التصنيفات
عام

فنّ الخسارة

غالبًا أنت تعرّضت اليوم لعدّة مقالات تدفعك لمشاهدة أفلام بعينها، وتدوينات أخرى تتحدث عن 10 كتب يجب أن تقرأها ولا تضيع شبابك بدونها، ثم تقفز لتجد أمامك 5 روايات ينصح بها العبقري الفلاني العالمي وقائمة من الصحف التي ينبغي أن تطالع أخبارها بشكل يومي مُنتظم وأنه يجب «ألا تفوّتها». وسيل جارف مِن غثاء الإعلام الذي أصبح يجرفنا يوميًا على كل منصة تواصل ووسيلة إِخبار ومِنبر إدراك.

عندها لا بد أن نقف قليلًا ونتعجب، لماذا كل هذهِ الضوضاء؟

سبب ذلك بإيجاز، أن المعرفة مُسبقًا كانت مُقتصرة على قوالب شديدة الرصانة مِن نمط الكتب والمدارس والزوايا التي تبث فيها العلوم. أي أن الاطلاع على شيء ما كان صعب المنال. أما الآن فالخلل الذي أدى لهذه العناوين الغثيثة التي ترونها أينما وليتم وجوهكم أن المعرفة قد اقترنت مع الإعلام، وللأسف وكما هو معروف لدى الجميع أن مهنة الإعلام كانت دائمًا نقل الأخبار وتلفزة الأمور السائدة التي تحصد المشاهدات، مع غطاء بين فينة وأخرى لمواد رصينة كي تحمي نفسها مِن ربقة النقد الصارم. إلا أنها في النهاية تبقى إعلامًا وتبقى مهمتها تلك العتيدة المعروفة منذ الأزل، نقل ما هو سائد إضافةً للغيبة والنميمة على طريقة أم زكي لكن بصيغة أكثر تطّويرًا.

“إن أزمة الإنسانية الآن وفي كل زمان، أنها تتقدّم في وسائل قدرتها، أسرع بكثير مما تقدم في وسائل حكمتها” – توفيق الحكيم

يُخبرنا التوجّه الماركسي أن الفكر هو صنيعة الطبقة الاقتصادية وآلة الإنتاج أي أنّ معرفة الإنسان خاضعة لظروفه الاقتصادية. لنتخيل معًا إنسانًا عاشَ في القرن الماضي، هل لك أن تتوقّع مدى صعوبة شراء الكتب والوصول للمكتبات وربما السفر إلى العاصمة من أجل الحصول على عنوان جديد، بعد أن جُمعت الأموال وادخرت على مدار أشهر لأجل شراء هذا المخطوط؟ هل بإمكانك الآن ألا تلومه لو كان إنسانًا عاديًا غير موسوعي لأنه ببساطة شديدة حُكِمَ بطبقته الاقتصاديّة الفقيرة فلم تتح له فرصة أن يكون واسع الأفق ثري المعرفة؟ الجواب سأتركه مُعلّقًا برسم إجابتك الشخصية وفقًا للفلسفة التي تراها مُناسبة لإصدار الحكم.

ما يعنينا والأهم في وقتنا الحالي أن أي إنسان لا يزال جاهلًا فيصح تسميته «جاهل عن سبق إصرار وتصميم» بمعنى أنه لم تعد حجة صعوبة الوصول موجودة. لم تعد حجة حظر الكتب حاضرة. ليس هناك عدم كفاية في الأموال. نحن نعيش في أكثر فترة تكون فيها المعرفة سهلة الوصول وضمن متناول اليد. قديمًا كان النمو الفكري خيار نخبوي أما الآن فهو مَعروض للجميع على مدار 24 ساعة. رفضك له يعني أنك لا تريده عامدًا!

