التصنيفات
فكر

تشريح التدميرية الجنسية: مبادئ لتفهم كل ما يجري

يتفق الجميع على أن النقد فعل حميد، فسواءً كان غير صائب فإنه يساهم في تعزيز مكانة الفكرة المستهدفة، وسواءً كان صحيحاً فإنه سيؤدي لزعزعة استقرار كيان الفكرة المستهدفة.

لأجل هذا، سأكتب نقاطاً مهمة هدفها فقط النقد، في محاولة لتبيان الآراء كما هي وكما يتبناها صحبها لا كما تعرض بشكل Lite من قبل مَن يعارضونها، وهي حالة معروفة جداً في المناظرات والأوساط الثقافية الرخيصة. حيث يقوم كل خصم بخلق نسخة مغفلة وحمقاء من آراء الطرف الآخر ويستمتع بنقدها وتحطيمها دون أن يعلم أن لا أحد يؤمن بها سوى نفسه.

تجنباً لهذا، واعتماداً على المبدأ الفلسفي؛ ليس بوسعنا التفكير عن الناس بل فقط إرشادهم لطرق التفكير، هذا نقد عام وشامل لجميع آراء الحالة الجنسية عند الإنسان.

نبدأ..

الفكرة الأولى: قد يغفر الله لكن الطبيعة لا تفعل

لربما هي الأهم في ظل هذا السجال، وهو أنهُ بعد نهاية الإيمان عند الإنسان وبعد رفض القيمة السماوية وقتل الإله بلسان نيتشه، ليس بالضرورة أن يتم تحطيم القيمة الإلهية والمدلول المُصاحب لها، بمعنى أن هناك فرق ما بين التخلي عن الإله كعبادة، وما بين التخلي عن الإله كدور في انتظام المجتمعات.

مثال..

هل سألت نفسك يوماً ما سر هيمنة الدين المطلقة على التاريخ الحضاري للإنسان؟
في عالم قبل وسائل الميديا والتواصل الاجتماعي وكل شيء.
انتشر الدين وهيمن بشكل واسع ومطلق.

وحتى الآن وفي ظل أوج انتشار الأفكار المضادة لهُ، ما زال الخيار الأول للاستثمار في روح الإنسان وكيانه ووجدانه على أقل تعبير؟ لماذا؟ من أين يأتيه كل هذا الدعم؟
الجواب باختصار هي الطبيعة نفسها!

الـ Mother Nature نفسها هي أكبر داعم للدين عبر التاريخ.

يشكل الدين نظاماً تكيفياً مرعباً، وكأنه جوهرة ثمينة اشتغلت الطبيعة على صقلها لآلاف السنين.. نظام يجعل الإنسان يتكيف مع بيئته بشكل مطلق، محافظاً على توازن طبيعي، ضامنةً استمرار النسل وعلى العكس التباهي بأعداده، دون الخوف من الموت كثيراً لأنه يحل المعضلة، ودون التطرق كثيراً لمعضلة البداية ومن أين أتينا، لأنه أيضاً قد صرح بشأنها أيضاً.

قالَ نابليون للعالم الفرنسي لابلاس في القرن الثامن عشر قبل حوالي 300 سنة من الآن، لماذا لم تضع وظيفة للإله ضمن مخططك الميكانيكي عن العالم؟

ليرد لابلاس.. وهل نحتاجه؟

لكن وبعد 300 سنة من الثورة العلمية والتكنولوجية لا يزال حاضراً وربما يتضاعف.

كلمة مدينة مشتقة من لفظة دين. وتعني التجمع البشري الذي يخضع سكّانه لقواعد ونهج اجتماعي منضبط. لأن ما خارج المدن كانت تسيطر عليه العشوائية.

لماذا؟

لأن الطبيعية باختصار تعشق نظم التكيف الشاملة عند الإنسان، وإلى الآن الدين هو جوهرتها الثمينة. وهذا قطعاً بغض النظر عن الصواب والخطأ ومَن المحق ومن لا. لأن الطبيعية لا يهمها هذا، المهم فقط هو التكيف واستمرار النسل والحياة.

الفكرة الثانية: الـ 2% التي ستهدم الـ 98%

المشكلة مع التوجهات الجنسية هي مشكلة إعلامية أكثر من كونها مشكلة حقيقية. هذا إن كان هناك مشكلة من الأصل. لنأخذ على سبيل المثال فيلم Lightyear الذي عُرض مؤخراً وفيه مشهد مثلي. من الأمور المثيرة جدًا أن الفيلم لا علاقات فيه من الأساس! ليس مثلاً كالمسلسلات الدرامية التي تحوي كثيراً من الأزواج أو العلاقات. الفيلم لا علاقات فيه أبداً.

لكن وفي منتصفه، وفي المشهد الوحيد الذي يعرض عائلة، يتفاجئ المشاهد بقبلة مثلية أمامهُ.
أين المشكلة هنا؟
المشكلة أنهُ حتى الإنسان المثلي الليبرالي الذي يؤمن بالحقوق ينبغي أن يستغرب ويستهجن!
نسبة المثلية في العالم لا تتعدى 2%. ورغم أن الصراع المغفل يدور حول هل هي مرض أم لا، فهو أمر غير مهم، المهم أن هذا الشيء موجود.

  • هل هناك ذكور بالفعل يرفضون دورهم البيولوجي أو لا يرونهُ؟ نعم. أعتقد أن كل شاب مر في حياته إنسان أو صديق يرى فيه انخفاضاً للدور البيولوجي السائد.
  • هل هناك إناث بالفعل يرفضن دورهم البيولوجي أو لا يرونهُ؟ نعم. أعتقد أن كل شابة مرت في حياتها بصديقة ما ترى فيها انخفاضاً للدور البيولوجي السائد.

الفكرة غير المفهومة، أن الإعلام يقوم بتشويه صورة المثلية عن غير قصد عندما يحاول أن يجعل الحالة السائدة هي المثلية! (حالة شبيهة جداً بالأهل عندما يكون لدى طفلهم مشكلة ما، فيقومون بالغدق عليه بالمديح بشكل زائد حتى لا يشعر بما فيه من اضطراب بدلاً من توضيح الحالة وحقيقتها).

فيلم أو مسلسل.. لا علاقات فيه من الأساس. وعندما تظهر علاقة أو مشهد لعائلة، تقوم بوضع الحالة الاستثنائية -التي نسبتها 2%- وهي عائلة مثلية! ما هذا التقدير الإحصائي السيء؟ الأمر شبيه جداً أن تكون بطلة فيلم جيمس بوند فتاة محجبة! أو أن يكون جيمس بوند بلحية حليق الشارب!

تخيل ردة فعل الإنسان العالمي عندما يرى أن فتاة جيمس بوند محجبة ضمن الفيلم. الأمر غير معقول لأنهُ حالة استثنائية.. ووضع الاستثناء كسائد هو مشكلة الصحافة الصفراء التي تريد صناعة محتوى على حساب الهوامش.

الفكرة الثالثة: الإنسان البرو ماكس ضد الإنسان البطارية

مع بلوغ الإنسان لعمر الـ 40 سنة، يبدأ جسمه بالتحطم بشكل تدريجي. إذ يفقد 0.8% من نسيجه العضلي بشكل سنوي وتبدأ القوة الجنسية بالخفوت والتباطئ ومن ثم الفتور، إذ يكون أفولها نهائياً عند المرأة مع عمر الـ 45 فيما يعرف بانقطاع الطمث النهائي. ويكون أيضاً ذلك عند الذكر بصيغة مختلفة، إذ يصبح عضوهُ مجرد “ديكور” لا يقف شامخاً مثلما كان يقف أيام الشباب. فالفحل الذي لا يُجدع أنفه، قد جُدعَ أنفهُ وتمرّغ في التراب.

تبدأ الخلايا السمعية بالتآكل والانخفاض التدريجي، في حين يتعرض البصر لحالات مدّه الشيخي أو أمراض أخرى.
يبدأ انهيار الإنسان..

هل تعرفون.. ما هو أكبر وأضخم وأهم استثمار كان يفعله الكائن العاقل طيلة حياته؟ إنجاب الأطفال.

لماذا؟

إن قطعت الـ 40 ولم تنجب أطفال، فإن نذر الكارثة في طور الظهور.

أكبر وأهم استثمار يفعلهُ الإنسان هو إنجاب أطفال.. رغم أنه رهان معلق في الهواء، إلا أن الإنسان مارسه عبر التاريخ كونه يضمن استمرارية النوع. وتأمين ختام حياة مشرف لآباء النوع. وحتى يضمن سعادة النوع بشكل أو بآخر.

رفض الأنجاب أو عدم القدرة عليه لشيء ما سيضرب صميم الإنسان، فمع بلوغه الـ 40 يبدأ الإنحدار البيولوجي. ومع بلوغه الـ 60 يبدأ الانحدار الوظيفي كونه السن المتفق عليه للتقاعد حول العالم، فغالباً لا أحد سيعمل بعد هذا العمر. وفي ظل عالم الوفرة الذي نعيش فيه، ومتوسط عمر الإنسان الذي هو 80 سنة تقريباً. هناك هامش كبيراً لعيش 25 سنة كعالة على المجتمع.

ولهذا نشأت مفاهيم كالموت الرحيم وغيرها كعلاج لهذه المشكلة.

لهذا أعتقد أن هناك نمطين من الإنسان على وجه الأرض، الإنسان البرو ماكس والذي هو يخالف قوانين الطبيعة في التكاثر وأي شيء آخر، لكنه ينتدب نفسه في سبيل الحصول على دكتوراه ورفد البحث العلمي واختراع شيء ما يفيد الجنس البشري بكامله، فيكون قد ضحى بنفسه في سبيل الصالح العام.

النمط الثاني هو «الإنسان البطارية». وهم الغالبية الساحقة من الناس، الذين لا إمكانيات لهم في البزوغ الساطع كنجوم الإنسان الأعلى، لكن لديهم مقدرة كبيرة على التكاثر وتلبية نداءات الطبيعية الغريزية، فيساهمون في استمرارية النوع ورفد الحياة على سطح الكوكب.

السؤال الكبير هنا..

إن لم تكن إنساناً أعلى يرفد حياة الجنس البشري بكاملها ويحسنها كجميع العباقرة عبر التاريخ. وفي نفس الوقت إن لم تكن «إنساناً بطاريّاً» يساهم في التكاثر وضمان استمرارية النوع، فما هي الفائدة من وجودك؟

  • لا يؤمن بإله ولا يحقق المبادئ السامية في الدنيا كالإنسان الأعلى.
  • لا يؤمن بأهمية نوع الإنسان ولا يساهم في تقدمه كإنسان غريزي.
  • إذاً ما هو الدور الذي تنيط به حياتك؟ استمرارية استهلاك الأوكسجين على الأرض؟
    قد يقول البعض الحصول على المتعة والحرية وتحقيق ذاتي.
    ممتاز.. يمكنك القراءة قليلاً عن فلسفة الـ Satanism أو الشيطانية. لأن هذه هي بالضبط.

الفكرة الرابعة: في مديح الشذوذ

كلمة شذوذ لا ضير فيها لأن كل شيء استثنائي -بالمعنى الإيجابي- هو شذوذ. راقب طلاب المدارس والجامعات، الغالبية الساحقة هم في المعدل المتوسط، الحالات الشاذة هم أولئك العباقرة الذين يبزغون فيما بعد.

راقب نبضات القلب، الشذوذ في ذلك الخط يعني الحياة وأن القلب مازال يعمل، بمجرد أن استقر يعني أن الحياة قد فارقتك وأن الذكرى قد سحبتك عليك ذيول النسيان.

اللغة نطقاً وكتابةً هي شذوذ. عمر الجنس البشري هو 300 ألف سنة تقريباً، عمر الكتابة لا يزيد عن 3 آلاف سنة. الحالة الطبيعية للإنسان أن يكون أبكماً يهمهم دون أن يقول شيئاً، الكتابة وما نتج عنها من انقلاب حضاري مخيف هو شذوذ بمعيار الطبيعية.

الحضارة بكاملها هي شذوذ، المفروض للإنسان أن يعيش ويشرب ويأكل ويتكاثر، وانتهى. لكنه كائن متمرد. اخترع النار -وهي شذوذ- واستطاع أن يخترق نظامه الغذائي ويطبخ اللحوم -وهي شذوذ ضمن الحمية الغذائية القديمة- ليقوم بعد ذلك بتنمية دماغه وتوسيع القشرة المخية لا سيما في المنطقة الأمامية المسؤولة عن التحكم واتخاذ القرارات والكبح و”الكبت الجنسي”.

هذا الشذوذ هو الذي ولد الحضارة.

لذلك فإن الاستشهاد دائماً بفكرة أن النصر للأفكار العامة لأنها متقبلة على نطاق أوسع هي مجادلة متهافتة جداً، أوسع وأضخم وأهم الأفكار عبر تاريخ الإنسان بكامله كانت شذوذاً عن الحالة الطبيعية. لهذا استغرب البعض استهجان كلمة شاذ لأنه بالفعل كلمة لا معنى لها.

لديك صف دراسي فيه 30 طالب. رسب الـ 29 بينما نجح 1 فقط. هذا الطالب هو شاذ. بعيون الرسوب الذي أجمع عليه البقية.

فعلى العكس ربما.. كلمة شذوذ تحوي مدحاً أكثر من قدحاً حتى.

الفكرة الخامسة: اضطراب الهوية الجنسية ومفهوم التنوّع العصبي

يُتصارع على هذه القضية بأن هل الحالة الجنسية عند الإنسان مكتسبة بواسطة التنشئة الاجتماعية التي يخضع لها، أم المواقف النفسية التي يمر بها، أم خليط من العوامل المعقدة المتداخلة، أم أن الهوية الجنسية تُحدد بواسطة البيولوجيا والحالة الفيزيولوجية للجهاز التناسلي عند الإنسان وينتهي الأمر في أرضه!

لفترة طويلة من الزمن كان وصف الحالة المغايرة للجنس البيولوجي المحدد بواسطة الولادة تعتبر بأنها اضطراب نفسي يُسمى اضطراب الهوية الجنسية. إلا أنه حذف فيما بعد لتصبح الحالة طبيعية وأنه بالإمكان للإنسان أن يكون مخالفاً للحالة الفيزيولوجية التي وُلد بها.

فعلى جميع التوجهات، هناك حالة فيها الإنسان يكون مضطرباً تجاه ميوله الجنسية الأساسية. هذا يعترف به الجميع.

الفكرة أن أصحاب التوجه الليبرالي طالبوا بالحقوق، وبالتالي أصبحت هذه الحالة طبيعية.

وأصحاب التوجه غير الليبرالي خصوصاً المحافظين، قالوا لا. وأن هذه الحالة موجودة فعلاً، لكنها ليست طبيعية. (البعض يأخذه الحماس ليقول ألا وجود لها من الأساس وهذا خاطئ، الفرق أن من يرفضها يقولون أنها حالة غير طبيعية تحتاج لعلاج أو شيء ما.. الخ).

وهذا الأمر ليس فقط في سياق الوضع الجنسي عند الإنسان.

كل الاضطرابات النفسية وحتى تلك ذات الطابع العصبي بدأ التحلل منها حالياً، إذ بدأ ينتشر مصطلح NeuroDiversity. أي التنوع العصبي. فلم يعد هناك مصاب بالاكتئاب أو القلق أو حتى التوحد بالدرجات الخفيفة. النقطة فقط أن الناس مختلفين عصبياً ونفسياً ومتنوعين.

والمعيار السائد الـ Standard لم يعد موجوداً سواءً في الحالة الجنسية أو العصبية النفسية.

هذه «المرونة» في التعامل مع الإنسان بوصفهِ طيف كبير من كل شيء، تأتي بشكل عام للرد على ما حدث خلال فترة الحرب العالمية من نشوء أكبر العقائد اليمينية عبر التاريخ. من بعدها بالتدريج بدأت الرغبة في «حلحلة» أي شيء يعطي معياراً مركزياً لأي شيء. لأن هذا يعني كتحصيل حاصل الأدلجة والتمركز حول مركز ورفض الهوامش والأطراف.

ويصبح الأمر أكثر وضوحاً مع تفاوت مجتمعات الوفرة والندرة.

الفكرة السادسة والأخيرة: مشاكل مجتمعات الندرة، ومشاكل مجتمعات الوفرة

التعداد السكاني قبل قرن من الآن، أي في عام 1922 كان حوالي مليار ونصف إنسان. لك أن تتخيل كيف كان الحال قبل ألف أو ألفي سنة من الآن. عندما كانت المجتمعات تعيش في حالة ندرة موارد، وتكتلات صغيرة أقرب ما تكون للقبائل والممالك الصغيرة.

حينها ندرك من الطبيعي أن تظهر المثل والأخلاق الداعمة والدافعة لموضوع إنجاب الأطفال والحفاظ على الأنساب لأن أساساً كانت الحاجة ملحة لتلك المبادئ.

الآن اختلف كل شيء تقريباً، المجتمعات الحديثة مجتمعات وفرة لا أخطار فيها، ويستطيع الإنسان فعل ما يحلو له، فمن الطبيعي أن تتغير المثل والقيم الحاكمة.

فمثلاً مما ذكرته المؤرخة إليزابيت آبوت في كتابها History of Marriage أن سبب تعدد الزوجات التي مارسته كثير من العقائد عبر التاريخ كان دائماً نفسهُ. وهو “الإمبراطوريات التي تسعى للتوسع والتمدد”.
لماذا؟

لأن الرجل يملك عدد هائل من النطاف فهو كالديناصور، بينما الأنثى محاصرة ببويضة واحدة كل شهر.
كيف بإمكاني أن أزيد الأعداد؟ هل أزيد الرجال؟ لا ينفع هذا أبداً زيادة الرجال لا تزيد الأعداد على العكس تضرب المرأة.

