التصنيفات
كتب

بارتلبي النسّاخ.. حكاية إنسان قرب الجدار

تتعدد الروايات والقصص التي تُروى على المسامع، فهناك روائع عالمية قد لا يختلف عليها أحد، كالجريمة والعقاب لديستوفسكي أو قصة مدينتين لتشارلز ديكنز، إلا أن هناك رائعة جديدة تعرفت عليها مؤخراً وأود مشاركتها، وهي حكاية «بارتلبي النساخ الأمريكي» وهي قصة قصيرة من كتابة الروائي الأمريكي هيرمان ميلفيل، الذي عاش في القرن التاسع العاشر، وحضر ذروة الحرب الأهلية الأمريكية.

على الرغم من قلة صفحاتها، تكثف قصة «بارتلبي النساخ» المعنى بشكل صعب البلع، لتشعر بالغصة وأنت تقرأها وتحديداً عندما تصل إلى النهاية وينكشف من الحقائق ما ينكشف.

تحكي القصة حكاية إنسان (لا يحدد هيرمان ميلفيل اسمه لكنه يشير لأنه كان يعمل في في المحكمة الأمريكية). لكن وبعد نهاية وظيفته، يفتتح مكتباً يحمل الرقم 28 في شارع وول ستريت، ويقوم بتوظيف عدد من الأشخاص وإيكال مهمة نسخ الرسائل وإعادة كتابتها إليهم.

تختلف شخصيات الموظفين وفقاً لاختلاف اسمائهم التي ابتكرها هيرمان، فهناك الناسخ تيركي Turkey وهو يشبه تماماً الديك الرومي ذو طبع نزق وبدين نوعاً ما، في حين أن هناك نييبر Nipper الذي يخالفه في الطباع. أما الشاب الأخير فهو البندق Ginger Nut وهو شاب صغير أشبه ما يكون بـ “حويص” المكتب الذي يعملون بهِ.

تنقلب حياة المكتب رأساً على عقب عندما يأتي موظف جديد بعد نشر صاحب العمل لوظيفة شاغرة عنده، وذلك الموظف هو “بارتلبي”.

بارتلبي باختصار يمثل الإنسان الذي يمر بمفهوم انحلال الشخصية أو ما يعرف بالـ Depersonalization. أو كما عبر عنها هيرمان نفسه، كان بارتلبي كحطام سفينة مهجور في ظلام قاع المحيط الأطلسي.. إنسان يمارس عمله بشكل ساكن دون أن يتكلم في ظل أقران ينشطون بالصخب، إنسان يهتم بشؤونه الخاصة، إنسان لا يغادر المكتب، ولا يأكل سوى بضع لقيمات يقمن صلبه.

يتعجب صاحب العمل من سلوك بارتلبي، فمن عادته دائماً بعد نسخ الرسائل أن يُمسك النسخة الأصلية ويقوم بقرائتها بصوتٍ عالٍ حتى يتتبع الناسخ نسخته الجديدة ويرى مدى دقتها. حاول صاحب العمل هذا أن يتعاون مع بارتلبي كي ينقح نسخته لكنه لم يستجيب.

فكان يقول: بارتلبي.. تعالَ كي ندقق النسخة الجديدة.

ليرد بارتلبي: أفضل ألا..

يتعجب صاحب العمل من ردة فعله، فعلى الرغم من مدى دقة ما يفعله وصومه عن الكلام، عدا جملته الشهيرة أفضل ألا I Would Prefer Not To.. إلا أن سلوكه الغريب جعلَه في مرمى النقد.

يحاول صاحب العمل بشتى الطرق استدراجه، لكن النتيجة نفسها.. ليرد بارتلبي دائماً: أفضل ألا..

وفي نهاية القصة؛ تحديداً عند آخر أربع صفحات، ينكشف سر بارتلبي، ولماذا فعلَ ما فعل..

من الواضح في القصة حضور رمزية “الجدار” بشكل كبير، فالمكتب يقع في شارع وول Wall ستريت، وهناك ضمن المكتب جدار يفصل بين غرفة صاحب العمل وغرفة بارتلبي، إضافةً لأن لبارتلبي نافذة تطل على جدار قرميدي كئيب يتألق الضوء الخافت عليه بصعوبة.

كما في نهاية القصة رمزية للجدار أيضاً..