يُشاهد البعض أخبار الأغنياء العالميين، من نمط جيف بيزوس وبيل غيتس ووارن بافيت ومن حذا حذوهم. فيقول: أووووه، انظروا إلى هؤلاء الأغنياء الحيتان إنهم يأكلون العالم بلا ملح! هذا صحيح، هؤلاء أثرياء جدًا بشكل غير قابل للتصوّر. لكن يجب أن نعرف أيضًا أن المعرفة الآن أصبحت مُتاحة للجميع. إذ على اليوتيوب أو كورسيرا وحدهم بإمكانك تعلّم مبادئ الفلسفة وبرمجة البايثون ومقدمة في علم الخلية وكيف تكتب مقالًا وتترجم كتابًا. وكل ما تريده بشكل شبه مجاني. لذلك طبيعي أن ترى البعض أصبحوا عمالقة. كونهم عاصروا الفترة الأصعب وكانوا منضبطين في زمن لم يكن فيه متاح الكثير. أما الآن فكل شيء متاح ومجاني إلا أن الحال أصبحت معكوسة. لا سيما مع وسائل الإعلام كما قلنا في البداية. فأصبحنا نمتلك أجهزة ذكية إلا أننا كبشر صرنا كائنات غبية.

دقق معي النظر في أحد قوائم الـ PlayList على يوتيوب مثلًا، ستجد في بداية دورة أو كورس ما عن اللغة الإنكليزية مثلًا عدد المشاهدات مليون، في الحلقة الثانية 500 ألف، الثالثة 300 ألف، الرابعة 100 ألف، وحتى نهاية الدورة نجد ربما عدد المشاهدات حوالي 10 الاف. هذا يقودنا لاستنتاج مهم جدًا في وقتنا الحالي، وهو أنّه من غير الضروري أن تبدأ بشيء ما، لأن السهولة المعرفيّة أتاحت الفرصة للجميع أن يبدأ إنما الأكثر أهميةً هو التركيز والاستمرار حتى النهاية. لا يمكنك تخيّل مدى أهمية الاستمرارية والتراكم الزمني في تطوير لياقاتك ضمن مجال ما. لا تستهين بقدرة الزمن على فعل العجائب.

“الآن تجارة التركيز هي تجارة وسائل الاعلام على اختلاف أذرعها، الجميع يريد جذب المشاهد بأي طريقة ممكنة”

ففي ظل كل هذا التيه، وفي ظل كل القيء الذي نراه يوميًا على صفحات الـ Home في وسائل التواصل الإعلامي. وكيف أن هناك كتب تهدد شبابك بالضياع إن لم تقرأها وأفلام تهدد يومك بالملل إن لم تشاهدها. يبقى الأهم أن تكون انتقائيًا. انتقائيًا جدًا. هذا العصر يَحوي فيض مِن المعلومات المفيدة ربما لكن بطريقة تقديم ضارة جدًا. ولعلَ أهم ما ينبغي علينا أن نتعلمه الآن هو فنّ الخسارة.

“وسائل الإعلام هي اليد اليمنى للفوضى” – دان بروان

عندما يحمل الزورق أمتعة كثيرة يكون مصيره الحتمي الغرق. لذلك انتقِ بعناية حمولة الزورق الذي تريد الإبحار به. حتى لو كانت الحمولة حزم من الكتب فيجب أن تنتقيها جيدًا، لأنها بالنسبة للزورق مهما كانت نافعة تبقى مجرّد ثقل لها وزن وستسبب الغرق إن فاضت. لا ينبغي للجميع أن يتعلموا تحرير الفيديو ولا برمجة صفحات الويب ولا كتابة المقالات والترجمة. لا تغتر بسهولة الوصول وتعلم هذه الأشياء الآن لأنك لن تستطيع أن تضبطها جميعًا. يجب أن تكون ذكيًا بما يكفي لخسارة ما لا ينفعك وانتقاء ما يفيدك وحمله معك. وأكرر مرة أخرى، لا تغتر بسهولة الوصول ومجانية هذه المجالات، لأن المهم ليس البداية فالجميع يبدأ. لكن ليس الجميع يستمر ويركز.

