التصنيفات
عام

الأمل عملٌ شاق

لم يخطئ الإغريق القدماء عندما سمّوا الأمل بشر الشرور. إذ نادرًا ما نرى فيلسوفًا -يونانيًا أو مُحدثًا- كان قد آمن بأن الحياة جميلة ورغيدة. ولم يذنب محمود درويش عندما أطلق تركيبة «لدغة الأمل الجريح» ليُشير بها إلى أن الأمل أقرب ما يكون لعضّة أفعى توهمنا أحيانًا بأن القادم أفضل. فتكون عندها حالة استثنائية مَرضيّة قد أصابتنا وليست توجّهًا طبيعيًا.

وليس ببعيد عن تشاؤم الفلسفات وتوجّس الإغريق من البهجة، نجد أن الأديان قد أدلت بدلوها أيضًا، لتفهمنا أن هذه الحياة مقر اختبار ولا رفاهية لك فيها إلا بعد النجاح. أي أنه لا سعادة هنا أيضًا، وما الأمل إلا ملوّنات شخصيّة يرشقها كل فرد منا على حياته ليُعطيها بعض أشكال الفرح والغِبطة.

لكن لو أردنا تجاهل كل ما سبق والنظر إلى النصف الممتلئ من كأس الحياة المهترئ. لماذا نشعر بصعوبة؟ لماذا الأمل عمل مُجهد إلى هذا الحد؟ تكمن إجابة هذا السؤال في قصتين، أولهما بطلها النبي يوسف. أما الثانية فمخرجها هو العبقري كريستوفر نولان. وكلتاهما تعرضان الفكرة ذاتها.

تتحدث قصة النبي يوسف التوراتية الموصوفة بأنها أحسن القصص على الأطلاق، عن معنى أبعد من الهيكل الظاهري الواضح بكثير. إذ تساهم بكسر نمط لطالما امتهنته القصص الأخرى، فعلى العكس من بقية الأنبياء الذين تقوم معاجزهم على خرق فيزيائي واضح لقوانين الطبيعة بحيث يكون الهدف نوعًا من الإبهار البصري، تقوم قصة يوسف على فعل تراكمي يتطوّر باستمرار، فعل يتعدّى حدود اللحظة الحالية بل يُضحي بها لأجل إعطاء فكرة عامة شديدة العمق في النهاية.

فأنت مهما اجتهدت لن تستطيع أن تشق بحرًا. ومهما بلغت قوتك لن تحوّل العصا لأفعى. ومهما تعلمت الغوص فلن تبقى حيًا في بطن الحوت. لكن مع يوسف يحدث العكس تمامًا. قصة يوسف تشكّل نموذج معياري يمكن الوصول إليه. صعب وعالي بعض الشيء، نعم. لكنه قابل للتطبيق. وهذا هو مفتاح أهميتها ونقطة تفرّدها.

ما هو الأسوأ من شعور الفقدان التام الأمل؟ الأسوأ هو وجوده. أن يكون هناك ضوء تراه في نهاية الممر.

نعود بالزمن قليلاً إلى فيلم باتمان «The Dark Knight Rises» عندما تم الحديث عن كيفية صناعة الوحش «بين Bane» وكيف تم إلقاءه في السجن. ذلك بعد أن دخل باتمان نفسه إلى ذات المكان وعانى فيه ما عانى. في نص الحوار السينمائي، كان هناك تساؤل يطرحه أحدهم عن لماذا كان ذلك السجن من أسوء طرق التعذيب الممكن خوضها. هل بالإمكان أن نجيب هنا عن ذلك التساؤل؟

نفس ما ورد في الفيلم تمامًا. أن ذلك السجن يحوي الأمل! ذلك السجن كان يحوي في أعلاه فتحة ضخمة يرون من خلالها النور. كما في بئر يوسف تمامًا، نفس آلية التعذيب. آلية وجود أمل واحتمال قدوم أحدهم.

في الحقيقة، لا يوجد أجمل من شعور الفقدان التام للأمل، على الأقل تعلم ما أنت مُقبل عليه. مثلاً تدخل لغرفة العمليات فيقول لك الطبيب احتمال نجاح العملية 0% أنت ستموت! رائع جدًا! على الأقل أنا سأعرف لأين أمضي. أما الصعب والقاتل أن يقول لك الطبيب هناك احتمال نجاح للعملية 5% فيكون هناك أمل. عندها لا تدري ما تفعل، هل تستسلم للاحتمال الأكبر وتمضي مُتجاهلًا وجود بارقة في النجاة. أم تصب تركيزك على احتمال ضئيل لا تعلم مدى نجاحه مُستدعيًا بذلك كل عبارات التحفيز والاقناع والاقبال على الحياة.

ربما وجود الأمل في أمور بسيطة شيء لطيف (أمل أن تنال درجة مدرسيّة وجامعيّة عالية، أمل أن تسافر، أمل أن تأكل وجبة لذيذة… الخ من نماذج الأمل المعتمدة على إفراز الدوبامين، فيكون الفرح ما هو إلا استجابة كيميائية) لكن هنا الأمل لم يكن جميلاً أبدًا. الأمل هنا كان أداة تعذيب يا صديقي. كان الأمل سجنًا.

من جانبٍ آخر، يصب الأمل في كونه ملوّنًا للحياة وبهارًا لبؤسها. وهو ما تُشير إليه مصطلحات علم النفس بما يعرف بـ: «واقعيّة الاكتئاب Depressive Realism». ولشرحها لا بد من الوقوف على المثال التالي.

