التصنيفات
فكر

عالمٌ ليس لهم.. عالمٌ ليس لنا!

ما إن تفتح حديثاً مع أحدهم وتأتي سيرة كلب ما، أو حمار وبغل في السياق.. حتى يعاجلك بعبارة: “محشوم”.. “الله يعزك”.. “أنت أكبر قدر”. وغيرها من مصطلحات التنزيه والحشمة.

لكن لماذا؟

لماذا كلب.. الله يعزك؟ لماذا حمار.. محشوم؟ لماذا بغل.. أنت أكبر قدر؟

هذه الحيوانات مِن أكثر الكائنات التي خدمت الإنسان عبر الزمن.. بدءًا من تدجينهُ لها وامتهانه الزراعة قبل 12 ألف سنة وإلى الآن..

ملاحظة جانبية: البغال من الحيوانات القليلة التي تقوم بفعل الانتحار.. فعندما تُحمَّل بكميات هائلة من الأوزان خصوصاً في الجبال، تقوم برمي نفسها من الأعلى وتنهي حياتها..

فهو يحمل النقائل الشديدة على البغال في الجبال.. والكلاب هي مَن يحرس أغنامه. والحمار هو مَن يركب عليه في الطرق الطويلة التي تحتاج لكائن لا يتكلم ولا يشتكي؛ وهو ما يُرضي الميول السادية لدى الكائن العقل!

بعدها.. تقول أنت أكبر قدر؟
لماذا؟

لماذا يحتقر الإنسان ما هو أدنى منه ويحب مَن يدوس عليه؟

هذه الحيوانات جميلة..

وليست هي “أنت أكبر قدر”!

هناك كائن آخر يجب أن نقول بجانبه أنت أكبر قدر ومحشوم والله يعزكم جميعاً.

الكائن الذي يدعي امتلاك العقل..

لكنه في كل مكان ينزل فيه يكون غير عاقل..

يكون قاتلاً..

يحترف السوء..

يشحذ سكينهُ شاهراً إياها في وجوه الناس الضعفاء..

وهي حالة مستغربة جداً لدى جميع الكائنات الحية..

المعروف أن الكائنات تقتل بدافع الغريزة والحماية..

أما الإنسان..

فهو يقتل في سبيل أن يشعر بالرضا والسعادة والتشفي!

وهو لا يقتل كائناً آخراً فحسب -رغم أنه لا يوفره قطعاً!- إنما يقتل بدافع اللذة!

لذلك استغرب آينشتاين مِن غباء هذا الكائن قائلاً:

«لن تجدوا مجموعة مِن الفئران اجتمعوا واخترعوا مصيدة فئران، بينما فعلَ الإنسان ذلك عندما اخترع القنبلة النووية!».

فكّر معي لبرهة..

العالم يحتوي آلاف مِن الرؤوس الهيدروجينية وليس النووية حتى..

هذه الرؤوس لمَن موجهة!

لنصدق ادعاءات الردع وتوازن القوى وحق الدفاع عن النفس وغيرها من الكلام الفارغ..

ودعنا نشطّ في خيالنا كثيراً..

لمَن توجّه هذه الأسلحة؟

أليس للإنسان نفسه؟

الفئران اجتمعوا يا صديقي..

الفئران اخترعوا مصيدة الفئران الخاصة بهم..

الفئران في انتظار وصول البرابرة فقط!

وهم سيصلون.. هذه خلاصة نظريات جُل المفكرين ومستشرفي المستقبل.

طال الزمن أو قصر..

سيصلون..

وبعدها..

ارتقب يوم تأتيك السماء بدخانٍ نووي مُبين!

وحتى مجيء ذلك العالم.. لا بد من الحديث عن الأفغان.. مقبرة الامبراطوريات المزيفة التي يقودها مجموعة من المهزومون؛ مجموعة من الفرسان بلا جواد!

في حالة غريبة من وهم الانتصارات..

ومن الربح الزائف..

ومن مخادعة النفس..

فكثرة المعارك تشحذ النِصال.. لكنها تقتل الفارس!

فأي انتصارات تلك التي تحدث في مكان يكون فيه الإنسان نفسهُ مهزوماً!

هناك فرق بين البساطة والعفوية.. وبين الإنسان المهزوم.

تأمّل حال وصورة أي إنسان أفغاني وستجد عناوين الهزيمة حاضرة بكل تفاصيلها.

لا يعنينا التقدم على الأرض..

ولا حالة الخرائط..

ولا مَن يفتح ويقود.. ويكر ويفر..

الناس هناك مهزومون..

الناس هناك مُتعبون..

وربما أفضل ما قد يحصل لهم وينعشهم.. هو أحدٌ ما يأتي إليهم بخطط تنمية اقتصادية.

ومشاريع بنية تحتية..

هؤلاء الناس لا يحتاجون لسماء..

لا يحتاجون لجنة..

لا يحتاجون لدبابات..

ولا إلى قوى كبرى داعمة..

هؤلاء يحتاجون طعام..

ويمكنك أن تأخذها قاعدة مِن الآن وحتى تموت، مقولة كارل ماركس الخالدة: «تاريخ الإنسان هو تاريخ البحث عن الطعام».

الإنسان في سبيل جوعه يحرق كل شيء!

لكنه.. وحتى موعد حصولهِ على وجبته التالية..

تحركه الأوهام الزائفة.. كما التائه وسط الصحراء، يخدعه سراب الوجود.. مُحاولاً تصديق أي شيء على أنه ماء!

ليأتي الاتحاد السوفيتي ويقول -لهؤلاء الجائعون- الحل عندنا!

تعالوا واعتنقوا الشيوعية وستشبعوا!

يخرج السوفييت..

ليأتي بعدها الأمريكان ويقولوا: الحل عندنا.. الحل هو السوق الحرة!

خصخصوا كل شيء وخوضوا المنافسة مع العالم وستربحوا!

ليخرج بعدها الأمريكان..

ليأتي بعدها المتطرفون.. ويقولوا: الحل هو الدين! فقط آمنوا وتوكلوا!

وستجدوا موائد الرحمن قد نزلت لتطعمكم!

كلهم كاذبون.. كلهم فاشلون.. كلهم يدعون أنهم فرسان الحق والله والعلم ومشاريع التنمية الاقتصادية..

كلهم يركبون جواداً وهمياً..

فرسان مزيفون..

لا أحد معهُ الحل..

الحل هو أن يتركوهم وشأنهم!

هؤلاء القوم يقاتلون ويُقاتل في أرضهم منذ حوالي 50 سنة!

هؤلاء قومٌ متعبون..

اجمعوا كل خردتكم المعدنيّة..