ما الحل؟

أزيد عدد الإناث. وهكذا تتضاعف الأعداد وتتوسع الإمبراطوريات.

كل هذا كان في زمن مجتمع الندرة. أكرر مرة أخرى التعداد السكاني في 1922 كان مليار ونصف. لك أن تتخيل التعداد قبل ألوف السنين! حينها تفهم لماذا تبنى الإنسان ما تبنى من أفكار ولماذا رفع من قيم ما رفع.

ولربما القضية باختصار يمكن تلخيصها بالسؤال التالي: هل عادت تنفع “قيم مجتمعات الندرة” في زمن مجتمعات الوفرة التي نعيشها؟

تختلف الإجابات كثيراً، وعلى هذا الاختلاف يتحدد الموقف الفكري لكثير من الناس. وكتلخيص لكل النقاط السابقة تجنباً للضياع يمكنني قول النقاط التالية:

الخاتمة وزبدة الكلام.. الـ Bottom Line

  • الطبيعة نظام ذكي جداً لا يهمه الحق والصواب والخير والعدل، هذه قيم موجودة في رأسك تبنتها عديد من الحضارات لأجل قيام مجتمعات تملك عقود اجتماعية فيما بينها. يهم الطبيعة فقط استمرار الأنواع والتكيف الطبيعي. وإلى الآن الذي يتبنى قيم ومبادئ الطبيعة (استمرار النوع والتكاثر – الصبر وقت الشدائد – علاج قضية الموت الوجودية وماذا بعدها – إعطاء تفسير للإنسان ومن أين أتى) هو الدين. وبلغة علمية بحتة، الدين هو نمط من أنماط التكيف الطبيعي. لذلك سيبقى ما دامت الطبيعة نفسها باقية. (باستثناء أن تنشأ توجهات دافعة للتكاثر بنفس القوة الدينية، وهذا صعب).
  • الشذوذ ليست كلمة سلبية، كل عمل استثنائي كان شاذاً في البداية، الحالة الطبيعية للإنسان ومحيطه هي الصمت. ثم أتى الكلام وأتت الكتابة وأتى النور وأتى إسحاق نيوتن. لذلك الاستثناء وكونه قليل لا يعيبه بالعكس، هو دليل على تفرده، غير ذلك كان الجنس البشري كلهم عباقرة وأينشتاين.
  • في جميع الحالات الجنسية من المهم أن تبقى حالتك الجنسية شخصية، تخيل أن يأتيك أحدهم ويقول لك كم أنا سعيد لأني أملك قضيـ*اً كبيراً. ما وجهة نظرك عن ذلك؟ سواءً كنت مستقيماً أو غير مستقيماً، أياً كان، احتفظ بجهازك التناسلي لنفسك، لا داعي لإشهار جهازك التناسلي في وجه الناس في كل مناسبة.
  • المرونة العصبية أصبحت مصطلح واقع، قريباً تختفي مصطلحات الاضطرابات النفسية الحدية والنرجسية وغيرها وتصبح مجرد تنويعات. هذه سمة مجتمعات الوفرة المبنية على التسامح لذلك طبيعي في المجتمعات الغنية تحديداً أن يكون هناك تساهل مع كل شيء تقريباً، هذا ما يسمى عصر الرفاه.
  • نسبة المثلية الجنسية هي 2%، هذا طبعاً إن شعر الإنسان بالفعل أنه مختلف واستطاع تحديد ذلك لأنه الأمر معقد وأحياناً يتداخل فيه عدة أمور. المتاجرون الليبراليون حول العالم يشوهون القضية أكثر من تعزيزها لأنهم يريدون عرض القضية وكأنها الحالة السائدة لا الاستثناء – فيلم لايت يير- وهذا برأيي أشبه ما يكون بالأم التي تقول لابنها المصاب بمتلازمة داون مثلاً، لا يا حبيبي أنت رائع وأذكى من الآخرين.
  • يوجد 180 مليون طفل يتيم حول العالم بشكل سنوي، كنوع من المبادئ الجديدة في مجتمعات الوفرة هو قضية التبني. موضوع التكاثر الانشطاري غير مهم الآن لأن المهم هو التبني أو رعاية هؤلاء الأطفال لمن يتحسس من مصطلح التبني. العالم متغير وكل شيء تغير. فلا تثبت في فترة زمنية واحدة بارك الله بك.
  • المشكلة هي إعلامية في جوهرها، وعندما تكون بسيط إعلامياً من الطبيعي أن يتم التهامك. فمثلاً يدافعون دائماً عن مفهوم قيم الأسرة وأن نتفليكس تهدمها. لماذا لا تفعلون العكس؟ مثلاً يتم إنشاء منصة عرض تلفزيونية مثلها وتتبنى إنتاج أفلام ومسلسلات تشجع وتمدح قيم الأسرة. لماذا لا تحارب بنفس الطريقة التي تحُارب بها؟ هذا يدل على شيء واحد فقط، إن كان معك حق فأنت محق لكنك كسول مغفل، وإن لم يكن معك، فأنت مخطئ وكسول ومغفل معاً.
التصنيفات
فكر

الحب السائل: عن هشاشة الروابط الإنسانية

لم يكن السؤال يوماً متى يأتي الحب وأهله وأصحابهُ.. لم يكن السؤال كما وصفه زيجمونت بومان في كتابه عن الحب السائل مُوافقاً نظرية عبقري التحليل النفسي إريك فروم. بل كان السؤال لماذا يُحب الإنسان أن يُحب؟ يُريد أن يُلتفت إليه؟ لماذا يزداد ذلك في زمننا؛ زمن الهشاشة النفسية وظهور الإنسان اليتيم المحروم؟

سالَت جداولٌ مِن الحبر للحديث عن هذا الشيء، وألفت الكثير من الكتب، وثُبتت العديد من التواريخ لتشير إلى المضمون، وأنتجت أكوامٌ من الروايات للتعبير عن الغريزة، وصُورَ سيلٌ من الأفلام والمسلسلات التركية، فالجميع يريد أن يعرف الحب ويصوّر الحب ويكتب عن الحب..

فكلٌ يدعي وصلاً بليلى.. وليلى لا تعترف بأحد!

للتأصيل للحب لا بد مِن الانطلاق من نظرية إريك فروم؛ المُلَخصة بأن الحب هو محاولة قهر للانفصال والعودة إلى جذور الاتحاد الأولي الفردوسي. وقد اعتمد في ذلك على النظرية اليونانية القديمة التي قالت أن آلهة الأولمب خلقت كائناً مدمجاً هو ذكر وأنثى معاً، لكنه تمرد وعصاها فقسمته نصفين وكان بعدها أن قدرهُ يرتكز في العثور على الآخر مِن أجل «الاتحاد» معهُ والعودة للحالة الأولية.

ولهذا يُفسر إريك فروم، أن كل مظاهر العربدة البشرية؛ مِن محاولة للسكر وفقدان الوعي والعمل بإفراط، ما هي إلا تكتيك لتشتيت النظر والتركيز وإبعاد الفكر عن حقيقة فشل الإنسان في الوصول لحالة الاتحاد الأولى تلك ونسيان الكارثة التي ألمت بهِ.

كارثة الانفصال الفردوسي الجنائني الأول..

«فقلنا يا آدم إن هذا عدوٌ لكَ ولزوجك فلا يخرجنكما مِن الجنة فتشقى»

القرآن الكريم، سورة طه.

لهذا يشير فروم لأن الحب المثلي، في طبيعتهِ هو حب «شبقي» بالضرورة، كون عملية الاتحاد تكون مُستحيلة، وبالتالي لا يخرج من حدود لذات لحظية غير هادفة.

ونجد أن مثل نظرية فروم القائمة على الأسطورة اليونانية تتواجد في السياقات الدينية، لا سيما أن حواء خُلقت مِن ضلع آدم. وهو ما يشير إلى أن الحالة الأولية كانت مُشتركة -يمكن ملاحظة استخدام فعل «تشقى» في الآية السابقة بصيغة المُفرد بينما الخطاب كان موجهاً للاثنين معاً. وكأن هناك دلالة للحالة الأوليّة الاتحادية تلك- فيما بعد عصى آدم الله فطرد من الفردوس ونزل إلى عالم الطبيعة القاسي، وكل تنظيراته للحب ما هي إلا محاولة للاتحاد الأولي الفردوسي تلك بغية قهر الانفصال الذي جرى.

أبرز مَن وافق على نظرية فروم، وأكد عليها، وقال أن الحب الذي نعيشه في زمننا الحالي هو سائل في زمن متصدع لا قيمة له هو زيجمونت بومان. ففي الثقافة الاستهلاكية التي نعيش فيها، تفضّل الناس المنتجات الجاهزة للاستخدام الفوري، والاستعمال السريع، والإشباع اللحظي والنتائج التي لا تحتاج إلى جهد طويل. والوصفات السهلة المضمونة، والتأمين ضد كافة المخاطر، وإمكانية استرداد النقود المدفوعة!

العلاقات الإنسانية سائلة جداً في زمننا الاستعمالي هذا، فالارتباط لم يعد ارتباط إنما مجرد «تواجد» والمجتمعات البشرية لم تعد مجتمعات بل مجرد «تجمّعات» لعدد مِن الناس والأسر!

إذ يقول بومان عن هذا:

إنه عصر قطع الغيار واستبدال المنتج قبل نهاية فترة الضمان وليس عصر فن إصلاح الأشياء، إنه عصر الفرصة القادمة التي تجعل فيما يدك قابلاً للتخلي عنه فلا ترتبط به بشدة، فقد لا يكون شريكك هو الآخر راغباً أو قابلاً لعلاقة طويلة تحرمه بدوره من فرصة أفضل منك!

ولهذا يصبح الحب وعلاقات الإنسان كلها هشة، وتعتمد على استعماليتها وفرصة استبدالها بفرصة أفضل مع الأيام! فالعلاقة التي وصفت بأنها «ميثاق غليظ» في الدين الإسلامي، والزواج الكاثوليكي العتيد في الدين المسيحي، أتى عصر «العجل الذهبي» ليجعل من الذكر والأنثى مجرد كائنات مشوهة لا تحب بعضها ولا تتزوج بعضها، إنما فقط يسكنون مع بعضهم بغية الانتفاع اللحظي الشبقي لا أكثر.

يُصر إريك فروم على أن الفكرة السائدة لدى عوام الناس عن الحب خاطئة، فالحب ليس ذلك الشاب الذي يرفع أوراق الفتاة التي تسقط، ولا ذلك البطل صاحب العضلات، ولا تلك المرأة الحالمة. يقول فروم أن الحب هو نشاط وليس شعور سلبي. إنه الوقوف وليس الوقوع –يرفض فروم عبارة يسقط في الحب، ويقول أن الحب هو ترقّي– وبأشد الطرق عموميةً يمكن وصف الطابع الإيجابي للحب بقولنا أن الحب هو العطاء أساساً وليس التلقي.

إن ذروة الوظيفة الجنسية تكمن في العطاء، فالرجل يعطي نفسه.. يعطي عضوه الجنسي للمرأة، وفي لحظة الجماع يعطي منيهُ لها. وهو لا يستطيع أن يمتنع عن العطاء ما دام قادراً، وإذا لم يفعل ذلك ولم يعد قادراً يكون عنين. أما بالنسبة للمرأة فلا تختلف العملية كثيراً على الرغم من اشتداد تعقيدها، فهي تعطي نفسها أيضاً، إنها تفتح البوابات لفرجها الأنثوي، وهي في فعل التلقي إنما تعطي. وهي إن كانت عاجزة عن ذلك العطاء تغدو باردة جنسياً. معها يحدث فعل العطاء لا في وظيفتها كمحبة بل منها كأم. إنها تعطي نفسها للطفل النامي داخلها، إنها تعطي حليبها للطفل، تعطي دفأها الجسماني.. وعدم العطاء هو فعل مؤلم!

إريك فروم، فنّ الحب

يملأ فروم كتابه «فن الحب» بمعلومات غزيرة جداً بأسلوب جميل يترائى فيه العقل الألماني الضخم الذي يملكه. 

«إن لقاء الرجل والمرأة هو الأرضية التي اجتمعت فيها الطبيعة والثقافة لأوّل مرة»

-كلود ليفي شتراوس.

إلا أن ما شدد عليه هو وبومان على أن الحب هو مسؤولية تقوم على الأعمدة الأربعة: (الحب، الجنس، الولادة، الرعاية). الفكرة التعيسة السائدة أن الناس وخصوصاً في المجتمعات الصناعية لا تركز إلا على نظرية الجنس فقط وتهمل مفهوم الرعاية والولادة والمسؤولية. فبدلاً من الحب أصبحت العلاقات النفعية المؤقتة الشبقية هي السائدة، حيث إمكانية «تبديل المنتج» واستغلال فرصة أخرى دائماً موجودة. أما من ناحية الرعاية فالأمهات تعيش بمفردها وهناك ضمانات حكومية تساعدها على ذلك والأب يبحث للاستثمار في مكان آخر.

وحتى بات من الممكن للمرأة أن تصبح أماً بدون أب أو زوج أو حبيب، فقط أن تذهب لبنك الحيوانات المنوية ويزرع في داخلها نطفة، فتحصل على ما تريد!

الموضوع ما هو إلا ابتسار واختزال مَعيب لمفاهيم إنسانية كبيرة لم تعد ثقافة الاستهلاك تريدها نظراً لكثرة التكاليف، فالعالم غدا موضوعاً كبيراً لشهيتنا المريضة، العالم أصبح مُجرد تفاحة كبيرة، ثدي كبير، ونحن الذين نمتصه كل يوم. ومع كل رشفة نخسر قيمة، ومؤسسة، وأفق كنا نحاول التسامي في سبيله..

إذا استثمر الإنسان في الحب فإن الربح الذي يحصده هو الأمن في المقام الأول والأخير. الأمن بمعانيه المتعددة. أمن القرب من يد العون في الشدائد، والتعزية في الأحزان والمؤانسة في الوحدة، والغوث في المحنة والمواساة في الفشل والتهنئة عند النجاح، لكن على المرء أن يدرك أن وعود الارتباط في ظل الحداثة السائلة التي يقطعها أهل الحب على أنفسهم قد تغييرت لأن امتداد الزمن أصبح هنا والآن وفقط!

تغيير المفهوم، تشوهت القيمة، سقط الأفق المتعالي الذي كان يتسامى الإنسان إليه، وهذا ما عناه نيتشه بنظرية موت الإله، أي ماتت قيم الإنسان العليا ونزلت قيم الإنسان الدنيا، فأصبح التفاوض على الوضع الحالي للإنسان بينما قُتلت الحالة المثالية المتعالية التي سعى إليها كما كانت تشدد الأديان والفلسفات دائماً.

وتعرفون أين تكمن المأساة الكبرى؟

أن الإنسان فشل في النظريتين معاً! فلا الإنسان أصبحَ إلهاً بعدما قتل القيمة العليا، ولا هو التزم المنهج الديني المتعالي المثالي. إنما وقف في مرحلة برزخية جعلت من ثقافة الاستهلاك والأدوات التقنية تتسيد عليه كل يوم، والنتيجة ترونها في كل مكان.. غدا كائناً عبداً تحت رحمة غرائز بدائية، ومواقع تقنية لا أكثر.

كيف يمكن للإنسان الذي يحارب فكرة بشراسة أن يصل بالنهاية لأن يصبح عبداً لما هو نقيضها؟

وكأن هناك شعرة بسيطة، بمجرد تخطيها.. يصبح الإنسان مجرد دمية في يد النظرية التي يعتقد أنها تحرره!

من دلالات هشاشة الكائن الإنساني الحالي أنهُ بات يبحث عن الامتلاك والأنانية لا عن الحب.

إذ تشير كثير من الاحصائيات لا سيما الأمريكية لأن هناك رابط في توليفة أسماء مَن يحبون وتشابه أحرف اسمائهم وتواقيت ولادتهم.. وإضافةً مني أقول «أبراجهم».

بمعنى لو كان اسم الشاب جون، فحبيبته ستكون جينيفر.

مولود في الشهر الثالث.. ستكون هي في الشهر الثالت..

الخ..

وهذا إن أشار لشيء فهو مؤكداً لأنانية الإنسان ورغبته في رؤية نفسه في الآخر. مُجرد إنسان يبحث عن نسخة كربونية منهُ -لكنها تملك عضو جنسي مختلف- لا أكثر. أما حالة من التكامل أو كما قال فروم: ليس الحب علاقة بشخص معين، إنما هو موقف تجاه الشخصية يحدد من خلالها علاقة الشخص بالعالم ككل!

هذا لم يعد موجوداً..

نحن الآن في عالم آخر..

الحب هو العطاء لا التلقي..

بمعنى..

إن الشخصية الثرية الحقيقية هي تلك التي تمنح الحب able to love، لا تلك التي تنتظر المحبة being loved.

لماذا؟

دونكم المثال التالي لنفهم..

الذين يربون قطط وكلاب وطيور وحيوانات أليفة في منازلهم، لو نظرنا في العمق وحاولنا التفلسف لو جدنا أنفسنا أمام كائنات تريد Being loved. تُريد التلقي لا المنح! وهذا يتعارض مع تعريف الحب. ولهذا نجد توجهات في عالم الحداثة السائلة أنه لا داعي للارتباط والزواج والمسؤوليات، “اسكن لحالك وربي كلب أو قطة!”

لماذا؟

لأن شروط الحصول على الحب الإنساني صعبة وتتطلب شخصاً بمواصفات ثرية وبعد إنساني قيمي حقيقي؛ إنسان محترم وصعب المنال!

