التصنيفات
فكر

عن حرية التعبير، وفرنسا، وأشياء أخرى

تحية كبيرة جداً لمَن تكلم بمصطلحات «التنمر وحقوق الإنسان والمرأة والعدالة والإنصاف» قبل أن يأتي بها الخواجة الغربي ليفرضها علينا مُمارساً وهم التفوق الأخلاقي والمعرفي.
تحية كبيرة جداً لمنَ ينتج أفكاراً أصيلةً ويدافع عنها ليس لأنها «سائدة وأصبحت موضة» ومدعومة من قبل الهيئات الأممية العالمية، بل لأنه يراها محقة وأخلاقية مهما قلّ روادها.
وصف الداعمين لهذه التعاسات حالياً، وإطلاق لقب «مُتمردين على المجتمع» هو تماماً كالقول أن السمكة تجيد السباحة ومتمرّدة على الهواء!
هم مجرد مفزرات ونواتج للمرحلة التي يعيشون فيها لا أكثر.
**
الدافع لهذا الكلام، هو المغالطة عند تبرير الرسوم المسيئة للرسول الكريم بالقول أن التقديس للأفكار وحرية تعبير الإنسان وليس للشخصيات. وعندما نمعن النظر في هذا الكلام نجد أن هذا التبرير يعتمد على بنود «ميثاق الأمم المتحدة» الذي نشأ في حالة ظرفية لما بعد الحرب العالمية الثانية لتجنب الصدام مجدداً.
ثم يأتي المُتبني لهكذا كلام ليصف نفسه بالمتمرد، وما هو إلا وعاء للمرحلة لا أكثر!
**
الفكرة المهمة أن المسلمين والمتدينين أياً كان دينهم يعتمدون في أساسهم الأخلاقي بالدرجة الأولى على «الدين» لا على ميثاق حقوق الإنسان -الذي لا يتعدى عمره 75 سنة بالمناسبة- لذلك ستسمع عبارات من نمط: «بأبي أنت وأمي يا رسول الله». فبالنسبة لأي فرد مُسلم، هو وحريته وكيانه وكل شيء فيه يأتي ثانياً بعد الله ورسوله. لذلك أن تقول للمسلم أن حرية التعبير أولاً ومقدسة، فهذا لا يعني له شيء أبداً لأن الشرعية المانحة لمبادئه ليست هي هذه.
فالنظام الموجود في رأس المسلمين هو الله والرسول أولاً، وبعدها الكيان الشخصي للفرد.
**
كتذكير لأصحاب الذاكرة القصيرة الذين لم يقرأوا التاريخ، واعتماداً على مُلخصات أبرز العقول التي امتهنت التأريخ والتوثيق -شبنغلر وتوينبي وويل ديورانت صاحب قصة الحضارة- فإن الدين هو أكبر عامل في نشوء الحضارات، سبب ذلك أن الحضارة تحتاج روحانية كي تنهض. تحتاج لتمركز المؤمنين بها حول مبدأ أعلى من حدود الأنا والذات واللذات الشخصية -الليبرالية تضع الإنسان كمركز وهذا هو النقد الأكبر لها- وهذا ما تفلعه الأديان.
على العكس تماماً، موت أي حضارة واندثارها يكون غالباً مع المترفين. عندما يتم تعويم الإنسان وتقديس فرديته وحريته الشخصية ونزواته المريضة وقطع أي علاقة بمبادئ عليا -يُعرف هذا الكلام بالعدمية الثقافية- بالتالي القضاء على عنصر «الروحانية» المشترط لقيام أي حضارة.
حاول أن تبحث عن أي حضارة نشأت بدون روحانية أو دين أو مبادئ عليا. الأمر شبه مستحيل.
**
الآن نعرف لماذا هاجت فرنسا جداً بمقتل المدرس صامويل باتي وخلدت ذكراه في السوربون مع عظمائها كفيكتور هيغو وباستور. السبب ببساطة أن مبادئ الجمهورية الفرنسية لم تنجح بخلق قيم تدفع روادها للموت في سبيلها، لأنها هي أساساً تجعل من «الإنسان هو المركز» فكيف تضحي فيه؟
بينما الأديان وفي سبيل الله تجد الملايين يضحون بحياتهم من أجلها (يمكن لبعض المحدودين اصطياد العبارة هنا لتبرير الأفعال الهمجية، وهذا خاطئ بالمطلق. الفكرة هنا هي خلق مبدأ ناجح لدرجة أن رواده مستعدين للموت من أجله).
**
وحتى نعرف مدى سذاجة ذلك «المتمرد المزيف» المعادي لثقافته الأصلية لا أكثر واللاجئ على حدود ثقافات الآخرين. يجب أن نقول أنه لو كان يعيش في عام 1800 لكان يطبل ويزمر للعبودية لأنها كانت سائدة. ولو كان حياً وقت شريعة حمورابي قبل الميلاد لطبل وزمر لمبدأ الفصل بين طبقات الناس (العامة – العبيد – الأحرار). وكتحصيل حاصل بينما هو يعيش الآن في زمن ما بعد الحرب العالمية وميثاق الأمم، فطبيعي أن يطبل ويزمر لمبادئ حرية «التبعير» وغيرها.
**
التمرد الحقيقي أن تقف في وجه السائد، ليس كل تطوّر هو تقدم، أحياناً يكون التطوّر هو العودة للخلف وتعزيز موقفك الحالي لا تركه وقطع الصلة بالماضي. خصوصاً إن كانت كتب التاريخ تذكر ذلك وتضعه كشرط للحفاظ على حضارتك. لكنها سنة الأمم، وصدق مَن قال: «مَن لم يفهم التاريخ، محكوم عليه تكرار مآسيه».