هل صدف أن حضرتَ واقعة وقصة معينة أنت وصديق ما؟ ثم رأيت أن صديقك يحكي هذه القصة لأحد آخر. إلا أنه يرويها بطريقة مُختلفة تمامًا وكأنك لم تحضرها فتقول في سرك: تبًا كم يكذب هذا الوغد وأنا كنت معه! في الحقيقة، هو لا يكذب هو يُضيف نعم بهارات لتحسين القصة لكنه في الحقيقة لا يكذب وأنت لا تكذب، الفرق أن كلاكما تريان القصة من منظور مختلف.

ناقشت أحد الدراسات اللطيفة شبيه هذا الأمر، إذ عرّضت مجموعة من المتطوعين لقصة واحدة. ومن ثم طُلبَ منهم أن يقوموا بحكاية هذه القصة لأناس آخرين على انفراد. الطريف في الموضوع أن القصص التي نُقلت كانت جميعها مُختلفة في جزئياتها فكل منهم كان يروي القصة بتفاصيل معينة مع إهمال تفاصيل أخرى. فلا أحد هنا يغش، إنما عقل كل منهم والإنسان بشكل عام يركّز على تفاصيل معينة تعتمد على خلفية كل فرد وإطاره الفكري.

«لكَ أن تتخيل إذًا عندما تروى القصة شفهيًا لجيل آخر ثم الجيل الذي يليه يرويها للذي بعده ثم للذي بعده. من الطبيعي في النهاية أن تجد قصة مُختلفة تمامًا عن القصة الأولى. وهذا ما يدفع بالمناهج العلمية الحديثة في التاريخ على سبيل المثال لاعتماد الدليل الأركيولوجي فقط واستبعاد الدليل الشفهي والقصصي كونهُ لا ميزان للدقة له».

لنفترض مثلًا وجود تجمع جماهيري من الناس. وعلى سطح بناء مُطل على هذا التجمّع يجلس مصوّر ومصمم أزياء ورجل أعمال. سنجد جميعًا أن مصمم الأزياء يدقق على ما يلبسه هؤلاء الناس ويندهش من ألوانهم الفاقعة، أما المصوّر فيرى في تجمعهم فرصة لالتقاط صورة من زاوية لا تتكرر. ورجل الأعمال بإمكانه أن يستغلهم ويرشقهم بإعلانات لمنتجه الذي يريد بيعه صانعًا منهم مستهلكين، فينزل مثلًا إليهم ويقوم ببيعهم عبوات مياه ليبرد عطشهم. وهكذا. إذ يرى الجميع أي مشهد أو فكرة أو موضوع اعتمادًا على خلفيّتهم السابقة وإطارهم الفكري القادمين منه.

الآن نعود لمفهوم واقعية الاكتئاب. وهو يشير إلى أن المصابين بالاكتئاب عرضة لرؤية العالم كما هو بشكل موضوعي حيادي. بينما «المُصابين بمرض الأمل» يرون العالم دائمًا من خلفياتهم الجميلة اللطيفة التي تحتّم عليهم التطلّع للغد والنظر نحو النصف الممتلئ من الكأس، والتي غالبًا ما ستهتز عندما يأتي أوّل وباء أو حرب أو مجاعة. ولعلَ هذا ما دفع الفترة الممتدة بين الحربين العالميتين لتكون المَولد الرئيس لفلسفات البؤس والعبث والتشاؤم. كونَ الأمل في تلك الفترة كان غائبًا عن الوعي.

«أكثر الناس شجاعةً يعانون من أكثر المآسي ألمًا، وهذا هو تحديدًا سبب إعطائهم الحياة قيمة كبيرة. لأنهم يواجهون الحياة وهي مُدججة بأكثر أسلحتها رعبًا». فريدريك نيتشه

حقكَ إن أردت أن تصادق أحدًا أن تختاره سعيدًا مُبتهجًا، وإن أردت أن تتزوج شخصًا فلا بد لذلك الإنسان أن يكون مُقبلًا على الحياة مُهتمًا بها. حقكم إن أردتم سماعَ حديث أقربائكم أن يكون للأخبار المفرحة أولوية بينما التعيسة في ذيل القائمة ولا تحبيذ للخوض الكثير بها لأنها تجلب البؤس. هذه السلوكيات مُحقة وعادلة ولعلها هي الأسلم والأكثر تكيفًا.

لكن الإطار العام – هنا يجب أن نوجه شكر للمجاعات والحروب والأوبئة لأنها تذكرنا بهذا دائمًا – يفرض أن الأمل والسعادة هي ملوّنات يرشق كل منا حياته بها وأن الحالة في صلبها الموضوعي لا تحتمل فقط الجانب السعيد الإيجابي بل هناك السيء السلبي، فالنظر إلى النصف الممتلئ من الكأس لا يُلغي أبدًا النصف الفارغ بل يفصل صاحبه أحيانًا عن الواقع لدرجة أن يصبح أشبه بما يمكن تسميته بـ «صيّاد أمل» أو «بائع أمل».

نعم، الأمل في غالبه اختيار موفق وإضافة جميلة. إلا أنها تكون لدى البعض رفاهية شديدة، رفاهية ليست بتلك السهولة. خصوصًا إن كنت تجلس في بئر يتمثلُ إليك الأمل فيه على شكل نافذة تراها يوميًا دون أن تستطيع إليها وصولا. عندها لن يكون الأمل إيجابيًا، بل سيكون أمرًا بشعًا، سيكون أداة تعذيب من القرون الوسطى، سيكون سجنًا نازيًا تُحرق فيه يوميًا، سيكون الأمل حينها عملًا شاقًا جدًا.

