفة.

***

أحد الأمور المجحفة قليلًا أن القارئ المهتم بالفيزياء الكمومية مثلًا يظهر له على الفيسبوك مقال عن فيلم فلاني أو علاني. فيقول: ما هذه السخافة، ما هذا المحتوى الرديء؟ في الحقيقية ليس رديئًا. إلا أن أراجيك أصبحت كبيرة ومتشعبة لدرجة أنها تخاطب الجميع. أراجيك كالجسد، فيها قلب وعقل وأطراف ومؤخرة. وكل انسان تستقطبه المنطقة التي يحب القراءة فيها، فيفضّل البعض أن يتعامل ويقرأ ما هو عقل بينما الآخرين يفضلوا المؤخرة. فالناس أذواق. ولولا اختلاف الناس لفسدت السلع كما تعلم.

لا أفهم وليست ميولي الكثير من الأشياء التي تُنشر. لكنني بنفس الوقت أعلم تمامًا أن تلك المواضيع لها روادها وأن هناك مَن هو مهتم بها، وأنه من الواجب احترام توجهاتهم حتى لو لم تكن تعنينا في شيء. فالأمر هنا فيه لدغة عنصرية وتعصب. فكونك ذكيًا مستقطبًا نحو مجال محدد لا يعني أن الجميع كذلك. ولهذا أدقق على النقطة التي قلتها في البداية. لا تهتم بالبناء ككل. أهتم بالطابق الذي يسكن فيه من تريد أن تراه وتتحادث معه. هذه الفكرة مُهمة جدًا.

***

أخيرًا، هذه المقالة مجرّد دين وجبَ سداده وتوضيحه للقراء القدامى الذين لا تزال أراجيك القديمة مرسومة في ذهنهم كما في الصورة التي وضعتها. وأعتقد أن الخطأ الذي ارتكب من قبل أراجيك أنها انعطفت بهذا الشكل الحاد دون أن تقدّم تبريرًا أو على الأقل تقول ما الذي حدث في خوارزميات البحث وطرق الوصول والكتّاب الجدد والقدامى… الخ. إذ تجاهلت أولئك المخلصين الذين كانوا يقرأون في البداية، وبدأت بمخاطبة البلهاء القادمين من محركات البحث الذين يجرون وراء كيفية وضع الخيط في ثقب الإبرة بدون أن تخدش إصبعك عشرات المرات، متجاهلين شرح ما الذي حدث.

لا يمكننا أن نلوم كثيرًا لأنه كما قلت، هذه الشروط الجديدة كي تستمر. وإن غير المتكيّف وفقًا للقانون الشهير للبقاء دائمًا سيكون مصيره الهلاك.

وكحل عملي لمن يريد الحلول الفعالة، وإن أردت تذكّر تلك الروح القديمة للموقع فتعال إلى طابقي وستجد شقتي دائمًا مفتوحة. أو لمن تعتقد أنه كذلك. صحيح أني أنشأت مدونة جديدة. إلا أنني مازلت في أراجيك أيضًا. يمكنني أن أقول -بيني وبينك- أن علاقة الكاتب مع النص هي علاقة حميمية جدًا. تخيّل أنك عريس جديد وتذهب لزيارة الأقارب هنا وهناك. فتزور عمك صاحب الشوارب الكثة والاقارب وغيرهم. لكنك في لحظة ما بحاجة للعودة إلى بيتك الخاص والانفراد مع نصوصك.

المدوّنة ما هي إلا انفراد لا بد منه. كيلا تظهر لك إعلانات في منتصف استرسالك بقراءة نص ما. وحتى أكتب فيها بضعة أمور لا يمكنني كتابتها أو لا أحبذ فعلها على العام بشكل كبير مثل هذا المقال على سبيل المثال.

تلخيصًا لكل هذا «الرغي» السابق. أراجيك القديمة وكتابها العظماء السابقين لم تتغير. الزمن ومتطلبات البقاء هي من تغيرت فكان لا بد من التكيّف مع الوضع الجديد كي تبقى. وما زال بإمكان الجميع أن يرسل ما يُريد ويكتب ما يشاء إلا أنهم كما قلت لكم انتشروا في الأرض جميعًا وتشتت أخبارهم.

الدور الأهم المُتبقي للقارئ يكون ألا يحاكم البناء لأنه رأى شرفة أحد الطوابق متسخة أو ليست على هواه الذي يرغبه، لأن لكل جار وإنسان ذوق في تزيّن منزله. ويبقى دور القارئ الأهم أن يختار مَن يريد زيارته بشكل متقطع أو على الدوام. آخذًا بعين الاعتبار كل النقاط السابقة التي عرضتها.