كل هذا يدفع لسؤال لا بد منه.. ما الذي يدفع بشخص ما إلى سكون رهيب كأنه قبر؟ ولعل الحماسة لكشف سر بارتلبي تكمن في أنه إنسان بلا تاريخ، لكنه مجد وهادئ ولا يمكن أن تؤذيه، وهذا حاضر بشدة ضمن عواطف مكتب الناسخ الذي وصف مشاعرهُ بدقة هيرمان ملفيل.

قبل أن أنهي لا بد من القول أنه في داخل كل إنسان بارتلبي صغير، بارتلبي ساكن يقبع وحيداً كآخر عمود لمعبد قديم مهجور.. أحياناً يكون الوصول لحالة بارتلبي تلك قمة الطموح البشري، وأحياناً يكون الهروب منها هو طموحٌ أيضاً. لم يكن بارتلبي لا مبالياً بقدر ما كان يمثل دوامة من الوجود والسكون. كان عاجزاً عن النطق لإدراكه عدم نجاعة الفعل نفسه.

آمن بارتلبي أن كل شيء في النهاية سيصطدم بـ “الجدار”، الجدار الذي يهدم اللذات، الجدار الذي لا مفرَ منه أبداً..

التصنيفات
كتب

التفكير السريع والتفكير البطيء

يملأ دانيال كانمان -أحد آلهة طب النفس والاقتصاد السلوكي في عصرنا- كتابهُ «التفكير السريع والبطيء» بالنماذج التي تتحدث عن كيفية تفكير الإنسان والمُحددات الواسمة لهذه النُظم، إلا أن الفكرة العامة تتمحور حول قضية لطالما داعبت أذهاننا وصعب علينا توصيفها ومن ثم توظيفها، إلا أنهُ يشرحها بسهولة عارضاً إياها ضمن النموذج التالي..

يحكم التفكير البشري نظامان لا ثالث لهما.. النظام الأول (نظام غريزي، عاطفي، وسريع). والنظام الثاني (نظام عقلاني، بطيء، يتمتع بمهارات تحليلية عالية). يميل الدماغ البشري لاستخدام النظام الأول على نطاق واسع جداً لدرجة أنهُ هو المهيمن في كل شيء تقريباً، في حين يكون النظام الثاني “على الطلب” في الوقت الذي يتم استدعائه فيه، فيلبي النداء فوراً.

مما طُرح في الكتاب من أفكار جميلة أيضاً، أن النظام الثاني -التحليلي المنطقي- غالباً ما يستخدم أفكار ومبادئ مستمدة من النظام الأول نفسهُ!

«بشكل ما، يبدو أن الإنسان يستخدم ذكائه، لتبرير جزء من غبائه أحياناً».

بمعنى أن الدماغ يستخدم “طرق ومبادئ ذكية” لمعالجة معلومات وبيانات “غبية” أو غير منطقية. وهذا الفخ غالباً ما يسمى باللغة العامية بالأدلجة أو تلغيم المقدمات Loaded Premises المنطقية بمسلمات لا استدلالات منطقية عليها.

التفكير السريع والتفكير البطيء

يطوف الكتاب حول العديد من الأمثلة والدراسات والاحصائيات، خصوصاً أنهُ يعتبر عصارة 40 سنة من الأبحاث لصاحبه الذي يحمل جائزة نوبل بالمناسبة، وهو دانيال كانمان. فيما هناك بعض الفصول التخصصية، يمكن تجاوزها وتركها.

ومن حسن حظنا أننا نعيش في زمن السوشال ميديا ووسائل التواصل حتى نستدل -بشكل ما ولو جزئياً- على صدق هذه الدراسات، فمثلاً.. عندما نرى منشوراً ما هنا أو هناك كيف نتفاعل معهُ؟

غالباً تضع قلب (أحببتهُ). أو أغضبني (كرهته). أو حتى مجرد لايك أو اعجاب.

ماذا نستفيد من هذا؟

نستفيد من الإنسان يتعامل مع كل شيء بعواطفه (أحببت، أعجبني، أغضبني). لأن التعامل الحقيقي مع أي شيء -لو كان المفعّل هو النظام الدماغي الثاني- سيكون بمثابة التالي:

ممم، هذا يبدو منطقياً!

أو هكذا يستقيم المعنى It makes sense. أو شيء ما من هذا القبيل.