التصنيفات
عام

عن أراجيك القديمة

ما الذي حدث. لماذا تغيرتم. أين تلك المقالات القديمة. ما هذا المستوى الجديد. أنا آسف لكني سأزيل إعجابي من الصفحة. أنا آسف لكن المستوى لم يكن مثلما عهدناه سابقًا. أنا آسف لا أعرف لماذا لكن يجب أن أقول أنا آسف. وهلم جرًا على تساؤلات تتبع هذا النمط كانت قد ظهرت على امتداد عمر أراجيك وتمحورت عن الفرق والتغيير الحاصل بين أراجيك القديمة التي يمكن وصفها بأراجيك ما قبل 2016 -إن كنت تعرفها فيجب أن تتابع القراءة وإن لم تكن فقد أرحت نفسك من عناء مقارنة كان عقلك سيجريها بشكل إجباري- وأراجيك الجديدة التي يمكن أن نصفها بأراجيك ما بعد 2016.

سأكتب نقاط سريعة بوصفي جرّبت الكتابة لدى أراجيك وما زلت أفعل. أعتقد أنه من حق الناس أن يعرفوا الصورة كاملة ويشرح أحدٌ ما لهم ماذا يجري. أدقق على أن العنوان هو «عن» أراجيك وليس «مِن» وكأني ناطق رسمي. بمعنى أنها وجهة نظر شخصية تحتمل الصواب والخطأ. تحتمل الشفافية وعدمها. تحتمل أن تكون أي شيء. إلا أن أهم ما فيها أنها تعرض وتوضّح لمن لا يعرف كيف تجري الأمور.

***

بدايةً يجب أن نقول أنّ أراجيك لم تتغير إنما المحتوى وطرائق وصوله هي مَن تغيرت. إذ لم تعد الشروط كما السابق حيث كان إظهار الفيسبوك للمقالات كبير والوصول من محركات البحث أوسع، فلم يكن هناك داعٍ لعملية «تسخيف العناوين» التي هي طبعًا وجهة النظر الأولى لدى مَن يقول بفكرة تدني المحتوى. فالأمر جاء أولًا بسبب تغيير الشروط الحاكمة للموقع وقراءة ما فيه.

ربما لا يعرف كثير من القراء أن النسبة الأعظم من زوّار الموقع هم الذين يأتون من محركات البحث -ذلك الإنسان الذي يفتّش عن كيفية سلق البطاطا على الانترنت- نسبة قليلة جدًا هي تلك التي تأتي من السوشال ميديا أو أولئك القراء المخلصين الذين يزورون الموقع يوميًا لأنهم يمتلكون فكرة مسبقة أن فيه مقالات جيدة وجب قراءتها. فالخطاب الأوّل الذي ينتهجه الموقع بشكل عام في أي مقال ينشره هو أن يكون متناسبًا مع متطلبات البحث. وللأسف وكما تعلمون جميعًا خوارزميات المحركات أصبحت تخصصية جدًا لخدمة المستوى الفكري لذلك الذي يبحث عن كيفية سلق البطاطا عبرها. فالتغيير الحاصل ما هو إلا استجابة لهذه التبدّلات لكي يستطيع الموقع أن يبقى على قيد الحياة.

***

ثانيًا وهو الأهم الواجب توضيحه. أن أراجيك موقع ربحي. أي إنه باختصار شديد يسعى نحو (1): الربح (2): الفائدة والثقافة… والخ. مثلاً، لنتخيّل أنه يوجد في الموقع 100 كاتب وأن كل كاتب لديه مهام محددة شبه يوميّة لخطّ مقالات وتغطية أخبار بعينها. الآن أنت كمدير عام للموقع، من أين يجب أن تأتي بالأموال لكل هؤلاء الكتّاب؟ فكّر معي للحظة. الناس عمومًا قد تعمل بدافع الحب والهواية إلا أنها في مرحلة ما تحتاج لمقابل ما تبذله من مجهود، فمن أين سيأتي به؟

المواقع في هذا نوعان: مواقع ربحيّة متل أراجيك. أي أنها تضع إعلانات وتستقبل الإعلانات من أجل الحصول على دعم وبالتالي الدفع للكتاب وكتحصيل حاصل بقاء الموقع على قيد الحياة. والنوع الثاني من المواقع تلك التي تكون مُتبناة من قبل شبكة إعلامية أو شخص ما غني مُتخم بالأموال. ولكي تستطيع التفريق بينهم اقرأ تاريخ التأسيس والنشأة. بمعنى أنك عندما ترى موقع مثل أراجيك بدأ في 2011 أي أن عمره عشر سنوات إلا قليلا فاعلم أنه فعلًا يصح تسميته بالموقع «الفقير العصامي» وأنّه بنى نفسه بنفسه. أما عندما ترى موقعًا نشأ مثلًا في عام 2017 وفي أسابيع معدودة قفز لأرقام خيالية واحتل مراتب عالية فهو يكون نموذجًا واضحًا للتمويل والدعم.

وهذا ليس أمر سيء ولا عيب أبدًا إنما فقط كي تعرف لماذا تختلف المواقع وتتباين.