اخرجوا كل الأسلحة..

دعوا هؤلاء الناس وحدهم..

لا أملك من الغرور ما يكفي لمعرفة النظرية السياسية الأدق لهم، والإطار الاجتماعي الأفضل.. وكيف يجب تُدار عجلة الاقتصاد لديهم..

ما أعرفه أنهم قومٌ مُرهَقون..

دولة حبيسة..

تحيطها الامبراطوريات الكاسرة من كل الجوانب.. وتسعى كل واحدة منهم لأخذ حصتها عندهم..

لا يحتقر الكائن العاقل الحديث الذي يسكن المدن، فقط الحيوانات..

بل يحتقر الإنسان الآخر أيضاً..

الإنسان المخالف له..

أولئك البسطاء..

أولئك المزارعون..

ويرى أن مبادئه الفكرية تصلح للجميع ويجب نشرها..

دعوا هؤلاء الناس وشأنهم واخرجوا جميعاً..

لا يمكن للسوفييت تحويل حياة الأفغان لنعيم من خلال الشيوعية الاقتصادية!

لا يمكن للأمريكان وسوقهم الحرة تحويل حياتهم لنعمة من خلال الخصخصة والمنافسة مع الحيتان المحيطة بهم!

لا يمكن لخريجي المدارس الدينية الذهاب للجنة من خلال تحويل حياة هؤلاء البسطاء إلى جحيم!

طريق الله لا يمر عبر رؤوس العباد يا عزيزي!

وإن ظننت العكس، فاحذر وراجع نفسك.. وتساءل: ما هي نوعية الإله الذي تعبده؟

ما أعرفه من كل ما سبق وما يحصل حالياً، أن الإنسان كائن سيء..

منذ البداية كان هكذا..

عندما قال الله، إني أعلم ما لا تعلمون..

هذا الإنسان يحتقر ما دونه؛ رغم خدمتهم له!

ويحب من فوقه؛ رغم أنهم يدوسون عليه!

ليس كلب، الله يعزك! ولا حمار.. ولا بغل.. هؤلاء حيوانات لا شأن لها في وساخة هذا العالم..

دائماً كان إنسان، الله يعزك!

دائماً كان السوء في الإنسان..

الإنسان أنت أكبر قدر!

التصنيفات
فكر

شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة!

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك الشخصيّة..

كن مستقياً في سلوكك الجنسي أو خارجاً عن المألوف كما تشاء، العالم بات يتسع للجميع ولن يعتقلك أحد بتهمة حيازة أعضاء تناسلية لديها نزوات غريبة..

كن نحيفاً أو بديناً..

كُل كما تشاء، وأينما تشاء ومع مَن تشاء..

لكن في رحلتك الكبيرة هذه، وعندما تُريد أن تبرر توجهاتك الخاصة، لا تلقي باللوم على إيمان الناس البسطاء يا صديقي.. ولا تغتر بأنهم في مجاهل العالم الثالث لا يدري بهم أحدا..

أريد أن أقول لك التالي يا أيها العزيز..

لا تلوم الدين في كل شيء، وهنا أقصد لا دين الكتب والعقائد، إنما إيمان الناس البسطاء.. إيمان بائع الخضار الذي يبدأ يومه وهو يجر عربة خضاره.. مؤمناً أن الرزاق هو الله.. وأن مَن خلقه لن ينساه!

لا تتحامل كثيراً على هؤلاء الطيبين.. لا تتحامل..

عطفاً على موضوع البارحة…

وهو حادثة جريمة اللاشرف التي حدثت، قرأت بعض التعقيبات لبعض الأشخاص المحترمين عن ذلك الموضوع.. وكانوا يضعون نصب أعينهم في قفص الإتهام، كلمة الدين!

ما سبب جرائم الشرف وقتل الإناث؟

الدين!

لا يوجد أسهل من هكذا إجابة!

لدرجة أنهُ لو دخل أحدهم إلى الحمام وقُطِعَ عنهُ صنبور الماء الساخن لوضع الحق على الدين!

ما سبب تخلفنا؟ الدين حتماً.

ما سبب غياب المنهج العلمي؟ الدين الدين.

ما سبب نقص الملح في الطعام؟ الدين حتماً.

ما سبب قتل الإناث والبشر والشجر والحجر؟ الدين الدين.

أرأيتم؟

أصبح الدين الشماعة الجديدة “التنويرية”.

هو نظرية المؤامرة لهذا العصر، والتفسير السهل بالنسبة لهم.. كل شيء دين.. كل شيء بسبب الدين وناتج منه!

لكن.. لو أردنا تفنيد ذلك، لا سيما حجة الموضوع الساخن الآن وهو جرائم الشرف، فهو بسيط جداً.

عندما تريد ربط حدث ما مع مُسبب، فأنت بحاجة لقياس سلوكه أولاً. ثم عزله ثانياً.

مثلاً:

البدانة تسبب أمراض القلب والأوعية الدموية.

نقوم بالقياس..

ونراقب العلاقة الطردية الحادثة.

  • هل اذا زادت البدانة زاد احتمال الإصابة بأمراض القلب؟

نعم.

  • هل إذا نقصت البدانة والتزم الإنسان بروتين صحي يتعافى القلب؟

نعم.

إذاً نصل لاستنتاج هنا هو: للبدانة علاقة مع أمراض القلب!

هذا نموذج ومثال للربط الصحيح.

الآن نأتي لمثالنا الرئيسي.. جرائم الشرف!

يقولون أن ذلك يحدث بسبب الدين. نقول لهم: هل اذا زاد التدين زادت جرائم الشرف؟

هل اذا كان الإنسان متدين بنسبة 10% فإنه يقتل مثلاً واحدة!

وإذا كان متديناً بنسبة 90% فإنه يقتل عشرة!

الأمر مثير للضحك فعلاً قبل السخرية والنقد! وأعتقد أن الجميع يدرك أن المتدينين كثيراً يتحاشون المرأة بشكل كبير، ولا يقتربون منها فضلاً عن إيذائها!

هؤلاء يبنون رجل قش Straw Man لنسخة سهلة النقد من الدين. وغالباً لا أحد يؤمن بها سواهم، ويبدأون مغامراتهم الدون كيشوتية في صراع طواحين هواء غير موجودة!

ثم يصورون لك الإنسان المتدين وكأنّ له روتين يومي كالتالي:

في كل يوم يستيقظ ولديه To Do List هي التالية:

  • قتل عشرة نساء.
  • رجم وجلد 20 رجل.
  • منع المنهج العلمي، وقتل 10 علماء كانوا على وشك الوصول لاكتشاف ما!