يجادل كانمان كثيراً في أن النظامان مهمان لدى الإنسان، فمن غير المعقول عند الطعام أن تفكر في النظام الثاني!

وتجلس تحلل الطعام وتفنده وتفصفصهُ! أنت جائع، تلتهمه فوراً بدون مقدمات! لكن استخدام “تدخلات” محدودة من النظام الثاني يساعد في بناء العضلات وخلق أنظمة صحية ومعالجة مشاكل السمنة وترسب الدهون في الشرايين وغيرها!

فيبدو أن الحل المثالي والحياة الرغيدة تتمثل في إعطاء كل نظام حقهُ، ولعل من ترجح لديه الكفة الثانية يتجه لأن يكون عبقرياً أو عالماً أو نجماً في مجال ما، في حين أن من ترجح لديه كفة الأوّل يكون عفوياً بسيطاً أقرب لطفل مدلل في مسلاخ إنسان كبير.

يشير النظام الأول لحضور الجزء الحيواني من الإنسان؛ من خلال تاريخ طويل قد خاض غماره عبر الأزمنة، في حين يمثل النظام الثاني المنطقي قشرة رقيقة كان قد اكتسبها بعد حصول الثورة الزراعية وتعلم الطبخ واكتشاف النار وبالتالي زيادة حجم الدماغ وتعزيز مادته الرمادية. حينها انبثق هذا النظام وسيطر على جماح النظام الأول.. فكانت الحضارة وكان كل شيء بعدها!

اقرأ أيضاً: أن تكون النحات والصخرة معاً!

التصنيفات
كتب

لماذا فشلت الليبرالية؟ مفهوم عدم قيمة القيمة

«أن تكون حراً يعني أن تتحرر مِن رغباتك الخاصة الأكثر دناءةً». يُمكن اعتبار هذه الجملة كملخص لما يُريد إيصاله المنظّر الأمريكي «باتريك دينين» في كتابه «لماذا فشلت الليبرالية Why Liberalism Failed» إلا أنه رغم ذلك لم يكتفِ بالمقاربة الذاتية الشخصية فحسب، بل توسع طولاً وعرضاً ليفنّد المناقب المزعومة للفلسفة الليبرالية على جميع الأصعدة.

وعلى هذا يقول:

«فشلت الليبرالية لأنها نجحت.. لأنها صارت نفسها على نحو مُكتمل. إذ تنتج الليبرالية أمراضاً بنحو أسرع بكثير مِن قدرتها على المعالجة، تفشل الليبرالية لأنها تعجز عن إنتاج لصقات الجروح وحُجب لتغطية الآلام»

نقاط رئيسيّة:

  • لا يعني نقد الليبرالية النكوص لما هو دونها، إنما تجاوزها وعدم تثبيت نموذج نهاية التاريخ الاقتصادي.
  • تبيّن في عصر الليبرالية أن أدوات تحرر الإنسان ما هي إلا أدوات لاستعباده أيضاً.
  • لا يوجد مفهوم حرية بالمعنى المطلق، فالإنسان دائماً يخضع لحتميات بيولوجية وإجتماعية.
  • الفكرة الكبيرة في الليبرالية هي استبدال الإنسان العالمي بالمستهلك العالمي، والنظر للإنسان على أنه حيوان اقتصادي لا أكثر.

فيبدو أن أجر التحرر هو الوقوع تحت ربقة حتميات إقتصادية، فالإنسان المُتدين الذي يحتفل بعيد الأضحى والفطر، والكريسماس، أصبح الآن يهرول للاحتفال بيوم الجمعة السوداء Black Friday!

لهذا يمكن القول أن مرحباً بكم في عالم «عدم قيمة القيمة» كما سماها المسيري، حيث يغدو الكائن العاقل مجرد حيوان اقتصادي مستهلك، مؤمناً بالحرية على أنها رفع للغطاء عن ما بين فخذيه وفكيه لا أكثر، وهو اختزال إجرامي لقيمة عليا سامية.

ولهذا نبدأ مِن النقطة الأكثر أهميّةً في نقاش الفلسفة الليبرالية.

مِن سياج الأرض.. إلى سياج المصنع!