***

لا يوجد شيء يُسمى أراجيك. أراجيك مجرّد هيكل خارجي ومنصة. الكتّاب هم عصب الموقع الحقيقي. بالتالي عندما نقول أصبح الموقع رديئًا، سيكون هذا نوعًا من التعميم الخاطئ لأنه من غير الصائب أساسًا أن تقرأ كل شيء يُنشر. بل أن تقرأ في مجال معين أو لكتّاب معينين على الموقع. أما أن تفتح وتطالع كل شيء بدون تمييز فهذه عدم انتقائية سلبية. يمكن تشبيه أراجيك بناطحة سحاب مكوّنة من 100 طابق. في كل طابق يسكن كاتب معيّن. لا تتوقع أن يكون كل طابق شبيه بالآخر. في كل طابق يسكن كاتب معين بتوجهات معينة بأسلوب معين. أن تقف أنت في الأسفل لتقول هذه البناية أصبحت رديئة هو حكم متسرّع. خصوصًا أنك لم تجلس مع كل واحد منهم بل أصدرت حكمًا خارجيًا لأنك وجدت شرفة أحد الطوابق متسخة! ولعلَ هذا ما سيقودنا للنقطة المهمة التالية، ألا وهي الكتاب القدماء. أو الساكنين السابقين لهذا البناء.

***

عن الكتاب القدامى: لن أدهشك كثيرًا عندما ستعرف أن الكتاب القدامى جميعهم لا زالوا موجودين. نعم، فبإمكان أي كاتب أن يضع اسم المستخدم وكلمة المرور ويدخل ويرسل للمراجعة أي مقال يريده. إلا أن ما لا يدركه الكثيرون أن الكتّاب القدامى هم مَن رحلوا. بعضهم قد ترك مهنة الكتابة بكاملها. بعضهم قد صحت له فرصة عمل في موقع أكبر فذهب. بعضهم ما زال يطل بين الفينة والأخرة، وهلم جرًا. الخطأ الذي يعتقده البعض وكأن أراجيك اتخذت أمرًا بطرد الجميع واستبدالهم بدستة من الكتاب الجدد الذين يكتبون عناوين: (لا تفوتها – لا تضيعها – لا تهدرها – ستموت إن لم تدخل وتقرأ – الشيء الوحيد الذي ينقص هذه السلالة هو عبارة استحلفك بالله أن تضغط وتدخل للمقال، هناك مَن تجاهل المقال فأصبح أعمى) وأعتقد أن الوضع يتجه نحو ذلك طالما خوارزميات محركات البحث لا تزال هي الحاكمة.

فجميع الكتاب موجودين وبإمكان الجميع أن ينشر. إلا أني كما قلت أنّهم انتشروا في الأرض وتبعثروا في مناكبها. فلكل كاتب طابق ضمن هذا البناء الأراجيكي الكبير. فماذا يكون ذنب البناء لو هاجر من يسكنه وترك منزله فارغًا؟ صحّت له فرصة جديدة في مكان أفضل. ما الذي ستقول له؟ لا شيء طبعًا.

إلى الآن كنت ناعمًا في الكلام مبررًا لأراجيك أو شارحًا الموضوع بصراحة كما أراه. الآن سأبدأ بذكر نقدي ووجهة نظري الشخصية.

***

فشل أراجيك في صناعة الكاتب: أعتقد أن أراجيك نجحت تمامًا في صناعة «وظيفة الكاتب» لكنها فشلت في صناعة الكاتب نفسه. هي نجحت في صناعة الذي يدخل وينضم فيذهب إلى الفيسبوك ويكتب Started a job at AraGeek. وبعد أن تنتهي مهمته ويترك يكتب Left a job. أي أنها صنعت منه موظفًا لكنها لم تصنع منه كاتبًا.

يُقال أنّ أراجيك هي التي تصنّع الكتاب، وبرأيي الشخصي هذا الأمر خاطئ. تخيّل معي أن كلية الطب يدخل إليها دفعة مكوّنة من 100 طالب. نسبة الذي تخرجوا ونجحوا فيها هم 5! هل بإمكاننا أن نقول أنّ كلية الطب صنعت الطلاب؟ لا. سيكون ذلك فقط عندما تنجح الكلية في تخريج النسبة القصوى منهم وليس العكس. بمعنى عندما ينجح 90% من الطلاب ويفشل 10% هنا نقول أنّ الكلية صنعتهم وأن الفاشلين يحتملون وزرَ أنفسهم.

ما هي نسبة نجاح الكاتب في أراجيك؟ دخل 100 كاتب إلى أراجيك. مَن الذين تخرّجوا بنجاح؟ أعتقد أنهم على أصابع اليد الواحدة. لذلك عبارة أن أراجيك تصنع الكاتب خاطئة. العبارة الصحيحة أن أراجيك تعطي الفرصة لمن لديه بذرة الكاتب -وليس وظيفة الكاتب الذي يبدأ وظيفة ويغادر وظيفة- وهذا البذرة كانت ستنمو في أرضها أو في غيرها. إلا أنها موجودة.

***

عن المقالات والكتب: يمكنك اعتباري من دكّة القدامى في الموقع كوني دخلت في عام 2014 على يد رئيس التحرير عماد وعاصرت الجميع من بعده مرورًا بمحمد وعبدالله وحتى نجوى حاليًا. لذلك هذه السنوات الست في الكتابة تخولني أن أقول بعض الكلام الذي لا بد من قوله.

كتابة المقالات بمجملها شيء محدود للغاية. بمعنى أنّ أحد أهم أسباب تعاسة المحتوى بشكل عام أن القارئ الذكي المثقف ينتظر أن يجد في المقال ما يجده في الكتاب وهذا ظلم كبير. المقال دائمًا محدود ومكثف ومختصر، إضافةً لأنّ هناك ضوابط تحكمه فلا تطلب منه ما هو فوق استطاعته.