أخي العزيز.. آمن أو لا تؤمن، هذه حريتك.. لكن أن تقول أن الدين سبب المشاكل وأصل كل الشرور بلغة دوكينزية، فأنت متحامل، وتقنص حبات الكرز من البستان الذي تريده أنت فقط، لأجل تأكيد وجهة النظر التي تتبناها مسبقاً.

غريب، ألا ترى هنا أن دماغك يخدعك! يذكرني هذا بالفيديو التاريخي لمهدي حسن عندما ناظر في أوكسفورد بعض أحزاب اليمين عن مواضيع مشابهة لهذه الفكرة.

العامل الثاني في قران المُسبب مع الفعل، هو العزل.

بمعنى، هناك دائماً حاجة لوضع عدة عينات بعد اكتشاف «نمط» ما لأجل تأكيد تكرار التجربة.

مثلاً:

عندما نريد قرن البدانة مع مرض القلب.

نقوم بأخذ عينة أخرى لبُدناء من بلد آخر.. أو بدناء لديهم أمراض أخرى.. أو بدناء بفصائل دم متباينة وهكذا.

سبب هذا هو عزل النمط المتواجد “البدانة تسبب أمراض القلب” في سبيل تجربتها على عينات أخرى للتأكّد. وفي حال ثبوت ذلك يعني أن العلاقة حقيقية والبدانة فعلاً تسبب أمراض القلب!

نأتي لمثال جرائم الشرف..

يا أخي العزيز المتحامل علينا..

هذه الجرائم هي شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني! نحن فقط نسقط “بلاوينا” على العالم الإسلامي الذي قد لا يدري بنا ولا بوجودنا! نسبة العرب ضمن العالم الإسلامي هي أقل من 21%! يعني أقل من الربع!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع الختان! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من مشاكل الشرف! بل العالم العربي!

العالم الإسلامي لا يعاني من موضوع التخلف! بل العالم العربي!

اختطاف الإسلام والدين ووضعه في صندوق العرب وحدهم، وإسقاط مشاكلهم وعقدهم النفسية والقبلية والتقليدية على الإسلام لتصبح قضايا الأمة، جرم كبير، وحالة نرجسية مرضية، يجب أن تصحح قبل أن يتوه العالم بنا وبه!

هذه شجون عربيّة لا شجون إسلاميّة صدقني!

على هذه السياق..

قرأت منذ مدة كتاب بعنوان “سقوط العالم الإسلامي” للكاتب حامد عبد الصمد، لا أكذب إن لم أقل أن العنوان استفزني، وأشعرني بأنه سيأتي بشيء ضخم عميق، حالة أشبه لكتاب المؤرخ ثقيل العيار صاحب الروح الألمانية أوزفالد شبنغلر، الذي خطّ كتاب سقوط الحضارة الغربية، في نبوءته الشهيرة نحو اندثار القارة الأوروبية.

مسكت الكتاب الذي لا يتعدى مئتين صفحة، آملاً أن أجد شيء يدعو فعلاً للخروج من مسار السقوط إن كان يحدث حقيقةً.. فما وجدت سوى كلام لا معنى له!

لدرجة أن اسم الكتاب يجب أن يكون بدل سقوط العالم الإسلامي، سقوط سقوط العالم الإسلامي!

لماذا؟

الكاتب يعتقد أن العالم الإسلامي هو العالم العربي.. الذي ويا للمصادفة لا يشكل سوى 21% من العالم الإسلامي!

نكمل..

الكاتب يتحدث عن كيف هؤلاء المسلمون المهاجرون سيركبون قوارب الموت ويتجهون نحو أوروبا ويغرقونها!

كل هذا بسبب ماذا؟

بسبب سقوط العالم الإسلامي..

انتهى الكتاب، ولم أجد شيئاً! لا نظرية سقوط ولا أي شيء.. بحثت عن حامد لأرى ما طبيعة دراسته فوجدت أنه يحمل شهادة في العلوم السياسية، ويعرف نفسه كباحث في قضايا التراث الإسلامي.

إن كان السيد حامد باحث في قضايا التراث، فأنا يمكنني هنا أن أعرف نفسي بأنني باحث في الهندسة النووية أيضاً.. وجدتي باحثة في علوم الذرة والفيزياء الكوانتية!

الكتاب منذ بدايته وفي عنوانه وفكرته الكبرى خاطئ.. يرى أن العالم الإسلامي هو العرب فقط! الذين لا يمثلون سوى الربع! ولا يرى حتى العرب كلهم إنما الشرق الأوسط!

ثم أن قوارب الموت التي ستحمل المهاجرين إلى أوروبا.. هل هي بسبب فشل العالم الإسلامي الذي أساساً ليس موجود إلا كدين شعبي ثقافي!

أين المهاجرين إلى أوروبا من الإمارات المسلمة؟

ومن سلطنة عمان؟

ومن السعودية؟

ومن المغرب والكويت؟

أين المهاجرين من تونس والجزائر؟

أين المهاجرين من أكبر دولة إسلامية في العالم وهي أندونيسيا؟

أين المهاجرين من ماليزيا ذات التعليم المنافس على مستوى العالم؟

يا عزيزي.. يا سيد حامد..

المهاجرون هم من الشرق الأوسط، الذين يوجد لديهم ألف سبب آخر قبل أن يكون العالم الإسلامي -غير الموجود أساساً- الذي تكلمت عليه حضرتك!

صراحةً.. أعطيت الكاتب وكتابه فرصة وبحثتُ أكثر..

ولا أكذب عليكم بأني استشعرت رائحة العنصرية عند الحديث عن أن هؤلاء سيهاجرون ويغرقون أوروبا وهكذا كلام..

بحثت أكثر.. فوجدت للسيد حامد لقاء على اليويتوب مع غاد سعد Gad Saad.

هنا أغلقت كل شيء..

وأوقفت البحث..

وعرفت أن الأمر لا يستحق..

هي النظرية نفسها..

النظرية العنصرية التي تقسم العالم لأصناف وأننا نحن السيئون!

غاد سعد يا أعزائي من أبرز فتحات التصريف الصحي -تجنباً لقول كلمة بلاليع- اليمين العنصري في كندا!

يمكن أن نقول أنه النسخة الأخرى من بين شابيرو..

الثلة الذين يعتقدون أن الرجل الأبيض هو صاحب الفضل على العالم وأن البقية هم أصناف أقل جودة!

هؤلاء ينسون أن الرجل الأبيض لم يكن طول عمره سوى صياد غير أخلاقي بلا قلب ولا شرف!

الرجل الأبيض الذي أسس أمريكا..

الرجل الأبيض الذي وضع تمثال الحرية، وتحت كل حجرة فيه، فروة رأس لهندي أحمر!