التصنيفات
فكر

نقد صنم حرية التعبير

مِن المُفارقات السخيفة عن حرية التعبير أنها مَنتوج وإفراز لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
فمع صعود واحتدام القتال بين العقيدة الألمانية الهتلرية، والشيوعية الستالينية، والايطالية الموسولونية، إضافةً لمحور الحلفاء الغربي، ومع سقوط ملايين القتلى. جلسَ الجميع بعدها لصياغة بيان مِن تجربة القرن العشرين التعيسة في محاولة فرض الهيمنة على الآخر.
فكانت حينها الحريات بشكلها الحالي، وحرية التعبير بشكل خاص، وتعويم مبادئ «أنت حر ما لم تضر» وغيرها. فالمهم هو ألا تقاتل من أجل مبدأك، وأن تعتنقه بنفسك فقط.
**
السخافة في الموضوع تكمن عندما يُقدّم لك المفكّر المشحون بحرية التعبير وكأنه قديس قروسطي يُحارب في سبيل آلهته الجديدة الأرضية. دون أن يدري أن ما هو وحريته معاً إلا مُنتج وإفراز طبيعي لمرحلة ما بعد عالمية خلّفت ملايين القتلى. أنتَ لا تأتي بشيء جديد يا عزيزي. أنت ابن المرحلة، ولا يمكن حتى وصفك بالمتمرّد، لأن هذه الايدولوجيا عُممت على سائر العالم عبر الأمم المتحدة وغيرها من الهيئات التي نشأت.
**
تزيد السخافة أكثر وأكثر عندما يكون ذلك المدافع عن حرية التعبير نفسه يؤمن بتعدد الأكوان وأن الكون مجرد كون في عدد لا نهائي، وأن التطور أثبت أن الإنسان مجرد كائن هامشي نتج عن حركة ديناميكية بيولوجية متغيرة، إذ يقوم بإلغاء مركزية كونه ومن ثم إلغاء مركزية الإنسان كجنس طبيعي. ثم فجأة تراه يقرر التمحور حول نفسه ووضع مفاهيم «حرية تعبيري» كمركز لكل شيء! وهذا ما يُعرف بـ «العدمية الثقافية».
**
اختصار مفهوم العدمية بلا معنى للحياة اختصار مخل، العدمية الثقافية هي قطع الصلة بالماضي والحاضر والتمحوّر حول النفس. بمجرد أن تفكر أي حضارة وثقافة بتبني مبدأ «الإنسان وفقط الإنسان» هذا يسرّع أفولها ودمارها وانحلالها. تخيّل أن تذهب لعامل يبني الأهرامات وتقول له: ألا تعلم أن حرية تعبيرك مقدسة!
معظم المعالم والحضارات والأبنية الكبرى بنيت باسم الإله والروحانيات. الترف وتمركز الإنسان وغرائزه كقيم عليا هي ما يحدث عند نهاية الحضارات. لذلك يُقال: «تبدأ الحضارات بإسم الله، ثم تموت وتضمحل بإسم الإنسان». ولهذا تنبأ أوزفالد شبنغلر في كتابه سقوط الغرب بسقوط القارة الأوربية بسبب هتك القيم الفريدة السامية التي قامت عليها الحضارة.