فالفرق مثلًا بين قراءة المقالات وقراءة الكتب أن المقالات تعطيك تفكيرًا أفقيًا بينما الكتب تعطيك تفكيرًا عموديًا. أي أنّ قارئ المقالات سيكون مُلمًا بالكثير خصوصًا إذا قرأ 20 مقال في اليوم وفي شتى المجالات، إلا أنه يبقى قارئ غير متخصص بشيء يعوم على الأسطح فقط. لأن المقال مهما كان عميقًا يظل سطحيًا بالنسبة للكتب والقراءة العمودية. تلك التي تركّز على فكرة ما ضمن كتاب وتقتلها بحثًا في حوالي 200 صفحة على الأقل. فيكون عندها الفرق واضحًا.

وحتى على النطاق الغربي في صحف عالمية كالغارديان والتايمز وغيرها من الأسماء الكبيرة. تصفّح مواقعهم وستجد نفس العناوين موجودة لكن بلغة انجليزية. الجميع سواسية تحت هذا الأمر كون المحتوى الشبكي وخوارزمياته هي التي تحكم ذلك بكامله.

بالإمكان اليوم مثلًا أن ترجع العناوين القديمة الرصينة كلها. وألا يتم مخاطبة محركات البحث وأن تناقش الأمور بجدية. لكن في الشهر القادم سيغلق الموقع بسبب الإفلاس لأنه لم يعد بإمكانه دفع ما عليه. هذه هي ظروف المحتوى البائسة ضمن منافسة شرسة وكبيرة. لذلك يجب أن تضع هذا باعتبارك وأن تعرف فقط ما الذي يجري.

وطالما أن أراجيك لم تصل إلى مرتبة مواقع من نمط ثقف نفسك. وتنشر محتوى التخسيس والريجيم وفوائد الشاي الأخضر بعد تناول الفلافل. بالإضافة للانحيازات السياسية والدينية الفجة مثلما تفعل بقية المواقع التي تستقطب الجمهور المتطرف في مواقفه، فالأمر لا يزال سليمًا نوعًا ما.

وتذكر دائمًا أن المقال مهما كان جيدًا وذو عنوان رصين إلا أنه يبقى محدودًا خصوصًا لمَن يقرأ الكتب ولمن له باع كبير في المعرفة.

***

أحد الأمور المجحفة قليلًا أن القارئ المهتم بالفيزياء الكمومية مثلًا يظهر له على الفيسبوك مقال عن فيلم فلاني أو علاني. فيقول: ما هذه السخافة، ما هذا المحتوى الرديء؟ في الحقيقية ليس رديئًا. إلا أن أراجيك أصبحت كبيرة ومتشعبة لدرجة أنها تخاطب الجميع. أراجيك كالجسد، فيها قلب وعقل وأطراف ومؤخرة. وكل انسان تستقطبه المنطقة التي يحب القراءة فيها، فيفضّل البعض أن يتعامل ويقرأ ما هو عقل بينما الآخرين يفضلوا المؤخرة. فالناس أذواق. ولولا اختلاف الناس لفسدت السلع كما تعلم.

لا أفهم وليست ميولي الكثير من الأشياء التي تُنشر. لكنني بنفس الوقت أعلم تمامًا أن تلك المواضيع لها روادها وأن هناك مَن هو مهتم بها، وأنه من الواجب احترام توجهاتهم حتى لو لم تكن تعنينا في شيء. فالأمر هنا فيه لدغة عنصرية وتعصب. فكونك ذكيًا مستقطبًا نحو مجال محدد لا يعني أن الجميع كذلك. ولهذا أدقق على النقطة التي قلتها في البداية. لا تهتم بالبناء ككل. أهتم بالطابق الذي يسكن فيه من تريد أن تراه وتتحادث معه. هذه الفكرة مُهمة جدًا.

***

أخيرًا، هذه المقالة مجرّد دين وجبَ سداده وتوضيحه للقراء القدامى الذين لا تزال أراجيك القديمة مرسومة في ذهنهم كما في الصورة التي وضعتها. وأعتقد أن الخطأ الذي ارتكب من قبل أراجيك أنها انعطفت بهذا الشكل الحاد دون أن تقدّم تبريرًا أو على الأقل تقول ما الذي حدث في خوارزميات البحث وطرق الوصول والكتّاب الجدد والقدامى… الخ. إذ تجاهلت أولئك المخلصين الذين كانوا يقرأون في البداية، وبدأت بمخاطبة البلهاء القادمين من محركات البحث الذين يجرون وراء كيفية وضع الخيط في ثقب الإبرة بدون أن تخدش إصبعك عشرات المرات، متجاهلين شرح ما الذي حدث.

لا يمكننا أن نلوم كثيرًا لأنه كما قلت، هذه الشروط الجديدة كي تستمر. وإن غير المتكيّف وفقًا للقانون الشهير للبقاء دائمًا سيكون مصيره الهلاك.

وكحل عملي لمن يريد الحلول الفعالة، وإن أردت تذكّر تلك الروح القديمة للموقع فتعال إلى طابقي وستجد شقتي دائمًا مفتوحة. أو لمن تعتقد أنه كذلك. صحيح أني أنشأت مدونة جديدة. إلا أنني مازلت في أراجيك أيضًا. يمكنني أن أقول -بيني وبينك- أن علاقة الكاتب مع النص هي علاقة حميمية جدًا. تخيّل أنك عريس جديد وتذهب لزيارة الأقارب هنا وهناك. فتزور عمك صاحب الشوارب الكثة والاقارب وغيرهم. لكنك في لحظة ما بحاجة للعودة إلى بيتك الخاص والانفراد مع نصوصك.

المدوّنة ما هي إلا انفراد لا بد منه. كيلا تظهر لك إعلانات في منتصف استرسالك بقراءة نص ما. وحتى أكتب فيها بضعة أمور لا يمكنني كتابتها أو لا أحبذ فعلها على العام بشكل كبير مثل هذا المقال على سبيل المثال.