الرجل الأبيض الذي أتى إلى الشرق في عز حضارة العرب والإسلام حينها ليتعلم!

ما المشكلة حينها، هاا؟

في العصور الوسطى عندما كنا نحن مركز الإشعاع، هل كان الرجل الأبيض حينها أسمراً أم ماذا؟ لم تكن نظرية الذكاء التي يتشدقون بها الآن موجودة أم ماذا؟

والمضحك في الموضوع أن غاد ليس كندياً أصلياً، إنما لبناني من أصول يهودية! ربما الإنسان يتقبل العنصرية عندما تكون من أهلها الأصلاء، لكن أن “يتعنصر” عليك مهاجر مثلك، فهو أمر مضحك صراحةً!

دعكم منهم.. ودعونا منكم..

لكن مهما حدث، ينبغي على الإنسان ألا ينسى أصله ولا ينكره. حتى لو اختلف معه.

هذه العقيدة..

المتواجدة لدى الفكر الحامدي عبد الصمدي والغاد سعدي، توجد لدى بعض أصدقائي الذين أعرفهم، وكانوا قد هاجروا.. سواءً إلى ألمانيا أو أوروبا أو أمريكا بشكل عام..

أصدقائي هؤلاء.. يحاولون جهد استطاعتهم أن يكونوا بيضاً!

يحاولون عند سؤالهم بعد أن يُمنحوا الجنسية الجديدة.. أن يقولوا أنهم ألمان أو إنكليز! بعدما كانوا يعرفون أنفسهم بأصلهم ومن ثم جنسيتهم الوليدة!

ينضمون لأحزاب اليمين الأوربية.. وخمّنوا ماذا؟

يعادون المهاجرين الجُدد!

وهي سيكولوجية معروفة وتتكرر دائماً.. أشد العداء لموجات الهجرة واللاجئين الجُدد هم اللاجئين والمهاجرين القدماء الذين تجنّسوا.. لأنها تفتح لهم الدفاتر والذكريات القديمة التي يحاولون دائماً طمسها!

أياً كان.. شتتنا عن الموضوع قليلاً..

ما أريد قوله..

أخي العزيز الذي يحاول أن يكون أبيضاً، مشاكلنا موجودة نعم.. لكنها شجون عربية.. شجون شرق أوسطية.. شجون مناطق فيها تعليم رديء وحياة سيئة.. لأن الماليزيون بتعليهم الجيد لا يتركون العالم الإسلامي ويذهبون لأوروبا كما يريد الصمد أن يقول!

ولن يغرقوا أوروبا خاصته بقوارب الموت!

لا تتحاملوا كثيراً.. كونوا منصفين..

آمن أو لا تؤمن.. هذه حريتك..

عبر كما تشاء وأينما تشاء..

لكن لا تقول أننا السيئين، ولا تطلق رصاصة على عربة خضار أبيك البسيط.. فهي رغم كل شيء، شجوننا الخاصة، لا علاقة لها بأي عقائد أخرى.

يزيد البعض من مستوى العبقرية ليأتي لك بأحاديث وآيات. وهي لعبة خاسرة جداً.

يا رجل.. آيات وأحاديث ماذا؟
النبي قال مواسياً طفلاً صغيراً مات عصفوره يا أبا عُمير ما فعل النغير؟

النبي قال في أعلى الأحاديث صحةً، دخلت امرأة النار في هرة حبستها؟

تريد أن تقول أن قتل الناس هو عرفنا؟

أنت متحامل ياعزيزي.

آمن أو لا تؤمن.. هذا مشيئتك الخاصة.

لكن لا تتحامل على إيمان البسطاء..

عش في بلادك الجديدة..

كن أوروبياً.. كن أبيضاً..

تابع بين شابيرو وغاد سعد و إيريك زامور إن كنت في فرنسا..

تابع أخبارنا.. وأبصق علينا إن شئت.. وقل كم نحن متخلفين وتقليدين..

لكن لا تتحامل ولا تظلم..

وإن كنت تصارع الوحوش كما تعتقد.. فاحذر أن تصبح منهم، وتغدوا وحشاً! فانتصار الوحوش لم يكن يوماً ما بقتلها، كانت دائماً تنتصر بأن تجعل من يعاديها يعمل بنفس طريقتها! فيغدوا سيئاً وعنيفاً!

يغدوا وحشاً مُتحاملاً.. يتبنى المنهج المخالف بطريقة الوحوش نفسها!

التصنيفات
فكر

لماذا لا تترك السعادة ندوباً؟

يؤرخ عالم هارفرد الشهير «ستيفن بينكر» في كتابه الضخم «الملائكية طبيعتنا» لمسيرة تقدّم المجتمع الإنساني عبر محطات عدّة.

متمحوراً حول عدّة مفاهيم وسياقات.. في سبيل تكثيف فكرة عامة للكتاب ولفلسفته بشكل عام؛ هي أنّ الإنسان أصبح كائناً رقيقاً، وعاد إلى طبيعته الملائكيّة –التوجهات الفلسفية هنا ثلاث، الإنسان كائن شرير بطبعه وهي فلسفة توماس هوبز. الإنسان كائن مُحايد بطبعه أو نظرية الـ «Blank Slate» «Tabula Rasa». والإنسان كائن خير بطبعه-.

«الإنسان ذئب بالنسبة لأخيه الإنسان» – توماس هوبز.

ينتصر بينكر للفكرة الأخيرة، خيريّة الإنسان وأننا نعيش في عصر رفاه جداً بالنسبة لجنسه.

وعندما يُسأل عن لماذا كل هذه الكوارث والآلام تحصل في زمننا الحالي؟

يجيب بأنه الانحياز نحو السلبية «Negativity Bias».

وسائل الإعلام في علاقة غرامية مع الأخبار السلبية والسيئة والمقيتة. لأنها هي ما يصنع حدثها وبالتالي يسمح لها بالعمل والاستمرار ولربما النمو!

لو لم يكن هناك أخبار سيئة ما الذي سيقولونه؟ ماذا سيغطون في نشراتهم؟

سيقف أمامك المذيع، أو المذيعة التي غالباً ما تكون حسناء ذات أصول لبنانية لتقول..

اليوم لا يوجد أخبار.. العالم مكان جيد وفي أحسن أحواله. شرقنا الأوسط بخير.

لذلك سنعرض لكم باقة من أغاني فيروز. ولا شيء آخر!

لا يمكن لهذا أن يحدث..

لأن الإعلام ليس هدفه فقط الإعلام.. إنما أن يجعلك تكره حياتك وحياة مَن حولك!