أخرج أخطر مجرم في العالم ودعه يقدم الـ Dry Food لأي حيوان أليف.

الحيوان الأليف سيأكل، وسيحب ذلك الإنسان.

فهو لا يعلم أنه مجرم ولا يعلم أنه خطير!

هذا هو حب الحيوانات، حب غير شرطي وعشوائي وبلا حدود.

الحب الإنساني مختلف كثيراً!

الحب الإنساني صعب ويحتاج لأن تكون شخصية ذات معنى وبُعد قيمي حتى تحصل عليه!

ولعل مَن لا يستطيعون إيجاده، ويرفضون تغيير شخصياتهم، يميلون لأن يسكنوا مع قطة تمنحهم حباً غير شرطي، ليشعروا بأنهم Being Loved. ويكتفون بفعل التلقي وهو عكس ما صرح به فروم والآخرين، فالحب هو العطاء، هو المنح، ولعل الشخصيات الثرية القادرة على فعل ذلك نادرة.

أخيراً.. 

لا يسعني سوى ذكر نظرية «الحب للشجعان بينما الجبناء تزوجهم أمهاتهم» لأنها نظرية موغلة في الخطأ. فالذين تزوجهم أمهاتهم غالباً يحققون العناصر الثلاثة التي أشار لها فروم، الرعاية والمسؤولية والولادة، وحتى الحب أيضاً، الذي إما يكون في البداية أو ينمو مع الأيام ويتكامل. أما حب الشجعان لا سيما في المجتمعات الصناعية فمصيره الطلاق، لأن ما بني على العواطف يتغير بتبدّل العواطف، هكذا كان ينصح ميكافيلي أميره أيضاً!

معلومة إثرائية: في كتاب الأمير، كان نيقولا ميكافيلي يدعو الأمير لأن يكون مُهاباً لا محبوباً، لأن الحب عاطفة بشرية تتبدل وفق الأهواء، بينما المهابة تكون نابعة من أسباب جامدة وصلبة، فمن يضع رقبته عرضةً للأهواء لا بد أن يتدهور مع الزمن، في حين أن الأسباب تكون أكثر تماسكاً.

فيبدو أن الشجعان متهورين، ويبدو أن «التقليدية» لم تكن إلا أصالة عجز أصحاب العيون «الشجاعة» عن إدراكها!

في يوم الحب وأسبوع الحب.. تذكر أن الذي يتكلم عن سلعة كثيراً غالباً هو فاقدها ولا يعيشها.

الحب ليس مسلسلاً تركياً، ولا رواية رومانسية.. الحب فن؛ الفن المؤسس لذلك البيت الذي يتربى فيه الإنسان ويكون قائماً على الأعمدة الأربعة السابقة التي ذكرناها.

وهذا ليس كلامي..

هذا كلام فروم وبومان وغيرهم..

فدعك من البحث عنه، وابدأ بمنحه..

فهو العطاء.. وليس التلقي.

الأمر صعب.

فالحب الإنساني عنيف جداً وشروطهُ صعبة، لكنه قيم ويشكل أفقاً لتسامي الإنسان بكامله. فلا تسقط بهِ كأنه حفرة تصريف صحي، بل ارتقِ معهُ!

فليس بإمكان أي حيوان أليف أن يعوّض مكانه!

اقرأ أيضاً: الرابح يبقى وحيداً

التصنيفات
فكر

الإنسان البرو ماكس: دليل غير موجز لإتقان مبادئ الإنسان الأعلى!

«مبادئ الإنسان الأعلى»

في ديسمبر تنتهي كل الأحلام.. في ديسمبر تخبو الآمال.. تغلق الأبواب.. تنقطع الأسباب..

في ديسمبر تغور النجوم، وتنام الجفون..

وهذا أمر جيد، لأن ما إن ينتهي الإنسان ويفرغ من أحلامه ويشبع منها.. حتى يعود لعالم الواقع مستيقظاً!

حينها بإمكانه أن يفعل ما يريد أن يفعل!

ولهذا سمي الحلم حلماً.. لأنهُ ببساطة وصراحة دانية من الوقاحة.. مجرّد حُلم!

تُسدل ستور هذا العام وتسحب الذكرى عليه ذيول النسيان كسابقيه.. ليبدأ عامٌ جديد قد يحتوي ميلاداً جديداً أيضاً.. وأملاً جديداً.

إلا أن الأمل المبتذل في الكلام وغيره من مصطلحات العاطفة والدراما الإنسانية، لا يعمل كثيراً مع الإنسان القوي الذي نريد أن نتحدث عنه.. الإنسان الذي بات يُعرف مؤخراً باسم الإنسان الأعلى!

بعيداً عن سائر أجواء البرد، والاكتئاب، والتهاب الجيوب الأنفية، وتدلّي حِزم المخاط السائدة في أيام الشَتوية، وخصوصاً في هذا الشهر من السنة؛ الشهر الأخير الذي يحمل معه الكثير من الترسبات، وكأنه آنية تريد غسلها بعد وجبة دسمة، لتجد شتى أنواع الدهون والزيوت قد تجمدت وترسّبت وعلقت في أسفلها.

في هذا التوقيت بالذات.. لا بد من الإشارة لأن العالم يتغير!

يتغير بعنف شديد لم يكن يخطر على بال أي أحد من قبل أن يتخيله فضلاً عن تصديقه!

قبل مئة سنة فقط من الآن.. أي في نهاية عام 1921 لم يكن هناك شيء!

معظم  الجمهوريات والممالك لم تكن موجودة!

السيارات لم تكن موجودة!

الكهرباء ما زالت في معامل جنرال إلكتريك!

وأديسون يصارع تيسلا على معركة التيارات!

أما الآن وبعد 100 سنة فقط؛ والتي هي لا شيء في عمر كوننا اللامتناهي، نجد أنفسنا واقفين على قمة هرم لإنجازات عنيفة جداً..

الاتحاد السوفييتي كان وسقط..

قنبلتان نوويتان قصفتهم الطائرات الأمريكية على اليابان..

حرب عالمية أكلت الأخضر واليابس..

كل هذا أتى وأنتهى..

لقد مررنا بتغييرات عنيفة جداً. تغييرات فلسفية تستهدف جوهر الإنسان نفسه!

«لقد استيقظت يا زارا فماذا عساك تفعل قرب النائمين!» هكذا صرخ نيتشه محاولاً أن يبث الروح في إنسانهِ الأعلى!

محاولاً أن يهز أركان الإنسان العادي كي يدفعه للارتقاء!

العالم يتغير..

الإنسان يتغير..

الطقس يتغير..

حفاضات الطفل الصغير كل يوم على الأقل لمرة واحدة.. تتغير!

صديقتك وصديقك الذي ظننته ثابتاً كالصخرة، حتى هؤلاء.. يتغير!

هذا هو ناموس الكون الأعلى.. التغيير والتكيف المستمر..

الهدم وإعادة البناء للحصول على نتائج أفضل..

لا تريد التغيير؟ إذاً تقبل النتيجة الحتمية في هدمك وإعادة بناء نموذج أفضل منك وأكثر تكيفاً!

هذا هو المبدأ الذي اعتمدته الطبيعة، وتبناه التاريخ، ووافقت عليه العلوم الصلبة كالفيزياء والكيمياء، ومن ثمّ وقّع عليهِ الإنسان العاقل مُجبراً!

«الطبيعية ليست كمديرك في العمل، تخطأ مرة فيعطيك تنبيه واثنين وثلاثة.. الطبيعة تتركك ترتع وتمرح في أخطاءك وأنظمتك الصحية وسلوكك الرديء، تم توئدك وتقتلك بأمراضها وطرقها الخاصة دون أن تدري إلا متأخراً!»

فلا بد من التكيف مع الجديد القادم.. أحببته أم لم تحبه هذا الأمر لا يعنينا في شيء، المهم هو التناغم مع الظروف الجديدة.. ولعل التغيير الأبرز القادم هو قدوم الكائن الذي لطالما تحدثوا عنه في كتب الفلسفة ومجلدات أماني الإنسان..

التغيير القادم سيحمل معه وصول الإنسان الأعلى!

«إن الإنسان ينبغي أن يتم تجاوزهُ إلى الإنسان الأعلى».. هكذا صرخ نيتشه مستطرداً!

فإن أردت أن ترحب بهذا الكائن، ولعلك تكون ممن يحمل بضعاً من صفاته أو جزءاً منها أو كلها حتى -لا أعتقد بذلك إلا لندرة فقط- فهذا المقال موجهاً لك. وإن كنت تستصعب مثل هكذا نظريات وتراها محض خيال وهراء، فيمكنك ترك المقال من هنا دون أية احراجات.

لاسيما أن الكلمات القادمة تحمل معها كماً كبيراً من الشحن العاطفي، لذلك يرجى الحذر والتنبيه..

هل تسمعون صوت ذلك الكائن وهو يأتي؟

هل تصغون لصوت خطواته وهي تقترب أكثر وأكثر؟

لقد استيقظت يا زارا.. فماذا عساك تفعل قرب النائمين!

فهل تستيقظ أنت بدورك الآن؟ وترى بعضاً من المبادئ والخطوات المركّزة للوصول لرتبة الإنسان الأعلى!

أولاً: حتمية حدوث الانتخاب التقني

بدءاً من الفرز في المدرسة وحتى الجامعة والعمل ومحاولة الترقّي في السلم الوظيفي والوصول لأعلى المراتب والمناصب. لا بد من القول أن حياتنا بأكملها هي خوض فحوصات واختبارات في سبيل حدوث الانتخاب وانتقاء الأفضل منا كي يرتقوا!

لماذا يدخل طلاب المدارس أصحاب الدرجات الأعلى المجالات الدراسية الأفضل؟

لأنه هذا انتخاب دراسي.

لماذا يحصل العاملون المجتهدون على ترقيات وظيفية ويصعدون نحو الأعلى؟

لأن هذا انتخاب في العمل.

لماذا تزداد قيمة الإنسان المتعاطف صاحب القلب الكبير الذي يعمل الخير كثيراً؟

لأن هذا أيضاً انتخاب عاطفي.

الحياة كلها انتخاب.. لا بد من إدراك ذلك مبكراً، فمن العبث تكليفها عكس طباعها، ومن الحمق قضاء عمرك في العبث!

إلا أن الانتخاب القادم الأعنف حالياً والذي سيحمل معه الإنسان الأعلى ليظهر على الساحة.. هو الإنتخاب التقني.

أي إنسان، أية مجتمعات، أية دول، أية أقاليم لا تواكب الموجة التقنية وتقوم بتوطينها وترسيخها في شتى المجالات، ستواجه خطر الإنقراض.

ظروف العالم تتغير، موارد العالم تتغير، درجات حرارة العالم تغير، مستوى فتك الفيروسات فيه يتغير. هناك تغييرات كبيرة، ولعل التقنية هي الخيار الأكثر نجاعةً للتملص فيها.

«نحن الآن على مشارف نهاية الفكر العلمي، فقد دخل غرفة الإنعاش، والسيادة القادمة للفكر التقني الغائي».

إضافةً لأن التفكير التقني قد استطاع تحطيم نماذج التفكير الأخرى السابقة تقريباً. فمن المعروف أن أوّل نوع للفكر عرفته البشرية هو الفكر الخرافي، ثم جاء الفكر الأسطوري ليقضي على الخرافة، ثم جاء الفكر الديني والفلسفي ليحطم الفكر الأسطوري، ومن بعدها أتى الفكر العلمي ليعلن موت الفلسفة والدين معاً.

إلا أن الآن حتى الفكر العلمي نفسه دخل غرفة العناية المشددة وفي آواخر حياته، لأن الفكر التقني استطاع تقريبا أن يجهز عليه بالضربة القاضية.

الفكر التقني هو الفكر العلمي العملي الذي يستخدم الوسائل في سبيل تحقيق غايات بعينها. بمعنى أن التقنية؛ هي التقنية والوسائل لتحقيق الأشياء. لذلك فإن الفكر التقني هو منبثق من العلمي؛ كما انبثق من قبله العلمي من الفلسفة! إلا أنه فكر محدد وواضح ويسعى نحو تحقيق غايات بعينها.

ما قيمة دراسة الفكر العلمي للصحة النفسية للنمل والنحل الآن؟ بالمقارنة مع الفكر التقني الذي ينتج تكنولوجيا الجيل الخامس؟ أو اللقاحات؟

هذا هو بالضبط عنوان المرحلة القادمة.. إن لم تكن تقنياً وعلى وعي به وإدراك للتغييرات الحاصلة، فغالباً العجلة ستمشي عليك، وسيفوتك الإنسان الأعلى بشوط طويل جداً.

ينبغي عليكَ أن تكون تقنياً، ينبغي عليك أن تحقق المعايير المطلوبة القادمة!

ثانياً: سيكولوجية المارشميلو.. في أهمية الكبت!

لا بد للإنسان الأعلى أن يودع بائع الحلوى خاصته! غير ذلك سيبقى في بحر تتلاطمه أمواج الرغبة والهوى والنزعات الطفولية للإنسان الأدنى الرابض في داخلهِ.

دائماً ما يضرب مثال الطفل الصغير لتوضيح هذه الفكرة.. فلو كان لدينا طفل صغير يرغب بتناول الحلوة والمارشميلو وأتينا بطبيب يحمل في يده أوراقاً علمية بأضرار مثل هكذا أطعمة وأخطارها على الصحة، في حين هناك رجل آخر يحمل لهُ الحلوى والمارشميلو، لاختار الطفل فوراً بائع الحلوى! إذ لا يفهم الطفل الكبت ولا يعرف سايكولوجية المارشميلو هذه.

الطفل مثال بارز على الإنسان الأدنى الصغير الذي لا يفهم منطق اللذة اللحظية أبداً.

وفي معرض الدفاع عن الكبت صرّح فرويد بأن الحضارة بأكملها نتجت بفعل الكبت!

فخلال 300 ألف سنة من عمر الجنس البشري، بقي الكائن البشري أورغانيك Organic يتكاثر ويأكل وينام مثل سائر الكائنات الحية، لم يستطع خلال 280 ألف سنة أن يبني حضارة أو ينتج شيئاً قيماً أبداً.

أتت الفكرة الحضارية عندما لجم هذا الكائن غرائزه الأولية وكبتها في سبيل تحقيق لذات طويلة المدى وأبعد من حدود النشوة اللحظية، فكانت حينها الحضارة التي نعرفها!

«من نماذج الكبت الشهيرة التي فعلها غاندي، أنه كان يستقلي عارياً وينام بين مجموعة من النساء العراة أيضاً. إذ كان يعتبر ذلك طقساً للتعفف، يروح فيه إلى أقصى مواجهة مع رغبات الإنسان البدائية دون أن يجعلها تعبر عن نفسها!»

الفكرة القاتلة الآن أن إنسان العصر الحالي هو طفل مارشميلو تحركه خيوط الرغبة كدمية ماريونيت بلهاء، أي هو إنسان أدنى يعيش في منظومة حضارية في طور الأفول الأخير ربما. لذلك لا بد من أن نقول الآن؛ إن كنت تنشد الارتقاء فوق اللذات اللحظية، أن وداعاً يا بائع الحلوى!

اختر الطبيب صاحب الأبحاث لا الشعبوي الذي يريد أن يتخمك بقنابل الدوبامين التي يحبها الدماغ!

لو قارنا الإنسان مع بقية الكائنات الحية لوجدناه ضعيف جداً، وكل كائن يهزمه في باب ما.. السلحفاة تعيش أطول منهُ بأشواط طويلة.. والفهد يهزمه في أبسط حلبة للسرعة دون أن يعبأ بوجوده أساساً.. الإنسان لا يستطيع الطيران فلا يمكنه مجاراة كائنات السماء أبداً.. وفيما يتعلق بحمايته، فهو كائن عاري لا يملك شيئاً، ويمكن لشتى الكائنات أصحاب الأصداف والطبقات الخارجية القاسية أن تغلبه من الشوط الأول.. فلا بد أن نحزن على أنفسنا كجنس بشري لمدى ضعفنا وهشاشتنا..

«الإنسان هو الكائن العاري الوحيد الذي وجد نفسهُ ضعيفاً فأدمن البناء من حوله، كل محاولات بناء المدن وناطحات السحاب والأسوار حول المدن القديمة، وتعزيزها بطبقات الجيوش والثغور لم تكن إلا محاولة من هذا الكائن الهش لحماية نفسهِ.. إذ كان دائماً الكائن العاري الذي امتلك الوعي الكافي لإدراك عريه وهشاشته، فحاول بناء طبقة حماية خارجية.. كل حضارات الإنسان ما هي إلا تعويض عن صدفة سلحفاة لم يملكها يوماً!»

فكل الحيوانات تهزم الإنسان في بابها الخاص، الشيء الوحيد الذي ميّز الكائن العاقل ووضعه في قمة السيادة على كوكب الأرض ولربما النظام الشمسي بأكمله هو العقل!

لك أن تتخيل أنه بعد كل التميز الصعب الذي حاز عليه.. وبعد كل أشواط الانتخاب الطبيعي التي قفزَ فوقها.. قررَ أن يتجاهل عقله، ويختار بائع الحلوى، ويبيع نفسه وروحه لتلك الغرائز البدائية التي يشترك بها مع بقية الكائنات الحية!

ما هذا العبط الذي ليس من بعده عبط أيها الكائن العاقل غير العاقل!

بدأت الحضارة عندما منع الإنسان نفسه من لذة لحظية في سبيل الحصول على لحظات قادمة.. لا تكن كالقرد الذي يصر على أخذ موزة ويتجاهل فرصة الحصول على طرد موز كامل في الغد لأنه لا يستطيع كبت نفسه!