تلخيصًا لكل هذا «الرغي» السابق. أراجيك القديمة وكتابها العظماء السابقين لم تتغير. الزمن ومتطلبات البقاء هي من تغيرت فكان لا بد من التكيّف مع الوضع الجديد كي تبقى. وما زال بإمكان الجميع أن يرسل ما يُريد ويكتب ما يشاء إلا أنهم كما قلت لكم انتشروا في الأرض جميعًا وتشتت أخبارهم.

الدور الأهم المُتبقي للقارئ يكون ألا يحاكم البناء لأنه رأى شرفة أحد الطوابق متسخة أو ليست على هواه الذي يرغبه، لأن لكل جار وإنسان ذوق في تزيّن منزله. ويبقى دور القارئ الأهم أن يختار مَن يريد زيارته بشكل متقطع أو على الدوام. آخذًا بعين الاعتبار كل النقاط السابقة التي عرضتها.

التصنيفات
عام

فنّ الخسارة

غالبًا أنت تعرّضت اليوم لعدّة مقالات تدفعك لمشاهدة أفلام بعينها، وتدوينات أخرى تتحدث عن 10 كتب يجب أن تقرأها ولا تضيع شبابك بدونها، ثم تقفز لتجد أمامك 5 روايات ينصح بها العبقري الفلاني العالمي وقائمة من الصحف التي ينبغي أن تطالع أخبارها بشكل يومي مُنتظم وأنه يجب «ألا تفوّتها». وسيل جارف مِن غثاء الإعلام الذي أصبح يجرفنا يوميًا على كل منصة تواصل ووسيلة إِخبار ومِنبر إدراك.

عندها لا بد أن نقف قليلًا ونتعجب، لماذا كل هذهِ الضوضاء؟

سبب ذلك بإيجاز، أن المعرفة مُسبقًا كانت مُقتصرة على قوالب شديدة الرصانة مِن نمط الكتب والمدارس والزوايا التي تبث فيها العلوم. أي أن الاطلاع على شيء ما كان صعب المنال. أما الآن فالخلل الذي أدى لهذه العناوين الغثيثة التي ترونها أينما وليتم وجوهكم أن المعرفة قد اقترنت مع الإعلام، وللأسف وكما هو معروف لدى الجميع أن مهنة الإعلام كانت دائمًا نقل الأخبار وتلفزة الأمور السائدة التي تحصد المشاهدات، مع غطاء بين فينة وأخرى لمواد رصينة كي تحمي نفسها مِن ربقة النقد الصارم. إلا أنها في النهاية تبقى إعلامًا وتبقى مهمتها تلك العتيدة المعروفة منذ الأزل، نقل ما هو سائد إضافةً للغيبة والنميمة على طريقة أم زكي لكن بصيغة أكثر تطّويرًا.

“إن أزمة الإنسانية الآن وفي كل زمان، أنها تتقدّم في وسائل قدرتها، أسرع بكثير مما تقدم في وسائل حكمتها” – توفيق الحكيم

يُخبرنا التوجّه الماركسي أن الفكر هو صنيعة الطبقة الاقتصادية وآلة الإنتاج أي أنّ معرفة الإنسان خاضعة لظروفه الاقتصادية. لنتخيل معًا إنسانًا عاشَ في القرن الماضي، هل لك أن تتوقّع مدى صعوبة شراء الكتب والوصول للمكتبات وربما السفر إلى العاصمة من أجل الحصول على عنوان جديد، بعد أن جُمعت الأموال وادخرت على مدار أشهر لأجل شراء هذا المخطوط؟ هل بإمكانك الآن ألا تلومه لو كان إنسانًا عاديًا غير موسوعي لأنه ببساطة شديدة حُكِمَ بطبقته الاقتصاديّة الفقيرة فلم تتح له فرصة أن يكون واسع الأفق ثري المعرفة؟ الجواب سأتركه مُعلّقًا برسم إجابتك الشخصية وفقًا للفلسفة التي تراها مُناسبة لإصدار الحكم.

ما يعنينا والأهم في وقتنا الحالي أن أي إنسان لا يزال جاهلًا فيصح تسميته «جاهل عن سبق إصرار وتصميم» بمعنى أنه لم تعد حجة صعوبة الوصول موجودة. لم تعد حجة حظر الكتب حاضرة. ليس هناك عدم كفاية في الأموال. نحن نعيش في أكثر فترة تكون فيها المعرفة سهلة الوصول وضمن متناول اليد. قديمًا كان النمو الفكري خيار نخبوي أما الآن فهو مَعروض للجميع على مدار 24 ساعة. رفضك له يعني أنك لا تريده عامدًا!

يُشاهد البعض أخبار الأغنياء العالميين، من نمط جيف بيزوس وبيل غيتس ووارن بافيت ومن حذا حذوهم. فيقول: أووووه، انظروا إلى هؤلاء الأغنياء الحيتان إنهم يأكلون العالم بلا ملح! هذا صحيح، هؤلاء أثرياء جدًا بشكل غير قابل للتصوّر. لكن يجب أن نعرف أيضًا أن المعرفة الآن أصبحت مُتاحة للجميع. إذ على اليوتيوب أو كورسيرا وحدهم بإمكانك تعلّم مبادئ الفلسفة وبرمجة البايثون ومقدمة في علم الخلية وكيف تكتب مقالًا وتترجم كتابًا. وكل ما تريده بشكل شبه مجاني. لذلك طبيعي أن ترى البعض أصبحوا عمالقة. كونهم عاصروا الفترة الأصعب وكانوا منضبطين في زمن لم يكن فيه متاح الكثير. أما الآن فكل شيء متاح ومجاني إلا أن الحال أصبحت معكوسة. لا سيما مع وسائل الإعلام كما قلنا في البداية. فأصبحنا نمتلك أجهزة ذكية إلا أننا كبشر صرنا كائنات غبية.