**
أخيراً، وضع الإسلام والأديان بشكل عام في بوتقة واحدة مع حرية التعبير وغيرها من المفاهيم الهجينة الناتجة عن حالة استثنائية، إهانة كبيرة.
عندما حصلت ردة الفعل الأخيرة على فرنسا، لو تخيلنا أن كائن فضائي كان على الأرض، لاستغرب فوراً وقال: من هو النبي محمد؟ أين يعيش الآن؟ هل هو ملك في مكان ما؟
لك أن تتخيل ملامح وجهه عندما يعلم أن ردة الفعل هذه لنبي كان قد توفي قبل 15 قرن من الآن! وهذا يعطينا ملمح صغير لمن سيربح ومَن سيسود ويبقى!
“البقاء ضمن لغتكم الطبيعية للأكثر تكيفاً، والإيمان الديني هو أكبر نظام تكيفي. أما أنتم فعليكم بالمواساة بالفن والحقوق والحريات وغيرها من معاني الحياة المُترفة التي لن تنوب محل السماء المتعالية”.
وضع النبي محمد (ص) في خانة واحدة مع مفهوم حرية التعبير إهانة كبيرة. وسبب ذلك ببساطة أن تلك الحرية هي نتاج لمرحلة عنف في القرن العشرين سرعان ما بان عوارها، إذ لم تكمل للآن 75 سنة! لنرى النقد قد هجم عليها من كل حدب وصوب.
نُريد أن نقارنها مع نجاح أحد الرجال الذي قلب شكل العالم قبل 15 قرن وفي قلب الصحراء! عندما لم يكن هناك إعلام ولا تواصل وسوشال ميديا! صدقَ مَن قال أنّا للجبل أنا يخاصم فأراً!
**
كتلخيص لكل ما سبق يمكنني الاختصار بالنقاط التالية:

  • حرية التعبير وغيرها من الحقوق نتاج مرحلة ما بعد الحرب العالمية. ليست دساتير كونية مقدسة إنما مجرد اتفاق عالمي لوضعية ما بعد الحرب.
  • الليبرالي المدافع عن حرية التعبير يحتاج لهذا الوهم كي يستمر. لأنه في السويد مثلاً، 90% من الناس ليبراليون. لا يمكن حينها لليبرالي العربي أن يمارس «وهم التفوق» الأخلاقي والمعرفي. لذلك يبني برج عاجي مخاطباً العرب كونه أرفع منهم وأكثر أخلاقيةً منهم، أما في السويد فهو مجرد مواطن عادي، لا يمكنه أن يميّز نفسه سوى أمامنا.
  • الحضارات تُبنى بإسم الله، وتنتهي بإسم الإنسان، ومحوّرة الإنسان وحريته وذاته هي أوّل علامات الانحطاط والأفول. ولا يوجد أصدق من الآية الكريمة التالية لوصف الموقف: «وإذا أردنا أن نهلك قريةً أمرنا مُترفيها ففسقوا فيها».
التصنيفات
فكر

الدرس المُستفاد مِن الصدام الإسلامي الفرنسي

كان القرن التاسع عشر والذي سبقه فترة الثورات الصناعية، ثم أتى القرن العشرين ليكون زمن الحروب والفلسفات الكبيرة؛ فالأسماء التي ظهرت فيهِ غير قابلة للتكرار فضلاً على العد، بسبب الزخم الفكري الذي حدث فيه.