اكبح نفسك قدر الإمكان، واختر الطبيب على الدوام.. وردد دوماً أن وداعاً يا بائع الحلوى!

لكن هذا يحتاج لإثبات وأن يكون أكثر من مجرد كلام نظري فقط.. هناك قربان يجب أن يُقدّم في سبيل التأكّد من الإجهاز النهائي على طفل المارشميلو الرابض في داخلك.. ولعل الفقرة القادمة هي خير إثبات على ذلك!

ثالثاً: الزواج.. انتصار مَن لا انتصار لهم!

يعزّ عليّ ذكر هذه الفقرة جداً، فهي أشبه ما يكون بأن يسب الإنسان صديقاً قديماً عزيزاً في حضرة أعدائهِ، فكل إنسان منا، محاط بكم كبير من المتزوجين الذين يملكون أطفالاً وأخوةً وعوائل يحبونهم ويعيشون معهم، إلا إني مضطر ها هنا لهدم هذه الفكرة والمشاغبة حولها، أو على الأقل هدم جذرها أكثر من تفتيتها هي بعينها.

أولاً ينبغي التصريح بشكل واضح أن الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهُ! أي كلما كان الإنسان فارغ الأشغال وليس لديه شيء ما يصل إليه، وعجز في البحث عن طرقات الحياة ولم يعد لديه انتصارات يحققها، كان الزواج حينها، فهو الانتصار الأخير الزائف الذي ينوي تحقيقه.

ربما أن تتزوج أمر جميل وعادي ويشير لأنك إنسان Average إلا أن للإنسان الأعلى سلوك آخر غير هذا قطعاً.

«لا يوجد إختراعات فعلها أشخاص متزوجين»

– نيكولا تيسلا.

أليس من الجميل أن تستيقظ صباحاً وبجانبك من تحبه؟ أليس من الجميل أن تكون مع الإنسان الآخر لتتقاسم خير هذه الأيام ومرها؟ أليس من الجميل أن يكون للإنسان دعماً في شتى مراحل حياته، بعلوها وهبوطها، بقربها وبعدها؟

نعم جميل، لكن كما قلت في البداية.. هذا مفيد للإنسان العادي، ويكون بمثابة نشوة وانتصار مَن لا انتصارات أخرى له! الكائن الأعلى سلوكه يختلف تماماً!

«يرى الزوج زوجته أجمل تحفة في الوجود، وترى الزوجة في زوجها الأمير النبيل. وكلاهما بعد مرور 30 سنة إما يبقون مع بعضهم تحت سلطة “الواجب” أو لأن لا خيارات أخرى متاحة. ما هو واضح في هذه المنظومة أنها نسبية. زوجك رائع بالنسبة لكِ ولأمه ولأخوته فقط -في الحقيقة، قد يكون حتى لهؤلاء الناس سيئاً!- وزوجتك خارقة الروعة فقط لوسطها الضيق. فبالنسبة لإنسان الآن في بنغلاديش أو كينيا، لا أحد يعرف أي منكم، فالصورة النسبية، وما هي إلا تعبير عن مدى ضعف الإنسان وهشاشته وحاجته لترميم نفسه بالآخرين.. فالزواج يتغذى على ضعف الإنسان العاقل العادي!»

أول شيء مهم هنا هو أن ضرب الزواج -لا أتحدث عن الموضوع كمنظومة مجتمعية بقدر ما أتحدث عن الأمر بوصفهِ اختياراً شخصياً- يشير إلى تحطيم واحدة من أكبر الغرائز الرابضة في صلب الإنسان. الغريزة الأولى هي الغريزة البيولوجية المارشميلوية -نسبةً إلى المارشميلو في الفقرة السابقة- والغريزة الثانية هي الغريزة الاجتماعية التي تدفع الإنسان لئلا يكون وحيداً، وأن يحاول مشاركة حياته مع الآخرين، وربما أحياناً إثبات أنه جيد وسليم ولا يعاني من مشكلة مرضيّة ما.

ضرب الزواج عند الإنسان الأعلى هو بمثابة حجر الزاوية الأضخم في مشروعه، لأنه بذلك يكون قد حطم صنماً ضخماً ترتكز عليه غرائز الإنسان البيولوجية البدائية، وغرائز الإنسان الاجتماعية الحديثة المتمثلة بالدعم والسند العاطفي والاستيقاظ الصباحي بجانب من تحب وغيرها من الهراء والكلام الفارغ.

استثناء لا بد منهُ: في بعض الأحيان يحدث العكس، ويكون الزواج بالفعل طريق نحو العلو.. إلا أنه حالة بالغة الندرة، كـ ندرة أن تجد غراباً لونه أبيض. إذ يسود نهج الخمول عند الغالبية العظمى، أو كما عبّر عنها الموسوعي الأمريكي بنجامبين فرانكلين بالقول: «يموت غالبية الناس في عمر الـ 25، في حين أن أنهم لا يُدفنون إلا لعمر السبعين!»

الزواج هو انتصار مَن لا انتصار لهم. هو النقصان الذي يحاول الإنسان «العادي» ترميم ذاتهِ من خلال الآخر.. الإنسان الأعلى لا شأن لهُ بهذه الأمور، خصوصاً أنها مجرد مُلهيات بالتكاثر ريثما تزور المقابر! تنم عن أن صاحبها مازال في طور «الحاجة والإشباع» الذي يشترك بهِ مع جميع الكائنات الحيّة ضمن الكوكب؛ بدءًا من الشعب المرجانية وحتى السناجب!

وهذا ما قد يترجمه البعض بشكل خاطئ أحياناً، لينغرس فيما هو أسوأ! وهو ما سنحاول توضيحه وتجنبه في الخطوة الخامسة.

رابعاً: المشكلة مع العدمية.. فلسفة اللعب الرديء!

من الظلم أن نقول الآن أن العالم أصبح قرية كونية صغيرة، لأنه لم يكن كذلك ولم يعد أبداً، العالم الآن أشبه ما يكون بتواليت صغير وليس مجرد قرية صغيرة! كل شيء قريب من كل شيء! التواصل لحظي وفي الوقت ذاته على الرغم من كونك في اسطنبول أو لندن أو أي مدينة، العالم سائل والاتصالات سائلة وسريعة، إلا أن السيولة قد تسربت لروح الإنسان وتسببت في ضرب خصلة المعنى لديه، فسقط في فخ العدمية وشراكها.

«لا شيء يمكنه أن يعذب النفس البشرية أكثر من الفراغ»

-ستيفان زفايغ

فقدَ الإنسان الحالي المعنى وغرق في بحر الظلمات والعزلة والانغراس في الذات، ولعل هذه النقطة من أبرز سلبيات العدمية. لأنه لا مشكلة لأحد مع أن يفقد الإنسان الآخر المعاني!

المشكلة في العواقب المترتبة على ذلك الفقدان، ولعل أبرز هذه العواقب الواضحة السمات والمتجلية في عصرنا الحالي هي الانغراس في الذات؛ بما تشمله من إباحية على شتى الجبهات؛ في الطعام، وفي الجنس، والعلاقات، وكل شيء آخر.

إلا أننا هنا لطرح حلول وتبيان مبادئ الإنسان الأعلى لا الإشارة للمشاكل وتعزيز حضورها!

العدمية في صلبها فكرة متهافتة.. إذ تعبّر عن ماهيتها بأن العالم بلا معنى، وكل مبادئه محض اتفاق بشري مسبق كيلا ينهار هذا العالم الذي بلا معنى!

إذاً، أنا بوصفي إنساناً فرضت عليه الحياة، ماذا ينبغي أن أفعل؟

العدمية.. وهنا يسقط في الإباحية الكاملة!

لو أردت نقد العدمية ببساطة فهو أنها ردة فعل على طبيعة عالم لم يصرح أحداً بها أساساً!

يقول تولستوي في جملة بالغة الذكاء والدهاء:

إن أردت أن تكون سعيداً، فكن سعيداً!

بمعنى.. الموضوع مثل تطبيق واتساب وغيره من تلك التي تتيح إمكانية استخدام الحالات لمدة 24 ساعة. الطبيعة غالباً ما تكون محايدة. تريد أن تكون سعيداً؟ إذاً كن سعيداً (أي ضع حالة السعادة في تطبيقك الخاص). لا تريد السعادة، لا يمكنك أن تلوم الوضعية الافتراضية وتقول أنها بلا معنى!

لماذا؟

لأن وجود معنى في الحياة هو أسوء من فقدانه أساساً!

تخيل أن تولد في هذه الحياة ويقال لك الحياة فيها معنى جاهز هو أن تجمع جميع أصداف البحر؟ ما رأيك بهذا المعنى قليل الذوق؟

العدمية فكرة نفسية أكثر من كونها شيء يمكنك لمسه وضبطه، ولو كنت عدمياً وفرحاً بذلك فأريد أن أذكرك بأن «عدم اللعب» هو نوع من أنواع اللعب الرديء! أنت في لعبة مجبر أساساً على الوجود بداخلها، قولك بالعدمية، ليس إلغاءً للعبة! لأنك لا تملك الصلاحيات لذلك أساساً! قولك بالعدمية يعني أنك تلعب ضمن اللعبة لكن بشكل رديء! لأن اللعبة جارية شئت أم أبيت!

الإنسان الاعلى يدرك ذلك مبكراً جداً، ويضع معناه الخاص، ويعيش على أقصى درجات الحافة. فتعليب الحياة بمعاني مسبقة أتفه من فكرة العدمية نفسها. لأن حينها سيصبح السؤال ماذا لو لم يعجبك المعنى الذي في الحياة؟

ضع معناك الخاص وتوقف عن اللعب الرديء لأنك مجبر!

غير ذلك، سنرى الإنسان ينحط لرتبة طفل المارشميلو السابق، حياتي بلا معنى.. ماذا أفعل؟ أغرق في الاباحيات والطعام الرديء.. وغيرها من الملذات.

وهذا ما يجعله شبيهاً بأي كائن آخر على سطح الأرض، مجرد تلبية لغرائز بدائية، وانحطاط نحو قاع هرم ماسلو وسلوك الأسلاف الأوائل.

خامساً: التطهّر من الدوبامين

عند الحديث عن الابتعاد عن الزواج لا يعني الزواج بكونه اجتماعاً مع الإنسان الآخر بقدر ما هو معالجةً لنقطة الضعف في الإنسان وهي الحاجة إلى «الإنسان الآخر» بغية تحقيق وتلبية بعض الحاجات البيولوجية والاجتماعية. لذلك هناك حالة تتمثل بالزواج بشكل سيء؛ وهي أن لا يتزوج الإنسان بل يبحث عن بدائل أخرى تكون أكثر انحطاطاً من الزواج نفسه!

وهي ما يمكن تمثيله بتزويد سيارتك بكميات كبيرة من الوقود الرديء، وفي مثالنا هنا، هي الدوبامين الرديء!

ينتج الدوبامين الرديء وفق فيليب زيمباردو عالم النفس والأعصاب الشهير صاحب تجربة ميلغرام، عند الشباب من عدة أسباب أبرزها الإباحية ومشاهدة الأفلام الخليعة، ثانيها إدمان الألعاب، وبدوري أنا ها هنا يمكنني أن أضيف مشاهدة الإنمي أيضاً.

الفكرة في كل ما سبق هو تعريض العقل لوابل عنيف من الدوبامين الرديء، حينها ستصبح بالمعنى الحرفي للكلمة «عبداً لهرمونات جسمك».

وهذا ما يتناقض ليس مع الكائن الأعلى، إنما مع الإنسان العادي، هذا سلوك الإنسان المنحط البدائي، ليس الأعلى ولا العادي حتى!

الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.
الفرق ما بين الدوبامين الرديء والدوبامين الجيد.

فمثلاً، من المعروف جداً أن الوصول في عصرنا الحالي للأفلام الإباحية أسهل من شربة الماء، وكي لا أكون مثالياً وربما ينتقد البعض هذه الفكرة، لكني سأقولها على كل حال. إن مشاهدة الأفلام الخليعة خصوصاً في فترة بداية البلوغ والفضول العالي والرغبة في استكشاف النفس، أمر يعتبر صحي إلى حد ما. المشكلة تظهر عند إدمان ذلك، وإدمان الملذات التي تأتي من ذلك.

حينها لا بد من القول أن هذه الشابة والشاب مدمنون على الدوبامين الرخيص في دماغهم!

ربما يسأل البعض: ما المشكلة في ذلك؟ أنا أشاهد الإباحيات وأمتع نفسي، وآكل كل ما يخطر في بال «معدتي». وأشاهد الإنمي والألعاب.. ما المشكلة في ذلك؟ 

المشكلة أن الإنسان الأعلى لن يأتي حاملاً في يده صندويشة شاورماً أيها العزيز! هل تعلمون أن الإنسان يعيش حرفياً على ربع ما يأكله كل يوم؟ في حين يعيش الأطباء الذين يعالجونه على الثلاثة أرباع الأخرى!

أما بالنسبة لفيض الدوبامين الرديء الذي تطلقه الإباحيات والألعاب وغيرها، فلعل التجربة الشهيرة التي جرت على الفأر خير مثال على ذلك.

«قام العلماء بوصل أقطاب كهربائية لدماغ إحدى الفئران، وجعلوا لديها مقبس بحيث بإمكان الفأر أن يضغط عليه، وكلما ضغط يحصل على الدوبامين في دماغه، أي أن التحكم بيد الفأر. كانت النتيجة أن الفأر ظل يضغط على مقبس الدوبامين الذي يصعق دماغه بفيض من هرمونات السعادة، حتى عندما حرم منه لم يعد يتحرك أو يفعل أي شيء. اي اعتاد عليه. ومن ثم احذر ماذا.. لقد مات الفأر! ضغط على مقابس الدوبامين لدرجة الموت!»

باختصار شديد أيها العزيز، لا تكن ذلك الفأر.

وهذا الكلام ليس في سياق النصح والمدارسة والتوبيخ.. لا لا. هذا مجرد تحذير لا أكثر.

لأن الطبيعة نفسها نظام ذكي تقوم بالانتخاب كما قلنا. فالأكل الزائد وما ينجم عنه من دوبامين رديء يفتك بصاحبه بدءًا من عمر الـ40 عبر ترسانة كبيرة من الأمراض التي تصيبه، فإمكانية الانتقاء التي بإمكانه أن يحظى بها في سنوات الشباب تتلاشى فيما بعد. لأن القطار حينها يكون قد فات! ولهذا لا تجد بديناً كبير السن. لأن الطبيعية نفسها تقتله بأمراض القلب والسكري قبل أن يكبر!

الطبيعية نظام ذكي جداً تعرف كيف تنقح نفسها من الإنسان صاحب السلوك التعيس وتصطفي الأفضل، لذلك كن ذكياً، طهّر نفسك من الدوبامين الرديء، فأنت تعيش على ربع ما تأكله.. طهر نفسك، وكن إنساناً أعلى من ذلك!

سادساً: خرافة الاكتئاب والانعزال

العزلة مريحة لفكر الإنسان أحياناً حتى يتنقّى من الشوائب التي تختلط فيه نتيجة التواصل المستمر مع الناس واللحاق وراء العمل، والاشتباك اليومي مع كثير من المهام التي لا تسمن ولا تغني من جوع، إلا أنها خطأ جسيم بالنسبة للإنسان الأعلى، أو كما قالها الشهير روبرت غرين في كتابه قواعد السطوة، احذر أن تبني الحصون والقلاع من حولك.. احذر أن تنعزل!

تحرمك العزلة من الكثير من فرص العمل، تحرمك العزلة من الاطلاع على الأشياء الجديدة، تبعدك العزلة عن احتمالية وجود أفكار يمكن أن تتلاقى معها!

لا ينبغي اختراع العجلة في كل مرة من جديد! وأنت بدورك الأمر ذاته، لا ينبغي أن يكون كل فكرك هو محض تفكير خاص أتيت بهِ أنت فقط! لا مانع من أخذ الأفكار من الناس الآخرين والبناء عليها، لا عيب، بالعكس الأمر ينم عن ذكاء وتوفير للوقت حتى! حينها بإمكانك أن تعتزل لإنتاج أشياء جديدة وليس إعادة اختراع عجلة مخترعة مسبقأً!

في سياق متصل، لا بد من الحديث عن خرافة الاكتئاب -ليس بوصفهِ مرضاً، بل طريقة التعامل معه وعلاجه- التي تجتاح وسائل التواصل الاجتماعي والعصر الحديث بكامله.

ولعل أبرز من نقد هذه الخرافة هو عالم هارفرد الفذ «ايرفينغ كيرش» من خلال أبحاثه العلمية التي نشرت ووصلت لنتيجة مفادها أن دواء الاكتئاب ومضاداته عبارة عن هراء ومجرد بلاسيبو.

ففي دراسته المنشورة لعام 2008. وجد كيرش وزملائه أن التأثير الدوائي لمضادات الاكتئاب على مستويات التوازن الكيميائي في الدماغ وخصوصاً فيما يتعلق بمادة السيروتونين هو تأثير زائف ولا علاقة لهُ برفع المزاج أو نزوله، بل لا يتعدى عن كونه مجرد تأثير بلاسيبو، إذ وجدت الدراسة الاحصائية أن أولئك الذين تناولوا مضادات الاكتئاب كانت مستوياتهم للسيروتونين في كيمياء أدمغتهم متباينة، بين من ارتفع، ومن انخفض، ومن بقي على حاله ولم يتغير فيه شيء! على الرغم من أن حالتهم النفسية تحسنت دون تحسن حالتهم الكيميائية في الداخل أساسا!ً

دراسة ايرفينغ كيرش.

