التصنيفات
عام

الحب من النظرة الأخيرة

الابتذال الموجود في التلفاز والسينما وفي الشوارع وأي مكان آخر تولّي إليه وجهك، جعلَ من كل شيء ذو قيمة في حياتنا مجرّد وهم وتفاهة لا طائل منها، ومما لا شك فيه أنّ من أبرز ضحايا الابتذال هو الحب، وخصوصاً ذلك الذي يقولون أنّه يكون عند النظرة الأولى.

أعتقد أنّ النظرة الأولى غير كافية لأن تحب من خلالها. نعم، هناك انطباع أوّلي نأخذه عن كل شخص وإمّا يكون إيجابياً أو سلبياً. لكن الحب من نظرة أولى وحيدة عقيمة هو أمر مُبالغ به، ويعكس إلى حد كبير ضعف في شخصية صاحبه أياً كان ما يكون.

الحقيقي والأكثر مصداقية هو الحب، لكن من النظرة الأخيرة! نعم، تلك النظرة التي تعلم أنّ من بعدها لن ترى ذلك الشخص للأبد. مَن هم أعظم شخصين في حياة كل إنسان؟ الأم والأب قطعاً. هؤلاء في يوم من الأيام – أتمنى أن يطول على الجميع – سيتركونكم وسيرحلون، وستبقى أنتَ وأنتِ وحدكم بعد أن قاموا بإنهاء مهمتهم بالإنجاب والتربية والتعليم وما إلى ذلك.

غالباً أنت ستكرههم كثيراً في العديد من محطات حياتك، لكن صدق أو صدق! – خيار عدم التصديق غير مفعّل هنا! – لن تشعر بمقدار حبك لهم إلّا في تلك اللحظات، اللحظات التي تعلم بها أنّ أوان رحيلهم قد أزفّ وأنّ النهاية قد اقتربت، وأن مَن كانوا يوماً السند قد رحلوا بعد أن أوكلوا مهمة الإسناد إليك عندما استقالوا منها للأبد.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة من حياتهم سيصل الحب إلى قمّة مجده، وستدرك أنّك فعلًا قد أحببتهم.

صديقك العزيز، الإنسان الحمار صاحب سلوك الثور إلّا أنّه طيّب القلب ولم يخذلك قط. هذا الصديق لن تشعر بقيمته طيلة مدة صداقتكم التي لربما استمرت لـ 20 سنة، صحيح أنّكم ضحكتم معاً وبكيتم معاً إلّا أنّ كل ذلك مضى في وقته، ولربما مرت أيام كرهته بها كثيراً، إلّا أنّ حبك له لن يصل لذروة اكتماله إلّا عندما تعلم أنّه قد حجزَ التذكرة، وأنّه قد ركب الطائرة مديراً ظهره لقدر كبير من الأيام والذكريات التي بنيتموها معاً.

في تلك اللحظة، اللحظة الأخيرة عند إقلاع طائرته ستدرك أنّك أحببته حقاً.

لديك أستاذ في المدرسة، هذا الأستاذ لطيف ورائع ولا يشعرك بالملل، لن تشعر بقيمته إلّا عندما تكبر وتتذكر تلك الأيام التي كنت تجلس بها كالمسمار على مقعد الصف الخشبي الذي لطالما ساهم في ظهور بواسير الطلاب المساكين، لكن ما نفع ذلك إن كان ذلك الأستاذ قد تقاعد عن عمله، ولربما مات، ولربما المدرسة كلها قد أغلقت أبوابها.

في تلك اللحظات ستحب الجميع حينها.

هذا هو الحب الحقيقي، صحيح أنّنا قلنا في البداية أنّ الانحياز للعقل، لكن هنا لا نناقش الحب كشعور عاطفي خاص بين الجنسين، الحب هنا عبارة عن وسيلة تواصل تخبر به الطرف المقابل أنّه كان جزءاً مهماً من حياتك، وأنّ خروجه منها سيكون صعباً تقبّله.

هذه هي حياة الإنسان باختصار، الأم والأب سيرحلون، الصديق يُستبدل غالباً كل خمس سنوات – راقب عدد أصدقائك الذين استبدلتهم من المدرسة للآن وستعلم ذلك – وكل إنسان آخر سيؤدي مهمة في حياتك وبعد انتهائِها سيرحل.

الحياة أشبه ما تكون بسيناريو أنت البطل فيه، كل شخص لديه دور يقوم به ومن بعده يغادر بصمت.

الأب رعاك وانتهى دوره ورحل، الأم فاضت عليك من حنانها لكن دورها وصل لنهايته فغادرت. الصديق رافقك وانتهى، الزوج حماكِ وانتهى، المدرّس علمك ومن ثم تقاعد وجلسَ إلى الجانب. الجميع يظهر في البداية ومن ثمّ يرحل بعد أن يكمل مهمته.

لذلك، كن قوياً يا صديق، الجميع سيغيبون عندما ينجزون أدوارهم، ولن تبقى سوى تلك النظرة الأخيرة، النظرة غير المبتذلة أبداً، النظرة التي يكون عندها الحب حقيقياً.

كذبَ مَن قال بأنّ الحب من النظرة الأولى، الحب لا يكون إلّا عند النظرات الأخيرة!