أما القرن الواحد والعشرين فيقال أنّه -وفقاً لرؤية ستيفن بنكر ويوفال هراري- قرن السلام، وأنّ الإنسان العاقل صاحب السجل الدموي الحافل، قد قرر فجأة الاعتكاف عن ممارسة طقوسه الخشنة وتسديد فاتورته البيولوجية العنيفة، ليصبح قطة وديعة مُسالمة.

إلا أن قرننا الحالي يصح أن نسميه، بـ «قرن التعرية». فمع انتشار وسائل الإعلام والتواصل بشكل غير قابل للتخيل. أصبح كل شيء مكشوف وعلى الأسطحة، إذ كل ما عليك فعلهُ ضغطات صغيرة حتى ترى كل شيء. ومن ثم -كتحصيل حاصل- أن تحكم على كل شيء وتتبنى كل شيء.

ما يحدث حالياً في هذا القرن هو صدام حضاري بين العلمانية الفرنسية والثقافة الإسلامية المتواجدة داخل فرنسا أيضاً. وإن أردنا وضع المشاعر على جنب لنكون قساةً في القلوب، هناك دروس مُستفادة ظهرت على السطح بسبب هذا التلاحم الأخير الحادث لا بد مِن الإشارة إليها.

فقرننا قرن الوضوح والتكشّف. ولعلَ شيئًا ما لم يعد استثناءً أبداً..

  • الدرس الأول: هو أن جُملة: العلمانية «مُحايدة قيميًا» لم تكن صحيحة بشكل ما. بمعنى أن اختصار فكرة العلمانية بأنها مجرد «فصل» الدين وابعاده عن السياسة فقط مع إمكانية مُمارسته بشكل خاص عائلي ضمن ثقافة صغيرة لم يكن محقاً بالمطلق. فالذي تبيّن أن العلمانية هي فصل الدين عن الدولة نعم. لكن في سبيل «تعويم» قيم الجمهورية. فلو حدث تضاد -حتى لو كان غير سياسي وهو التعريف العام للعلمانية بالفصل- فإن الجمهورية ستتدخل لصالح إعلاء قيمها، وبالتالي هي غير مُحايدة.

قد يقول قائل: نعم هي غير محايدة لكنها على الأقل تحترم الجميع وتمنحهم الحرية والإخاء والمساواة. ما المانع في ذلك؟

نعم هذا صحيح، لكن هذه الفكرة توجه ضربة قاسمة لفكرة «عالمية العلمانية». بمعنى هذا يقودونا -بالضرورة- للقول إذًا أن العلمانية هي فكرة تتطوّر في بيئة معينة والتي هي في هذا السياق البيئة الفرنسية الأوروبية. عندها لا يمكن أن نقول لبلد ما في الشرق أو الجنوب أنك يجب أن تكون علمانياً ومحايداً قيمياً، لأن هناك تبني غير ظاهر لمبادئ الجمهورية الفرنسية. إلا لو كنت في بلدك الشرقي ترغب في تبني المبادئ الفرنسية!

قد يقول قائل آخر، وما المشكلة في تبني تلك المبادئ؟

لا مشكلة سوى أنها مبادئ ليس لها تاريخ في أرضك. بمعنى أن تلك المبادئ ظهرت في فرنسا عندما طُحنت حروباً ومن ثم وُلِدَ جاك روسو وجون لوك وغيرهم من المنظرين.

أن يأتي أحدهم -على البارد المستريح- ليأخذ ذلك النتاج ويضعه كقبعة على جسد مجتمع آخر بدين آخر وثقافات أخرى وتطوّر حضاري آخر، هو حالة هجينة لم تنجح في تاريخ ولا في خيال حتى.

فالدرس المستفاد هنا، أنّ مبادئ العلمانية ليست محايدة قيمياً إنما تسعى لإعلاء أخلاقيات الجمهورية. وهذا جميل، لكن في أرضهم فقط. لأنها تطورت في ذلك المجتمع. وفكرة -تصديرها- للآخر، لا تقل عن فكرة تصدير الدين والحكم الكهنوتي مِن عندنا لعندهم.