يرجع الدكتور كيرش هذا لأن شركات الأدوية تخضع منتجاتها لاختبارات محدودة فقط بنية الحصول على الموافقة، فهي ملزمة فقط بتقديم اختبارين من أصل حوالي 25 اختبار لكشف فعالية الدواء!

كما وجد أن زيادة الوزن وغيرها من تبعات الاكتئاب وعوارضه قد تسبب انتكاساً أكبر من الاكتئاب نفسه بسبب تناوله أدويته! حينها يدخل الإنسان في حلقة عويصة من الصعب أن يتخلص منها! لا سيما إن كان المكتئب يقنع نفسه بجمل من نمط، أنا أذكى من الآخرين وأفضل لذلك أنا مكتئب، وطبعاً هذا يصب في خانة الهراء الذي لسنا بحاجة لأن نوصفه حتى.

«بشكل ما.. تكون أدوية الإكتئاب مصممة كي تبقيك مكتئباً، كونها تعالج العرض أكثر من جذر المشكلة».

الإنسان الأعلى أعلى من الاكتئاب نفسه! الإنسان الأعلى أعلى من الدراما البشرية بسائر تمثيلاتها! الإنسان الأعلى يملك نظاماً يعطيه المعنى في حياته، قد تكون الفلسفة الرواقية، قد يكون الدين، قد يكون أي شيء. المهم أن لديه معنى. الاكتئاب واقع، لكن علاجه والهالة حوله خرافة كبيرة يستثمر فيها كثيراً.

احذر من فخ الاكتئاب، احذر من فخ الانعزال.. داوي نفسك بالمعنى قبل أن تمشي فوقك عجلة الانتخاب وتطحنك لصالح من أهم أفضل وأرقى ومن يملك معنى أكبر منك!

سابعاً: جميعنا يحتاج للحليب

عندما تُعطي الطفل الصغير الذي لا يتعدى عمره بضعة أيام طعاماً صلباً أو عادياً غير الحليب، تتلخبط معدته وتنزعج ولربما يموت حتى!

الطفل بحاجة لمرحلة قدرها سنتين من الحليب فقط، فقط يشرب حليب أمه الغني بالأجسام المناعية والمغذيات التي يحتاجها. فيما بعد بإمكانه أن يأكل ما يشاء بالتدريج، ليشتد عوده، ويبني منهجه الغذائي والعام بنفسه.

الإنسان هو طفل.

كلنا أطفال..

كلنا بحاجة لمرحلة الحليب في البداية، ولا بد أن نصبر ولا نستعجل، ولا ألا نحاول أكل الطعام القاسي فورأً!

ينبغي علينا أن نمر بمرحلة روتينية مكررة نمطية تحضيراً للمرحلة المهمة القادمة.

وتبقى العبرة في الصبر والاستمرارية والمواظبة على ما يُفعل.

جميعنا أطفال، جميعنا يحتاج الحليب.. ولعل الإنسان الأعلى ليس استثناءً، فالقفر فوق المراحل بشكل أهوج وغير محسوب سيؤدي لكسر الرقبة ولربما الموت!

«الأمر يشبه قيادة السيارة.. فعندما تكون في بداية الإقلاع على السرعة 50 مثلاً، يكون تحريك المقود أمر بسيط وسلس نوعاً ما. لكن ما إن تسرع وتصل إلى أرقام عالية كالـ 180 و 200 يصبح تدوير المقود أمر صعب وكل حركة خاطئة فيه قد تهددك بالخروج من الطريق ولربما انقلاب السيارة بكاملها!
الإنسان الأعلى بوصفهِ وقوفاً وترفعاً عن الجوهر البيولوجي للإنسان هو محاولة للقيادة بسرعات عالية جداً، فحاول المواظبة على رؤية الطريق السليم دون تدوير المقود بزوايا قاسية وبشكل خاطئ! لأن ذلك قد يؤدي للخروج عن الطريق تماماً!»

حافظ على تسلسل المراحل.. حافظ على الاستمرارية والنفس الطويل.

لا تتجنب مرحلة الحليب..

عشها بكل تفاصيلها.. وبعدها لتبدأ مرحلتك الخاصة!

ثامناً: اقرأ حتى تموت

لا أفهم الإنسان الذي يمسك رواية ويشرب قدحاً من القهوة مع بعض! كيف يمكن أن يكون الإنسان سعيداً أو مرتاحاً عندما يقرأ؟ صدقاً لا أفهم هذه النقطة أبداً، على العكس أعتقد أن القراءة عملية صعبة وبشعة وتتطلب صبراً طويلاً، إلا أنها مهمة وغير ذلك دائماً ما كنت أعتقد أني سأبقى مغفلاً أحمقاً إن لم اقرأ، لهذا أجبر نفسي.

ولذلك أرى أحياناً أنه ينبغي «التعذيب بالقراءة» لا فقط أن تتلذذ بالقراءة وتسعد بكوب قهوتها!

فالمثقف العضوي الذي تحدث عنه غرامشي هو مثقف منخرط في الجو العام، أن تكون روائياً تشرب قهوة فهذا دليل على أنك مثقف غير عضوي بعيد عن الواقع ولربما منفصل عنه.

اقرأوا حتى تموتوا.. من المحبرة حتى المقبرة!

هناك الكثير من الأشياء في هذا العالم غير مكتشفة. هناك الكثير من الأشياء موجودة فقط في الكتب. ابتسار العلم في بضعة مقالات توفرها بعض مواقع ومزابل المحتوى العربي أمر سيء. غالبيتها مواقع ربحية لا هدف لها للقارئ ولا هم يحزنون، هم يريدون «زيارة القارئ» فقط لا دين أم القارئ ومعرفته!

العلم في الكتب.. المعرفة في الكتب.. الدراسة في الكتب.. التركيز في الكتب.. القداسة في الكتب.. ألم ترون لماذا الأديان جميعها تستند على كتاب مقدس في صلبها وليس مثلاً تابلت آي باد سماوي؟

لأن الكتاب مقدس!

للكتاب معنى عميق!

فاقرأ بارك الله بك!

اقرأ حتى تتعلم..

اقرأ حتى تتحرر..

اقرأ حتى لا تموت صغيراً وإن رحلت في العشرين!

اقرأ لعلك تكون الإنسان الأعلى الذي يخرج هذا العالم من تعاسته..

اقرأ فقد تكون أنت المنتظر الذي يحمل الأمل..

اقرأ..

أرجوك اقرأ..

فقد تكون أنت الذي يُحررنا..

تاسعاً: خرافة المساواة.. صعود الإنسان البرو ماكس!

يُلقى في روعنا منذ الصغر أن جميع الناس «خير وبركة» وهذا بالفعل صحيح إلى حد كبير. غالبية الناس طيبون. غالبية الناس يريدون الخير فعلاً. غالبية الناس يشبهون بعضهم في الكثير، لكنهم أيضاً يختلفون في الكثير.. وأهم من هذا كله، غالبية الناس غير متساوين!

البعض يولد طويلاً.. البعض الآخر يولد قصيراً!

البعض عيونه ملونة.. الآخر عيونه داكنة!

الناس في السويد الحد الأدنى للأجور لديهم أعلى من الذين في الهند مثلاً!

المساواة في الفرص أمر مهم ومطبق في غالب مناطق العالم، إلا أن المساواة بالحالة الافتراضية للناس غالباً غير موجودة، نظراً للتنوع الجيني الضخم عند الجنس البشري. وأهم من هذا كله أن عدم المساواة في الظروف الأولية البيولوجية والاجتماعية أمر جميل وليس سيء، إلا أنه فيما يتعلق بسمات الكائن الأعلى والانتخاب التقني القادم، فالأمر يختلف قليلاً!

الانتخاب الذي نتعرض له في وقتنا الحالي يفرض نجاة -حتى أكون أدق النجاة هنا ليس عدم الموت، النجاة هنا بمعنى التميز واللمعان- نسبة قليلة من البشر فقط، كون التعداد البشري يعيش أوج انفجاراته ولأرقام فلكية لم تكن تخطر على بال أحد.

عدد سكان العالم في عام 1812 كان 500 مليون.

عدد سكان العالم في عام 1912 كان حوالي مليار ونصف.

عدد سكان العالم في عام 2012 هو 7.7 مليار إنسان!

لا يحدث الانتخاب إلا عندما يكون هناك أعداد كبيرة وفائض لا بد من التخلص منه -التخلص الطبيعي من البشر يكمن في عدة آليات، الأمراض تقتل أصحاب الأنظمة الصحية السيئة، الزلازل والبراكين والفيضانات تدمر مَن يعيشون في المناطق السيئة- والآن وفي زمننا الحديث، مَن لا يمتلك صفات تقنية حديثة، فإن الطبيعة باختصار ستتخلص منه ولن يتأهل للمرحلة القادمة. وأنا آسف لو كان هذا الكلام قاسياً، لكن حقيقة الطبيعة التي نعيش بها هي كذلك.. من العبث أن نكلفها عكس طباعها! ومن الحمق قضاء العمر في العبث!

نحن لسنا متساويين ولم نكن كذلك منذ البداية، البعض منا هو بمثابة آيفون برو ماكس يتمتع بصفات وعتاد قوي جداً، البعض بمثابة آيفون عادي. آخرين بمثابة آيفون ميني. البعض سامسونج فئة متوسطة عليا أو فلاج شيب. والبعض في هذا العالم قد يكون بمثابة نوكيا 3310!

ولا يوجد أتعس من الإنسان الذي يحمل هاتفاً ذكياً، إلا أنه هو نفسه ليس ذكياً!

هل تريد معرفة ما هو عتادك؟ هل أنت إنسان برو ماكس أعلى أم مجرد نوكيا بمعالج رديء ستنقرض قريباً؟

ما هو نظامك الصحي؟ إن كان سيئاً فإن الطبيعة ستكون كفيلة بتحطيمك مع الزمن. (مقال الحياة كفلتر مهم في هذا الجانب).

ما هو سلوكك التقني؟ إن تخلفت عن ركب مسايرة الموجة التقنية فلا محل لك في الزمن القادم. أنت كساعي بريد في زمن الإيميلات والواتساب!

ما هو سلوكك الدوباميني؟ كيف تحصل على السعادة؟ تُرمم نفسك بالآخرين وتداري هشاشتك أم ماذا؟

ما هو سلوكك المعرفي؟ أنت من ضحايا اقتصاد الانتباه ومقالات سقوط فستان هيفاء وهبي وغيره مما ينشر في مزابل المحتوى العربي أم ماذا؟

إجابات هذه الأسئلة تجعلك تدرك من أنت، فاحرص على أن تكون بعتاد قوي ذو معالج عالٍ يتمتع بمواصفات مرنة وقلب نابض من الصعب تحطيمه!

وأكررها مرةً أخرى، نحن لم نكن متساوين منذ البداية، وهذا سر جمال الجنس البشري، إنه متعدد ومختلف، ما يهمنا الآن في هذا الزمن ألا تجعل العجلة تمشي علينا.

وهي للأسف ستمشي على الكثير، وسيبقى وحده صاحب التكيف الأعلى.. الإنسان البرو ماكس؛ الإنسان الأعلى!

عاشراً وأخيراً: لا أعلى إلا وهناك مَن هو أعلى منه!

تصارعت عبرَ التاريخ عدة شخصيات للإنسان لتكون في قمة الهرم، فكان الإنسان دائماً في حالة تناوب ما بين: (إنسان السلطة والقوة، وإنسان الاقتصاد، وإنسان الدين والفلسفة، وأخيراً الإنسان البدائي الغريزي). وعبر التاريخ كان السجال دائماً ما بين إنسان القوة وإنسان الدين والفكر، وكانت الكرة تارةً لهذا، وتارةً لذلك، أما الآن فالإنسان ارتدَ إلى أسفل الهرم، أرتدَ إلى عصر البربرية الأولى!

«يا مُعلم.. أتظن أنك حُر؟ يا مُعلم.. فقط الحبل الذي حول رقبتك أطول من الذي حول رقبتي!»

زوربا اليوناني

يقول ديفيد فوستر والاس الكاتب الأمريكي الجميل جداً الذي انتحرَ في ريعان الشباب بعد أن حققت رواياته نجاحاً باهراً: لا يمكن للإنسان أن يكون ملحداً، لا يمكن للإنسان إلا أن يعبد، والخيار المتاح لنا في أن نختار ما نعبد فقط!

اعبد القوة وسترى نفسك تخبو بعد أن تكبر..

اعبد السلطة وستجد نفسك ضعيفاً بعد فقدانها..

اعبد جمالك وستجده قد ذهب أدراج الرياح مع التقدم بالسن..

نحن كائنات عابدة راكعة منذ صغرها، الاختيار لنا في انتقاء ما نريد عبادته وليس أن نعبد أو لا من الأساس!

هل تريد إثباتاً على ذلك؟

مثال الإنسان السابق.. عبر التاريخ كان دائماً إنسان السلطة أو الفكر هو الذي يربح، الإنسان الآن تخلى عن القوة، وتخلى عن الفكر.. التحالف الآن ما بين إنسان الاقتصاد وإنسان الغرائز البدائية!

لذلك من المضحك جداً أن ترى صنفاً من الناس يدعي التحرر وعدم الإيمان، وهو من أولئك الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي آخر الأسبوع يشرب كأساً من النبيذ الرخيص كي ينسى!

هذه حرية؟

يا عزيزي الجميل.. أنت حررت نفسك من ربقة الإيمان، لكنك سلمت رقبتك لربقة الاقتصاد والسوق!

دعني أقولها بطريقة أعنف قليلاً وسامحني لو جرحت مشاعرك: قد تعتقد أنك خرجت من حظيرة الإيمان، لكنك دخلت في حظيرة أسوأ منها دون أن تدري!

لأن الإنسان سيعبد شيئاً ما دائماً، المهم أن تكون حركتك استباقية وتعبد ما لا يمكن ضبطه وتحديده بالصفات والكلام والقدرة على التغيير والزوال البشري.

الإنسان سيركع.. الفكرة فقط أن يختار ما يركع لهُ لأن عدم الركوع خيار غير متاح!

أنت ستركع في كل الأحوال..

يمكنك فقط أن تختار..

إما أن تركع للجمال الذي يزول مع الزمن..

أو أن تركع للقوة التي تتراخى بفعل زوال الهرمونات بعد سن الستين..

أو أن تعبد الذكاء والفطنة التي يأتي الزهايمر ليجعلك تنسى اسمك فضلاً عن حل المعادلات من الدرجة الثانية..

أو أن تعبد القيمة العليا في السماء التي لا تزول بفعل الزمن..

الإنسان كائن ضعيف، ولا يمكن أن يصل لرتبة الإنسان الأعلى إلا أن تمسك بفكرة عالية جداً.. فكرة متسامية جداً.. فكرة لا يمكن ضبطها بالكلمات والتعبير عنها..

فكرة كل ما في بالك عنها هو من وهمك وخيالك..

فكرة أكبر من أن تهزم..

فكرة لا يمكن أن يراها إلا الإنسان الأعلى القادم وحده!

غير ذلك.. دعوا أصحاب الحرية الزائفة ينعمون في سجال الإنسان الاقتصادي مع الإنسان الغرائزي.. في مظلة كبيرة من وهم التحرر!

أنت فقط بدلت الحبل المربوط حول رقبتك يا عزيزي، خرجت من حظيرة الإيمان إلى حظيرة أخرى تغفل عن رؤيتها.. حاول أن تقطع الحبل.. وحاول أن تلاحق الأفكار العليا!

***

يعز علي كثيراً أن أكتب كل هذا الكلام السابق، فكما قلت منذ قليل، أعتقد بكتابتي هذه وكأني أسب صديقاً قديماً في حضرة أعدائهِ.. إدراك هذا يحز في نفسي كثيراً، لكن من الواجب قوله، ومن الواجب التصريح به، ومن الواجب إدراك عملية الانتقاء والاصطفاء الانتخابي التي دخلنا بها دون أن ندري!

قانون الطبيعة الأبرز لا يرحم.. فهي تقتل أولئك الذي لا يتبعون نهجها الصحي أو الـ Organic. لذلك كان ينبغي لك أن تتكيف وتنظّم روتينك وألا تفرط فيما تفعل كثيراً، وألا تكن صلباً كثيراً فتكسر! أو أن تكون ليناً كثيراً فتُعصر!

الدوبامين الرديء يعرض نفسه عليك كل يوم، على الشاشة.. في السوشال ميديا.. في اليوتيوب.. وكل مكان، وحدهم من يملكون عقلاً يميزهم عن بقية الكائنات المتدنية يستطيعون التحكم، ولعل التحكم بهذه الرغبات الأولية بما تشمله من زواج وحاجة اجتماعية للدعم والمساندة النفسية وهرمونات السعادة وخرافة الاكتئاب.. يؤدي لنضج هيكل الإنسان الأعلى ويحرضه على الظهور أكثر وأكثر!

صرخَ نيتشه منذ حوالي قرن أن القيمة العليا في السماء قد ماتت وأن الله قد نزل على الأرض وكل شيء أصبحَ قابلاً للتفاوض! إلا أني أعتقد أن الإنسان الأعلى منفصل عن ذلك ولا ينبغي له أن يأخذ بمنحى ميتافيزيقي مثالي.

الإنسان الأعلى حقيقي وبدأت ملامحه تظهر يوماً بعد يوم.

في عالم الفوضى والسيولة وسيطرة مشاعر الإنسان الرديئة المنحطة، يرتع ويمرح الكائن الدنيوي العادي الذي تتمثل أقصى طموحاته بأن يتكاثر بانشطارية عالية كالأرانب.

آن الآوان لكي يبزغ الكائن الأعلى..

المقاعد محدودة..

الشروط الصعبة..