هذا من ناحية العمل في الأوساط الإعلامية، وعلاقتها الغرامية مع السلبية.. أما من زاوية عمل الطبيعة وقوانينها الثابتة، فهناك قصة أخرى..

للألم أهمية كبيرة من الناحية الطبيعية كونه ينبه الإنسان من عاقبة اقتراف الخطأ السابق مرة أخرى.

لنتخيل معاً إنساناً لدغه عقرب في غابة ما.. وفيما بعد نجا من اللدغة.

ومن ثم وبعد مرور سنة، تعرّض للدغة أخرى.. لكنه مات في هذه المرة!

مفهوم الألم في لدغة العقرب الأولى.. ما هو إلا تنبيه وزجر للإنسان من أجل تجنب هكذا حوادث في المستقبل.

لأنه لو لم يكن هناك ألم.. لكانت النتائج حينها كارثية!

أن تكون هكذا خبرات غير مؤلمة، يعني أن العقل لن يحفظها كونها لن تترك فيه ندوباً لأنها لم تكن مؤلمة.. وبالتالي سيكون الناتج كائن مهمل لا يعرف ما هو الصائب وغير الصائب له.

لكن مع وجود الألم، يختلف الأمر كثيراً.. فالاستجابة الألميّة، مهمة جداً على المدى البعيد لعدم تكرار الحماقات.

وحتى الأمور الجيدة المتعلقة بصميم استمرارية الجنس البشري، يُكافئ الإنسان عليها طبيعياً أيضاً بفيض من الدوبامين المتناطح داخل دماغه، ولعل النشوات اللحظية (المادية – الطعامية – الجنسية) تقبع في رأس الهرم لهذا الجانب.

أما السعادة، فهي مفهوم آخر..

السعادة مفهوم نقي.. خفيف.. صامت، وغالباً ما يكون تحصيل حاصل وبدون جلبة، إنما يظهر كخاتمة لمسيرة طويلة كانت قد حدثت، ولذلك عرّف الإغريق القدماء بأن السعادة أو اليودايمونية، هي الحياة وفقاً لنسق الفضيلة والقيم.

وهنا لا بد من الإشارة إلى اللبس الذي يحدث عند الاشتباك بين مفهومي السعادة والمتعة.

المتعة Pleasure هي كيمياء الدماغ.. نشواته اللحظية العابرة. عندما يُتخم بوجبة دسمة مليئة باللحوم.. عندما يمارس الجنس بشراهة.. حينما يشرب الماء بنهم.. عندما يملك المال كما يملك كيم جونغ كوريا الشمالية.. هذه متعة.. أي بهجة الدماغ الكيميائية فقط.

بينما مفهوم السعادة اليودايمونية الفلسفية هو الأكبر والأرقى..

تلك السعادة هي سعادة الرحلة الطويلة.. والتي غالباً ما تكون مرات إحساسها محدودة على طول الحياة المُعاشة.

مثلاً.. عندما تُربي طفلاً وتكبره ليكون إنساناً جيداً وينجح في ذلك وتفخر به، هنا أنت تحصل على السعادة.. سعادة القيمة والرحلة الطويلة الناجعة لا سعادة وجبة الدجاج التي تأكلها!

الاعتقاد بالمتعة Pleasure على أنها نفسها سعادة القيم، اختلاط خطير يُشير إلى تضارب المفاهيم وتوهان الطريق عند صاحبه.

ولربما هذا الاختلاط يكون مقصوداً.

لأن صاحبه يكون مرابطاً سابقاً على ثغور السعادة القيّمة تلك، لكنهُ غدا مرهقاً.. وأعجزه السعي المطوّل وراء ذلك السراب الضائع صعب الوصول، فقرر أن يضرب بها عرض الحائط وينغرس في المتعة..

ليأكل كثيراً…

ويشرب كثيراً..

ويمارس الجنس كثيراً..

ولا ينجب طفلاً كثيراً..

ولا يراه يكبر ليكون إنساناً جيداً كثيراً..

أصحاب المتعة هم نفسهم أصحاب السعادة بعد أن يأسوا وتحطموا..

لا يمكن للسعادة أن تترك ندوباً..

لأنها مفهوم نقي بسيط.. ولأن قوانين الطبيعة تتكاتف ضدها لتنصر تجربة الألم، كونها تحذر الإنسان من تكرار الفعل، فتصب في مصلحته طويلة الأمد، بينما لا تؤثر البهجة كثيراً في ميزان التكيّف، فيهملها العقل البشري..

ولا ننسى أيضاً، الانحياز الإعلامي نحو البؤس.. كونه يصنع الحدث دائماً..

سؤال بسيط..

هل سمعتم يوماً قناة إخباريّة غطت خبراً عن أب يُهدي ابنته هدية في عيد ميلادها؟

في يوم تخرجها؟

في حفل زفافها؟

لا..

لا يغطون سوى خبر الأب المُختل الذي يقتل ابنته..

والأخ الذي «يصون عرضه» بالطريقة الحمقاء التي نعرفها..

وهكذا عناوين رنانة بائسة..

لماذا؟

لأن السعادة لا تترك ندوباً.. ولا تصنع خبراً ولا عنواناً في نشرة أخبار.. ولا تُطعم خبزاً.. ولا تجلب مشاهداً..

السعادة مفهوم بسيط بريء، مُغفّلة جداً في عالم المنفعة هذا.. لدرجة أن الانتباه لا يلتفت إليها ويعرض عنها مُخاصماً.

السعادة شيء جميل..

خير محض.

فكما النُبل الحقيقي يكمن في فعل الأشياء الحميدة دون أن يدري الناس بها كما يقول تولستوي..

فإن السعادة الحقيقية تكمن في القيم الخفيّة بدون جلبة..

هي ليست كالألم.. مفهوم طبيعي مِن الواجب وجوده لتحذير الإنسان من تكرار الحماقة مرة أخرى في المستقبل.

السعادة مفهوم نبيل..

مفهوم بسيط حد السذاجة..

تستحي من أن تؤذي صاحبها..

لهذا هي لا تترك ندوباً..

التصنيفات
فكر

صواريخ عابرة للإنسان

صغيرٌ أنت!

مبتدئٌ يقفُ على شاطئ الحياة..

تُريد أن تفهم أكثر… أن تكبر أكثر… لتغدو مطرقة كُل ما أمامها مسامير! ها قد قبضت على مفاتيح الحياة ولم يبقَ هناك الكثير..

لكن قبل كل هذا..

يُلقى في روعكَ مِن قبل الكبار: أي بني.. لا يجب عليكم أن تكذبوا.. ولا أن تسرقوا.. ولا أن تؤذوا أحداً..