“مثلاً، عندما ترى أمامك منشور يقول لك أن منصة كورسيرا أتاحت لفترة محدودة كورس في تحرير الفيديو بشكل مجاني. لا بد أن لعابنا يسيل جميعًا عندما نرى كلمة مجاني مع شيء كان يُدفع له. لكن لو استوقفت نفسك للحظة وشاورت عقلك قليلاً لوجدت أنه لا أهمية لذلك في حياتك. إن لم يكن كورس تحرير الفيديو يصب في إطار مهنتك أو مهاراتك الشخصية التي تطوّرها، فالواجب أن تتجاهله تمامًا، سواءً كان مجانيًا أو حتى مدفوع بمليون دولار. هو خارج سياق حياتي لماذا أضيفه حمولة زائدة عندي؟ هذا الفيضان المعرفي انقلبَ نقمةً علينا، لدرجة أن إنهاء قوائم المشاهدة لاحقًا Watch Later في يوتيوب والمنشورات المحفوظة على فيسبوك أصبح مِن «أهداف حياة» بعض الناس. هل أدركتم مدى الفوضى المعلوماتية التي نعيشها؟!”

حتى على نطاق الكتب والروايات، غالبًا أنت ستنهي يومك وفي حصيلتك 50 كتاب فقط من عناوين المواقع التي تنصحك بقراءتها. ولو فعلت كل هذا يوميًا فأنت بحاجة لنهار يتكوّن من 76 ساعة فقط كي تلحق قراءة كل هذه الكتب المنصوح بمطالعتها ودراستها. لذلك حتى هنا يجب أن تكون انتقائيًا حذرًا.

“لا تقرأ ما هو متاح لك، أقرأ ما أنت متاح له” – عبدالله البريدي

“القراء الآن يجيدون فتح الأقواس، لكنهم نادرًا ما يستطيعون إغلاقها”- عبدالله البريدي.

اخسر الأشياء ولا تبالِ، نحن نعيش في عالم يفيض بالهراء. عصر يتيح المنابر للجميع كي يتكلم. عصر يحاول إغراقك في سيل من العناوين التي تهدد حياتك بالملل وشبابك بالفناء إن لم تجري ورائها. اخسرهم ولا تبالِ. ولكي أحررك أكثر، حتى لو وجدت أني أنا صاحب هذه الكلمات قد أصبحت أشكل عبئًا عليك، فاتركني وراء ظهرك وحرر نفسك.

ليست كل الخسارات فقدان، هناك خسارات تكون عين الربح. كن ذكيًا، كن انتقائيًا. لا تكن أنت السلعة لمنتجاتهم. لا تكن ذلك الذي يقع في الفخ ولو كان مُزينًا بوهم المعرفة وقوائم الكتب والأفلام الممتعة.

التصنيفات
عام

الحب من النظرة الأخيرة

الابتذال الموجود في التلفاز والسينما وفي الشوارع وأي مكان آخر تولّي إليه وجهك، جعلَ من كل شيء ذو قيمة في حياتنا مجرّد وهم وتفاهة لا طائل منها، ومما لا شك فيه أنّ من أبرز ضحايا الابتذال هو الحب، وخصوصاً ذلك الذي يقولون أنّه يكون عند النظرة الأولى.

أعتقد أنّ النظرة الأولى غير كافية لأن تحب من خلالها. نعم، هناك انطباع أوّلي نأخذه عن كل شخص وإمّا يكون إيجابياً أو سلبياً. لكن الحب من نظرة أولى وحيدة عقيمة هو أمر مُبالغ به، ويعكس إلى حد كبير ضعف في شخصية صاحبه أياً كان ما يكون.

الحقيقي والأكثر مصداقية هو الحب، لكن من النظرة الأخيرة! نعم، تلك النظرة التي تعلم أنّ من بعدها لن ترى ذلك الشخص للأبد. مَن هم أعظم شخصين في حياة كل إنسان؟ الأم والأب قطعاً. هؤلاء في يوم من الأيام – أتمنى أن يطول على الجميع – سيتركونكم وسيرحلون، وستبقى أنتَ وأنتِ وحدكم بعد أن قاموا بإنهاء مهمتهم بالإنجاب والتربية والتعليم وما إلى ذلك.