  • الدرس الثاني: الخطاب هنا موجّه للسادة المسلمين وليس السادة العلمانيين والمحسوبين على الطرف الآخر أياً كانت تسميته. فالمسلمون ارتكبوا خطئاً شنيعاً قلما كانوا يقعون به. ولنفهم ذلك الخطأ وجبَ طرح المثال التالي:

لنتخيل أن هناك إمبراطور عظيم يملك الأرض بأجمعها، هذا الإمبراطور أرسل برقيات مهمة جداً على شكل كتب من خلال رُسل إلى شتى شعوب الأرض وعبرَ أوقات مختلفة أيضاً.

ما الذي حدث؟

الذي أحدث أن تلك الشعوب، قدّست تلك البرقية، وقدّست شخصية الرسول الذي حملها. لكنها نست الهدف من الرسالة كلها وهو الوصول لذلك الإمبراطور العظيم الذي كتبها.

هذا المثال ليس لي. هذا المثال قاله ولخصّه رجل حديدي قبل حوالي 1500 سنة من الآن، عندما وقف في قلب الصحراء ليقول:

«مَن كان يعبد محمداً فإن محمدًا قد مات، ومَن كان يعبد الله فإن الله حي لا يموت»!

أزمة المسلمين -وليس الإسلام- هي أنهم لم يعبدوا الله إلا قليلاً، انتمائهم الديني هو انتماء اجتماعي قبلي وليس انتماء روحي وجودي. وهذه ليست أزمة المتأخرين من أمثالنا الذين ولدوا بعد آلاف السنين، إنما أزمة الأوائل الذي شهدوا وجود النبي (ص) في وقتهم وخاطبهم الصدّيق حينها. وإلى الآن نفس الغلطة تتكرر..

  • الدرس الثالث: هناك خلط بين مفهوم حرية التعبير ومفهوم «قلة الذوق». ولأوضح الفكرة سأضرب المثال التالي: تخيل أنك موظف غني راتبك الشهري يصل لعشرة آلاف دولار. وصديقك يبلغ راتبه ألف دولار شهرياً. هل بإمكانك أن تجلس بجانبه وتقول: اوووه أنا أكسب شهرياً عشرة آلاف. أنا غني. أنا مُتخم بالأموال… الخ.

الفكرة ليست أن حرية التعبير غير مصانة، الفكرة أن الاهتمام بشعور الآخر أمر يرفع أرصدتك. صحيح أنه في بلده وأنه يمارس حقه الطبيعي في التعبير، لكن أن تتغاضى عن أهمية احترام شعور الآخر رغماً عن أنه غير مُلزم لك. أمر لا يمكن الاستهانة به.

«في شبابي كنت أهتم بالحرية كثيراً، وكنت أقول أني مُستعد أن أموت من أجل حريتي، ولكن في كهولتي أصبحت أهتم بالنظام قبل الحرية، فقد توصلت إلى اكتشافٍ عظيم يُثبت أن الحرية هي نتاج النظام». المؤرخ ويل ديورانت | صاحب سلسلة قصة الحضارة.

من جانب آخر، يجب أن نُشير لأن الحركة الفرنسية جاءت لاستفزاز الحلقة الأضعف لدى المسلمين وهي الحاضنة الاجتماعية لا الحاضنة الفكرية!

لأن أكثر دولة انتجت مفكرين ومستشرقين قاموا بنقد الإسلام والأديان بشكل عام وتفكيكهم هي ألمانيا، لكن ويا للمصادفة لم يحدث شيء في ألمانيا! لماذا؟

لأن تيودور نولدكه وابراهام غايغر وشلايرماخر وغيرهم من وحوش النقد الديني، كانوا نخبويين. كتبوا الكتب في نقد الدين مُخاطبين بذلك النخبة التي لا تتعدى الـ 5%. لا الحواضن الاجتماعية الشعبية، الإيمان البسيط اللطيف. وبالتالي لم يحدث شيء.

أما فرنسا فقد كان استهدافها مُباشراً للحاضنة الاجتماعية. إذ أن نصف المسلمين تقريباً اسمهم الشخصي محمد. المسلم يرضى أن تشتم أمه وأبوه وكل عائلته وربما حتى يرضى بشتم الله -مناطق كبيرة من بلاد الشام تستسيغ هذا الفعل عند الغضب، رغم ادانته في حالة الهدوء- إلا أن شخصية النبي عنده غير قابلة للمساس. مثلما مبادئ الجمهورية الفرنسية غير قابلة للمساس.