لا ترموا شيئاً في الطريق، بل العكس.. لملموا زجاجات البلور ولمبات النيون المكسورة في الشارع كيلا يُضر بها مَن يمشي..

أميطوا الأذى، واحموا العابرين..

لا تؤذوا أحداً أيها الأطفال، لا تكونوا سيئين! ناموا باكرًا.. استيقظوا باكراً.. لملموا جراحات الناس.. واسعوا في تطبيبها..

لكنك تكبر..

ويتحوّل ذلك الطفل الصغير الذي أراد دائماً أن يسهر ساعة إضافية.. إلى ذئب وبومة ليل لا تُسدل أجفانها ولو وضعتَ طناً من الحديد عليها..

مُضحك كيف تتغير الأحوال مع مرور الزمن… فمن أحلام الصغير دائماً أن تسمح لهُ أمهُ بالسهر قليلاً.. لكن مع التقدم بالعمر، واهتراء سنيّه طحناً تحت رحى الأيام.. تُصبح أقصى أمنيات ذلك الشاب أن يملك ما يكفي من السعادة والطمأنينة حتى ينام باكرًا ليهوي رأسه على الوسادة دون أن يلوي..

لكنك تكبر.. وتكبر!

وتُدرك أن تلك الفضائل التي نُقشت على إسمنت الطفولة الذي لم يجف، أنها وُضعت في خانة لم ينبغي أن توضع فيها؛ وهي خانة «المضمونات»! فمع كثرة تكرارها على السمع. وتبنيها من قبل مدرس مادة الديانة.. وشيخ الجامع.. وقس الكنيسة.. وموجّه المدرسة.. والعم الأكبر.. والخال الأغبر…

بتَّ تتساءل بينك وبين نفسك: مَن هذا الذي يسرق بعد كل هذا؟ مَن هذا الذي يكذب؟ مَن هذا الذي يقتل؟

تعتقد أنها أمور -بحسك البريء- لا يمكن لأحد أن يفعلها، فتنقلها إلى قائمة «المضمونات».

إلا أن العالم بدوره لم ينقلها أبداً…

عندما أراد الطبيب النفسي جوردون بيترسون، الذكي كمعالج والأحمق كسياسي، أن يصف مرحلة النضوج ويمايزها عن مرحلة الصغر، قال أنّ النضج هو خط صغير تتكسر فيه الأحلام.. خط يُدرك مَن عبره أن العالم بارد ولا مكان واسع فيه لتلك البالونات الحالمة التي تعتريها براءة الطفولة.

فمثلاً، لو أخذت أطفالك إلى السينما لمشاهدة فيلم أو راقبت أحدهم يفعل ذلك، ستجد أن ردة فعلهم عندما يموت البطل ومَن يلعب شخصية الإنسان الطيب، عنيفة جداً.

لا يصدق الأطفال أنه مات، وإن صدقوا فإنهم يعتقدون بالفعل أنه مات لا مجرد تمثيل ودور عابر!

ما السبب في ذلك؟

السبب أن الطفل -خلافاً للكبير- يعتقد أنه من المستحيل لقيم الخير والحق والعدالة التي يمثلها البطل أن تموت.. لا بد لها أن تربح، هذا مستحيل!

بينما الوالد الذي يجلس بجوارهم يرى العكس، إذ لا يلبث أن يهدئ أطفاله وهو يقول: لا تحزنوا يا أولاد كل هذا مجرد تمثيل!

الوالد إنسان كبير.. الوالد ناضح.. الوالد يؤمن تمام الإيمان أن البطل يموت.. ولربما البطل دائماً هو الذي يموت أساساً.. وقيم الخير والعدالة ليست مَن يربح..

هذا هو النضج…

لم يخطئ هيمنغواي عندما ارتمى في أحضانها ليقول: «أنا مُتعب يا عزيزتي، أنا مكسور.. هذا العالم نشيده فينهار.. ثم نشيده مرة أخرى فننهار نحن!»..

لكن هيمنغواي مات والعالم تغير.. تغير كثيراً..

وباتت فرصة نجاته في تسريع انهياره لا في تسريع بناءه!

هذا العالم الذي أصبحت فيه قيمة الإنسان تختلف وفقاً لشكل جواز سفره والمنطقة التي يعيش فيها يجب أن يُسرع انهياره!

عندما يموت 100 طفل في الشرق ولا يتحرك أحد وعندما يموت 1 في الغرب وتتحرك الدنيا. يجب حينها تسريع انهيار هذا العالم!

عندما يموت 100 ملوني البشرة من مجاهل العالم الثالث ولا تهتز شعرة.. ويموت فرد أبيض من العالم الأول، فتموج الدنيا بأجمعها، لا بد حينها من تدمير هذا العالم!

عالم العنصرية ليس عالماً!

عالم القطب الواحد ليس عالماً!

عالم تختلف فيه ردود الفعل والشجب والإدانات تبعاً للمنطقة الجغرافية لمن يموت فيها.. ليس عالماً!

العالم الذي فيه 20 شخص يملكون نصف ثروة الكوكب وفي كل سنة -وعلى نفس الكوكب!- يموت 3 مليون طفل بسبب الجوع، ليس عالماً ولم يكن من أساسه عالماً!

إن لم تهزك هذه الكلمات والمقارنات، فأنصحك بشكل أخوي أن تُراجع النظام الأخلاقي الذي تعتمده في حياتك! إن كانت هذه المقارنة لديك عادية، فتبصر موضعك الأخلاقي وانتبه لنفسك ولأين تسوقها!

مُضحك جداً الاعتزاز بمحاربة الإنسان الحديث للعنصرية وفخره بالقضاء على العبودية رغم أن شيئاً ما لم يكن! فكل شيء مازال موجوداً، الفرق فقط هو تقييد القدرة على التعبير، أما المكنون والمضمون فهو كما كان ولربما أشد!

بالمناسبة.. العنصرية والطبقية مرحلة «عادية» -لا تحمل مدلولاً أخلاقياً موضوعياً، بقدر ما تحمل نمطاً يتعلق بطبيعة النظام السياسي والعقد الاجتماعي المُتفق عليه في كل ثقافة- من البشرية.. بمعنى؛ مُسبقاً كان العبد مسؤول عن تنفيذ مهام السيد كحراثة الأرض وأعمال المنزل وغيرها..

بالمقابل كان السيد البرجوازي يقوم بدفع تكاليفه وتأمين حياته..