لا يوجد فلسفة لم تدعو إلى تحرير الإنسان، لذلك فإن الدعوة الليبرالية باحتكار قيمة ضخمة كالحرية وصنّدقتها -وضعها في صندوق- أمر خاطئ ومبالغة كبيرة. خصوصاً أن نشوء الحرية في السياق الخاص بها لم يكن نتيجة انبثاق فلسفي قيمي جدلي قائم على تغييرات في نمط الحياة الاجتماعية وترقّيها، بقدر ما هو تغييرات جوهرية لنمط استعباد العبيد والأقنان في أوروبا لا أكثر.

فمع نشوء المجتمعات الصناعية، كانت الحاجة مُلحة للأيادي العاملة، إلا أن هناك عقبة تواجدت أمام حركة هذه الأيادي، وهي سهولة حركة العبيد وتنقلهم، إذ كان صعباً في ظل النظام الإقطاعي السائد حدوث ذلك، ولهذا وجب تغيير النمط والانتقال إلى شكل جديد، فكانت حينها قضية تحرر الإنسان؛ التي ما هي إلا تحرير للعبيد وتسهيلاً لحركاتهم.

فالإنسان نُقل حينها من سياج الأرض، إلى سياج المصنع! مجرد تبديل أماكن لا أكثر.

فادعاء تحرير روح الإنسان تحت مظلة الليبرالية في القرن الـ 21 أمر مبالغ به، خصوصاً عندما تكون من الذين يعملون 6 أيام في الأسبوع لمدة 9 ساعات، وفي نهاية الأسبوع تشرب كأساً من الـ Cheap wine. ومع كل شهر لديك 80% من دخلك هو ضرائب.

هذا ليس تحرر، هذا فقط تبديل للسيد الذي تعبده لا أكثر..

هكذا تحدث أرسطو..

ولهذا كانت الفلسفة الأرسطية.. فعلى النقيض من النظرية القديمة التي رأت في الحرية بأنها ضبط للغرائز البدائية عند الإنسان وتحقيق «فضيلة الانضباط الذاتي» فإن النظرية الحديثة تحث الإنسان لتحقيق أكبر سعي ممكن نحو الشهوات وإشباعها.

إذ يقول غاردنر موصّفًا حال العالم الحديث:

«في عصرنا الحديث، يجب أن ترفع الغريزة الجنسية الإيروسية Eros إلى مستوى العبادة الدينية. ينبغي أن يعتقد الفرد في العصر الحديث أن رغباته الجسدية هي التي تؤكد فردانيته. يجب أن يكون الجسد هو الموضوع الحقيقي للرغبة. لأن الفرد ينبغي أن يكون هو الخالق لرغباته الخاصة»

ستيفن غاردنر، قاضي وضابط أمريكي في جيش الاتحاد أثناء الحرب الأهلية الأمريكية.

ويرى أرسطو في كتاب السياسة، أن الطعام والجنس هما الغريزتين الأساسيتين الأكثر حاجة للرعاية والاهتمام. فبالنسبة للغذاء فإن تطوير سلوكيات تشجع على شهية معتدلة واستهلاك متحضر، وبالنسبة للجنس تهذيب عادات التودد والتفاعل المهذب بين الجنسين، وأخيراً الزواج باعتباره الملاذ الآمن. فبخلاف اتباع ذلك، سيكون المجال مشحوناً وقابلاً للاشتعال. إذ لاحظ أرسطو أن الأشخاص غير المهذبين في استهلاك الطعام والجنس هم الأكثر فساداً، ويستهلكون أكثر من بقية البشر في سبيل إخماد شهواتهم الوضيعة وغير المروّضة.

ولهذا غالباً ما تمسخ المذاهب التي تدعي احتكار القيم -كالليبرالية- القيمة وتعرضها بطريقة سطحية، فلا يوجد أحد يعارض ثلاثية القيم النبيلة التي ترفعها الليبرالية «الحرية، المساواة، العدالة» إلا أن صنّدقة هذه القيم في سياج الليبرالية التي ما هي إلا غطاء مصنعي لتحويل الإنسان إلى مستهلك عالمي، يبدو أمراً مربكاً نوعاً ما. خصوصاً أنه بالإمكان مقاربة القيم ذاتها من خلال أيدلوجيات أخرى خارج نطاق الليبرالية، فلا يمكن أن تكون حراً وأنت في الوقت نفسه عبداً لحتميات اقتصادية!