دقق معي النظر في أحد قوائم الـ PlayList على يوتيوب مثلًا، ستجد في بداية دورة أو كورس ما عن اللغة الإنكليزية مثلًا عدد المشاهدات مليون، في الحلقة الثانية 500 ألف، الثالثة 300 ألف، الرابعة 100 ألف، وحتى نهاية الدورة نجد ربما عدد المشاهدات حوالي 10 الاف. هذا يقودنا لاستنتاج مهم جدًا في وقتنا الحالي، وهو أنّه من غير الضروري أن تبدأ بشيء ما، لأن السهولة المعرفيّة أتاحت الفرصة للجميع أن يبدأ إنما الأكثر أهميةً هو التركيز والاستمرار حتى النهاية. لا يمكنك تخيّل مدى أهمية الاستمرارية والتراكم الزمني في تطوير لياقاتك ضمن مجال ما. لا تستهين بقدرة الزمن على فعل العجائب.

“الآن تجارة التركيز هي تجارة وسائل الاعلام على اختلاف أذرعها، الجميع يريد جذب المشاهد بأي طريقة ممكنة”

ففي ظل كل هذا التيه، وفي ظل كل القيء الذي نراه يوميًا على صفحات الـ Home في وسائل التواصل الإعلامي. وكيف أن هناك كتب تهدد شبابك بالضياع إن لم تقرأها وأفلام تهدد يومك بالملل إن لم تشاهدها. يبقى الأهم أن تكون انتقائيًا. انتقائيًا جدًا. هذا العصر يَحوي فيض مِن المعلومات المفيدة ربما لكن بطريقة تقديم ضارة جدًا. ولعلَ أهم ما ينبغي علينا أن نتعلمه الآن هو فنّ الخسارة.

“وسائل الإعلام هي اليد اليمنى للفوضى” – دان بروان

عندما يحمل الزورق أمتعة كثيرة يكون مصيره الحتمي الغرق. لذلك انتقِ بعناية حمولة الزورق الذي تريد الإبحار به. حتى لو كانت الحمولة حزم من الكتب فيجب أن تنتقيها جيدًا، لأنها بالنسبة للزورق مهما كانت نافعة تبقى مجرّد ثقل لها وزن وستسبب الغرق إن فاضت. لا ينبغي للجميع أن يتعلموا تحرير الفيديو ولا برمجة صفحات الويب ولا كتابة المقالات والترجمة. لا تغتر بسهولة الوصول وتعلم هذه الأشياء الآن لأنك لن تستطيع أن تضبطها جميعًا. يجب أن تكون ذكيًا بما يكفي لخسارة ما لا ينفعك وانتقاء ما يفيدك وحمله معك. وأكرر مرة أخرى، لا تغتر بسهولة الوصول ومجانية هذه المجالات، لأن المهم ليس البداية فالجميع يبدأ. لكن ليس الجميع يستمر ويركز.

“مثلاً، عندما ترى أمامك منشور يقول لك أن منصة كورسيرا أتاحت لفترة محدودة كورس في تحرير الفيديو بشكل مجاني. لا بد أن لعابنا يسيل جميعًا عندما نرى كلمة مجاني مع شيء كان يُدفع له. لكن لو استوقفت نفسك للحظة وشاورت عقلك قليلاً لوجدت أنه لا أهمية لذلك في حياتك. إن لم يكن كورس تحرير الفيديو يصب في إطار مهنتك أو مهاراتك الشخصية التي تطوّرها، فالواجب أن تتجاهله تمامًا، سواءً كان مجانيًا أو حتى مدفوع بمليون دولار. هو خارج سياق حياتي لماذا أضيفه حمولة زائدة عندي؟ هذا الفيضان المعرفي انقلبَ نقمةً علينا، لدرجة أن إنهاء قوائم المشاهدة لاحقًا Watch Later في يوتيوب والمنشورات المحفوظة على فيسبوك أصبح مِن «أهداف حياة» بعض الناس. هل أدركتم مدى الفوضى المعلوماتية التي نعيشها؟!”

حتى على نطاق الكتب والروايات، غالبًا أنت ستنهي يومك وفي حصيلتك 50 كتاب فقط من عناوين المواقع التي تنصحك بقراءتها. ولو فعلت كل هذا يوميًا فأنت بحاجة لنهار يتكوّن من 76 ساعة فقط كي تلحق قراءة كل هذه الكتب المنصوح بمطالعتها ودراستها. لذلك حتى هنا يجب أن تكون انتقائيًا حذرًا.

“لا تقرأ ما هو متاح لك، أقرأ ما أنت متاح له” – عبدالله البريدي

“القراء الآن يجيدون فتح الأقواس، لكنهم نادرًا ما يستطيعون إغلاقها”- عبدالله البريدي.

اخسر الأشياء ولا تبالِ، نحن نعيش في عالم يفيض بالهراء. عصر يتيح المنابر للجميع كي يتكلم. عصر يحاول إغراقك في سيل من العناوين التي تهدد حياتك بالملل وشبابك بالفناء إن لم تجري ورائها. اخسرهم ولا تبالِ. ولكي أحررك أكثر، حتى لو وجدت أني أنا صاحب هذه الكلمات قد أصبحت أشكل عبئًا عليك، فاتركني وراء ظهرك وحرر نفسك.