هل فكّرتم يوماً، لماذا لم يكن ذاك العبد يهرب؟ مهامه كانت مرتبطة بأعمال خارجية وبإمكانه فعلاً الهرب. لكن لماذا لم يفعل؟

لأن الفكرة كانت أن “حياة” ذلك القن مرتبطة بسيده. فإن هرب سيموت. لأن “النظام” الحاكم بأكمله هو الذي كان سائداً.. وما النظرة للعبودية وغيرها بأنها مجرد سادة يضربون عبيدهم بالسياط كل يوم ما هي إلا رؤيا “هوليودية” من تقديم الحلفاء الذي انتصروا إبان الحرب العالمية الثانية..

العبودية كانت مرحلة (سيئة / جيدة) هذا الأمر يعتمد على وجهة نظر المراقب الخارجي وخصوصاً التاريخي، إلا أنها مضت… لكنها لم تنتهي بل تطورت!

وأصبحت رأس المال، ولم يعد ذلك العبد الذي يعمل لسيده سوى “موظف” يلبس بدلة ويداوم كل يوم في عمله ويحضر اجتماعات زوم.. نفس الفكرة بقيت موجودة، حياة ذلك “القن” مرتبطة بهِ لذلك لا يستطيع الهرب!

جميعنا عبيد، الفرق أن الأسلوب تطور أكثر ولم يعد هناك أراضي لتُحرث وأعمال في الحقل لتُنفذ..

فطوبى لمن كان عبداً لمَن حُق لهُ أن يُعبد في ظل عبودية المادة السائدة..

قد يقول قائل: هذا نزوع نحو التفسيرات الماركسية.. الآن كشفناك. أنت من جماعة الاتحاد السوفيتي البائد!

من بساطة هذه الحجة أن مَن يقولها غالباً لا يعلم أن المنظرين الماركسيين ومَن والاهم اعتبروا أن قيام الاتحاد السوفيتي أكبر كارثة على الأفكار الماركسية بشكل عام والشيوعية على نحو خاص.

فتوقع كارل لثورته كان لأن تحدث في إنكلترا بسبب هيمنة الصناعة فيها، إلا أن الذي حصل أن فقراء روسيا هم مَن هب. لينشأ بعدها كيان عالمي مركزي مُستبد.

ولعلَ سبب تعاسة جوردان بيترسون في مناظراته مع جيجك الشهيرة، أنه وقع في هذا الخطأ الطفولي، والذي بيّن أنه لا يعرف في السياسة وفلسفتها شيئاً.

البديل غير واضح! لا يختصم اثنان ولا تتناطح عنزتان بهذا..

لكن الاستكانة والقول أنّ هذا العالم مثالي وكل ما هنالك أنه يجب على الولايات المتحدة أن تلقي قنابل نووية –كناية عمّن يستشهد بالنموذج الياباني- على البلدان التي تملك ثقافات أخرى مخالفة ومن ثم تستبدلها بثقافتها البلاستيكية التي أنتجت لنا موقع بورن هاب، أمر لا أخلاقي..

صوّت للعنصري ترامب في آخر انتخابات 74 مليون أمريكي! وهي نسبة لا يستهان بها من شعب أمريكا.. الاعتقاد أن هؤلاء وأفكارهم تصلح لأن تكون نظاماً عالمياً للجميع تُستبدل به ثقافات بكاملها، مغامرة كبرى قد تصل لدرجة الخطيئة والجرم!

يُكمل هذه التعاسة فوكوياما عندما يصوغ نظريته في النهاية، ليقول أنّ التاريخ انتهى وأن النموذج الأمريكي الليبرالي الاقتصادي هو الذي سيحكم!

وهذا ما يعطيك فكرة سريعة عن قرب أفول هذا النموذج واندثاره.. لأن النهاية الثالثة للتاريخ –الثورة البلشفية وسيادة الشيوعية- ظُن أنها كذلك وسرعان ما انهارت.

والآن الأمريكية نفس الأمر..

بمجرد ما تُصلَّب فكرة ومبدأ اعتقاداً أنها مَصب تاريخ الكون والحياة وأنه لن يُنجب ما هو أفضل منها.. يعني هذا دق مسمار النعش الأخير فيها.. كونها تحولت نمطاً جامداً لا تجديد فيه..

فغدت “ثباتاً” بعد “التحول” بلغة أدونيس.

يحتاج هذا العالم لحركة إصلاح كبيرة.. وإصلاحه يكون في تسريع انهياره!

ليت الأطباء يعالجون همومه كما هبوا وعالجوا فيروس كورونا كوفيد 19..

وأن يعالجوا أنفسهم من أمراضها قبل معالجة الفيروسات الأخرى.. لا سيما مع فضيحة فيروس أيبولا الذي ضرب أفريقيا، وتحدث عنها أطباء بلا حدود.. عندما لم تستجب شركات الأدوية لعمل لقاح.. ذلك لأنه كان محدود وفي دول إفريقية بسيطة وفقيرة، فمَن هذا الذي سيدفع لهم تكلفة الإنتاج!

صدق مَن قال: نجح الأطباء في زراعة كل شيء داخل الإنسان إلا الضمير!

ومن بعد كل هذا تُكرر الأسطوانة نفسها، أن هذا العالم جيد ومثالي وفقط بحاجة لتأقلم و”اندماج” مجتمعي!

حريٌ بالعالم أن يندمج مع حِزم كبيرة من الأخلاق والفضائل التي يملكها أي طفل بريء لم يُفطم عن الخير قبل أن يُعلموا بقية الشعوب الاندماج..

بعد كل هذه التعاسات تأتيك خرافة السلام لتُوضع كتاج على جسد مريض مُتهالك يُزيّن للناس.. خرافة تكررت كثيراً في الفترة الأخيرة.. وهي أننا رواد سلام ولا نريد الأذى وكل شيء ينتهي في أرضه.. مستحيل أن تعُارض ذلك! لماذا أنتم أشرار ولا تحبون السلام!

أي سلام هذا يا حبيبي.. أي سلام؟

ما تشاهد في هذا العالم ما هو إلا “نقاط تثبيت ومراقبة” لمرحلة ما بعد الحرب العالمية الثانية. بعد أن نجح الأوغاد الذي خرجوا منها منتصرين –الذين هم ويا للسخرية والمصادفة البحتة، الأعضاء الخمس الدائمين في مجلس الأمن ومعهم حق الفيتو الذي بإمكانه الاعتراض على مشاريع قرارات رفع رواتب الملائكة من شدة قوته!- زرعوا نقاط تثبيت للحفاظ على مكتسباتهم لا أكثر…

لكي “يشربوا الماء صفواً، ويشرب غيرهم كدراً وطيناً!”…

يسخر مِن هذا العالم الراحل الجميل كارل سيغان بالقول في كتابه نقطة زرقاء باهتة: «لقد كان من أكثر التذكارات سخرية تلك الوثيقة التي وقعها الرئيس ريتشارد نيكسون في الرحلة أبولو -11 نحو القمر. لقد كتب بخط واضح: «لقد أتينا في سلام من أجل البشرية» بينما في اللحظة ذاتها كانت الولايات المتحدة تُسقط 7.5 ميغا طن من المتفجرات على أمم صغيرة في جنوب آسيا!»