كما أن هذا المسخ القيمي يأتي مصاحباً لمفهوم السوق الحرة، وتقتضي هذه «الحزمة» أن يكون الإنسان مُعرّفاً ككائن اقتصادي لا أكثر.

وهنا قد يسأل البعض: ما المشكلة في «تقصيد الإنسان».. أليس الإنسان كائن اقتصادي بالفعل؟

نعم، لا مشكلة طبعاً.

المشكلة أن الليبرالية تضع «الإنسان كحيوان اقتصادي» كمُحدد تعريفي تنطلق منهُ للنظر للوجود بأكمله! لا مشكلة مع الاعتراف بأن الإنسان كائن اقتصادي يسعى للتملك في جزء منه، لكن أن تضع مُحدد تعريفي مُسبق لهُ وتنطلق من هذا المحدد للنظر للوجود بكامله أمر خطير، ويحوّل الماهية الإنسانية العاقلة التي لطالما افتخرت بذلك، إلى مجرد ماهية مستهلكة تعمل كالبطارية لا قيمة «قيميّة» لها!

حينها سترى المسلم يلغي أعياده الدينية كالفطر والأضحى، وترى المسيحي يلغي الكريسماس الخاص به، وسترى الجميع يتحولون لماهيات مستهلكة، ويحتفلون بالأعياد المقدسة الخاصة للبلاك فرايدي وآخر مؤتمرات آبل وسامسونج!

لكن لا تنسى! الليبرالية تحرر الإنسان ها! تحرره من مقدساته! لكنها تخلق له مقدسات أخرى أكثر انحطاطاً!

وعلى هذا يقول فرانسيس فوكوياما الذي أصّل لنظرية الليبرالية الأخيرة كنظام نهائي للمجتمعات عقب سقوط الاتحاد السوفيتي، مرتكزاً على رؤية هيجلية واعتماداً على مبدأ «وداعاً أيها الفكر البشري لقد إنتهيت» ولم يعد بالإمكان أبدع مما كان، بالقول:

«إذ كان الإنسان هو بالأساس حيوان اقتصادي محكوم برغبته وعقله، فإن الصيرورة الجدلية للتطور التاريخي يجب أن تكون في المتوسط مماثلة بالنسبة لمختلف المجتمعات والثقافات».

أي لم يعد بالإمكان أبدع مما كان، الليبرالية بنهايتها للتاريخ تقوم بوضع نهاية للفكر الإنساني نفسه! لأنها تجهضه عن ابتكار أدوات أخرى جديدة، خصوصاً أنها تدعي تحريره من المقدسات «التقليدية المتخلفة» لكنها تسلمه لمقدسات أخرى جديدة يتبناها العالم الرأسمالي القائم على ثنائية الرغبة والحاجة.

فحاجات الإنسان شيء أصيل فيه، وهذا ما أدركته الرأسمالية مبكراً وعملت على تكريسه، ومما يمكن القول هنا، أن الاستهلاك لن يصل في عمره للإشباع! لأن الإنسان لن يشبع، تأمّل في الأثاث الذي اشتريته، والهواتف، والأجهزة، وكل شيء آخر.

كم مرة قلت أنها المرة الأخيرة وبعدها ستكتمل! 

لن تكتمل.

الشخصية التي تكتمل بالماديات ليست شخصية ثرية.

أنت فقط مستهلك تحاول ترميم نفسك بالجمادات. ابحث عن معاني أكبر وأرقى من ذلك.

أين فضيلة الضبط الذاتي التي تحدث عنها أرسطو؟ عندما دعى لعدم الجشع في الطعام! وها أنت الآن جشع في الاستهلاك!

أين.. أوكلما اشتهيت اشتريت التي قالها ابن الخطاب؟

لم تعد هذه المفاهيم موجودة. إلا أنك في النهاية يجب أن تؤمن بالليبرالية وبنظريتهم، فتذكر أنت حر! أنت حر جداً! فقط حول رقبتك بضعة مئات من السلاسل التي تكبلك وتعجز عن رؤيتها.

لكن لا تنسى.. أنت حر جداً!

لذلك أنهِ قراءة هذا المقال وتابع عملك لمدة 9 ساعات..

اختزال القيم أمر معيب.. إلا أنه يبدو حتى القيمة المشوهة المختزلة لم تعد موجودة. كل شيء غدا مقدساً، ولا ننسى أن صاحب التمرد اللإقليدي في علم الهندسة قد طُرد من جامعته عندما عرض نظريته الجديدة، لأن اقليدس وقتها كان يعتبر مقدساً وتابو!