إلا أن قواعد الانتخاب والاصطفاء كانت دائماً كذلك.. (لا يمكن للانتقاء أن ينجح لو استطاع الجميع أن ينجح!)

فالقمة لا تتسع إلا لموطئ قدم صغير، ولا يمكن أن تأخذ عائلتك وبرادك ودوبامينك الرديء كحمل إلى القمة!

ينبغي أن تتسع لك فقط.. وفي الطريق إلى ذلك، ستلقي بتلك الحمولة من زورقك الصغير حتى لا يغرق بك! فتغدو كذلك الفأر الذي ظل يضغط على أقطاب الدوبامين حتى مات!

استيقظ زارا منذ قرن، فماذا عساك تفعل أنت الآن!

الكائن الأعلى لا بد له أن يظهر..

الإنسان عندما يحطم مبادئ البيولوجية في جسمه..

ويستغني عن الدوبامين..

والنهم في الطعام..

والعزلة المرضية..

وينمي عقله بالتعذيب بالقراءة..

حينها لا بد من أنه يتجاوز نفسه!

ولا يوجد أخطر من الإنسان الذي يملك سيطرة على نفسه!

ذلك هو التجاوز للإنسان العادي..

ذلك هو الإنسان الأخير الذي سيصب في مجرى التاريخ النهائي..

ذلك هو الإنسان الذي قضت مسيرة 300 ألف سنة من التراكم البشري لكي توجده.

ذلك هو الإنسان الذي تريده ولعلك تحمل جزءًا منه..

ذلك هو الإنسان الذي ينتهي ديسمبر من أجله..

ذلك هو الإنسان الذي يرفض أن يبقى في الحلم..

ذلك هو.. الإنسان الأعلى!

أما الآن..

فلقد استيقظَ زارا منذ زمن طويل..

فماذا عساك مازلت تفعل قرب النائمين؟

التصنيفات
فكر

عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!

ما إن تفتح حديثاً مع أحدهم وتأتي سيرة كلب ما، أو حمار وبغل في السياق.. حتى يعاجلك بعبارة: “محشوم”.. “الله يعزك”.. “أنت أكبر قدر”. وغيرها من مصطلحات التنزيه والحشمة.

لكن لماذا؟

لماذا كلب.. الله يعزك؟ لماذا حمار.. محشوم؟ لماذا بغل.. أنت أكبر قدر؟

هذه الحيوانات مِن أكثر الكائنات التي خدمت الإنسان عبر الزمن.. بدءًا من تدجينهُ لها وامتهانه الزراعة قبل 12 ألف سنة وإلى الآن..

ملاحظة جانبية: البغال من الحيوانات القليلة التي تقوم بفعل الانتحار.. فعندما تُحمَّل بكميات هائلة من الأوزان خصوصاً في الجبال، تقوم برمي نفسها من الأعلى وتنهي حياتها..

فهو يحمل النقائل الشديدة على البغال في الجبال.. والكلاب هي مَن يحرس أغنامه. والحمار هو مَن يركب عليه في الطرق الطويلة التي تحتاج لكائن لا يتكلم ولا يشتكي؛ وهو ما يُرضي الميول السادية لدى الكائن العقل!

بعدها.. تقول أنت أكبر قدر؟
لماذا؟

لماذا يحتقر الإنسان ما هو أدنى منه ويحب مَن يدوس عليه؟

هذه الحيوانات جميلة..

وليست هي “أنت أكبر قدر”!

هناك كائن آخر يجب أن نقول بجانبه أنت أكبر قدر ومحشوم والله يعزكم جميعاً.

الكائن الذي يدعي امتلاك العقل..

لكنه في كل مكان ينزل فيه يكون غير عاقل..

يكون قاتلاً..

يحترف السوء..

يشحذ سكينهُ شاهراً إياها في وجوه الناس الضعفاء..

وهي حالة مستغربة جداً لدى جميع الكائنات الحية..

المعروف أن الكائنات تقتل بدافع الغريزة والحماية..

أما الإنسان..

فهو يقتل في سبيل أن يشعر بالرضا والسعادة والتشفي!

وهو لا يقتل كائناً آخراً فحسب -رغم أنه لا يوفره قطعاً!- إنما يقتل بدافع اللذة!

لذلك استغرب آينشتاين مِن غباء هذا الكائن قائلاً:

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعلَ الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!».

فكّر معي لبرهة..

العالم يحتوي آلاف مِن الرؤوس الهيدروجينية وليس النووية حتى..

هذه الرؤوس لمَن موجهة!

لنصدق ادعاءات الردع وتوازن القوى وحق الدفاع عن النفس وغيرها من الكلام الفارغ..

ودعنا نشطّ في خيالنا كثيراً..

لمَن توجّه هذه الأسلحة؟

أليس للإنسان نفسه؟

الفئران اجتمعوا يا صديقي..

الفئران اخترعوا مصيدة الفئران الخاصة بهم..

الفئران في انتظار وصول البرابرة فقط!

وهم سيصلون.. هذه خلاصة نظريات جُل المفكرين ومستشرفي المستقبل.

طال الزمن أو قصر..

سيصلون..

وبعدها..

ارتقب يوم تأتيك السماء بدخانٍ نووي مُبين!

وحتى مجيء ذلك العالم.. لا بد من الحديث عن الأفغان.. مقبرة الامبراطوريات المزيفة التي يقودها مجموعة من المهزومون؛ مجموعة من الفرسان بلا جواد!

في حالة غريبة من وهم الانتصارات..

ومن الربح الزائف..

ومن مخادعة النفس..

فكثرة المعارك تشحذ النِصال.. لكنها تقتل الفارس!

فأي انتصارات تلك التي تحدث في مكان يكون فيه الإنسان نفسهُ مهزوماً!

هناك فرق بين البساطة والعفوية.. وبين الإنسان المهزوم.

تأمّل حال وصورة أي إنسان أفغاني وستجد عناوين الهزيمة حاضرة بكل تفاصيلها.

لا يعنينا التقدم على الأرض..

ولا حالة الخرائط..

ولا مَن يفتح ويقود.. ويكر ويفر..

الناس هناك مهزومون..

الناس هناك مُتعبون..

وربما أفضل ما قد يحصل لهم وينعشهم.. هو أحدٌ ما يأتي إليهم بخطط تنمية اقتصادية.

ومشاريع بنية تحتية..

هؤلاء الناس لا يحتاجون لسماء..

لا يحتاجون لجنة..

لا يحتاجون لدبابات..

ولا إلى قوى كبرى داعمة..

هؤلاء يحتاجون طعام..

ويمكنك أن تأخذها قاعدة مِن الآن وحتى تموت، مقولة كارل ماركس الخالدة: «تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام».

الإنسان في سبيل جوعه يحرق كل شيء!

لكنه.. وحتى موعد حصولهِ على وجبته التالية..

تحركه الأوهام الزائفة.. كما التائه وسط الصحراء، يخدعه سراب الوجود.. مُحاولاً تصديق أي شيء على أنه ماء!

ليأتي الاتحاد السوفيتي ويقول -لهؤلاء الجائعون- الحل عندنا!

تعالوا واعتنقوا الشيوعية وستشبعوا!

يخرج السوفييت..

ليأتي بعدها الأمريكان ويقولوا: الحل عندنا.. الحل هو السوق الحرة!

خصخصوا كل شيء وخوضوا المنافسة مع العالم وستربحوا!

ليخرج بعدها الأمريكان..

ليأتي بعدها المتطرفون.. ويقولوا: الحل هو الدين! فقط آمنوا وتوكلوا!

وستجدوا موائد الرحمن قد نزلت لتطعمكم!

كلهم كاذبون.. كلهم فاشلون.. كلهم يدعون أنهم فرسان الحق والله والعلم ومشاريع التنمية الاقتصادية..

كلهم يركبون جواداً وهمياً..

فرسان مزيفون..

لا أحد معهُ الحل..

الحل هو أن يتركوهم وشأنهم!

هؤلاء القوم يقاتلون ويُقاتل في أرضهم منذ حوالي 50 سنة!

هؤلاء قومٌ متعبون..

اجمعوا كل خردتكم المعدنيّة..

اخرجوا كل الأسلحة..

دعوا هؤلاء الناس وحدهم..

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة النظرية السياسية الأدق لهم، والإطار الاجتماعي الأفضل.. وكيف يجب تُدار عجلة الاقتصاد لديهم..

ما أعرفه أنهم قومٌ مُرهَقون..

دولة حبيسة..

تحيطها الامبراطوريات الكاسرة من كل الجوانب.. وتسعى كل واحدة منهم لأخذ حصتها عندهم..

لا يحتقر الكائن العاقل الحديث الذي يسكن المدن، فقط الحيوانات..

بل يحتقر الإنسان الآخر أيضاً..

الإنسان المخالف له..

أولئك البسطاء..

أولئك المزارعون..

ويرى أن مبادئه الفكرية تصلح للجميع ويجب نشرها..

دعوا هؤلاء الناس وشأنهم واخرجوا جميعاً..

لا يمكن للسوفييت تحويل حياة الأفغان لنعيم من خلال الشيوعية الاقتصادية!

لا يمكن للأمريكان وسوقهم الحرة تحويل حياتهم لنعمة من خلال الخصخصة والمنافسة مع الحيتان المحيطة بهم!

لا يمكن لخريجي المدارس الدينية الذهاب للجنة من خلال تحويل حياة هؤلاء البسطاء إلى جحيم!

طريق الله لا يمر عبر رؤوس العباد يا عزيزي!

وإن ظننت العكس، فاحذر وراجع نفسك.. وتساءل: ما هي نوعية الإله الذي تعبده؟

ما أعرفه من كل ما سبق وما يحصل حالياً، أن الإنسان كائن سيء..

منذ البداية كان هكذا..

عندما قال الله، إني أعلم ما لا تعلمون..

هذا الإنسان يحتقر ما دونه؛ رغم خدمتهم له!

ويحب من فوقه؛ رغم أنهم يدوسون عليه!

ليس كلب، الله يعزك! ولا حمار.. ولا بغل.. هؤلاء حيوانات لا شأن لها في وساخة هذا العالم..

دائماً كان إنسان، الله يعزك!

دائماً كان السوء في الإنسان..

الإنسان أنت أكبر قدر!

التصنيفات
فكر

شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة!

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك الشخصيّة..

كن مستقياً في سلوكك الجنسي أو خارجاً عن المألوف كما تشاء، العالم بات يتسع للجميع ولن يعتقلك أحد بتهمة حيازة أعضاء تناسلية لديها نزوات غريبة..

كن نحيفاً أو بديناً..

كُل كما تشاء، وأينما تشاء ومع مَن تشاء..

لكن في رحلتك الكبيرة هذه، وعندما تُريد أن تبرر توجهاتك الخاصة، لا تلقي باللوم على إيمان الناس البسطاء يا صديقي.. ولا تغتر بأنهم في مجاهل العالم الثالث لا يدري بهم أحدا..

أريد أن أقول لك التالي يا أيها العزيز..

لا تلوم الدين في كل شيء، وهنا أقصد لا دين الكتب والعقائد، إنما إيمان الناس البسطاء.. إيمان بائع الخضار الذي يبدأ يومه وهو يجر عربة خضاره.. مؤمناً أن الرزاق هو الله.. وأن مَن خلقه لن ينساه!

لا تتحامل كثيراً على هؤلاء الطيبين.. لا تتحامل..

عطفاً على موضوع البارحة…

وهو حادثة جريمة اللاشرف التي حدثت، قرأت بعض التعقيبات لبعض الأشخاص المحترمين عن ذلك الموضوع.. وكانوا يضعون نصب أعينهم في قفص الإتهام، كلمة الدين!

ما سبب جرائم الشرف وقتل الإناث؟

الدين!

لا يوجد أسهل من هكذا إجابة!

لدرجة أنهُ لو دخل أحدهم إلى الحمام وقُطِعَ عنهُ صنبور الماء الساخن لوضع الحق على الدين!

ما سبب تخلفنا؟ الدين حتماً.

ما سبب غياب المنهج العلمي؟ الدين الدين.

ما سبب نقص الملح في الطعام؟ الدين حتماً.

ما سبب قتل الإناث والبشر والشجر والحجر؟ الدين الدين.

أرأيتم؟

أصبح الدين الشماعة الجديدة “التنويرية”.

هو نظرية المؤامرة لهذا العصر، والتفسير السهل بالنسبة لهم.. كل شيء دين.. كل شيء بسبب الدين وناتج منه!

لكن.. لو أردنا تفنيد ذلك، لا سيما حجة الموضوع الساخن الآن وهو جرائم الشرف، فهو بسيط جداً.

عندما تريد ربط حدث ما مع مُسبب، فأنت بحاجة لقياس سلوكه أولاً. ثم عزله ثانياً.

مثلاً:

البدانة تسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

نقوم بالقياس..

ونراقب العلاقة الطردية الحادثة.

  • هل اذا زادت البدانة زاد احتمال الإصابة بأمراض القلب؟

نعم.

  • هل إذا نقصت البدانة والتزم الإنسان بروتين صحي يتعافى القلب؟

نعم.

إذاً نصل لاستنتاج هنا هو: للبدانة علاقة مع أمراض القلب!

هذا نموذج ومثال للربط الصحيح.

الآن نأتي لمثالنا الرئيسي.. جرائم الشرف!

يقولون أن ذلك يحدث بسبب الدين. نقول لهم: هل اذا زاد التدين زادت جرائم الشرف؟

هل اذا كان الإنسان متدين بنسبة 10% فإنه يقتل مثلاً واحدة!

وإذا كان متديناً بنسبة 90% فإنه يقتل عشرة!

الأمر مثير للضحك فعلاً قبل السخرية والنقد! وأعتقد أن الجميع يدرك أن المتدينين كثيراً يتحاشون المرأة بشكل كبير، ولا يقتربون منها فضلاً عن إيذائها!

هؤلاء يبنون رجل قش Straw Man لنسخة سهلة النقد من الدين. وغالباً لا أحد يؤمن بها سواهم، ويبدأون مغامراتهم الدون كيشوتية في صراع طواحين هواء غير موجودة!

ثم يصورون لك الإنسان المتدين وكأنّ له روتين يومي كالتالي:

في كل يوم يستيقظ ولديه To Do List هي التالية:

  • قتل عشرة نساء.
  • رجم وجلد 20 رجل.
  • منع المنهج العلمي، وقتل 10 علماء كانوا على وشك الوصول لاكتشاف ما!

أخي العزيز.. آمن أو لا تؤمن، هذه حريتك.. لكن أن تقول أن الدين سبب المشاكل وأصل كل الشرور بلغة دوكينزية، فأنت متحامل، وتقنص حبات الكرز من البستان الذي تريده أنت فقط، لأجل تأكيد وجهة النظر التي تتبناها مسبقاً.

غريب، ألا ترى هنا أن دماغك يخدعك! يذكرني هذا بالفيديو التاريخي لمهدي حسن عندما ناظر في أوكسفورد بعض أحزاب اليمين عن مواضيع مشابهة لهذه الفكرة.

العامل الثاني في قران المُسبب مع الفعل، هو العزل.

بمعنى، هناك دائماً حاجة لوضع عدة عينات بعد اكتشاف «نمط» ما لأجل تأكيد تكرار التجربة.

مثلاً:

عندما نريد قرن البدانة مع مرض القلب.

نقوم بأخذ عينة أخرى لبُدناء من بلد آخر.. أو بدناء لديهم أمراض أخرى.. أو بدناء بفصائل دم متباينة وهكذا.

سبب هذا هو عزل النمط المتواجد “البدانة تسبب أمراض القلب” في سبيل تجربتها على عينات أخرى للتأكّد. وفي حال ثبوت ذلك يعني أن العلاقة حقيقية والبدانة فعلاً تسبب أمراض القلب!

نأتي لمثال جرائم الشرف..

يا أخي العزيز المتحامل علينا..

هذه الجرائم هي شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني! نحن فقط نسقط “بلاوينا” على العالم الإسلامي الذي قد لا يدري بنا ولا بوجودنا! نسبة العرب ضمن العالم الإسلامي هي أقل من 21%! يعني أقل من الربع!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع الختان! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من مشاكل الشرف! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع التخلف! بل العالم العربي!

اختطاف الإسلام والدين ووضعه في صندوق العرب وحدهم، وإسقاط مشاكلهم وعقدهم النفسية والقبلية والتقليدية على الإسلام لتصبح قضايا الأمة، جرم كبير، وحالة نرجسية مرضية، يجب أن تصحح قبل أن يتوه العالم بنا وبه!

هذه شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني!

على هذه السياق..

قرأت منذ مدة كتاب بعنوان “سقوط العالم الإسلامي” للكاتب حامد عبد الصمد، لا أكذب إن لم أقل أن العنوان استفزني، وأشعرني بأنه سيأتي بشيء ضخم عميق، حالة أشبه لكتاب المؤرخ ثقيل العيار صاحب الروح الألمانية أوزفالد شبنغلر، الذي خطّ كتاب سقوط الحضارة الغربية، في نبوءته الشهيرة نحو اندثار القارة الأوروبية.

مسكت الكتاب الذي لا يتعدى مئتين صفحة، آملاً أن أجد شيء يدعو فعلاً للخروج من مسار السقوط إن كان يحدث حقيقةً.. فما وجدت سوى كلام لا معنى له!

لدرجة أن اسم الكتاب يجب أن يكون بدل سقوط العالم الإسلامي، سقوط سقوط العالم الإسلامي!

لماذا؟

الكاتب يعتقد أن العالم الإسلامي هو العالم العربي.. الذي ويا للمصادفة لا يشكل سوى 21% من العالم الإسلامي!