وما عليك للتأكد من هذا سوى أن تنظر لأحد ما حاول أو يحاول أن يفرض نمطاً دولياً جديداً. لترى حاملة طائرات تتحرك.. وغواصة تعبر.. وهليكبوترات تطوف..

اكتب على أي محرك بحث عدد القواعد الأمريكية العسكرية في العالم، وشاهد مدى سخرية المشهد..

القواعد المسؤولة عن توطيد نقاط التثبيت تلك!

بعدها تقول سلام؟

لن تجد للمكسيك صوت في ذلك المجلس.. ولا الجزائر.. ولا جنوب أفريقيا.. ولا ميانمار.. ولا الإيغور.. ولا أي فئة مضطهدة.. هم وحدهم مَن يحكمون.. هم وحدهم..

أي سلام حينها! أي سلام..

صدق ابن خلدون حين قال: “إن المغلوب مولع أبداً في تقليد الغالب، في شعاره وزيه ونحلته، وسائر أحواله وعوائده”.

إنها المازوخية التي تفرض نمطها على الإنسان الهجين الذي تُباع لهُ يومياً مفاهيم الإنسانية وهو جالسٌ يحتسي قهوة ستاربكس في مقهى فاخر ليخرج بعدها ويقود سيارته..

دون أن يدري أن ثمن كوب قهوة فاخر في نيويورك.. قد يساوي طعام ثلاثة أسابيع لعائلة في ميانمار أو بنغلاديش!

هذا العالم بحاجة لأن يُدفع نحو الانهيار… صدقني!

أصبحنا ضحية عالم لا أخلاقي يحاول أن يخفف وطأة قذارته من خلال بيع وتجارة مفاهيم الإنسانية والإنسان.. يذكرنا هذا باللص الذي يقوم بسرقة شيء ما ثم يخرج ليعلن عن السرقة أوّل واحد فلا يُشَك فيه!

نفس الأمر.. ادعاء القرب من الإنسان والإنسانية، هو أكبر دليل أن هذا العالم بعيد أميالاً ضوئية عنه.. خصوصاً أنه نفسه يُحارب ويدمر ذلك الإنسان كل يوم! الذي يموت 3.4 مليون من أطفاله سنوياً بسبب الجوع!

لا يوجد مجتمع دولي يا رفاق.. يوجد مجتمع غربي تحكمه نخب اقتصادية تتحكم بكل شيء..

يكفي لتدركوا ذلك أن تعرفوا أن صحيفة واشنطن بوست الشهيرة مملوكة من قبل جيف بيزوس!

قرأت لأحد الأمريكيين مؤخراً عبارة لطيفة يُلخص فيها كل شيء بالقول: مشكلة الشرق أن السياسة عندهم تعطل الاقتصاد، ومشكلتنا نحن في الغرب أن الاقتصاد عندنا يتحكم بالسياسة!

إنه نظام اقتصادي يحرك كل شيء.. قائم على المصلحة والمنفعة لا مكان فيه لأخلاق ولا سلام ولا أي شيء.. فقط منفعة، ومصلحة، واستهلاك..

دمروا حلقة الفأر هذه.. ادفعوها نحو الانهيار.. “ما نراه ليس عالماً ولم يكن.. إنها مناطق توحش مُحكمة التنظيم والترتيب”.

ذلك الطفل الذي تلقى كل تلك الأخلاق والقيم والفضائل… كبر ليدرك أنها ليست صعبة التطبيق وإنما مستحيلة.. وأحياناً قد يُحاربك العالم من أجلها!

لم تكن يوماً ما مضمونة، دائماً كانت حرجة.. ومُحرجة.. حاولوا مراراً فطمك عنها.. في عالم تدور عقاربه نحو منتصف ليل المنفعة ولا غيرها!

آن الأوان لإنزال أسلحة الأوغاد جميعهم.. بكل أساطيل طائراتهم وحاملاتها.. بكل سروب الأف 16 و35 و58 و89 و105. والميغ واللاأعرف ماذا أيضاً فالحبل على الجرار طويل!

بكل الغواصات النووية والرؤوس الحربية..

آن الأوان لـ “عالم جديد شجاع”.

آن الأوان لأن تُطلق صواريخنا عابرةً الإنسان مهما كان وأينما كان..

هذا العالم خالٍ من القيم… حُكم من قبل المنفعة كثيراً، آن أوان هزيمته.. ليس من أجلي ولا من أجلهم.. إنما من أجل ذلك الطفل الصغير الذي آمن دائماً أن تلك القيم ستنتصر كلما جلس وشاهد البطل يموت فبكى من أجله.

لا تجعلوا ذلك البطل يموت.. فالإنسان ما هو إلا ترس في آلة كبيرة عملاقة..

نحن مسننات تتضافر معاً لتعمل.. والهدف هو عمل الآلة، لا أن نكون أنا وأنت بشكل شخصي المفتاح، ونتصور سيلفي مع نجاح الآلة ونظهر على التلفاز ويتابعنا الملايين كتافهي العصر الحديث!

الهدف نجاح “الماكينة” وتدحرجها للأمام، سواءً كنا من أهل القصور أم من أهل القبور.. فنحن مجرد نقطة للعبور.. فراغ لكي تعبره الكلمة وتُشكل جملة جديدة جميلة..

لعبوا طويلاً… آن أوان أن نلعب نحن بهم!

هذا العالم لا قيم فيه، وخير ما قد يُفعل هو دفعه نحو الانهيار..

ذلك الطفل أصبح كبيراً.. وحافظ على حُلمهِ! حُلم ألا يموت البطل ويدافع عنه حتى اللحظة الأخيرة.

ذلك الطفل كبر.. وامتلك خطة يُمشى عليها!

ذلك الطفل كبر.. وبطله كبر معه أيضاً!

وكون تجارة الكلام ما عادت تنفع في زمن حاملات الطائرات! ذلك الطفل كبر.. وترك رسالة صغيرة مخطوطة بخطٍ ناعمٍ بريء:

تحيةً طيبة وبعد..

«الجواب ما يُفعل لا ما تسمع وتقرأ!».

وخير ما يُفعل هو دفع هذا العالم نحو الانهيار، على ظهر صواريخ عابرة للإنسان.. الإنسان وحده، ولا أحد غيره!