ليست كل الخسارات فقدان، هناك خسارات تكون عين الربح. كن ذكيًا، كن انتقائيًا. لا تكن أنت السلعة لمنتجاتهم. لا تكن ذلك الذي يقع في الفخ ولو كان مُزينًا بوهم المعرفة وقوائم الكتب والأفلام الممتعة.

التصنيفات
عام

الحب من النظرة الأخيرة

الابتذال الموجود في التلفاز والسينما وفي الشوارع وأي مكان آخر تولّي إليه وجهك، جعلَ من كل شيء ذو قيمة في حياتنا مجرّد وهم وتفاهة لا طائل منها، ومما لا شك فيه أنّ من أبرز ضحايا الابتذال هو الحب، وخصوصاً ذلك الذي يقولون أنّه يكون عند النظرة الأولى.

أعتقد أنّ النظرة الأولى غير كافية لأن تحب من خلالها. نعم، هناك انطباع أوّلي نأخذه عن كل شخص وإمّا يكون إيجابياً أو سلبياً. لكن الحب من نظرة أولى وحيدة عقيمة هو أمر مُبالغ به، ويعكس إلى حد كبير ضعف في شخصية صاحبه أياً كان ما يكون.

الحقيقي والأكثر مصداقية هو الحب، لكن من النظرة الأخيرة! نعم، تلك النظرة التي تعلم أنّ من بعدها لن ترى ذلك الشخص للأبد. مَن هم أعظم شخصين في حياة كل إنسان؟ الأم والأب قطعاً. هؤلاء في يوم من الأيام – أتمنى أن يطول على الجميع – سيتركونكم وسيرحلون، وستبقى أنتَ وأنتِ وحدكم بعد أن قاموا بإنهاء مهمتهم بالإنجاب والتربية والتعليم وما إلى ذلك.

غالباً أنت ستكرههم كثيراً في العديد من محطات حياتك، لكن صدق أو صدق! – خيار عدم التصديق غير مفعّل هنا! – لن تشعر بمقدار حبك لهم إلّا في تلك اللحظات، اللحظات التي تعلم بها أنّ أوان رحيلهم قد أزفّ وأنّ النهاية قد اقتربت، وأن مَن كانوا يوماً السند قد رحلوا بعد أن أوكلوا مهمة الإسناد إليك عندما استقالوا منها للأبد.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة من حياتهم سيصل الحب إلى قمّة مجده، وستدرك أنّك فعلًا قد أحببتهم.

صديقك العزيز، الإنسان الحمار صاحب سلوك الثور إلّا أنّه طيّب القلب ولم يخذلك قط. هذا الصديق لن تشعر بقيمته طيلة مدة صداقتكم التي لربما استمرت لـ 20 سنة، صحيح أنّكم ضحكتم معاً وبكيتم معاً إلّا أنّ كل ذلك مضى في وقته، ولربما مرت أيام كرهته بها كثيراً، إلّا أنّ حبك له لن يصل لذروة اكتماله إلّا عندما تعلم أنّه قد حجزَ التذكرة، وأنّه قد ركب الطائرة مديراً ظهره لقدر كبير من الأيام والذكريات التي بنيتموها معاً.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة عند إقلاع طائرته ستدرك أنّك أحببته حقاً.

لديك أستاذ في المدرسة، هذا الأستاذ لطيف ورائع ولا يشعرك بالملل، لن تشعر بقيمته إلّا عندما تكبر وتتذكر تلك الأيام التي كنت تجلس بها كالمسمار على مقعد الصف الخشبي الذي لطالما ساهم في ظهور بواسير الطلاب المساكين، لكن ما نفع ذلك إن كان ذلك الأستاذ قد تقاعد عن عمله، ولربما مات، ولربما المدرسة كلها قد أغلقت أبوابها.

في تلك اللحظات ستحب الجميع حينها.

هذا هو الحب الحقيقي، صحيح أنّنا قلنا في البداية أنّ الانحياز للعقل، لكن هنا لا نناقش الحب كشعور عاطفي خاص بين الجنسين، الحب هنا عبارة عن وسيلة تواصل تخبر به الطرف المقابل أنّه كان جزءاً مهماً من حياتك، وأنّ خروجه منها سيكون صعباً تقبّله.

هذه هي حياة الإنسان باختصار، الأم والأب سيرحلون، الصديق يُستبدل غالباً كل خمس سنوات – راقب عدد أصدقائك الذين استبدلتهم من المدرسة للآن وستعلم ذلك – وكل إنسان آخر سيؤدي مهمة في حياتك وبعد انتهائِها سيرحل.

الحياة أشبه ما تكون بسيناريو أنت البطل فيه، كل شخص لديه دور يقوم به ومن بعده يغادر بصمت.

الأب رعاك وانتهى دوره ورحل، الأم فاضت عليك من حنانها لكن دورها وصل لنهايته فغادرت. الصديق رافقك وانتهى، الزوج حماكِ وانتهى، المدرّس علمك ومن ثم تقاعد وجلسَ إلى الجانب. الجميع يظهر في البداية ومن ثمّ يرحل بعد أن يكمل مهمته.

لذلك، كن قوياً يا صديق، الجميع سيغيبون عندما ينجزون أدوارهم، ولن تبقى سوى تلك النظرة الأخيرة، النظرة غير المبتذلة أبداً، النظرة التي يكون عندها الحب حقيقياً.

كذبَ مَن قال بأنّ الحب من النظرة الأولى، الحب لا يكون إلّا عند النظرات الأخيرة!