غالباً أنت ستكرههم كثيراً في العديد من محطات حياتك، لكن صدق أو صدق! – خيار عدم التصديق غير مفعّل هنا! – لن تشعر بمقدار حبك لهم إلّا في تلك اللحظات، اللحظات التي تعلم بها أنّ أوان رحيلهم قد أزفّ وأنّ النهاية قد اقتربت، وأن مَن كانوا يوماً السند قد رحلوا بعد أن أوكلوا مهمة الإسناد إليك عندما استقالوا منها للأبد.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة من حياتهم سيصل الحب إلى قمّة مجده، وستدرك أنّك فعلًا قد أحببتهم.

صديقك العزيز، الإنسان الحمار صاحب سلوك الثور إلّا أنّه طيّب القلب ولم يخذلك قط. هذا الصديق لن تشعر بقيمته طيلة مدة صداقتكم التي لربما استمرت لـ 20 سنة، صحيح أنّكم ضحكتم معاً وبكيتم معاً إلّا أنّ كل ذلك مضى في وقته، ولربما مرت أيام كرهته بها كثيراً، إلّا أنّ حبك له لن يصل لذروة اكتماله إلّا عندما تعلم أنّه قد حجزَ التذكرة، وأنّه قد ركب الطائرة مديراً ظهره لقدر كبير من الأيام والذكريات التي بنيتموها معاً.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة عند إقلاع طائرته ستدرك أنّك أحببته حقاً.

لديك أستاذ في المدرسة، هذا الأستاذ لطيف ورائع ولا يشعرك بالملل، لن تشعر بقيمته إلّا عندما تكبر وتتذكر تلك الأيام التي كنت تجلس بها كالمسمار على مقعد الصف الخشبي الذي لطالما ساهم في ظهور بواسير الطلاب المساكين، لكن ما نفع ذلك إن كان ذلك الأستاذ قد تقاعد عن عمله، ولربما مات، ولربما المدرسة كلها قد أغلقت أبوابها.

في تلك اللحظات ستحب الجميع حينها.

هذا هو الحب الحقيقي، صحيح أنّنا قلنا في البداية أنّ الانحياز للعقل، لكن هنا لا نناقش الحب كشعور عاطفي خاص بين الجنسين، الحب هنا عبارة عن وسيلة تواصل تخبر به الطرف المقابل أنّه كان جزءاً مهماً من حياتك، وأنّ خروجه منها سيكون صعباً تقبّله.

هذه هي حياة الإنسان باختصار، الأم والأب سيرحلون، الصديق يُستبدل غالباً كل خمس سنوات – راقب عدد أصدقائك الذين استبدلتهم من المدرسة للآن وستعلم ذلك – وكل إنسان آخر سيؤدي مهمة في حياتك وبعد انتهائِها سيرحل.

الحياة أشبه ما تكون بسيناريو أنت البطل فيه، كل شخص لديه دور يقوم به ومن بعده يغادر بصمت.

الأب رعاك وانتهى دوره ورحل، الأم فاضت عليك من حنانها لكن دورها وصل لنهايته فغادرت. الصديق رافقك وانتهى، الزوج حماكِ وانتهى، المدرّس علمك ومن ثم تقاعد وجلسَ إلى الجانب. الجميع يظهر في البداية ومن ثمّ يرحل بعد أن يكمل مهمته.

لذلك، كن قوياً يا صديق، الجميع سيغيبون عندما ينجزون أدوارهم، ولن تبقى سوى تلك النظرة الأخيرة، النظرة غير المبتذلة أبداً، النظرة التي يكون عندها الحب حقيقياً.

كذبَ مَن قال بأنّ الحب من النظرة الأولى، الحب لا يكون إلّا عند النظرات الأخيرة!