وهذا عادل بشكل جميل صراحةً. الفكرة التي انبثقت مؤخراً ولا يمكن تجاهلها هي الاثبات شبه القطعي أن هذه المبادئ لا يمكن تصديرها. فالعلمانية الفرنسية هي خصوصية فرنسية أوروبية، والإيمان الديني خصوصية شرقية. فلن أطالبك باحترام مبادئي في أرضك، وأنا بدوري لن احترم مبادئك في أرضي.

  • الدرس الرابع: وهو الأخير ها هنا. أن مجلة شارلي إيبدو كانت قبل كل هذه الأحداث لا تتعدى مبيعاتها 5 آلاف اسبوعياً. بعد أن نشرت رسومها وقُتل رساميها كسرت حواجز الـ 70 ألف اسبوعياً. ولأزيدكم من الشعر بيتاً، فإنّ الرسوم أصبحت مترجمة وباللغة العربية للأسف. كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب بعض الطائشين الذي لا يفهمون ما يفعلون.

أحدهم عمره 18 عاماً والآخر 20. كلهم صغار مشحونون بالعواطف. لو كانت تلك الأفعال جيدة الفعل لما تركهم «الكبار» لفعلها، لسابقوهم عليها وفازوا بها هم لكنهم مخدوعون.

العديد من القصائد التي هجت النبي (ص) أو أساءت له في الأيام الأولى لم تنتشر وتم السكوت عنها ومرت مرور الكرام. لماذا؟ لأنها كانت بلا قيمة. فمَن هي حتى تُسيء لرجل الزمان محمد حينها؟

الآن المسلمون يهدون تلك المجالات جائزة مجانية بالتسويق لهم. فالأستاذ الفرنسي صامويل باتي قبل شهر من الآن لم يكن معروفاً. كان شخصية مجهولة تماماً. أما الآن فهو من أشهر أعمدة فرنسا إذ تم تأبينه وتخليد ذكراه في السوربون جانب عظمائها كلويس وباستور وفيكتور هوغو.

هذه الأفعال الطائشة تذكرنا بعبارة الشيخ الغزالي: «ليس بالضرورة أن تكون عميلًا لتخدم عدوك، يكفي أن تكون غبياً». فلو افترضت أن فرنسا عدوتك يا عزيزي فهذه الطريقة ليست جيدة في مهاجمتها، على العكس ربما تفيدها بشكل آو بآخر.

نزّهوا النبي عن هكذا مهاترات ومجادلات.

العلمانية ليست فصل للدين عن الدولة، أو نعم هي كذلك، لكن مع تعويم لقيم الجمهورية التي هي خصيصة فرنسية أوروبية. وإن ما زلت مؤمناً أنها خصيصة عالمية فأنا أدعوك لنقل خريطة فرنسا من أوروبا ووضعها في الشرق الأوسط بين بلداننا، وراقب العلمانية فيها ذلك الوقت، لن تصمد وستموت. والسبب في ذلك أن تلك الخصيصة الفرنسية نشأت وتطورت في ظل سياق حضارة أوروبا بكاملها. المطالبة بتعويم فكرة خاصة على نماذج عالمية أمر ساذج.

وقبل أن نطالب بها في الشرق العربي، يجب أن نرى كل من روسيا والصين وأمريكا الجنوبية والمكسيك تطبق مبادئ الجمهورية الفرنسية وتنجح، بعدها يمكننا تطبيقها. لأن هناك مَن فعل ونجح حينها.

أما المسلمون فهم ما زالوا عالقون في صدمة موت النبي الكريم، فلم يعبدوا الله منذ ذلك الحين. لذلك كل فترة وأخرى يخرج أحد الشباب الطائشين ليُهدي -عدوه المفترض- فرصة العمر على طبق من ذهب. فتزيد المبيعات وتشتعل الهاشتاغات في حروب ورقية ومعارك وهمية. لا رابح فيها ولا خاسر.