ويبدو أن الليبرالية غدت كذلك، فهي ليست تحريراً للوعي من المقدسات بقدر ما هي استبدال المقدسات بأخرى أكثر انحطاطاً.

وآخر دعوانا.. أنه لا يعني تحرير الفكر من الليبرالية رفضها والارتداد لما هو أسوأ منها، بل مجرد تحرير للفكر البشري من دوغمائية نهاية التاريخ الاستهلاكية هذه، والسعي لمتابعة الفكر البشري في إبداعاته وخلق أدوات أخرى بقيم جديدة تحترم فعلاً كينونة الإنسان، لا تدعي احترامها كشعار فقط!

اقرأ أيضاً: الأمل عملٌ شاق

التصنيفات
كتب

قطار الليل إلى لشبونة: ماذا لو كانت حياتك أكبر مما تظن؟

رواية قطار الليل إلى لشبونة مناسبة جداً في مثل هكذا أجواء.. فهي شتوية بامتياز تثير الكثير من التساؤلات والشجون والوقفات مع الذات..

«من بين آلاف التجارب التي نخوض غمارها، هناك تجربة واحدة لا غير يمكن أن تسعفنا في نقلها الكلمات. ومن بين كل التجارب الخرساء المستعصية على القول، تكمن تلك التي تهب لحياتنا خلسةً، شكلها ولونها ولحنها معاً»

بدء تعرّفي على هذه الرواية من خلال سماع موسيقاها التصويرية -يمكنك سماعها من هنا– حينها علمت أن هناك فيلم ورواية خلف هذه الموسيقى الجميلة، فكانت القراءة وكانت المشاهدة.. ومن ثم كانت هذه المراجعة السريعة التي لا بد من سردها.

تتحدث الرواية عن عالم لغويات محترف في العبرية واليونانية، إنسان عتيق جداً بنظارات سميكة، يدعى رايموند غريغوريوس.. عمرهُ 57 سنة؛ قضى 30 منها يروح ويذهب إلى الجامعة ويدرس..

فكان صاحب نمط حياة روتيني جداً.. مكرر جداً.. عتيق جداً..

نظاراته سميكة جداً.. قلبهُ بارد وممل جداً..

فجأةً وفي إحدى الأيام الممطرة لذهابه نحو جامعته المعهودة يحدث اختناق مروري فيقرر أن يغير الطريق ويعبر فوق جسر كرشنفلد.. (مدينة بيرن – سويسرا).

ليرى هناك إمرأة ذات معطف أحمر توشك على الانتحار..

يركض نحوها مسرعاً فيسحبها ليسقطا معاً على الأرض..

لكن لا لا..

القصة ليست قصة حب..

القصة أن عالم اللغويات هذا.. كان طيلة الـ30 سنة من حياته الماضية يشعر بالاغتراب عن كل شيء.. الروتين المتكرر، الإيقاع المعتاد، نفس الوجوه في الجامعة.. فكان يرى نفسه يعيش دون أن يعيش!

تأتي الفتاة أمامهُ.. ليرى أحداً أمامهُ يحاول التخلص من حياته..

فيدفعها ويسقطا معاً ويمعنها..

هنا تماماً يكون قد دفع نفسه من حياته القديمة أيضاً..

فبعد أن وقفت تلك الفتاة واعتدلت مستويةً، تكلمت معه باللغة البرتغالية.. فأعجب حينها بلكنة الكلام ووقعَ في غرام هذه اللغة.. ليدخل بعدها المكتبة ويعثر على كتاب صغير تحت عنوان «صائغ الكلمات» مكتوب بالبرتغالية، ليجد فيه قصة توازي قصته تماماً!

إنسان بعيد عن نفسه كما هو! فيقرر أن يعرف أكثر عن الكاتب!

حينها ومن دون سابق إنذار يقول كفى ويقرر أن لا مزيد من كل هذا!

يترك ملاحظة لمدير الجامعة.. ثم يذهب إلى المحطة، ويستقل قطار الليل إلى لشبونة، ليدور هناك كل شيء!