نكمل..

الكاتب يتحدث عن كيف هؤلاء المسلمون المهاجرون سيركبون قوارب الموت ويتجهون نحو أوروبا ويغرقونها!

كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب سقوط العالم الإسلامي..

انتهى الكتاب، ولم أجد شيئاً! لا نظرية سقوط ولا أي شيء.. بحثت عن حامد لأرى ما طبيعة دراسته فوجدت أنه يحمل شهادة في العلوم السياسية، ويعرف نفسه كباحث في قضايا التراث الإسلامي.

إن كان السيد حامد باحث في قضايا التراث، فأنا يمكنني هنا أن أعرف نفسي بأنني باحث في الهندسة النووية أيضاً.. وجدتي باحثة في علوم الذرة والفيزياء الكوانتية!

الكتاب منذ بدايته وفي عنوانه وفكرته الكبرى خاطئ.. يرى أن العالم الإسلامي هو العرب فقط! الذين لا يمثلون سوى الربع! ولا يرى حتى العرب كلهم إنما الشرق الأوسط!

ثم أن قوارب الموت التي ستحمل المهاجرين إلى أوروبا.. هل هي بسبب فشل العالم الإسلامي الذي أساساً ليس موجود إلا كدين شعبي ثقافي!

أين المهاجرين إلى أوروبا من الإمارات المسلمة؟

ومن سلطنة عمان؟

ومن السعودية؟

ومن المغرب والكويت؟

أين المهاجرين من تونس والجزائر؟

أين المهاجرين من أكبر دولة إسلامية في العالم وهي أندونيسيا؟

أين المهاجرين من ماليزيا ذات التعليم المنافس على مستوى العالم؟

يا عزيزي.. يا سيد حامد..

المهاجرون هم من الشرق الأوسط، الذين يوجد لديهم ألف سبب آخر قبل أن يكون العالم الإسلامي -غير الموجود أساساً- الذي تكلمت عليه حضرتك!

صراحةً.. أعطيت الكاتب وكتابه فرصة وبحثتُ أكثر..

ولا أكذب عليكم بأني استشعرت رائحة العنصرية عند الحديث عن أن هؤلاء سيهاجرون ويغرقون أوروبا وهكذا كلام..

بحثت أكثر.. فوجدت للسيد حامد لقاء على اليويتوب مع غاد سعد Gad Saad.

هنا أغلقت كل شيء..

وأوقفت البحث..

وعرفت أن الأمر لا يستحق..

هي النظرية نفسها..

النظرية العنصرية التي تقسم العالم لأصناف وأننا نحن السيئون!

غاد سعد يا أعزائي من أبرز فتحات التصريف الصحي -تجنباً لقول كلمة بلاليع- اليمين العنصري في كندا!

يمكن أن نقول أنه النسخة الأخرى من بين شابيرو..

الثلة الذين يعتقدون أن الرجل الأبيض هو صاحب الفضل على العالم وأن البقية هم أصناف أقل جودة!

هؤلاء ينسون أن الرجل الأبيض لم يكن طول عمره سوى صياد غير أخلاقي بلا قلب ولا شرف!

الرجل الأبيض الذي أسس أمريكا..

الرجل الأبيض الذي وضع تمثال الحرية، وتحت كل حجرة فيه، فروة رأس لهندي أحمر!

الرجل الأبيض الذي أتى إلى الشرق في عز حضارة العرب والإسلام حينها ليتعلم!

ما المشكلة حينها، هاا؟

في العصور الوسطى عندما كنا نحن مركز الإشعاع، هل كان الرجل الأبيض حينها أسمراً أم ماذا؟ لم تكن نظرية الذكاء التي يتشدقون بها الآن موجودة أم ماذا؟

والمضحك في الموضوع أن غاد ليس كندياً أصلياً، إنما لبناني من أصول يهودية! ربما الإنسان يتقبل العنصرية عندما تكون من أهلها الأصلاء، لكن أن “يتعنصر” عليك مهاجر مثلك، فهو أمر مضحك صراحةً!

دعكم منهم.. ودعونا منكم..

لكن مهما حدث، ينبغي على الإنسان ألا ينسى أصله ولا ينكره. حتى لو اختلف معه.

هذه العقيدة..

المتواجدة لدى الفكر الحامدي عبد الصمدي والغاد سعدي، توجد لدى بعض أصدقائي الذين أعرفهم، وكانوا قد هاجروا.. سواءً إلى ألمانيا أو أوروبا أو أمريكا بشكل عام..

أصدقائي هؤلاء.. يحاولون جهد استطاعتهم أن يكونوا بيضاً!

يحاولون عند سؤالهم بعد أن يُمنحوا الجنسية الجديدة.. أن يقولوا أنهم ألمان أو إنكليز! بعدما كانوا يعرفون أنفسهم بأصلهم ومن ثم جنسيتهم الوليدة!

ينضمون لأحزاب اليمين الأوربية.. وخمّنوا ماذا؟

يعادون المهاجرين الجُدد!

وهي سيكولوجية معروفة وتتكرر دائماً.. أشد العداء لموجات الهجرة واللاجئين الجُدد هم اللاجئين والمهاجرين القدماء الذين تجنّسوا.. لأنها تفتح لهم الدفاتر والذكريات القديمة التي يحاولون دائماً طمسها!

أياً كان.. شتتنا عن الموضوع قليلاً..

ما أريد قوله..

أخي العزيز الذي يحاول أن يكون أبيضاً، مشاكلنا موجودة نعم.. لكنها شجون عربية.. شجون شرق أوسطية.. شجون مناطق فيها تعليم رديء وحياة سيئة.. لأن الماليزيون بتعليهم الجيد لا يتركون العالم الإسلامي ويذهبون لأوروبا كما يريد الصمد أن يقول!

ولن يغرقوا أوروبا خاصته بقوارب الموت!

لا تتحاملوا كثيراً.. كونوا منصفين..

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك..

عبر كما تشاء وأينما تشاء..

لكن لا تقول أننا السيئين، ولا تطلق رصاصة على عربة خضار أبيك البسيط.. فهي رغم كل شيء، شجوننا الخاصة، لا علاقة لها بأي عقائد أخرى.

يزيد البعض من مستوى العبقرية ليأتي لك بأحاديث وآيات. وهي لعبة خاسرة جداً.

يا رجل.. آيات وأحاديث ماذا؟
النبي قال مواسياً طفلاً صغيراً مات عصفوره يا أبا عُمير ما فعل النغير؟

النبي قال في أعلى الأحاديث صحةً، دخلت امرأة النار في هرة حبستها؟

تريد أن تقول أن قتل الناس هو عرفنا؟

أنت متحامل ياعزيزي.

آمن أو لا تؤمن.. هذا مشيئتك الخاصة.

لكن لا تتحامل على إيمان البسطاء..

عش في بلادك الجديدة..

كن أوروبياً.. كن أبيضاً..

تابع بين شابيرو وغاد سعد و إيريك زامور إن كنت في فرنسا..

تابع أخبارنا.. وأبصق علينا إن شئت.. وقل كم نحن متخلفين وتقليدين..

لكن لا تتحامل ولا تظلم..

وإن كنت تصارع الوحوش كما تعتقد.. فاحذر أن تصبح منهم، وتغدوا وحشاً! فانتصار الوحوش لم يكن يوماً ما بقتلها، كانت دائماً تنتصر بأن تجعل من يعاديها يعمل بنفس طريقتها! فيغدوا سيئاً وعنيفاً!

يغدوا وحشاً مُتحاملاً.. يتبنى المنهج المخالف بطريقة الوحوش نفسها!

التصنيفات
فكر

لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

يؤرخ عالم هارفرد الشهير «ستيفن بينكر» في كتابه الضخم «الملائكية طبيعتنا» لمسيرة تقدّم المجتمع الإنساني عبر محطات عدّة.

متمحوراً حول عدّة مفاهيم وسياقات.. في سبيل تكثيف فكرة عامة للكتاب ولفلسفته بشكل عام؛ هي أنّ الإنسان أصبح كائناً رقيقاً، وعاد إلى طبيعته الملائكيّة –التوجهات الفلسفية هنا ثلاث، الإنسان كائن شرير بطبعه وهي فلسفة توماس هوبز. الإنسان كائن مُحايد بطبعه أو نظرية الـ «Blank Slate» «Tabula Rasa». والإنسان كائن خير بطبعه-.

«الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان» – توماس هوبز.

ينتصر بينكر للفكرة الأخيرة، خيريّة الإنسان وأننا نعيش في عصر رفاه جداً بالنسبة لجنسه.

وعندما يُسأل عن لماذا كل هذه الكوارث والآلام تحصل في زمننا الحالي؟

يجيب بأنه الانحياز نحو السلبية «Negativity Bias».

وسائل الإعلام في علاقة غرامية مع الأخبار السلبية والسيئة والمقيتة. لأنها هي ما يصنع حدثها وبالتالي يسمح لها بالعمل والاستمرار ولربما النمو!

لو لم يكن هناك أخبار سيئة ما الذي سيقولونه؟ ماذا سيغطون في نشراتهم؟

سيقف أمامك المذيع، أو المذيعة التي غالباً ما تكون حسناء ذات أصول لبنانية لتقول..

اليوم لا يوجد أخبار.. العالم مكان جيد وفي أحسن أحواله. شرقنا الأوسط بخير.

لذلك سنعرض لكم باقة من أغاني فيروز. ولا شيء آخر!

لا يمكن لهذا أن يحدث..

لأن الإعلام ليس هدفه فقط الإعلام.. إنما أن يجعلك تكره حياتك وحياة مَن حولك!

هذا من ناحية العمل في الأوساط الإعلامية، وعلاقتها الغرامية مع السلبية.. أما من زاوية عمل الطبيعة وقوانينها الثابتة، فهناك قصة أخرى..

للألم أهمية كبيرة من الناحية الطبيعية كونه ينبه الإنسان من عاقبة اقتراف الخطأ السابق مرة أخرى.

لنتخيل معاً إنساناً لدغه عقرب في غابة ما.. وفيما بعد نجا من اللدغة.

ومن ثم وبعد مرور سنة، تعرّض للدغة أخرى.. لكنه مات في هذه المرة!

مفهوم الألم في لدغة العقرب الأولى.. ما هو إلا تنبيه وزجر للإنسان من أجل تجنب هكذا حوادث في المستقبل.

لأنه لو لم يكن هناك ألم.. لكانت النتائج حينها كارثية!

أن تكون هكذا خبرات غير مؤلمة، يعني أن العقل لن يحفظها كونها لن تترك فيه ندوباً لأنها لم تكن مؤلمة.. وبالتالي سيكون الناتج كائن مهمل لا يعرف ما هو الصائب وغير الصائب له.

لكن مع وجود الألم، يختلف الأمر كثيراً.. فالاستجابة الألميّة، مهمة جداً على المدى البعيد لعدم تكرار الحماقات.

وحتى الأمور الجيدة المتعلقة بصميم استمرارية الجنس البشري، يُكافئ الإنسان عليها طبيعياً أيضاً بفيض من الدوبامين المتناطح داخل دماغه، ولعل النشوات اللحظية (المادية – الطعامية – الجنسية) تقبع في رأس الهرم لهذا الجانب.

أما السعادة، فهي مفهوم آخر..

السعادة مفهوم نقي.. خفيف.. صامت، وغالباً ما يكون تحصيل حاصل وبدون جلبة، إنما يظهر كخاتمة لمسيرة طويلة كانت قد حدثت، ولذلك عرّف الإغريق القدماء بأن السعادة أو اليودايمونية، هي الحياة وفقاً لنسق الفضيلة والقيم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اللبس الذي يحدث عند الاشتباك بين مفهومي السعادة والمتعة.

المتعة Pleasure هي كيمياء الدماغ.. نشواته اللحظية العابرة. عندما يُتخم بوجبة دسمة مليئة باللحوم.. عندما يمارس الجنس بشراهة.. حينما يشرب الماء بنهم.. عندما يملك المال كما يملك كيم جونغ كوريا الشمالية.. هذه متعة.. أي بهجة الدماغ الكيميائية فقط.

بينما مفهوم السعادة اليودايمونية الفلسفية هو الأكبر والأرقى..

تلك السعادة هي سعادة الرحلة الطويلة.. والتي غالباً ما تكون مرات إحساسها محدودة على طول الحياة المُعاشة.

مثلاً.. عندما تُربي طفلاً وتكبره ليكون إنساناً جيداً وينجح في ذلك وتفخر به، هنا أنت تحصل على السعادة.. سعادة القيمة والرحلة الطويلة الناجعة لا سعادة وجبة الدجاج التي تأكلها!

الاعتقاد بالمتعة Pleasure على أنها نفسها سعادة القيم، اختلاط خطير يُشير إلى تضارب المفاهيم وتوهان الطريق عند صاحبه.

ولربما هذا الاختلاط يكون مقصوداً.

لأن صاحبه يكون مرابطاً سابقاً على ثغور السعادة القيّمة تلك، لكنهُ غدا مرهقاً.. وأعجزه السعي المطوّل وراء ذلك السراب الضائع صعب الوصول، فقرر أن يضرب بها عرض الحائط وينغرس في المتعة..

ليأكل كثيراً…

ويشرب كثيراً..

ويمارس الجنس كثيراً..

ولا ينجب طفلاً كثيراً..

ولا يراه يكبر ليكون إنساناً جيداً كثيراً..

أصحاب المتعة هم نفسهم أصحاب السعادة بعد أن يأسوا وتحطموا..

لا يمكن للسعادة أن تترك ندوباً..

لأنها مفهوم نقي بسيط.. ولأن قوانين الطبيعة تتكاتف ضدها لتنصر تجربة الألم، كونها تحذر الإنسان من تكرار الفعل، فتصب في مصلحته طويلة الأمد، بينما لا تؤثر البهجة كثيراً في ميزان التكيّف، فيهملها العقل البشري..

ولا ننسى أيضاً، الانحياز الإعلامي نحو البؤس.. كونه يصنع الحدث دائماً..

سؤال بسيط..

هل سمعتم يوماً قناة إخباريّة غطت خبراً عن أب يُهدي ابنته هدية في عيد ميلادها؟

في يوم تخرجها؟

في حفل زفافها؟

لا..

لا يغطون سوى خبر الأب المُختل الذي يقتل ابنته..

والأخ الذي «يصون عرضه» بالطريقة الحمقاء التي نعرفها..

وهكذا عناوين رنانة بائسة..

لماذا؟

لأن السعادة لا تترك ندوباً.. ولا تصنع خبراً ولا عنواناً في نشرة أخبار.. ولا تُطعم خبزاً.. ولا تجلب مشاهداً..

السعادة مفهوم بسيط بريء، مُغفّلة جداً في عالم المنفعة هذا.. لدرجة أن الانتباه لا يلتفت إليها ويعرض عنها مُخاصماً.

السعادة شيء جميل..

خير محض.

فكما النُبل الحقيقي يكمن في فعل الأشياء الحميدة دون أن يدري الناس بها كما يقول تولستوي..

فإن السعادة الحقيقية تكمن في القيم الخفيّة بدون جلبة..

هي ليست كالألم.. مفهوم طبيعي مِن الواجب وجوده لتحذير الإنسان من تكرار الحماقة مرة أخرى في المستقبل.

السعادة مفهوم نبيل..

مفهوم بسيط حد السذاجة..

تستحي من أن تؤذي صاحبها..

لهذا هي لا تترك ندوباً..

اقرأ أيضاً: فنّ الخسارة!

التصنيفات
فكر

صواريخ عابرة للإنسان

صغيرٌ أنت!

مبتدئٌ يقفُ على شاطئ الحياة..

تُريد أن تفهم أكثر… أن تكبر أكثر… لتغدو مطرقة كُل ما أمامها مسامير! ها قد قبضت على مفاتيح الحياة ولم يبقَ هناك الكثير..

لكن قبل كل هذا..

يُلقى في روعكَ مِن قبل الكبار: أي بني.. لا يجب عليكم أن تكذبوا.. ولا أن تسرقوا.. ولا أن تؤذوا أحداً..

لا ترموا شيئاً في الطريق، بل العكس.. لملموا زجاجات البلور ولمبات النيون المكسورة في الشارع كيلا يُضر بها مَن يمشي..

أميطوا الأذى، واحموا العابرين..

لا تؤذوا أحداً أيها الأطفال، لا تكونوا سيئين! ناموا باكرًا.. استيقظوا باكراً.. لملموا جراحات الناس.. واسعوا في تطبيبها..

لكنك تكبر..

ويتحوّل ذلك الطفل الصغير الذي أراد دائماً أن يسهر ساعة إضافية.. إلى ذئب وبومة ليل لا تُسدل أجفانها ولو وضعتَ طناً من الحديد عليها..

مُضحك كيف تتغير الأحوال مع مرور الزمن… فمن أحلام الصغير دائماً أن تسمح لهُ أمهُ بالسهر قليلاً.. لكن مع التقدم بالعمر، واهتراء سنيّه طحناً تحت رحى الأيام.. تُصبح أقصى أمنيات ذلك الشاب أن يملك ما يكفي من السعادة والطمأنينة حتى ينام باكرًا ليهوي رأسه على الوسادة دون أن يلوي..

لكنك تكبر.. وتكبر!

وتُدرك أن تلك الفضائل التي نُقشت على إسمنت الطفولة الذي لم يجف، أنها وُضعت في خانة لم ينبغي أن توضع فيها؛ وهي خانة «المضمونات»! فمع كثرة تكرارها على السمع. وتبنيها من قبل مدرس مادة الديانة.. وشيخ الجامع.. وقس الكنيسة.. وموجّه المدرسة.. والعم الأكبر.. والخال الأغبر…

بتَّ تتساءل بينك وبين نفسك: مَن هذا الذي يسرق بعد كل هذا؟ مَن هذا الذي يكذب؟ مَن هذا الذي يقتل؟

تعتقد أنها أمور -بحسك البريء- لا يمكن لأحد أن يفعلها، فتنقلها إلى قائمة «المضمونات».