تتحدث الرواية عن قصة تمشي في خطين متوازيين معاً.. الخط الأوّل هو رايموند غريغوريوس وهو يبحث عن نفسه بعدما قرأ ذلك الكتاب بالبرتغالية.. الخط الآخر هو صاحب الكتاب وحياته، وهو رجل يدعى أماديو كان يعمل كطبيب خلال فترة الحكم العسكري في البرتغال في القرن الماضي.

من خلال قصة أماديو.. يعثر غريغوريوس على نفسه، فتمشي الرواية في القصتين معاً.

الرواية فلسفية بامتياز، وهادئة جداً.. وتعتبر من الروايات التي ليس لها حبكة. بمعنى أنهُ لو كنت من الذين يحبون الروايات التي يحدث فيها اضطراب كبير وأن البطل يكتشف شيئاً خطيراً وتتغير الأحداث، فالرواية لن تعجبك.. بل هي رواية ذات رتم بطيء إلى حد ما ولا يمكن قراءتها على عجل، خصوصاً أنها تقع في 570 صفحة، وهو رقم ضخم إلى حد كبير.

تكثّف الرواية المعنى في أن الإنسان لديه احتمالات كبيرة للعيش، إلا أنه تحت دوافع الأمان والاعتياد يعيش في سيناريوهات مكررة مبتذلة. وهو ما تجسد في شخصية عالم اللغويات غريغوريوس الذي درّس في الجامعة لمدة 30 سنين ومن ثم وعى على نفسه عندما رأى امرأة على وشك الانتحار، فقال كفى!

ويبقى الاقتباس الأجمل الذي تدور في فلكه الرواية بكاملها:

«إذاً كان صحيحاً أننا لا نعيش إلا بجزء صغير مما يعتمل في داخلنا، فما مصير بقية الأجزاء إذن؟»

فما مصير بقية الأجزاء إذن؟..

التصنيفات
كتب

دفاعاً عن الجنون: عن بساطة وقوّة ممدوح عدوان!

أحبُ كتابات ممدوح عدوان -دفاعاً عن الجنون مِن أبرزها- لنفس السبب الذي أحب فيه كتابات الماغوط، وأحب كتابات الماغوط لنفس السبب الذي أحب لأجله كتابات جورج طرابيشي، وهي أنها كتابات بسيطة بمعاني كبيرة.

كتبَ جورج طرابيشي مقالاً قديماً تحت عنوان «أخطاء ارتكبتها في حياتي» وصرحّ بأنّه..

بعد أن سافرَ لفرنسا..

وترجمَ جُل أعمال فرويد..

ونقدَ طروحات الجابري في العقل العربي..

قالَ..

فشلت في أن أكون غنياً!

وفشلت في أن أتكلم الفرنسية بطلاقة.. فلا زلت أرطن بها..

فشلت في تعلّم ركوب الدراجة..

كم هي جميلة البساطة في الكتابة.. كم كنتَ جميلاً يا سيد طرابيشي..

عندما سُأل ممدوح عدوان في أحد اللقاءات الصحفية عن عن ظاهرة كانت دارجة في عصرهم وهي «الشعراء المتكلفين جداً» الدخلاء على الساحة الأدبية، كان يقول أنه يمكن رصدهم بسهولة..

فهم لا يملكون حس..

وبعدها فوراً التفت بكلامه ناحية الماغوط وقال..

لم يكتب الماغوط يوماً ما بيتاً موزوناً..

لكنك تقرأ كلامه وتقول: مستحيل. هذا الرجل شاعر!

يملك الماغوط قلباً شعرياً..

حتى لو لم يكن موزوناً..

حتى وإن كسرَ المنصوب أو رقّ قلبه تجاه المضاف المجرور فأراد أن يرفعه!

الحس..

البساطة..

أن تخرج هذه الكلمات من داخلك، هو ما يمعني المعاني ويحدد الحدود!

البساطة في الكتابة أمر لطيف جداً، ولعل الجميل في ممدوح عدوان أنه كان بارعاً في ذلك.

يظهر هذا بوضوح في كتابه الصغير.. دفاعاً عن الجنون، الذي هو تجميعة لسلسلة من المقالات، وهو يتحدث بمنتهى العقلانية المبسطة عن مواضيع تشمل الفن والنضال والمرأة والإنسان..

يستهلها بقصة لؤي كيالي.. الرسام السوري الكئيب الذي انتحر.. ويسرد باحترافية كيف ضربت نقاط التحوّل حياة لؤي..

فغدا من استديوهات العالم البرجوازي إلى معارض الإنسان البسيط..

كيف فعل ذلك لؤي؟

لماذا فعل ذلك لؤي..

احرقت لفافة تبغ منزل لؤي، ومات..

دافع ممدوح عدوان عن لؤي..

عن العقلانية..

دافع ممدوح عدوان عن الجنون..

«جنون كهذا شبيه بصرخة الطفل في أسطورة الملك العاري، أمرَ الملك العاري أن يروهُ مرتدياً ثيابه، فرأوه! وأمرَ أن يبدوا آراءهم في ثيابه فامتدحوه وأطنبوا.. وحين خرج إلى جماهيره فاجأه بالصراخ طفل لم يُدجن بعد: ولكنهُ عارٍ!… عارٍ تماما.
لو كان هذا الطفل أكبر قليلاً لأتهم بالجنون. ولكن لأن فيه تلك البراءة الواضحة العفوية الصارخة كانت صرخته فاضحة للملك وللحاشية وللمتملقين وللخائفين.
صرخة الطفل، مثل جنون الفنان، تفضح كم الناس منافقون ومراؤون وخائفون إلى درجة تجاهل حقيقة يوميّة بسيطة يستطيع الطفل أن يشير بأصبعه
ِ إليها ويعلن عنها..»

يتحدث عدوان عن الحب والشعر والكفاح..

يهاجم الرأسمالية من أجل الإنسان..

كان ممدوح عدوان ماركسياً..

كان ماركسياً في زمن الماركسيين..

وإن كنت من الذين يعتقدون أن الماركسيين هم أولئك الذين يحلقون رؤوسهم ويصبغون شعرهم باللون الأخضر.. فينبغي أن تقرأ لعدوان حتى تعرف أكثر..

عندما تسمع كلمة ماركسي، فأنت ستعلم أنك أمام إنسان يمتلك قلباً كبيراً، قلباً جعله ينظر إلى الإنسان العامل البسيط ويرثي حالهُ لا إلى إنسان الأبراج العالية..

الرأسمالية هي عمل العقل في الإنسان، ولعلَ من براعة أدم سميث الأب الشرعي لها، أنه كان على غرام مع أفكار الفيلسوف ديفيد هيوم ورسالته عن الطبيعة البشرية التي أصّل فيها لأنانية الإنسان وأنه كائن يرغب بالتملك والاستئثار بالثروة..

لم يخطئ سميث..

ولم يخطئ ديفيد هيوم..

ولم تخطئ الرأسمالية..

ربما أخطأ الماركسيون أنفسهم في أنهم فكّروا بقلوبهم وأرادوا الوقوف مع الإنسان البسيط..

يتابع عدوان حديثه عن المرأة..

ويدافع عنها..

ليتحدث عن كتاب “المرأة المخصية الذي تُرجمَ بالمرأة المدجّنة”.

كيف تأصلت الهجومية الذكورية لهذه الدرجة؟

ألا يمكن للإنسان أن يكون ذكراً دون عدوان!

لماذا العدوان؟

يقف عدوان ضد العدوان!

وما أجمل وقوف العَدوان ضد العدوان..

«نحن أمة خالية مِن المجانين الحقيقيين. وهذا أكبر عيوبنا. كل منا يريد أن يظهر قوياً وعاقلاً وحكيماً ومتفهماً. يدخل الجميع حالة من الافتعال والبلادة وانعدام الحس تحت تلك الأقنعة فيتحول الجميع إلى نسخ متشابهة مكررة ومملة.
نحن في حاجة إلى الجرأة على الجنون والجرأة على الاعتراف بالجنون.»

مقالات بسيطة مليئة بالمعاني..

تنساب بلطف..

دافع فيها عدوان عن الإنسان، عن الحب، عن الشعر، عن المرأة، عن العامل، عن كل الطيبين.

عن الإنسان أينما كان..

دافع عدوان عن العقلانية..

دافع عن الطروحات الجميلة..

لكن مِن مآسينا..

ومنذ سنة نشر الكتاب..

أن الدفاع عن العقلانية استحال ضرباً من الجنون..

أن تدافع عن الإنسان..

يعني أنك بشكل ما بتَّ تدافع عن الجنون..

اقرأ أيضاً: فن الخسارة