إلا أن العالم بدوره لم ينقلها أبداً…

عندما أراد الطبيب النفسي جوردون بيترسون، الذكي كمعالج والأحمق كسياسي، أن يصف مرحلة النضوج ويمايزها عن مرحلة الصغر، قال أنّ النضج هو خط صغير تتكسر فيه الأحلام.. خط يُدرك مَن عبره أن العالم بارد ولا مكان واسع فيه لتلك البالونات الحالمة التي تعتريها براءة الطفولة.

فمثلاً، لو أخذت أطفالك إلى السينما لمشاهدة فيلم أو راقبت أحدهم يفعل ذلك، ستجد أن ردة فعلهم عندما يموت البطل ومَن يلعب شخصية الإنسان الطيب، عنيفة جداً.

لا يصدق الأطفال أنه مات، وإن صدقوا فإنهم يعتقدون بالفعل أنه مات لا مجرد تمثيل ودور عابر!

ما السبب في ذلك؟

السبب أن الطفل -خلافاً للكبير- يعتقد أنه من المستحيل لقيم الخير والحق والعدالة التي يمثلها البطل أن تموت.. لا بد لها أن تربح، هذا مستحيل!

بينما الوالد الذي يجلس بجوارهم يرى العكس، إذ لا يلبث أن يهدئ أطفاله وهو يقول: لا تحزنوا يا أولاد كل هذا مجرد تمثيل!

الوالد إنسان كبير.. الوالد ناضح.. الوالد يؤمن تمام الإيمان أن البطل يموت.. ولربما البطل دائماً هو الذي يموت أساساً.. وقيم الخير والعدالة ليست مَن يربح..

هذا هو النضج…

لم يخطئ هيمنغواي عندما ارتمى في أحضانها ليقول: «أنا مُتعب يا عزيزتي، أنا مكسور.. هذا العالم نشيده فينهار.. ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن!»..

لكن هيمنغواي مات والعالم تغير.. تغير كثيراً..

وباتت فرصة نجاته في تسريع انهياره لا في تسريع بناءه!

هذا العالم الذي أصبحت فيه قيمة الإنسان تختلف وفقاً لشكل جواز سفره والمنطقة التي يعيش فيها يجب أن يُسرع انهياره!

عندما يموت 100 طفل في الشرق ولا يتحرك أحد وعندما يموت 1 في الغرب وتتحرك الدنيا. يجب حينها تسريع انهيار هذا العالم!

عندما يموت 100 ملوني البشرة من مجاهل العالم الثالث ولا تهتز شعرة.. ويموت فرد أبيض من العالم الأول، فتموج الدنيا بأجمعها، لا بد حينها من تدمير هذا العالم!

عالم العنصرية ليس عالماً!

عالم القطب الواحد ليس عالماً!

عالم تختلف فيه ردود الفعل والشجب والإدانات تبعاً للمنطقة الجغرافية لمن يموت فيها.. ليس عالماً!

العالم الذي فيه 20 شخص يملكون نصف ثروة الكوكب وفي كل سنة -وعلى نفس الكوكب!- يموت 3 مليون طفل بسبب الجوع، ليس عالماً ولم يكن من أساسه عالماً!

إن لم تهزك هذه الكلمات والمقارنات، فأنصحك بشكل أخوي أن تُراجع النظام الأخلاقي الذي تعتمده في حياتك! إن كانت هذه المقارنة لديك عادية، فتبصر موضعك الأخلاقي وانتبه لنفسك ولأين تسوقها!

مُضحك جداً الاعتزاز بمحاربة الإنسان الحديث للعنصرية وفخره بالقضاء على العبودية رغم أن شيئاً ما لم يكن! فكل شيء مازال موجوداً، الفرق فقط هو تقييد القدرة على التعبير، أما المكنون والمضمون فهو كما كان ولربما أشد!

بالمناسبة.. العنصرية والطبقية مرحلة «عادية» -لا تحمل مدلولاً أخلاقياً موضوعياً، بقدر ما تحمل نمطاً يتعلق بطبيعة النظام السياسي والعقد الاجتماعي المُتفق عليه في كل ثقافة- من البشرية.. بمعنى؛ مُسبقاً كان العبد مسؤول عن تنفيذ مهام السيد كحراثة الأرض وأعمال المنزل وغيرها..

بالمقابل كان السيد البرجوازي يقوم بدفع تكاليفه وتأمين حياته..

هل فكّرتم يوماً، لماذا لم يكن ذاك العبد يهرب؟ مهامه كانت مرتبطة بأعمال خارجية وبإمكانه فعلاً الهرب. لكن لماذا لم يفعل؟

لأن الفكرة كانت أن “حياة” ذلك القن مرتبطة بسيده. فإن هرب سيموت. لأن “النظام” الحاكم بأكمله هو الذي كان سائداً.. وما النظرة للعبودية وغيرها بأنها مجرد سادة يضربون عبيدهم بالسياط كل يوم ما هي إلا رؤيا “هوليودية” من تقديم الحلفاء الذي انتصروا إبان الحرب العالمية الثانية..

العبودية كانت مرحلة (سيئة / جيدة) هذا الأمر يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي وخصوصاً التاريخي، إلا أنها مضت… لكنها لم تنتهي بل تطورت!

وأصبحت رأس المال، ولم يعد ذلك العبد الذي يعمل لسيده سوى “موظف” يلبس بدلة ويداوم كل يوم في عمله ويحضر اجتماعات زوم.. نفس الفكرة بقيت موجودة، حياة ذلك “القن” مرتبطة بهِ لذلك لا يستطيع الهرب!

جميعنا عبيد، الفرق أن الأسلوب تطور أكثر ولم يعد هناك أراضي لتُحرث وأعمال في الحقل لتُنفذ..

فطوبى لمن كان عبداً لمَن حُق لهُ أن يُعبد في ظل عبودية المادة السائدة..

قد يقول قائل: هذا نزوع نحو التفسيرات الماركسية.. الآن كشفناك. أنت من جماعة الاتحاد السوفيتي البائد!

من بساطة هذه الحجة أن مَن يقولها غالباً لا يعلم أن المنظرين الماركسيين ومَن والاهم اعتبروا أن قيام الاتحاد السوفيتي أكبر كارثة على الأفكار الماركسية بشكل عام والشيوعية على نحو خاص.

فتوقع كارل لثورته كان لأن تحدث في إنكلترا بسبب هيمنة الصناعة فيها، إلا أن الذي حصل أن فقراء روسيا هم مَن هب. لينشأ بعدها كيان عالمي مركزي مُستبد.

ولعلَ سبب تعاسة جوردان بيترسون في مناظراته مع جيجك الشهيرة، أنه وقع في هذا الخطأ الطفولي، والذي بيّن أنه لا يعرف في السياسة وفلسفتها شيئاً.

البديل غير واضح! لا يختصم اثنان ولا تتناطح عنزتان بهذا..

لكن الاستكانة والقول أنّ هذا العالم مثالي وكل ما هنالك أنه يجب على الولايات المتحدة أن تلقي قنابل نووية –كناية عمّن يستشهد بالنموذج الياباني- على البلدان التي تملك ثقافات أخرى مخالفة ومن ثم تستبدلها بثقافتها البلاستيكية التي أنتجت لنا موقع بورن هاب، أمر لا أخلاقي..

صوّت للعنصري ترامب في آخر انتخابات 74 مليون أمريكي! وهي نسبة لا يستهان بها من شعب أمريكا.. الاعتقاد أن هؤلاء وأفكارهم تصلح لأن تكون نظاماً عالمياً للجميع تُستبدل به ثقافات بكاملها، مغامرة كبرى قد تصل لدرجة الخطيئة والجرم!

يُكمل هذه التعاسة فوكوياما عندما يصوغ نظريته في النهاية، ليقول أنّ التاريخ انتهى وأن النموذج الأمريكي الليبرالي الاقتصادي هو الذي سيحكم!

وهذا ما يعطيك فكرة سريعة عن قرب أفول هذا النموذج واندثاره.. لأن النهاية الثالثة للتاريخ –الثورة البلشفية وسيادة الشيوعية- ظُن أنها كذلك وسرعان ما انهارت.

والآن الأمريكية نفس الأمر..

بمجرد ما تُصلَّب فكرة ومبدأ اعتقاداً أنها مَصب تاريخ الكون والحياة وأنه لن يُنجب ما هو أفضل منها.. يعني هذا دق مسمار النعش الأخير فيها.. كونها تحولت نمطاً جامداً لا تجديد فيه..

فغدت “ثباتاً” بعد “التحول” بلغة أدونيس.

يحتاج هذا العالم لحركة إصلاح كبيرة.. وإصلاحه يكون في تسريع انهياره!

ليت الأطباء يعالجون همومه كما هبوا وعالجوا فيروس كورونا كوفيد 19..

وأن يعالجوا أنفسهم من أمراضها قبل معالجة الفيروسات الأخرى.. لا سيما مع فضيحة فيروس أيبولا الذي ضرب أفريقيا، وتحدث عنها أطباء بلا حدود.. عندما لم تستجب شركات الأدوية لعمل لقاح.. ذلك لأنه كان محدود وفي دول إفريقية بسيطة وفقيرة، فمَن هذا الذي سيدفع لهم تكلفة الإنتاج!

صدق مَن قال: نجح الأطباء في زراعة كل شيء داخل الإنسان إلا الضمير!

ومن بعد كل هذا تُكرر الأسطوانة نفسها، أن هذا العالم جيد ومثالي وفقط بحاجة لتأقلم و”اندماج” مجتمعي!

حريٌ بالعالم أن يندمج مع حِزم كبيرة من الأخلاق والفضائل التي يملكها أي طفل بريء لم يُفطم عن الخير قبل أن يُعلموا بقية الشعوب الاندماج..

بعد كل هذه التعاسات تأتيك خرافة السلام لتُوضع كتاج على جسد مريض مُتهالك يُزيّن للناس.. خرافة تكررت كثيراً في الفترة الأخيرة.. وهي أننا رواد سلام ولا نريد الأذى وكل شيء ينتهي في أرضه.. مستحيل أن تعُارض ذلك! لماذا أنتم أشرار ولا تحبون السلام!

أي سلام هذا يا حبيبي.. أي سلام؟

ما تشاهد في هذا العالم ما هو إلا “نقاط تثبيت ومراقبة” لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعد أن نجح الأوغاد الذي خرجوا منها منتصرين –الذين هم ويا للسخرية والمصادفة البحتة، الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن ومعهم حق الفيتو الذي بإمكانه الاعتراض على مشاريع قرارات رفع رواتب الملائكة من شدة قوته!- زرعوا نقاط تثبيت للحفاظ على مكتسباتهم لا أكثر…

لكي “يشربوا الماء صفواً، ويشرب غيرهم كدراً وطيناً!”…

يسخر مِن هذا العالم الراحل الجميل كارل سيغان بالقول في كتابه نقطة زرقاء باهتة: «لقد كان من أكثر التذكارات سخرية تلك الوثيقة التي وقعها الرئيس ريتشارد نيكسون في الرحلة أبولو -11 نحو القمر. لقد كتب بخط واضح: «لقد أتينا في سلام من أجل البشرية» بينما في اللحظة ذاتها كانت الولايات المتحدة تُسقط 7.5 ميغا طن من المتفجرات على أمم صغيرة في جنوب آسيا!»

وما عليك للتأكد من هذا سوى أن تنظر لأحد ما حاول أو يحاول أن يفرض نمطاً دولياً جديداً. لترى حاملة طائرات تتحرك.. وغواصة تعبر.. وهليكبوترات تطوف..

اكتب على أي محرك بحث عدد القواعد الأمريكية العسكرية في العالم، وشاهد مدى سخرية المشهد..

القواعد المسؤولة عن توطيد نقاط التثبيت تلك!

بعدها تقول سلام؟

لن تجد للمكسيك صوت في ذلك المجلس.. ولا الجزائر.. ولا جنوب أفريقيا.. ولا ميانمار.. ولا الإيغور.. ولا أي فئة مضطهدة.. هم وحدهم مَن يحكمون.. هم وحدهم..

أي سلام حينها! أي سلام..

صدق ابن خلدون حين قال: “إن المغلوب مولع أبداً في تقليد الغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.

إنها المازوخية التي تفرض نمطها على الإنسان الهجين الذي تُباع لهُ يومياً مفاهيم الإنسانية وهو جالسٌ يحتسي قهوة ستاربكس في مقهى فاخر ليخرج بعدها ويقود سيارته..

دون أن يدري أن ثمن كوب قهوة فاخر في نيويورك.. قد يساوي طعام ثلاثة أسابيع لعائلة في ميانمار أو بنغلاديش!

هذا العالم بحاجة لأن يُدفع نحو الانهيار… صدقني!

أصبحنا ضحية عالم لا أخلاقي يحاول أن يخفف وطأة قذارته من خلال بيع وتجارة مفاهيم الإنسانية والإنسان.. يذكرنا هذا باللص الذي يقوم بسرقة شيء ما ثم يخرج ليعلن عن السرقة أوّل واحد فلا يُشَك فيه!

نفس الأمر.. ادعاء القرب من الإنسان والإنسانية، هو أكبر دليل أن هذا العالم بعيد أميالاً ضوئية عنه.. خصوصاً أنه نفسه يُحارب ويدمر ذلك الإنسان كل يوم! الذي يموت 3.4 مليون من أطفاله سنوياً بسبب الجوع!

لا يوجد مجتمع دولي يا رفاق.. يوجد مجتمع غربي تحكمه نخب اقتصادية تتحكم بكل شيء..

يكفي لتدركوا ذلك أن تعرفوا أن صحيفة واشنطن بوست الشهيرة مملوكة من قبل جيف بيزوس!

قرأت لأحد الأمريكيين مؤخراً عبارة لطيفة يُلخص فيها كل شيء بالقول: مشكلة الشرق أن السياسة عندهم تعطل الاقتصاد، ومشكلتنا نحن في الغرب أن الاقتصاد عندنا يتحكم بالسياسة!

إنه نظام اقتصادي يحرك كل شيء.. قائم على المصلحة والمنفعة لا مكان فيه لأخلاق ولا سلام ولا أي شيء.. فقط منفعة، ومصلحة، واستهلاك..

دمروا حلقة الفأر هذه.. ادفعوها نحو الانهيار.. “ما نراه ليس عالماً ولم يكن.. إنها مناطق توحش مُحكمة التنظيم والترتيب”.

ذلك الطفل الذي تلقى كل تلك الأخلاق والقيم والفضائل… كبر ليدرك أنها ليست صعبة التطبيق وإنما مستحيلة.. وأحياناً قد يُحاربك العالم من أجلها!

لم تكن يوماً ما مضمونة، دائماً كانت حرجة.. ومُحرجة.. حاولوا مراراً فطمك عنها.. في عالم تدور عقاربه نحو منتصف ليل المنفعة ولا غيرها!

آن الأوان لإنزال أسلحة الأوغاد جميعهم.. بكل أساطيل طائراتهم وحاملاتها.. بكل سروب الأف 16 و35 و58 و89 و105. والميغ واللاأعرف ماذا أيضاً فالحبل على الجرار طويل!

بكل الغواصات النووية والرؤوس الحربية..

آن الأوان لـ “عالم جديد شجاع”.

آن الأوان لأن تُطلق صواريخنا عابرةً الإنسان مهما كان وأينما كان..

هذا العالم خالٍ من القيم… حُكم من قبل المنفعة كثيراً، آن أوان هزيمته.. ليس من أجلي ولا من أجلهم.. إنما من أجل ذلك الطفل الصغير الذي آمن دائماً أن تلك القيم ستنتصر كلما جلس وشاهد البطل يموت فبكى من أجله.

لا تجعلوا ذلك البطل يموت.. فالإنسان ما هو إلا ترس في آلة كبيرة عملاقة..

نحن مسننات تتضافر معاً لتعمل.. والهدف هو عمل الآلة، لا أن نكون أنا وأنت بشكل شخصي المفتاح، ونتصور سيلفي مع نجاح الآلة ونظهر على التلفاز ويتابعنا الملايين كتافهي العصر الحديث!

الهدف نجاح “الماكينة” وتدحرجها للأمام، سواءً كنا من أهل القصور أم من أهل القبور.. فنحن مجرد نقطة للعبور.. فراغ لكي تعبره الكلمة وتُشكل جملة جديدة جميلة..

لعبوا طويلاً… آن أوان أن نلعب نحن بهم!

هذا العالم لا قيم فيه، وخير ما قد يُفعل هو دفعه نحو الانهيار..

ذلك الطفل أصبح كبيراً.. وحافظ على حُلمهِ! حُلم ألا يموت البطل ويدافع عنه حتى اللحظة الأخيرة.

ذلك الطفل كبر.. وامتلك خطة يُمشى عليها!

ذلك الطفل كبر.. وبطله كبر معه أيضاً!

وكون تجارة الكلام ما عادت تنفع في زمن حاملات الطائرات! ذلك الطفل كبر.. وترك رسالة صغيرة مخطوطة بخطٍ ناعمٍ بريء:

تحيةً طيبة وبعد..

«الجواب ما يُفعل لا ما تسمع وتقرأ!».

وخير ما يُفعل هو دفع هذا العالم نحو الانهيار، على ظهر صواريخ عابرة للإنسان.. الإنسان وحده، ولا أحد غيره!